رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة والثاني عشر
لم تكن **سيرين** راغبة في خوض أي جدالٍ آخر مع **ظافر**؛ فقد أثقلها الحديث وأرهقها الصراع الذي يتأرجح بين قلبها وعقلها فاستدارت عنه بضيقٍ ظاهر وجذبت الغطاء حتى غمر كتفيها كمن يتدرّع بالصمت ثم قالت ببرودٍ متعمَّد:
— **”إن أردتَ النوم هنا… فافعل.”**
وأعقب كلماتها صمتٌ قصير كأن الليل نفسه قد أرخى ستاره بينهما ولم تمضِ دقائق حتى أُطفئت الأنوار واستسلمت **سيرين** للنوم سريعًا فقد كان التعب أثقل من أن تقاومه… شيئًا فشيئًا انتظم نَفَسها وصار هادئًا كإيقاع موجٍ يلامس الشاطئ… عندها فقط مدّ **ظافر** ذراعه ببطء وجذبها إليه برفق كمن يخشى أن يوقظها أو يوقظ في نفسه شيئًا حاول طويلاً أن يخفيه… ضمّها إلى صدره وترك الليل يحتضن سكونهما.
وفي الصباح استيقظت **سيرين** على إحساسٍ غريب؛ فقد ارتطم جبينها بشيءٍ صلبٍ دافئ ففتحت عينيها ببطء وما إن رفعت بصرها حتى وجدت نفسها ملاصقة لصدر **ظافر** القوي الذي ينبض تحت خدّها بهدير هادئ.
ارتبكت على الفور واتسعت عيناها بدهشةٍ لم تستطع إخفاءها وحين وقعت عيناها على ملامح **ظافر** الهادئة على غير عادته—انتفضت كمن لُدغ بخجلٍ مفاجئ وانسلت مسرعةً من بين ذراعيه بحذرٍ شديد كأنها تخشى أن يُفضح ارتباكها.
وبعد أن تأكدت أنه لا يزال غارقًا في نومه تناولت ثيابها على عجل وارتدتها بسرعة ثم نهضت من السرير بخطواتٍ خفيفة كنسمة صباحٍ تحاول أن تمر دون أن تُحدث همسًا.
ما إن فتحت **سيرين** باب غرفة نومها حتى لمحت **فاطمة** التي قد سبقتها إلى اليقظة جالسةً في هدوء الصباح كأنها تنتظرها… رفعت الأخيرة عينيها إليها بابتسامةٍ لطيفة ثم قالت بنبرةٍ هادئة يختلط فيها الحنان بالوقار:
— **”تعالي يا سيرين، أريد أن أحدثك قليلاً.”**
ارتبكت **سيرين** في مكانها للحظة إذ أدركت في أعماقها أن **فاطمة** قد أساءت فهم ما جرى في الليلة الماضية لذلك أسرعت تتبعها إلى غرفتها وما إن أُغلق الباب حتى بادرت بالكلام على عجل كأنها تسابق ظنوناً لا تريد لها أن تتجذر:
— **”صدقيني… هو من أصرّ على البقاء البارحة… لم يحدث شيء على الإطلاق.”**
ابتسمت **فاطمة** ابتسامةً هادئة كأنها ترى ما وراء الكلمات ثم قالت برفقٍ مطمئن:
— **”يا ابنتي، لستِ مضطرة لأن تبرري لي شيئًا… لم أطلبك لأحاسبك بل لأخبرك فقط أنني سأقف إلى جانبك… أيًّا كان القرار الذي ستختارينه.”**
أومأت **سيرين** برأسها بصمت بينما استرسلت **فاطمة** في حديثها وقد بدا على صوتها شيء من التأمل الصادق:
— **”في الحقيقة… لقد لاحظت كيف تغيّر **ظافر** في الآونة الأخيرة… لم يعد ذلك الرجل القاسي الذي عرفناه من قبل… وربما لن يكون بقاؤك معه أمرًا سيئًا كما تظنين.”**
توقفت فاطمة للحظة ثم أضافت بنبرةٍ دافئة تحمل حكمة السنين:
