رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة وثمانية
لم تستطع سيرين أن تحتمل وطأة السؤال في صدرها أكثر فواجهته أخيرًا بالحقيقة التي أقلقتها طويلًا وهي تنظر إليه بعينين تختلط فيهما الحيرة بالوجع وقالت بصوتٍ خافتٍ لكنه ثابت:
— لماذا قدّمت نفسك لي باسم ظافر؟
تنفّس جاسر ببطء وكأنّه يستحضر سنواتٍ دفينة قبل أن يستحضر جوابًا ثم قال وهو يثبت نظره عليها:
— أنتِ تترددين على قصر نصران منذ صغركِ يا سيرين… هل سمعتِ يومًا أن لعائلة نصران توأمًا؟
هزّت رأسها نفيًا وقد انعقد حاجباها دهشةً واستغرابًا فلو كانت تعلم أن لظافر أخًا توأمًا لوقفت يومًا تتساءل:
أكانت مشاعرها قد أخطأت الطريق؟ أأحبت الوجه الصحيح أم الظلّ الشبيه؟
لكنها رغم زياراتها المتكررة للقصر منذ أن جاءت إلى المدينة لم تسمع قطّ همسًا عن توأم ولم يخرج سرٌّ كهذا من بين جدران العائلة ولا تسلّل إلى مسامع الناس… كان الأمر وكأنّه لم يكن.
أطرق جاسر قليلًا ثم تابع بصوتٍ انخفضت حدّته وارتفعت مرارته:
— لأنني وُلدتُ بمرضٍ قاسٍ… مرضٍ جعلني هشًّا أمام البرد ضعيفًا أمام الشمس… لم أكن أتحمّل صقيع الشتاء ولا وهج الصيف… كان جسدي واهنًا كعودٍ غضّ وحياتي معلّقة بخيطٍ رفيع.
صمت لحظة ثم أردف:
— قضيتُ معظم طفولتي في العناية المركزة… الأجهزة كانت رفاقي والجدران البيضاء عالمي… لم يكن أحدٌ من عائلتي واثقًا أنني سأنجو لذلك لم يُخبروا أحدًا بوجودي… كنتُ سرًّا يُخشى فقدانه قبل الإعلان عنه.
ارتجف صوته قليلًا لكنه تماسك وأكمل مطرقاً رأسه:
— لم أعد إلى قصر نصران إلا بعدما تحسّنت حالتي… ومع ذلك بقيتُ ضعيفًا… محدود الحركة.. محدود اللقاء… لم يكن لي احتكاكٌ يُذكر بالعالم الخارجي… كنتُ أعيش على الهامش أراقب ولا أُرى.
ثم رفع بصره إليها ونظرةٌ خاصة تلمع في عينيه… نظرةٌ تختلط فيها الذكرى بالامتنان:
— لكنكِ… كنتِ الاستثناء الوحيد.
في تلك اللحظة شعرت سيرين أن خيوط الماضي تتشابك أمامها من جديد؛ سرٌّ خفيّ، وطفولةٌ منقوصة، واسمٌ مستعار لم يكن خداعًا بقدر ما كان اختباءً… وداخل السيارة الدافئة بدا أن الحقيقة أثقل من البرد في الخارج وأعمق من البياض الذي يغمر الطريق.
أطرق جاسر لحظةً ثم تابع حديثه بصوتٍ هادئٍ ينساب كاعترافٍ تأخر كثيرًا:
— أخبرتكِ أنني ظافر… لأنني كنت أخشى أن تنفري من مرضي… كنت أخاف أن تري فيّ ذلك الجسد الضعيف فتمتلئي اشمئزازًا أو شفقة… ثم إن عائلة نصران لم تكن لترحب بظهور شخصٍ عديم النفع مثلي أمام الناس.
كانت كلماته ثقيلة لا في معناها فحسب بل في الألم المختبئ بين حروفها وبينما كانت سيرين تصغي إليه شعرت كأن ستارًا كثيفًا قد انزاح أخيرًا عن حقيقةٍ طالما جهلتها… عندها فقط فهمت شيئًا من وجعه وأدركت أن خلف صمته الطويل حياةً كاملة من الخوف والعزلة.
