رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة والخامس عشر 415 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة والخامس عشر 

وفجأة قطع **ظافر** الصمت بسؤالٍ لم يكن في الحسبان:

— **ما رأيكِ… أن نبني رجلًا من الثلج؟**

كان قد تذكّر دون أن يقصد تلك الأيام القديمة حين كانت **سيرين** تخرج إلى الثلج بمرحٍ طفولي تجمع كراته بيديها الصغيرتين وتشكّل منها رجالًا بيضًا يبتسمون بصمت… كانت تفعل ذلك بحماس طفلةٍ لم تتعب بعد من دهشة العالم… يومها كان ينظر إلى تلك الحماسة بشيءٍ من الضيق ويعدّها تصرفاتٍ ساذجة لا تليق بامرأةٍ ناضجة لكن الذكريات حين تعود لا تعود عبثًا.

تفاجأت **سيرين** بالاقتراح كأن الكلمات طرقت بابًا منسيًا في قلبها فلمع في عينيها بريقٌ خافت من الحنين لكنه سرعان ما انطفأ وهي تقول بهدوء:

— **لا… الجو بارد جدًا في الخارج.**

ثم أضافت بنبرةٍ حاولت أن تبدو عابرة:

— **ثم إن اللعب بالثلج يبدو أمرًا طفوليًا للغاية.**

تجمّدت الكلمات في حلق **ظافر** عندما سمعها… كانت تلك كلماته هو.

نفس العبارات الجافة التي أطلقها ذات يوم بلا اكتراث وكأنها الآن تعود إليه صدىً قاسيًا يذكّره بما كان عليه فشعر لوهلةٍ أن الزمن يدور دورةً كاملة ليضعه أمام مرآة نفسه لكن **سيرين** لم تلتفت إلى ذلك الحزن البادي على معالم وجهه جراء كلماتها فقد أدارت ظهرها للشرفة وقالت بنبرةٍ هادئة:

— **أحتاج إلى الراحة الآن… يجب أن تذهب.**

كانت تتوقع — كما حدث في الليلة السابقة — أن يعترض **ظافر** أو يحاول البقاء، أو يصرّ على البقاء لكنها فوجئت هذه المرة بأنه لم يقل شيئًا بل غادر ببساطة وبهدوءٍ تام دون جدالٍ أو ضجة.

راقبته **سيرين** للحظة وهو يبتعد ثم شعرت براحةٍ خفيفة تتسلل إلى صدرها لأنها لم تضطر إلى إخراجه بالقوة ومن ثم أغلقت الباب خلفه بإحكام وسدّت المدخل بما وقع تحت يدها من أشياء كأنها تريد أن تحصّن تلك المسافة الصغيرة بينها وبينه ثم اتجهت إلى سريرها.

وما إن استلقت حتى غلبها النعاس سريعًا

فسقطت في نومٍ عميق كأن التعب كان ينتظر تلك اللحظة لينقضّ عليها دفعةً واحدة.

حين فتحت **سيرين** عينيها في صباح اليوم التالي لاحظت أن الثلج الذي ظل يتساقط طوال الليل قد هدأ أخيرًا وكأن السماء تعبت من نثر بياضها فوق الأرض.

نهضت ببطء وتقدمت نحو النافذة تسحب الستائر لتدع النهار يتسلل إلى الغرفة تستعد لتستقبل يومًا جديدًا لكن ما إن انكشف المشهد أمامها حتى توقفت في مكانها مبهوتة إذ امتدّت أمام عينيها ساحة بيضاء يغمرها الثلج لكن ذلك البياض لم يكن خاليًا كما توقعت؛ بل كان مزدانًا بعددٍ لا يُحصى من رجال الثلج الصغار مصطفّين هنا وهناك كأنهم جيشٌ من الحكايات الصامتة يبتسم تحت ضوء الصباح.

اتسعت عيناها بدهشةٍ طفولية وسارعت إلى فتح النافذة الممتدة من الأرض إلى السقف ثم خرجت إلى الشرفة تستوضح ما ترى وعندما ألقت نظرةً إلى الأسفل… ازدادت دهشتها.

