رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة والسادس عشر
ساد الصمت في أرجاء المنزل لوهلةٍ ثقيلة… صمتٌ بدا كأنه يسدل ستارًا من الترقب فوق المائدة لم يتجرأ أحد على كسره حتى بدت الدقائق القليلة وكأنها أطول مما ينبغي.
وبعد برهةٍ بدت طويلة تنحنحت **شادية** قليلًا وقالت ببرودٍ محسوب:
— **نعم… هذا صحيح.**
ابتسمت **زوي** ابتسامةً خفيفة لم تخلُ من لمسة سخرية، ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
— **إنها ابنة زوجة أبي… لكنني لم أرها منذ عودتي.**
كان الحوار بينهما أشبه برقصةٍ خفية من الكلمات… فكلتاهما امرأتان بارعتان في قراءة ما بين السطور ولم تكن إحداهما بحاجة إلى أن تتظاهر بالبراءة أمام الأخرى فمنذ اللحظة التي وافقت فيها **شادية** على زواج **زوي** من **جاسر** كان من البديهي أنها فتحت دفاتر الماضي وبحثت في كل تفصيلٍ يخصها… لم تكن شادية امرأةً تقبل المصادفات ولا تسمح للمجازفة بأن تدخل بيت **نصران**… وقد جاء قبولها بعد أن تأكدت من كفاءة **زوي** ودهائها إضافةً إلى علمها التام بأن **سارة** — زوجة والدها — لن تجرؤ على إثارة المتاعب معها… فـ **شادية** لم تكن مستعدة لأن تقع مرةً أخرى في الخطأ نفسه… لم تكن تريد زوجة ابنٍ أخرى عديمة الجدوى كما كانت ترى **سيرين**.
ولهذا عندما أعادت الحديث إلى مجراه رسمت على شفتيها ابتسامةً مصطنعة وقالت بلهجةٍ مهذبة تخفي نفاد صبرها:
— **ستكون لديكِ فرص كثيرة لرؤيتها لاحقًا… تفضلي… تناولي المزيد من الطعام.**
كان واضحًا أنها لا ترغب في الاسترسال في الحديث عن **سيرين** أكثر من ذلك… أما **زوي**، فقد اكتفت بابتسامةٍ صغيرة وهي تعود إلى طعامها… لم تكن تسأل بدافع الفضول فحسب؛ بل كانت تختبر ردّ الفعل وتزن الكلمات بميزانٍ دقيق.
ومن خلال ما رأته في تلك اللحظة القصيرة شعرت بثقةٍ تتسلل إلى قلبها… ثقةٍ بأنها بعد زواجها من **جاسر** لن تجد صعوبة في الإمساك بخيوط الأمور داخل عائلة **نصران** وربما — مع مرور الوقت — في إدارة ثروتهم وشؤونهم كما تشاء.
بعد أن فرغوا من الطعام خرج **جاسر** برفقة **زوي** في نزهةٍ قصيرة داخل حدائق القصر… كانت الأشجار العارية تمتدّ تحت سماءٍ رمادية والهواء البارد يمرّ بين الأغصان كأنّه يهمس بأسرارٍ لا يسمعها إلا من يُصغي.
كانت **شادية** قد عرضت على **زوي** أن تبقى معهم لبعض الوقت ولم تجد الأخيرة سببًا للرفض؛ بل إن الفضول كان يدفعها أكثر فقد أرادت أن تعرف المزيد عن **سيرين**… تلك المرأة التي يلتفّ اسمها حول بيت **نصران** كظلٍ يخنقها.
