رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة والرابع عشر
هزّت **ماندي** رأسها قليلًا وقد بدا التردد واضحًا في نبرتها وهي تقول:
— **لستُ متأكدة أنا أيضًا… الحصول على هذه الصور لم يكن بالأمر السهل.**
ثم أضافت بعد لحظةٍ قصيرة:
— **السيد ظافر قد رتّب بعض رجاله ليراقبوا سيرين ولذلك لم يتمكن رجالنا من الاقتراب منها إطلاقًا.**
كان الأمر أشبه بطوقٍ خفيّ يحيط بـ **سيرين** من كل جانب فحين حاول رجال **شادية** في وقتٍ سابق التحقق من أمرها وأمر **زكريّا** انكشف تحرّكهم سريعًا إذ أدرك **ظافر** ما يجري قبل أن يخطوا خطوةً أخرى ومنذ تلك اللحظة أصبحت **شادية** أكثر حذرًا وأشدّ حيطة حتى الرجال الذين أرسلتهم للتقصّي لم يجرؤوا على الاقتراب من منزل **سيرين** مرةً أخرى كأن المكان صار محروسًا بعيونٍ لا تنام.
لكن حين وقعت عينا **شادية** على تلك الصور أحسّت أن وراء المشهد أسرارًا لم تُكشف بعد وأن ما يظهر على السطح ليس إلا جزءًا صغيرًا من الحقيقة.
ضاقت عيناها قليلًا وهي تقول بلهجةٍ حازمة:
— **واصلي التحقيق… أريد أن أعرف كم من الأسرار تخفيها سيرين.**
أومأت **ماندي** مطيعة:
— **مفهوم.**
—
وفي تلك الأثناء بعيدًا عن كل تلك الظلال كانت **سيرين** و**كوثر** تقضيان ساعاتٍ لطيفة مع **نوح** خارج المستشفى.
ضحكات الصبي كانت تتردد بين الشوارع والمتاجر كأنها تحاول أن تعوّض ما سرقه المرض من طفولته غير أن جسده الصغير لم يحتمل طول التجوال فسرعان ما بدأ التعب يتسلل إليه لهذا أعادته **سيرين** و**كوثر** إلى المستشفى قبل أن يشتد الإرهاق عليه وقبل أن تودعاه وعدتاه بأن يأخذانه إلى المنزل في المناسبات الخاصة حتى لا يبقى قلبه معلقًا بين جدران المستشفى وحدها.
وبعد أن غادرتا المكان واستقرتا في السيارة التفتت **كوثر** إلى **سيرين** وقالت بصوتٍ مفعم بالمواساة:
— **بمجرد أن يولد الطفل سنتمكن من الحصول على دم الحبل السري وإجراء الجراحة لنوح وبعدها سيكبر ويعيش حياة طبيعية مثل زاك.**
أومأت **سيرين** برأسها ببطء ثم وضعت يدها على بطنها بحركةٍ عفوية كأنها تحادث الجنين بصمت وقالت بنبرةٍ يغلفها فضولٌ دافئ:
— **أتساءل… هل سيكون ولدًا أم فتاة هذه المرة؟**
ابتسمت **كوثر** ابتسامةً واسعة وقالت بحماس:
— **أتمنى أن تكون فتاة… هكذا سيكون لديك ولدان وبنت.**
ثم أضافت وهي تضحك بخفة:
— **أنا متأكدة أن نوح وزاك سيحبان فكرة أن تكون لهما أخت صغيرة أيضًا.**
كانت **سيرين** تتمنى في أعماقها أن تُرزق هذه المرة بفتاة؛ طفلةٍ صغيرة تملأ البيت رقةً وحنانًا، وتضيف إلى حياتهم لونًا آخر من الفرح. غير أنها، في قرارة قلبها، كانت تعلم أنها ستحب طفلها أيًّا كان، ولدًا كان أم بنتًا، فالأمومة لا تعرف شروطًا، ولا تضع للحب حدودًا.
وبعد لحظة صمتٍ قصيرة، التفتت إلى **كوثر** وسألتها بهدوء:
— **بالمناسبة… ما خططك يا كوثر؟**
رفعت **كوثر** حاجبيها قليلًا وقالت باستفهام:
— **ماذا تقصدين؟**
ابتسمت **سيرين** ابتسامة خفيفة قبل أن توضح مقصدها:
— **أقصد… كيف ستتعاملين مع والدك؟**
كانت **سيرين** تشعر في أعماقها أن **كوثر** لم تطوِ صفحة **ليونارد** بعد وأن شيئًا من تلك الحكاية القديمة ما يزال عالقًا في قلبها كشوكةٍ صغيرة لا تُرى ولكنها تؤلم.