ففي قلب تلك المساحة البيضاء كان **ظافر** يقف منحنياً قليلا… منشغلًا في تشكيل كرةٍ جديدة من الثلج يضعها فوق أخرى بعناية كأن الأمر عملٌ بالغ الأهمية.

اختلطت في قلب **سيرين** مشاعر متباينة؛ دهشةٌ لا تخفى وفضولٌ يوقظ أسئلة كثيرة… لم تتردد طويلًا بل نزلت الدرج بخطواتٍ سريعة تخترق الثلج حتى وصلت إليه.

وقفت أمامه، وحدقت في تلك الكثرة من رجال الثلج، ثم سألته في حيرةٍ صادقة:

— **ما كل هذا؟**

رفع **ظافر** رأسه قليلًا وقال بهدوءٍ بسيط بالكاد تحركت معه شفتاهئ كأن الأمر طبيعي تمامًا:

— **أبني رجال ثلج.**

كان جوابه بسيطًا إلى حدٍ يثير الدهشة.

أما **سيرين**، فكانت تعرف جيدًا أن الرجل الذي كان عليه **ظافر** في الماضي…

سيجد في هذا كله عبثًا طفوليًا لا يطاق وربما ما كان ليحتمل الوقوف في البرد لحظةً واحدة من أجل أمر كهذا.

كانت **سيرين** على وشك أن تردّ على كلماته لكن عينيها توقفتا فجأة عند شيءٍ يتحرك في الأفق.

سيارة **لينكولن** سوداء كانت تشق الطريق المغطّى بالثلج ببطءٍ مهيب تقترب شيئًا فشيئًا حتى أصبحت معالمها واضحة وما إن وقعت عينا **سيرين** على لوحة الترخيص حتى عرفت على الفور مصدرها…

إنها سيارة قصر **نصران**.

توقفت السيارة عند المدخل وانفتح بابها بهدوء ومن ثم خرجت منها **ماندي** السكرتيرة الخاصة بـ **شادية** وما إن رفعت رأسها حتى وقعت عيناها على الفناء فتجمدت في مكانها لحظةً قصيرة… كان المشهد أمامها غريبًا إلى حدٍ لا يُصدق.

ساحة كاملة ممتلئة برجال الثلج الصغار يقفون متفرقين فوق البياض كأنهم شهودٌ صامتون على حكايةٍ لم تُروَ.

لكن دهشتها لم تدم طويلًا؛ فقد استعادت رباطة جأشها سريعًا ومسحت المكان بنظرةٍ فاحصة قبل أن تستقر عيناها أخيرًا على **سيرين** و**ظافر**… وهنا كانت المفاجأة الأكبر… فقد رأت **ظافر** لا يزال واقفًا وسط الثلج منغمسًا في تشكيل رجل ثلجٍ جديد بيديه كأن الأمر لا يعني سواهما… كان ذلك المشهد كافيًا ليصيبها بصدمةٍ واضحة؛ فالرجل الذي عُرف بالصرامة والبرود لم يكن يومًا من أولئك الذين يعبثون بالثلج.

لكن **ماندي** بما عُرف عنها من مهنيةٍ صارمة أخفت دهشتها سريعًا وصرفت نظرها كأن شيئًا لم يكن وتقدمت بخطواتٍ حذرة عبر الثلج حتى اقتربت منهما ثم قالت بنبرةٍ رسمية:

— **آنسة سيرين… سيد ظافر.**

وأكملت وهي تحاول الحفاظ على لياقة صوتها رغم برودة الجو:

— **أرسلتني السيدة شادية لأقلكما إلى المنزل… علينا أن نبدأ الاستعدادات لحفل خطوبة السيد جاسر خلال الأيام القادمة وقد أصرت السيدة شادية على ألا تفوتا هذا الحدث.**

ورغم نبرة الاحتراف التي حرصت عليها كان في سلوكها ما يشي بوضوحٍ بأنها لا ترى **سيرين** جزءًا حقيقيًا من عائلة **نصران**.

