رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة والثالث عشر
لم تمضِ لحظات حتى أخذت الفكرة تتضح في ذهن **كوثر** شيئًا فشيئًا، كأن ضباب الشك بدأ ينقشع عن مرآة إدراكها. أدركت أخيرًا أن التغيّرات التي كانت **فاطمة** تتحدث عنها بشأن **ظافر** لم يخص بها الجميع كما ظنت في بادئ الأمر بل كانت تتعلق بـ **سيرين** وحدها… ومع ذلك ظل في الأمر ما يحيّرها؛ فحين كان **ظافر** يحدّث **فاطمة** بدا صوته أكثر هدوءًا وألين نبرةً مما عهدته منه… لم يكن ذلك الصوت الجافّ الذي اعتادت سماعه بل كان يحمل خيطًا خافتًا من اللطف… خيطًا لا يلحظه إلا من يُنصت جيدًا ولهذا تساءلت في سرّها:
لعل شيئًا ما قد تبدّل فيه بالفعل ولو لم يظهر ذلك التبدّل للعيان وقبل أن تكتمل أفكارها رنّ جرس الباب مرةً أخرى.
هذه المرة كان الطبيب قد وصل يرافقه فريقه وقد دخلوا المنزل يحملون حقائب وأجهزة طبية متطورة تتلألأ شاشاتها وتتشابك أسلاكها كأنها أدوات في معملٍ دقيق لا في بيتٍ هادئ.
توقفت **كوثر** تتأمل المشهد بإعجابٍ واضح وقد انعكس بريق الأجهزة في عينيها ثم التفتت إلى **سيرين** قائلة بدهشةٍ صريحة:
— *سيرين… هل وجدتِ هذا الطبيب بنفسك؟**
أجابت **سيرين** بصراحةٍ هادئة:
— **ظافر ساعدني في الحصول على المعدات.**
قالتها ببساطة غير مدركة أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير إذ لم تكن تعلم بعد أن **ظافر** هو من مهّد الطريق كله من البداية وأنه كان السبب الخفي في قدرتها على استدعاء الطبيب وفريقه أصلاً لكن **فاطمة** وحدها كانت تعرف ذلك فـ**ظافر** قد طلب منها صراحةً أن تبقي الأمر طيّ الكتمان وألا تخبر **سيرين** بشيء فهو لم يكن يريد أن تشعر سيرين بأن بقاءها إلى جواره دينٌ تردّه أو معروفٌ يلزمها بالبقاء… كان يفضّل أن تبقى بإرادتها لا بامتنانها ولهذا السبب تحديدًا كانت **فاطمة** على يقينٍ تام بأن ظافر قد تغيّر بالفعل فالرجل الذي كان يومًا لا يرى في الناس إلا مصالحه صار الآن يخفي خيره في الظلّ ويقدّم العون في صمتٍ لا يطلب ثمنًا… وكأن قلبه تعلّم أخيرًا أن يعطي دون أن يُرى وأن يحبّ دون أن يُفصح.
أمضت **فاطمة** ذلك الصباح الطويل بين أيدي الطبيب وفريقه تتنقل من فحصٍ إلى فحص ومن جهازٍ إلى آخر كأن الزمن نفسه وقف يراقب مصيرها وهو يُقلب صفحات جسدها صفحةً بعد صفحة… كانت الأجهزة تهمس بأصواتٍ خافتة والوجوه من حولها متجهمة في صمتٍ مهنيٍّ ثقيل.
وعندما انتهى الفحص أخيرًا التفت الطبيب إلى **سيرين** وقال بنبرةٍ هادئة تخلو من التجميل أو المواربة:
— **يا آنسة تهامي من المستحيل علاج جميع ما تعانيه السيدة فاطمة من أمراض.**
ثم أردف بعد لحظة صمتٍ قصيرة:
— **لكن يمكننا إجراء عملية جراحية قد تمنحها وقتًا أطول لتعيش.**
لمعت عينا **سيرين** بشيءٍ من الرجاء كأن كلمة *وقت أطول* كانت نجمةً صغيرة في ليلٍ طويل فسألته بسرعةٍ لا تخفي لهفتها:
— **هذا رائع… متى يمكننا إجراء العملية؟**
أجاب الطبيب وهو يجمع بعض أوراقه:
— **سأصف لها بعض الأدوية في الوقت الحالي لتخفيف الأعراض وتحسين حالتها قليلًا وبعد ذلك يمكننا ترتيب موعدٍ مناسب لإجراء العملية.**
اكتفت **سيرين** بإيماءةٍ خفيفة ثم رافقت الطبيب وفريقه إلى خارج المنزل… كانت خطواتها بطيئة بعض الشيء تحاول أن تستجمع ما تبقى من قوتها قبل أن تعود إلى الداخل.
