رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة وعشرة 410 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة وعشرة 

صُدمت **سيرين** حين دوّى عبر الهاتف صوتٌ غاضبٌ كالرعد… كان صوت **مايكل** والد **كوثر** يصرخ من الطرف الآخر بعنفٍ يكاد يخلع القلب:

— **”من هو أبو هذا الولد؟! أقسم أنني سأقتله!”**

تردّد الصراخ في أذن سيرين كصفعةٍ مفاجئة ولم يكد صوته يخبو حتى تعالت أصوات تحطيمٍ حادّة؛ مزهرياتٌ تتكسر وأشياءٌ أخرى ترتطم بالأرض بعنفٍ يوحي بأن العاصفة قد اندلعت داخل ذلك المنزل.

بالطبع كان **زكريّا** يسمع الضجيج هو الآخر فتغيّر صوته على الفور وقال على عجلٍ وقلق:

— **”سنتحدث لاحقًا يا أمي… يجب أن أذهب الآن لأطمئن على كوثر وأمنع السيد مايكل من معاقبتها.”**

تنهدت **سيرين** بقلقٍ وهي تتمتم:

— **”حسنًا…”**

وانتهت المكالمة.


ما إن أغلق **زكريّا** الهاتف حتى خرج مسرعًا من غرفة النوم وفي غرفة الجلوس كان المشهد أشبه بساحة معركةٍ صغيرة؛

**كوثر** مستلقية على الأريكة بلامبالاةٍ تستفز الأعصاب بينما كان **مايكل** يذرع الغرفة غضبًا يرمي المزهريات على الأرض ويحطمها واحدةً تلو الأخرى لكن رغم ثورته العارمة كان حذرًا في حركته؛ كأن غضبه موجّهٌ لكل شيءٍ في الغرفة… إلا ابنته.

بينما قالت **كوثر** بصوتٍ متعبٍ وهي تفرك عينيها بتثاقل:

— **”أبي من فضلك توقّف عن السؤال عن ذلك… أنا أيضًا لا أعرف من هو الأب.”**

ثم أضافت بلا اكتراثٍ واضح:

— **”على أي حال… لقد التقينا مرةً واحدة فقط.”**

قالتها وهي تتثاءب بكسل كأن الأمر لا يعنيها ثم تابعت ببرودٍ لاذع:

— **”ولهذا… توقف عن محاولة التوفيق بيني وبين طارق… ولا ترتب لي مواعيد غرامية بعد الآن.”**

وأردفت بنبرةٍ ساخرةٍ خافتة:

— **”أي رجلٍ ثريٍّ سيقبل بامرأةٍ لديها طفل مثلي؟”**

تجمّد **مايكل** في مكانه لحظة فهو لم يتوقع أبدًا أن تسمع أذناه مثل هذا الاعتراف.

لم تكن الصدمة في وجود الطفل فحسب بل وفي جهلها بهوية والده.

في تلك اللحظة شعر مايكل بثقلٍ من الخزي يسقط على قلبه كصخرةٍ باردة ومن ثم اندفع كالإعصار وعيناه تقدحان شرر الغضب ثم صاح بصوتٍ ارتجّت له جدران الغرفة:

— **”أنتِ! كيف تجرؤين على فعل هذا؟! كيف سأتمكن من الظهور أمام الناس بعد اليوم؟! أقسم أنني سأقتلك!”**

ثم تابع بحدّةٍ تفيض احتقارًا:

— **”ألا تعرفين حقًّا لمن ينتمي هذا الوغد؟ حسناً إن كنتِ تجهلين نسبه… فسأطرده من هنا!”**

وفي لحظةٍ مشحونةٍ بالاحتدام رفع **مايكل** يده والصفعة على وشك أن تهوي على وجه **كوثر** لكن قبل أن تسقط اليد الغاضبة اندفع **زكريّا** بسرعةٍ تفوق جسده الصغير وتعلّق بقميص **مايكل** بكل ما يملك من قوة ثم قال بصوتٍ جادٍّ يفيض رجولةً رغم صغر سنّه:

— **”جدي… أرجوك لا تضرب أمي… إن كنت غاضبًا… يمكنك أن تضربني أنا!”**

نفخ زكريا صدره الصغير بشجاعةٍ صادقة وكأنّه درعٌ يقف بين العاصفة ومن يحب فتجمّد **مايكل** للحظة إذ كان المشهد كافيًا ليطفئ شيئًا من نار غضبه؛ فذلك الطفل الذي لم تبلغ قامته ركبتيه حتى وقف أمامه بثباتٍ يليق برجالٍ كبار… فــ**زكريّا** طفلًا ذكيًا… عاقلًا… يفيض وفاءً يفوق عمره بسنوات.