أجاب **ظافر** ببرودٍ مقتضب:

— **فهمت.**

غير أن صوته حمل ظلّ انزعاجٍ فوصولها المفاجئ قطع لحظةً خاصة كان يقضيها مع **سيرين** وسط ذلك الصباح الأبيض.

أشارت **ماندي** نحو السيارة بأدبٍ رسمي وقالت:

— **تفضلا… السيارة بانتظاركما.**

لكن **سيرين** كانت على وشك أن تعتذر فما زالت **فاطمة** في المنزل تحتاج إلى رعايتها ولم تكن تنوي المغادرة الآن وقبل أن تنطق بكلمةٍ واحدة ارتفع صوت **ظافر** فجأة حادًا بارداً:

— **اذهبي!**

ثم أضاف بنبرةٍ أكثر صرامة:

— **سنأتي بأنفسنا.**

لمّا شعرت **ماندي** بحدة الغضب في صوت **ظافر** أسرعت بالإيماء برأسها في طاعةٍ صامتة ثم استدارت عائدة إلى السيارة بخطواتٍ متعجلة كأنها تخشى أن يزداد الجو توترًا أكثر مما هو عليه ومن ثم جلست خلف المقود سريعًا وما لبثت السيارة أن انطلقت مبتعدةً عبر الطريق المغطّى بالثلج ومع ذلك لم تستطع مقاومة فضولها… فبينما كانت تغادر التقطت عدة صور لرجال الثلج المنتشرين في أنحاء الفناء أولئك الصغار البيض الذين وقفوا هناك كجيشٍ من الطفولة المتجمدة ثم أرسلت الصور فورًا إلى **شادية** مع رسالة قصيرة:

**السيد ظافر هو من بنى كل هؤلاء الرجال الثلجيين.**

في تلك اللحظة كانت **شادية** تجلس إلى مائدة الطعام تتناول إفطارها بهدوء وما إن لمحت الرسالة حتى توقفت يدها في منتصف الحركة.

**بناء رجال الثلج؟**

تطلعت إلى الصور مرةً أخرى كأنها تشك في عينيها… لم تكن تتخيل قط أن ابنها — الذي لطالما تفاخرَت بصرامته وعقله البارد — قد يتغير إلى هذا الحد بعد فقدانه للذاكرة… كان **ظافر** في الماضي رجلاً لا يضيع وقته في مثل هذه الأشياء… أما الآن فقد صار يفعل ما لم يكن ليفكر فيه يومًا.

تنهدت ببطء وقد خالط الحيرة شيءٌ من القلق.


وفي تلك الأثناء داخل **قصر نصران** الفخم كان **جاسر** يجلس إلى مائدة الطعام تقابله **زوي** في صمتٍ مهذب والجو يلفّه شيء من الرسمية الثقيلة.

مسح **جاسر** يديه بمنديلٍ أبيض ثم التفت إلى والدته وسأل:

— **أمي، هل وافق ظافر وسيرين على المجيء؟**

في ذلك اليوم كان جاسر قد دعا **زوي** لتناول الطعام في القصر وطلب من **شادية** أن تستدعي **ظافر** و**سيرين** كذلك بحجة مساعدتهما في التحضيرات الخاصة بحفل خطوبته القادم.

رفعت **شادية** رأسها بعد لحظةٍ من الشرود ثم استعادت هدوءها وأومأت قائلة:

— **نعم… لقد وافقا… سيصلان قريبًا.**

ثم التفتت إلى **زوي** التي كانت تتابع الحديث باهتمامٍ واضح فسألتها الأخيرة بفضولٍ خفيف:

— **سيدتي شادية… زوجة ظافر هي سيرين تهامي، أليس كذلك؟**

وما إن نُطق اسم **سيرين** حتى تبدلت ملامح **شادية** على الفور إذ تقلّصت ابتسامتها وانعقد حاجباها في عبوسٍ صامت وكأن الاسم وحده كان كافيًا ليبعث في قلبها شيئًا من الضيق… حتى إن ظلّ ذلك التوتر خيّم على المائدة وألقى بثقله على الجو كله.


تعليقات