تمتمت بصوتٍ خافتٍ يختلط فيه الندم بالأسف:
— أنا آسفة… لم أكن أعرف شيئًا من هذا.
ثم رفعت رأسها قليلًا وأضافت وقد بان الارتباك في ملامحها:
— لم أكن أتجنبك عمدًا ولم أتظاهر بعدم معرفتك… الحقيقة أنني لم أكن أعرف كيف أواجهك ولا ماذا يمكنني أن أقول.
سكتت لحظة وكأن الذكريات تتزاحم في صدرها ثم أردفت بصوتٍ أرقّ:
— لكنني لم أنسَ شيئًا… أتذكر جيدًا كيف كنت تقف إلى جانبي حين كنا صغارًا وكيف ساعدتني في كل مرة تعثرت فيها… صدقني أتذكر كل شيء.
ومع كل كلمة كانت تنطقها ازداد احمرار عينيها كأن العاطفة تغمرهما شيئًا فشيئًا… لم تستطع أن تحبس دموعها أكثر فانهمرت على وجنتيها في صمتٍ عاجزٍ عن المقاومة.
في تلك اللحظة شعرت بشيءٍ ثقيل يستقر في صدرها… شعورٍ مرير بأن الخطأ كان منها وكأنها فجأة ترى نفسها في مرآةٍ قاسية:
المرأة التي ابتعدت عن رجلٍ لم يمنحها يومًا إلا اللطف والوفاء فبدت—في نظر قلبها قبل أي أحد—كأنها هي الشريرة في حكايةٍ لم تفهم فصولها إلا متأخرة.
مدّ **جاسر** يده بتردّد كأنما يحمل في كفّه رجاءً صامتًا وأراد أن يمسح دموعها التي انسابت على وجنتيها كخيطٍ من وجعٍ لم يندمل غير أنّ **سيرين** تنحّت عنه غريزيًا كمن يفرّ من نارٍ يعرف حرّها فتجمّدت يده في الهواء معلّقة بين اقترابٍ لم يكتمل ورفضٍ لم يُقال ومن ثم تنفّس ببطء قائلاً بصوتٍ خافتٍ تتخلّله مرارة الذكرى:
— **”سيرين… هل ما زلتِ تتذكرين وعدنا؟”**
رفعت عينيها إليه بنظرة مضطربة تختلط فيها الحيرة بالوجع كأن الماضي قد انبعث فجأة من رماده… فتابع بنبرةٍ أثقلها الشوق:
— **”لقد وعدتِني أنكِ ستتزوجينني حين أعود… أما زلتِ تذكرين ذلك؟”**
ارتجف جسد **سيرين** ارتجافةً خفيفة وبهت لون وجهها كزهرةٍ باغتها الصقيع… فقد عادت بها الذكرى إلى تلك الليلة البعيدة؛ حين طُعنت وهي تحاول إنقاذه يومها احتضنها بقوةٍ كأنّه يخشى أن يخطفها القدر من بين ذراعيه وهمس قرب أذنها:
— **”انتظريني… حين أعود، سنتزوج.”**
ما زالت الندبة قائمةً على ظهرها شاهدةً صامتة على ذلك الوعد… وعدٌ كان كافيًا ليقودها يومًا إلى الزواج من **ظافر** دون تردّد ظنًا منها أنها تسير في الطريق الصحيح… لكنها اكتشفت لاحقًا أن الطريق الذي سلكته لم يكن إلا خطأً فادحًا وخديعةً من الأقدار.