تنهد **مايكل** أخيرًا وقال بنبرةٍ حاول أن يجعلها هادئة:

— **”عد إلى غرفتك يا زاك… لم أكن أنوي ضرب والدتك.”**

ثم تلعثم قليلًا قبل أن يتمّ عبارته:

— **”كنت فقط… كنت سأربّت على كتفيها.”**

وما إن أنهى كلامه حتى مدّ يده فعلًا وربّت على كتفي **كوثر**… ربّتةً قويةً لا تخلو من بقايا الغضب… في تلك اللحظة كادت **كوثر** تضحك بسخرية إذ لم تتوقع قط أن ترى والدها الصارم الذي لا يعرف اللين يتحوّل إلى هذا القدر من الرقة أمام **زكريّا** بل إن تلك الرقة بدت مبالغًا فيها إلى حدٍّ جعلها تشعر بشيءٍ من العجب.

رفع **زكريّا** عينيه الواسعتين نحو **مايكل** وقال ببراءةٍ قلقة:

— **”إذًا… هل ستطردني يا جدي؟”**

تبدّل وجه **مايكل** على الفور وقال بنبرةٍ امتزج فيها العطف بالدهشة اللحظية:

— **”يا لك من طفلٍ ساذج… يبدو أنك لم تسمعني جيدًا.”**

ثم أشار بيده نحو الخارج قائلاً:

— **”كنت أتحدث عن القطة الضالة في الخارج لا عنك.”**

وتابع وهو يحدّق في الطفل بحنان:

— **”أما أنت… فأنت كنزٌ ثمين بالنسبة لي.”**

ثم أضاف بنبرةٍ حاسمة:

— **”حتى لو طردتُ والدتك… فلن أطردك أنت أبدًا.”**

لم يذق **زكريّا** في طفولته طعم الحنان من جدّيه ولم يعرف دفء العطف الذي يكسو القلوب كساءً رقيقًا لذا حين رأى اللطف يفيض من **مايكل** نحوه أحسّ بحرارةٍ تتسلل إلى صدره كأن قلبه الصغير وجد أخيرًا مأواه فابتسم بصدقٍ طفولي وقال بحماسٍ بريء:

— **”حسنًا! عندما أكبر سأعاملك جيدًا بالتأكيد يا جدي!”**

ابتسم **مايكل** ابتسامةً خفيفة ثم أجابه بنبرةٍ أقل صرامة مما اعتاده الناس منه:

— **”وأنا سأنتظر ذلك اليوم يا صغيري.”**

ثم نظر مايكل حوله كمن يتفقد المكان قبل أن يقول:

— **”الجو بارد هنا كثيرًا… تعال لنتحدث في غرفة النوم.”**

قالها وتوقف لحظة ثم أضاف وهو يربت على كتف الصغير:

— **”سأجهّز لك غرفةً كبيرة قريبًا حتى لا تضطر إلى تحمّل البرد في الخارج… وغدًا سأصطحبك لشراء بعض الملابس وبعض الألعاب أيضًا، ما رأيك؟”**

ظلّ **زكريّا** يسير إلى جانبه وهو يبتسم بسعادةٍ لم يعرفها من قبل… أما **كوثر** فكانت تراقب المشهد بصمتٍ ثقيل تتأمل **مايكل** يبتعد مع الصغير وهو يردد تلك الوعود وفجأة تسلّل إلى قلبها شعورٌ بارد… شعورٌ يشبه الخوف وتساءلت في سرّها:

*ماذا لو اكتشف الحقيقة؟*

ماذا لو علم أن **زكريّا** ليس حفيده؟

هل كان سيظل رقيقًا هكذا عندما يعلم أنه ليس ولدها… أم أن تلك اليد التي كادت أن تصفعها قبل قليل ستنهال عليها بلا رحمة بعد أن يخيب ظنه؟

تنهدت بقلق ثم هزّت رأسها كأنها تطرد الأفكار المزعجة ومن ثم قررت أن تؤجل التفكير في ذلك إلى حينه وأن تترك الغد يحمل ما يشاء.

بعد لحظات التقطت هاتفها واتصلت بـ **سيرين** لتطمئنها أن الأمور قد هدأت وأن كل شيء بات على ما يرام وحين وصل الخبر إلى **سيرين** انزاح عن صدرها ثقلٌ عميق وشعرت براحةٍ لم تذقها منذ ساعات وما إن أغلقت المكالمة حتى بادرت سيرين بالاتصال بـ **نوح**.

كان **نوح** قد دخل فراشه للتو لكنه لم يغرق في النوم بعد بل كان مستلقيًا في صمتٍ شارد حين أضاءت شاشة هاتفه باسمها… في تلك اللحظة أشرقت عيناه بلهفةٍ واضحة وسرعان ما أجاب بصوتٍ يحمل مزيجًا من الشوق والقلق:

— **”لماذا لم تزوريني اليوم يا أمي؟”**

ثم أضاف بخفوتٍ متردد:

— **”هل ما زلتِ غاضبة مني؟”**

ففي المرة الأخيرة التي تسلّل فيها **نوح** إلى قصر **نصران** كانت تلك المرة الأولى التي يرى فيها والدته غاضبةً بذلك الشكل فالخوف الذي ارتسم في عينيها يومها كان كافيًا ليزرع الرهبة في قلبه الصغير… رهبةً لم يستطع نسيانها حتى الآن.

 

تعليقات