وعندما رجعت توجهت مباشرة إلى **فاطمة** وجلست إلى جوارها وقالت بصوتٍ مطمئنٍ حاولت أن تجعله أكثر إشراقًا مما تشعر به في داخلها:
— **قال الدكتور أبتون إنكِ ستتحسنين بعد إجراء العملية.**
كانت **فاطمة** تعرف جسدها أكثر مما يعرفه الأطباء أنفسهم؛ فقد عاشت سنواتٍ طويلة مع أوجاعه وهمومه ومع ذلك لم تحتمل أن ترى القلق يحاصر ملامح **سيرين** فرسمت على شفتيها ابتسامة هادئة وقالت بلطفٍ يفيض دفئًا:
— **هذا خبر رائع… كنت أتمنى فقط أن يُمنح لي بعض الوقت الإضافي لأبقى معكم أكثر.**
هزّت **سيرين** رأسها موافقة وقد اكتفت بكلمةٍ قصيرة خرجت منها كهمسة رجاء:
— **أجل.**
وفي تلك الأثناء اقتربت **كوثر** وجلست إلى جانب **فاطمة** تواسيها بكلماتٍ رقيقة تحاول أن تضفي على الجو شيئًا من الخفة والمرح.
ومع مرور الوقت بدا المنزل في ذلك اليوم أكثر حياةً من المعتاد؛
فالأحاديث تتقاطع والضحكات الخافتة تتسلل بين الجدران وكأن القلوب المتعبة اتفقت ـ ولو مؤقتًا ـ أن تؤجل حزنها وأن تمنح هذا البيت لحظة دفءٍ صغيرة وسط عواصف القدر.
ولأن **ظافر** كان مضطرًا للذهاب إلى المكتب في ذلك اليوم فقد غادر المنزل بعد وقتٍ قصير من رحيل الفريق الطبي… خرج بخطواتٍ هادئة وفي صدره أفكارًا أثقل من أن تُقال وما إن استقر في طريقه حتى رفع الهاتف إلى أذنه وأجرى اتصالًا سريعًا.
قال بصوتٍ منخفضٍ حازم:
— **هل تحقّقت من الأمر؟**
جاءه صوتٌ من الطرف الآخر بعد لحظةٍ قصيرة:
— **نعم… نحن متأكدون الآن من أنه جاسر.**
ساد صمتٌ خاطف كأن الكلمات استقرت في ذهن **ظافر** لتأخذ موضعها الصحيح ثم قال بلهجةٍ عملية:
— **وماذا عن المشاريع التي طلبت منك الاستيلاء عليها؟**
أجابه **ماهر** بثقةٍ واضحة:
— **لا تقلق، لا توجد أي مشكلة في ذلك.**
كان **ماهر** على يقينٍ أن **ظافر** رغم كل ما مرّ به لا يزال قادرًا على قلب الموازين بل يعتقد أن ظافر سيتمكن من استعادة الشركة كاملة خلال عامٍ واحد فقط كما لو أن العثرة التي أصابته لم تكن سوى استراحةٍ قصيرة في طريق طويل من السيطرة والنجاح.
اكتفى **ظافر** بإيماءةٍ صامتة ثم أنهى المكالمة بعدما سمع ما يكفيه من الإجابات.
—
وفي تلك الأثناء كانت **سيرين** قد خرجت بصحبة **كوثر** لزيارة **نوح** في المستشفى وعندما وصلتا إلى غرفته كان الصبي مستلقيًا على سريره يحدّق من النافذة بنظرةٍ باردة شاردة كمن سافرت أفكاره بعيدًا عن جدران المستشفى البيضاء.
