رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة وتسعة 409 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة وتسعة 

ارتجف جسد **سيرين** في حضنه وسرت في عروقها موجة قلقٍ مضطربة فحاولت أن تتحرّر من بين ذراعي **جاسر** وهي تقول بصوتٍ متوتر:

— **”أنا… أنا متزوجة بالفعل.”**

كانت عيناها تفيضان بذعرٍ صادق كأنها تخشى أن يزلّ قلبها إن بقيت لحظةً أخرى قريبة منه… أدرك **جاسر** مدى مقاومتها ورأى في نظراتها ذلك الحاجز الذي لم يعد بوسعه اجتيازه فتسارعت ضربات قلبه بعنف كأنها تصرخ في صدره ألماً ومع ذلك لم يُفلِت ذراعيه فورًا؛ ظلّ ممسكًا بها برهةً قصيرة بدت له دهرًا كاملاً ثم وكأن شيئًا انكسر داخله بصمت… أرخى يديه ببطء فانسحبت **سيرين** خطوة إلى الوراء وفي عيني **جاسر** استقرّ حزنٌ عميق… حزن رجلٍ أدرك متأخرًا أن ما ضاع لا يعود ومن ثم قال بصوتٍ خافتٍ يغلبه الأسى:

— **”إذن… هل سنبقى أصدقاء في المستقبل؟”**

هدأت أنفاس **سيرين** قليلاً ورفعت نظرها إليه وفي ملامحها شيء من الطمأنينة الحزينة ثم قالت برفق:

— **”نعم… لن نكون أصدقاء فقط بل نحن عائلة أيضًا… وسأحضر حفل خطوبتك.”**

أومأ **جاسر** برأسه ببطء ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة… ابتسامة بدت وكأنها صُنعت قسرًا لا صدقًا.

— **”حسنًا… سأنتظرك.”**

ساد صمت قصير بينهما صمتٌ ثقيل كثلج الشتاء فقالت **سيرين** أخيرًا وهي تتجه نحو الباب:

— **”إن لم يكن هناك شيء آخر… فسأغادر الآن.”**

ثم خرجت من السيارة وغادرت بخطواتٍ هادئة فوق الثلج المتساقط تسير ببطء حتى بدا ظلّها الأبيض يذوب في بياض الطريق.

أما **جاسر** فبقي واقفًا بجوار سيارته ساكنًا كتمثالٍ من صمت يراقبها وهي تبتعد شيئًا فشيئًا… وفي تلك اللحظة شعر وكأن قلبه هو الذي دُفن تحت الثلج لا خطواتها وحدها.

في تلك الأثناء، كانت **جاكي** تشعر بقدرٍ من الحيرة. فقد طال غياب **جاسر** عن المكتب على غير عادته، وهذه هي المرة الأولى منذ سنواتٍ طويلة لا تعرف فيها أين ذهب أو ما الذي يشغله. ظلّ القلق يطرق صدرها بإلحاح، حتى لم تعد قادرة على مقاومة رغبتها في الاطمئنان عليه، فالتقطت هاتفها واتصلت به.

ما إن أجاب حتى قالت بنبرةٍ يغلبها الاستفهام:

— **”أين أنت الآن يا سيد جاسر؟”**

كان قد عاد بالفعل إلى سيارته، يجلس خلف المقود في صمتٍ ثقيل. أجابها بنبرةٍ مقتضبة:

— **”لديّ بعض الأمور في الخارج… لن أعود إلى المكتب اليوم.”**

ترددت **جاكي** لحظة، ثم قالت:

— **”لكن لدينا موعدًا الليلة…”**

قاطعها بهدوءٍ حاسم:

— **”ألغِيه.”**

كانت **جاكي** قد عملت مع **جاسر** لأكثر من عقدٍ كامل؛ عرفت طباعه كما يعرف المرء خطوط كفّه، وكانت قادرة على تمييز أدقّ التغيّرات في صوته. ومن نبرته تلك أدركت أن شيئًا ما يثقل قلبه.

فقالت بلطفٍ صادق:

— **”سيد جاسر… إن كان هناك ما يزعجك، فلا تحتفظ به وحدك. يمكنك أن تخبرني، أعدك أن يبقى الأمر بيننا.”**

حين سمع كلماتها، لمعت عيناه بوميضٍ خافتٍ من سخريةٍ مرّة، كأنه يسخر من نفسه أكثر مما يسخر من الدنيا. ثم قال بنبرةٍ رقيقة حاول أن يجعلها طبيعية:

— **”أنتِ تقلقين أكثر مما ينبغي. أنا بخير… ركّزي فقط على عملك.”**

وبعد أن أنهى كلماته، أغلق الهاتف بهدوء.

وعاد الصمت يملأ السيارة من جديد…

صمتٌ بارد يشبه الثلج الذي ما زال يتساقط في الخارج.

بعد أن غادرت لم يستطع **جاسر** أن يمنع نوبة السعال التي باغتته فجأة؛ فاهتزّ صدره بعنفٍ خافت كأن جسده ما زال يحمل آثار معركةٍ قديمة لم تندمل بعد… صحيحٌ أنه نجا من ذلك المرض الرهيب الذي كاد أن يختطفه من الحياة إلا أن آثاره بقيت كامنةً في جسده تظهر بين الحين والآخر كظلٍ ثقيل… ولم يستطع أحد أن يجزم إن كان ذلك الداء سيعود يومًا أم أنه اكتفى بما خلّفه من ندوبٍ خفية.