— **”أحيانًا يكون أجمل ما في الحياة أن نبقى إلى جوار أولئك الذين كانوا معنا منذ البداية… ثم إن بينكما أطفالًا أيضًا وروابط لا تُقطع بسهولة.”**
استمعت **سيرين** إلى كلماتها في صمتٍ طويل كأنها تتلقى همساتٍ من قلبٍ يعرف الطريق أكثر مما يعرفه العقل لكنها لم تجد جوابًا واضحًا ترد به فاكتفت بأن تقول بهدوء:
— **”سأفكر في الأمر… لا تقلقي.”**
ثم أضافت بنبرةٍ عملية محاولةً أن تُعيد الحديث إلى مساره المعتاد:
— **”سيأتي الدكتور أبتون لاحقًا لزيارتك لذا حاولي أن ترتاحي أكثر حتى ذلك الحين.”**
ابتسمت **فاطمة** وأومأت برأسها برضاٍ قائلة:
— **”حسنًا يا عزيزتي… سأفعل.”**
بعد أن أسدل الحديث ستاره غادرت **سيرين** المكان لتجري اتصالًا بالطبيب وقد بدا في خطواتها شيءٌ من العجلة كمن تهرب من فكرةٍ تثقل صدرها أكثر مما تسعى لإنجاز مكالمةٍ عابرة وما إن أنهت اتصالها حتى استيقظ **ظافر** وترجّل إلى الطابق السفلي بخطواتٍ هادئة يتلمّس بها صمت البيت… توقّف عند أول السلم ثم ناداها بصوتٍ منخفض:
— **سيرين.**
غير أنّها لم تُجبه لا لأن النداء لم يبلغ مسامعها بل لأنها تعمّدت أن تكسو شفتيها بالصمت وتسدّ أذنها عن صوته سدًّا مقصودًا… فالصمت أحيانًا أقسى من العتاب.
قطّب **ظافر** حاجبيه قليلًا وانعقد على ملامحه شيءٌ من البرود الموحش إذ ظنّ أن **سيرين** قد خرجت من المنزل فاستدار وعاد إلى غرفته بخطواتٍ بطيئة كأن الوحدة تمسك بيده وتدلّه على الطريق.
أما **سيرين** فلم تتحرّك إلا بعد أن خمد وقع خطواته تمامًا عندها فقط نهضت لتتجه إلى غرفتها علّها تقتطع من الإرهاق لحظة راحة أو من الفوضى لحظة سكون.
لكن السكون لم يدم طويلًا…
فبعد برهة شقّ جرس الباب صمت المكان… انتفضت **سيرين** وظنّت أن الطبيب قد وصل أخيرًا فهرعت إلى الباب وفتحته على عجل فإذا بها تتجمّد في موضعها.
كانت **كوثر** تقف عند العتبة تتلفّت في أرجاء المكان بنظراتٍ فاحصة وعلى كتفها حقيبة ظهرٍ بدت أثقل من مجرد أمتعة سفر.
رفعت **سيرين** حاجبيها بدهشة وقالت:
— **كوثر؟ ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟ وأين زاك؟**
تنهدت **كوثر** بخفوت ثم قالت ببرودٍ لا يخلو من المرارة:
— **طردني والدي الليلة الماضية… يبدو أن زاك يتولى الآن إدارة أعمال عائلة توريس معه.**
كان واضحًا أن **مايكل** مولعٌ بـ **زكريّا** إلى حدٍّ مبالغ فيه؛ فلم يكن يناديه باسمه الكامل قط بل بلقبه الحميم فحسب بل إن الشائعات همست بأن الرجل يخطّط لكتابة وصيته ليجعل **زكريّا** الوريث الوحيد لكل ما يملك.
وبعد لحظة صمت قصيرة رفعت **كوثر** عينيها وسألت بنبرة هادئة تخفي فضولًا متحفّزًا:
— **أين ظافر؟**
كوثر لم تأتِ إلى هنا طلبًا لمأوى ولا بحثًا عن سريرٍ تقضي عليه ليلة عابرة بل كان دافعها أبسط من ذلك وأشد غرابة في الوقت نفسه… لقد أرادت فقط أن تراه.