تنهدت **كوثر** ببطء وأسندت ظهرها إلى المقعد ثم أدارت وجهها نحو النافذة كأنها تبحث في الأفق عن إجابةٍ ضائعة وقالت بصوتٍ خافت:
— **بصراحة… أنا أيضًا لا أعرف.**
صمتت لحظة ثم أضافت وهي شاردة الفكر:
— **حين أنظر إليكِ الآن وإلى ظافر، وإلى زاك ونوح… أجد نفسي أتساءل إن كان عليّ أن أستمع إلى والدي هذه المرة.**
ثم ابتسمت ابتسامةً باهتة:
— **ربما يجب علي أن أجد شخصًا ما وأتزوجه أنا أيضًا.**
قطّبت **سيرين** حاجبيها قليلًا وقالت بنبرةٍ صادقة:
— **كوثر… لا ينبغي أن يتزوج الإنسان لمجرد الزواج.**
تنفست **كوثر** بعمق كأنها تفرغ صدرها من ثقلٍ ثم قالت بهدوءٍ يحمل شيئًا من المرارة:
— **أليس هذا ما يفعله معظم الناس هذه الأيام؟**
ثم التفتت إليها وسألت فجأة:
— **قولي لي يا سيرين… هل شعرتِ يومًا بالندم طوال زواجك؟**
تأملت **سيرين** السؤال لحظة ثم أجابت بصراحةٍ لا تخلو من الشجن:
— **نعم… شعرت بالندم بعد زواجي من ظافر.**
لكنها سرعان ما أضافت بنبرةٍ أكثر دفئًا:
— **ومع ذلك لم أندم قط على إنجاب نوح وزاك.**
ثم نظرت إلى **كوثر** بعينين جادتين وقالت:
— **لهذا أتمنى أن تفكري في الأمر جيدًا قبل أن تتخذي قرارك.**
هزّت **كوثر** رأسها ببطء ثم قالت وكأنها قطعت الأمر في داخلها:
— **دعي الأمر جانبًا.**
توقفت لحظة ثم أردفت بنبرةٍ هادئة لكنها حاسمة:
— **إذا كان الإنسان قد يندم حتى بعد الزواج ممن يحب… فهل سيكون الأمر مختلفًا إن تزوج من شخص لا يحبه؟**
ثم ابتسمت ابتسامةً خفيفة وقالت:
— **على الأقل… لن أشعر بالحزن إن حدث ذلك.**
عندها أدركت **سيرين** أن **كوثر** قد فكرت في الأمر طويلًا وربما حسمت قرارها بالفعل لذلك فضّلت أن تصمت وأن تتوقف عن محاولة إقناعها فالحياة — كما تعلمت — ليست طريقًا واحدًا يسلكه الجميع بل دروبٌ متفرقة يمضي كل إنسان فيها وفق اختياره… ويتعلم من كل خطوةٍ درسًا ومن كل تجربةٍ معنى.
بعد أن فرغوا من تناول العشاء في هدوء البيت الدافئ أعلنت **كوثر** أنها ستعود… كان القرار بسيطًا في ظاهره لكنه حمل في طياته شيئًا من التردد.
وقفت عند الباب ثم التفتت إلى **سيرين** وعانقتها طويلًا كأنها تحاول أن تحفظ في صدرها دفء تلك اللحظة وقالت بصوتٍ خافت تغلّفه أمنية صادقة:
— **سيرين… أتمنى أن نظل سعيدتين طوال حياتنا.**
ابتسمت **سيرين** ابتسامة هادئة وربّتت على كتفها بحنانٍ مطمئن وقالت:
— **أنا واثقة من ذلك.**
ابتعدت **كوثر** قليلًا لكنها ظلت تنظر إليها لحظة أخرى كأن شيئًا ما في داخلها لا يريد أن يرحل بعد ومع ذلك غادرت أخيرًا وإن كان الرحيل على مضض.
وحين جلست في سيارتها وأغلقت الباب خلفها أخرجت هاتفها واتصلت بـ **مايكل** ومن ثم قالت بصوتٍ بدا ثابتًا على غير ما يعتمل في صدرها:
— **أبي… لقد فكرت في الأمر… يمكنك الآن تحديد موعد لي.**
قال لها شيئًا في الطرف الآخر… كلماتٍ قصيرة لكنها كانت كافية لتجعل الصمت يطبق على قلبها.
أغلقت الهاتف ببطء وقد غمرها ذهولٌ غريب حتى إنها فتحت نافذة السيارة قليلًا فاندفعت الرياح الباردة تلامس وجهها لكنها رغم ذلك لم تستطع أن تستعيد صفاء ذهنها.
كانت الحياة — كما أدركت في تلك اللحظة — بارعة في مفاجآتها؛
تدفع الإنسان أحيانًا إلى الطرق التي كان يكرهها أكثر من غيرها حتى يجد نفسه يسير فيها دون أن يدري كيف وصل إليها.
لم تبكِ **كوثر**… لم تسقط منها دمعة واحدة بل شعرت فقط بخدرٍ بارد كأن قلبها قد غلّفه الصمت وتركه بلا حزنٍ واضح ولا فرحٍ حقيقي.
—
في تلك الأثناء، كان الثلج لا يزال يتساقط فوق **مقاطعة سان** بلا توقف يغطي الطرقات والأسطح بطبقةٍ بيضاء هادئة.
وقفت **سيرين** على الشرفة تراقب **كوثر** وهي تبتعد بسيارتها شيئًا فشيئًا حتى ابتلعها الطريق… وعندها فقط تسللت إلى قلبها وحدةٌ لم تعرفها من قبل… وحدةٌ باردة تشبه صمت الليل حين يطول… لم تنتبه إلى اقتراب **ظافر** منها إلا حين صار على مقربةٍ من أنفاسها.
كان يسير في الهواء البارد بخطواتٍ متأنية يعتمد على حواسه الأخرى التي أصبحت أكثر يقظة منذ أن غاب عنه البصر… كان يلتقط أدق الأصوات ويهتدي إلى المكان كما لو أن الريح نفسها ترشده.
توقف قربها وقال بصوتٍ منخفض:
— **لماذا تقفين هنا؟**
انتبهت **سيرين** فجأة إلى وجوده كمن عادت من شرودٍ بعيد فالتفتت نحوه وقالت بهدوء:
— **كنتُ فقط… أتأمل الثلج.**