في ذلك اليوم لم يُدِر **جاسر** محرّك سيارته ليغادر المكان بل أوقفها في زاويةٍ هادئة من الطريق حيث يستطيع أن يرى منزل **سيرين** بوضوح وظلّ جالسًا خلف المقود ساكنًا كأن الزمن قد توقّف حوله وعيناه معلّقتان بذلك المنزل الصامت كمن يحرس ذكرى لا يريد لها أن تموت.


أما **سيرين** فقد عادت إلى المنزل وقلبها مثقلٌ بمزيجٍ غريب من المشاعر؛ حيرةٌ تتنازعها وذكرى قديمة تحاول أن تنهض من ركام السنين.

وحين دفعت الباب ودخلت تسللت إلى أنفها رائحة طعامٍ شهية تنبعث من المطبخ… دافئة كأنها تحاول أن تمحو برودة الخارج.

لحظتها خرج **ظافر** من غرفة الطعام فقد شعر قلبه بقدومها متسائلًا:

— **”أين كنتِ؟”**

ترددت لحظة ثم قالت بسرعةٍ تخفي بها ارتباكها:

— **”خرجت في نزهة.”**

كانت كذبة خفيفة لكنها مرّت دون أن يعلّق عليها فلم يسأل **ظافر** شيئًا آخر بل قال ببساطة:

— **”حان وقت العشاء.”**

أومأت برأسها:

— **”حسنًا.”**

اقتربت من الطاولة لكنها توقفت قليلًا عندما رأت ما عليها… كانت المائدة عامرةً بأطباقٍ شتى وكلها من أصنافها المفضلة.

كانت **فاطمة** جالسة منذ فترة تنتظرها وما إن رأتها حتى ابتسمت قائلة:

— **”هيا يا سيرين، لنبدأ الطعام… لقد طلب من غريس أن تُحضّر كل الأطباق التي تحبينها.”**

وكان من الواضح أن المقصود بالطالب هو **ظافر** فنظرت **سيرين** إليه لحظةً قصيرة ثم أومأت برأسها وقالت بهدوء:

— **”بالتأكيد.”**

جلست إلى المائدة وبين الأطباق الدافئة والروائح الشهية بدأ الجميع يتناولون الطعام بينما بقي في قلب **سيرين** صمتٌ طويل لا يشبه دفء العشاء.

على المائدة خيّم دفءٌ عائليٌّ لم تعهده **فاطمة** منذ زمن ومع ذلك لم تستطع كبح تذمّرٍ خفيفٍ خرج من قلبها قبل لسانها فقالت وهي تنظر إليهما:

— **”كنتُ أتساءل دائمًا… متى سنجلس يومًا لنتناول الطعام كعائلة؟ لم أتصوّر قط أن تتحقق أمنيتي بهذه السرعة.”**

توقفت **سيرين** لحظة عند كلماتها

فحين سمعت **فاطمة** تشير إليهم الثلاثة بوصفهم *عائلة* شعرت بالدهشة؛ إذ أدركت في تلك اللحظة أن **فاطمة** قد تقبّلت **ظافر** وأن ما كان بينهما من تحفظٍ أو نفور قد ذاب كما الجليد تحت شمسٍ هادئة.

وفي خضم ذلك الحديث التفت **ظافر** إلى **فاطمة** وقال بنبرةٍ هادئة:

— **”غدًا ستذهبين لإجراء الفحص الطبي، أليس كذلك؟ سأطلب من أحدهم إحضار المعدات الطبية إلى هنا أيضًا.”**

ابتسمت **فاطمة** ابتسامة رضا وقالت وهي تهز رأسها:

— **”حسنًا… لا شك أنك جديرٌ بالثقة.”**

كانت **سيرين** تراقب ذلك التفاهم بينهما في صمت ولم تجد كلماتٍ تعبّر بها عمّا يدور في صدرها فقد بدا المشهد أمامها غريبًا بعض الشيء كأن صفحةً جديدة تُكتب في حياتها دون أن تشعر.

ثم لمعت في عيني **فاطمة** شرارة فضولٍ وقالت فجأة:

— **”بالمناسبة، كيف حال زاك مع كوثر؟ وماذا عن نوح في المستشفى؟ أنا ضعيفة الآن ولا أملك القوة لزيارتهما لكنني قلقة عليهما.”**

حينها فقط أدركت **سيرين** أنها وسط انشغالها واضطراب يومها قد نسيت أن تطمئن على الطفلين فتنهدت بخفة وقالت:

— **”لقد نسيت الاتصال بهما… سأتصل بهما بعد أن ننتهي من العشاء.”**

أومأت **فاطمة** قائلة:

— **”حسنًا.”**

وبعد أن فرغوا من الطعام تناولت **سيرين** هاتفها واتصلت بصديقتها **كوثر** ففي الأيام الأخيرة كانت **كوثر** تخبرها دائمًا أن **زكريا** بخير لكنها لم تكن تعلم إن كان قد تورّط في مشكلةٍ جديدة أم لا.

ظل الهاتف يرنّ طويلًا قبل أن يُجاب أخيرًا ثم جاء صوت **زكريا** هادئًا عبر السماعة:

— **”ما الأمر يا أمي؟ كوثر تتلقى محاضرة الآن.”**

اتسعت عينا **سيرين** دهشة:

— **”ماذا؟!”**

فأوضح زكريا بهدوءٍ أكبر:

— **”نعم… لقد أعادتني إلى المنزل لكن والدها اكتشف الأمر وهو الآن يوبّخها بشدة.”**

في تلك اللحظة شعرت **سيرين** أن ليلةً هادئة أخرى قد بدأت تتعقّد بخيوطٍ جديدة من القلق.

 

تعليقات