توقفت الممرضة عند الباب ثم قالت بلطفٍ دافئ:
— **يا نوح… والدتك وصديقتها هنا لزيارتك.**
وفي لحظةٍ واحدة تبدّل كل شيء إذ التفت **نوح** نحوهما بسرعة واختفى ذلك الجمود الذي كان يغلف ملامحه قبل لحظات ليعود إلى براءته الطفولية المعهود ومن ثم اتسعت عيناه بفرحٍ صادق وقال بحماسٍ لا يخفيه:
— **حقًا؟ هذا رائع!**
كانت **كوثر** أول من دخل الغرفة وما إن وقع بصرها على **نوح** حتى توقفت لحظةً تتأمله… كان الصبي يحمل ملامح **زكريّا** بوضوحٍ يكاد يخدع العين؛ نفس القسمات ونفس النظرة العميقة غير أن الشحوب الذي يكسو وجهه كان يفضح ضعفه ويشي بما مرّ به من ألمٍ ومعاناة.
رقّ قلبها لذلك المشهد ولم تستطع مقاومة رغبةٍ غامرة اجتاحتها، فمدّت يدها نحوه كأنها تريد أن تضمّ تلك الملامح الصغيرة إلى حنانها وقالت بنبرةٍ دافئة:
— **مرحبًا أيها الجميل… هل ما زلت تتذكرني؟**
غير أن **نوح** مال برأسه قليلًا مبتعدًا عن يدها وتجنّب لمستها بخجلٍ طفولي ثم قال وهو يشيح بعينيه قليلًا:
— **لو تأخرتِ قليلًا في زيارتي… لكنتُ قد نسيتكِ يا كوثر.**
ابتسمت **كوثر** ابتسامةً خفيفة لكن قلبها لان لذلك العتاب الصغير الذي خرج من شفتيه فقالت بلطفٍ يفيض اعتذارًا:
— **أنا آسفة… أعدك أنني سأزورك كثيرًا من الآن فصاعدًا، حسنًا؟**
أجابها الصبي بهدوءٍ بسيط:
— **حسنًا.**
وبينما كان الحديث يدور بينهما لمح **نوح** **سيرين** واقفةً عند الباب وفي لحظةٍ خاطفة بدا وكأنه وجد طوق النجاة من اهتمام **كوثر** الزائد فنهض بسرعةٍ واقترب من **سيرين** وهو يقول بلهفةٍ طفولية:
— **أمي… أنتِ هنا!**
انحنت **سيرين** نحوه ومسحت على رأسه بحنانٍ عميق ثم سألته برقة:
— **نعم يا صغيري… كيف تشعر الآن؟**
أجابها بابتسامةٍ مطمئنة:
— **أشعر أنني بخير… لم يعد يؤلمني شيء على الإطلاق.**
لكن **سيرين** كانت تعرف الحقيقة أكثر مما يقول… فالألم الذي يخلّفه **سرطان الدم** لا يقاوم بهذه السهولة وكانت تتمنى في سرّها لو أن **نوح** أقل وعيًا مما هو عليه… أقل قدرةً على التظاهر بالقوة وهو في هذا العمر الصغير.
تنفّست بهدوء ثم قالت محاولةً أن تضفي شيئًا من البهجة على يومه:
— **ما رأيك أن نخرج أنا وأنت وكوثر اليوم لنقضي وقتًا ممتعًا؟**
لم يتردد **نوح** لحظةً واحدة إذ أضاءت عيناه بفرحٍ حقيقي وهو يقول بحماس:
— **بالتأكيد!**
ساعدته **سيرين** على تغيير ملابسه وبعد قليل غادروا المستشفى معًا… خرجوا إلى المدينة يتنقلون بين المتاجر ويجوبون الشوارع المزدحمة ثم قصدوا **حديقة الحيوان** وغيرها من الأماكن التي تملأ قلب طفلٍ صغير بالدهشة والضحك.
ضحكات **نوح** كانت تتصاعد بين الحين والآخر خفيفةً كالعصافير وكأنه يحاول أن ينسى المستشفى ويغلق باب الألم ليومٍ واحد فقط… غير أن ما لم يدركوه… أن أعينًا أخرى كانت تراقبهم.
فمن خلف الظلال كان شخصٌ مجهول يلتقط لهم الصور ويسجل مقاطع الفيديو خفية وكأن كل لحظة من لحظاتهم السعيدة تُسرق لتُرسل إلى مكانٍ آخر.
وبعد قليل وصلت تلك الصور والمقاطع إلى **شادية** التي حدّقت في الشاشة بدهشةٍ واضحة وقد انعقد حاجباها في حيرة وهي تتمتم:
— **أليس زاك ما زال في المدينة؟**
ثم أضافت متسائلةً:
— **متى ذهب إلى هناك؟**