أن ترى بعينيها كيف يبدو ذلك الرجل الذي كان يومًا رئيسًا تنفيذيًا مهابا بعد أن انطفأ نور بصره وأطبق الظلام على عالمه.
استدارت **سيرين** قليلًا وأشارت بيدها إلى الممر المؤدي إلى الداخل قائلة:
— **إنه في غرفة نومه.**
ابتسمت **كوثر** بخفة ثم ألقت حقيبتها جانبًا بلا اكتراث ومضت نحو الغرفة بخطواتٍ بطيئة متأمّلة كأنها تتجه لمشاهدة حيوان نادر أو لغزٍ حيٍّ طالما سمعت عنه ولم تره قط.
وقبل أن تبلغ **كوثر** عتبة الغرفة بخطوةٍ أخرى انفرج الباب من الداخل ببطء ومن خلفه خرج رجل طويل القامة ينتصب بهدوءٍ مهيب ثم قال بصوتٍ عميقٍ هادئ:
— **هل لدينا ضيف يا سيرين؟**
توقفت **كوثر** عند تلك اللحظة على مقربةٍ منه حتى كادت أنفاسها تلامس كتفه تحدق في وجهه مليًّا وقد تسللت نظراتها إلى عينيه مباشرة تبحث فيهما عن أي علامةٍ غريبة لكنهما بدتا في الظاهر طبيعيتين ساكنتين كبحيرتين هادئتين لا يشي سطحهما بشيء غير أن الحقيقة سرعان ما كشفت وجهها فحين لاحظت حركته المترددة ووجهه الذي يتجه إلى الفراغ بدلًا من الوجوه أدركت فجأة أن تلك العينين… لا تبصران شيئًا… عندها انفلتت من صدرها شهقةٌ قصيرة لم تستطع كتمانها… لم تكن شهقة دهشةٍ خالصة بل امتزج فيها شيءٌ آخر… شيءٌ أقرب إلى نشوةٍ خفية كأن قلبها وجد في عماه نوعًا من القصاص المؤجل فشعرت بلذةٍ باردة تتسلل إلى صدرها وهي ترى الرجل الذي كان يومًا شامخ النظرة… يقف الآن غارقًا في ظلامٍ لا يرى منه مهربًا.
وقبل أن تنبس **سيرين** بحرف تقدمت **كوثر** نصف خطوة وقالت بنبرةٍ حاولت أن تجعلها طبيعية:
— **مرحبًا… أنا كوثر توريس، صديقة سيرين المقربة.**
ثم أضافت وهي تميل قليلًا نحوه تقول بإتهام ضمني:
— **أنا من أرسلتني إلى مركز الشرطة من قبل… أتتذكر؟**
ساد صمتٌ قصير… وعندما بلغ صوتها مسامع **ظافر** عاد وجهه إلى تلك القسوة الباردة التي كانت تكسوه دائمًا وكأن الكلمات لم تطرق بابه أصلًا ثم قال بلهجة مقتضبة جافة:
— **لا.**
ارتسم الذهول على ملامح **كوثر** في الحال واتسعت عيناها بدهشةٍ صامتة فقد كانت تتساءل في سرّها:
كيف لا يزال **ظافر** على هذا القدر من الجفاء وسوء المزاج؟
ألم تقل لها **فاطمة** إنه قد تغيّر؟
ألم تخبرها أن الأيام التي أعقبت عماه قد بدّلت شيئًا في روحه، وهذّبت شيئًا من حدّته؟
لكن الرجل الذي يقف أمامها الآن لم يبدُ مختلفًا كثيرًا عمّا كان عليه من قبل؛ ما زال بارد النظرة، قاسي الكلمة كأن الزمن مرّ بجانبه ولم يمسّه، والعتمة التي سكنت عينيه… لم تنفذ بعد إلى قلبه.