ابتلعت مرارتها وقالت بصوتٍ خفيض يكاد يختنق بالخجل:
— **”أنت تعلم أنني متزوجة.”**
ثم قبضت على يديها بقوة حتى انغرست أظافرها في راحتيها كأنها تعاقب قلبها على ارتباكه وأضافت بنبرةٍ حاولت أن تجعلها حاسمة:
— **”وفوق ذلك… أنت أيضًا على وشك الخطوبة… لذا فلننسَ أمر ذلك الوعد.”**
تسارعت دقّات قلب **جاسر** كطبول حربٍ تدق في صدره ثم قال دون تردد وعيناه مثبتتان عليها:
— **”إن كنتِ مستعدة لاتخاذ تلك الخطوة… فسأفسخ خطوبتي فورًا.”**
كانت نواياه جليّة كالشمس في وضح النهار؛ فقد وافق على الارتباط بـ **زوي** إرضاءً لـ **شادية** لا حبًا فيها… لكنه أيضاً في قرارة نفسه أراد أن يرى ردة فعل **سيرين**.
وفي تلك اللحظة تحديدًا لم يكن يريد منها كلامًا كثيرًا… كان يريد قرارًا واحدًا فقط.
ما إن سمعت **سيرين** كلماته حتى هزّت رأسها رافضةً دون أدنى تردّد وكأن القرار كان قد استقر في أعماقها منذ زمنٍ بعيد ومن ثم قالت بصوتٍ خافتٍ تغلّفه مرارة الحنين:
— **”أنا آسفة.”**
حتى لو افترقت عن **ظافر** يومًا فهي تعلم في قرارة نفسها أنها لن تتزوج **جاسر** أبدًا فهي لم تعد **سيرين**… تلك الفتاة البسيطة التي عرفها في الماضي؛ تلك التي كانت تقف على أعتاب الحياة بقلبٍ خفيفٍ وأحلامٍ طازجة لقد تغيّر كل شيء… صار في حياتها **نوح** و**زكريا** وهما عالمها الذي لا يتزحزح فضلًا عن الطفل الصغير الذي ينمو في رحمها بهدوءٍ خفي لهذا لم تعد ترى نفسها جديرة بأن تقف إلى جوار **جاسر** كما كانت يومًا.
لم يكن **جاسر** يتوقع أن يأتي رفضها بهذه السرعة كضربةٍ خاطفة لا تترك له فرصةً حتى لالتقاط أنفاسه ومع ذلك لم يكن من الرجال الذين يستسلمون بسهولة إذ مال إليها قليلًا وقال بإصرارٍ يختلط فيه الرجاء بالألم:
— **”سيرين… هل هناك شيء آخر يمنعك؟ هل ثمة ما يقلقك؟”**
ثم أردف بصوتٍ أكثر حزمًا:
— **”يمكنني أن أتعامل مع ظافر… أستطيع أن أجبره على تطليقك وسأتكفّل أنا بكل ما يخصه بعد ذلك وسآتي له بمن يعتني به فلا تشغلي بالك بهذا الأمر.”**
لكن **سيرين** بقيت صامتة كأن الكلمات قد جفّت على شفتيها… كانت ملامحها ساكنة غير أن ذلك السكون كان أبلغ من أي رد.
عندها ارتسمت على شفتي **جاسر** ابتسامة باهتة… ابتسامة يغلفها طعم المرارة وقال بنبرةٍ يختلط فيها العتب بالأسى:
— **”لو لم يكن موجودًا… لكنتِ الآن زوجتي بدلًا منه.”**
كان صادقًا في ظنّه… فلو عاد خلال السنوات الثلاث الأولى من زواجها بـ **ظافر** لما ترددت **سيرين** لحظةً واحدة في قبول عرضه لكن الزمن مضى وتغيّرت الطرق ولم يبقَ في يدها الآن سوى الاعتذار لذا قالتها مرةً أخرى بصوتٍ مكسور:
— **”أنا آسفة.”**
ثم مدت يدها إلى مقبض الباب وفتحته عازمةً على الرحيل قبل أن يخذلها قلبها أكثر لكن في اللحظة التالية وقبل أن تخطو خطوةً واحدة إلى الخارج امتدت يد **جاسر** فجأة وجذبها إليه بقوة فوجدت نفسها في حضنه محاصَرةً بين ذراعيه وبين ماضٍ لم يمت بعد.