وبينما كانا يسيران على الممر الحجري قالت **زوي** فجأة بنبرةٍ بدت متعاطفة في ظاهرها:
— **جاسر، أشعر أن الأمر غير عادل بالنسبة لظافر… امرأة مثل سيرين لا تستحقه إطلاقًا.**
توقف **جاسر** في مكانه على الفور… لم يبدُ عليه الغضب ولم يرفع صوته… بل التفت إليها ببطء ونظر إليها بنظرةٍ باردة لم تقرأ منها شيئًا ثم قال بهدوء:
— **يبدو أنكِ تعرفين عنها الكثير.**
لكن كلماته لم تُطفئ حماسة **زوي** بل فتحت بابًا آخر لغرورها فتابعت الحديث دون تردد كمن تفرغ ما تراكم في ذهنها من أحكامٍ جاهزة:
— **سمعت عنها من زوجة أبي… صحيح أنها ابنة عائلة تهامي لكن هذا لا يعني شيئًا.**
ثم تابعت باستخفاف:
— **إنها لا تجيد شيئًا تقريبًا… حتى إنها وُلدت بضعفٍ في السمع… لا تستطيع إدارة شركة ولا تملك أي موهبة تُذكر… إنها فاشلة بكل معنى الكلمة.**
لم يكن **جاسر** يتوقع أن تتحدث خطيبته عن **سيرين** بتلك الطريقة الصريحة… أما **زوي** فكانت واثقة تمامًا مما تقول… إذ ظنت أن **سيرين** امرأة بلا مهارات ولا إنجازات وأنها مجرد اسمٍ فارغ في عائلةٍ عريقة… لكن ما لم تكن تعرفه أن الأغنية التي بذلت جهدًا كبيرًا للحصول عليها وتباهت بها أمام الجميع لم تكن سوى عملٍ من تأليف **سيرين** نفسها — وقد حصلت عليها بسهولةٍ لم تتخيلها **زوي**.
أما في عالم الأعمال فالمشروع الذي أدارته **سيرين** بهدوءٍ بعيدًا عن الأضواء قد حقق أرباحًا تفوق بكثير الأموال التي أنفقتها **زوي** في مشاريعها المتعثرة.
تنفس **جاسر** ببطء ثم قال أخيرًا بصوتٍ هادئ لكنه بارد كريح الشتاء:
— **زوي… لا تتحدثي عن الآخرين من وراء ظهورهم مرةً أخرى.**
توقف قليلًا ثم أضاف بنبرةٍ أكثر حزمًا:
— **وخاصةً عندما يتعلق الأمر بأشخاصٍ أكبر منا… لا يعجبني هذا الأسلوب.**
كانت كلماته مهذبة كما اعتاد لكن برودها كان كافيًا ليجعل الهواء بينهما أثقل مما كان قبل لحظات.
أرادت **زوي** أن تضيف شيئًا آخر لكن ملامحها تغيّرت فجأة عندما سمعت كلمات **جاسر** إذ انقبض وجهها وتسلّل إلى قلبها شعورٌ ثقيل كأن سؤالًا أخذ يلحّ عليها:
هل بدأ **جاسر** ينفر منها؟
ثم إن فكرة كونه يعتبر **سيرين** أكبر منها مقامًا أو شأنًا لم ترُق لها قط فهي لم تعتد أن تُقاس بغيرها ولا أن يُنتقص من رأيها… فقد تربّت مدللةً تُلبّى رغباتها قبل أن تنطق بها ولذلك لم تعرف يومًا متى يجب أن تتراجع فرفعت ذقنها قليلًا وقالت ببرودٍ يوشك أن يخفي ضيقها:
— **أنا لم أقل سوى الحقيقة… وإن كان سماعها يزعجك فلن أذكرها مرةً أخرى.**
وما إن أنهت عبارتها حتى استدارت بعنادٍ ظاهر ومضت مبتعدة بخطواتٍ سريعة كمن تريد أن تثبت أن انسحابها قرارٌ لا ندم فيه.
أما **جاسر**… فلم يتحرك… ولم يحاول اللحاق بها ولم ينادِ باسمها بل ظل واقفًا في مكانه ساكنًا كتمثالٍ من الصبر البارد.
في تلك اللحظة كانت **جاكي** تسير خلفهما على مسافةٍ غير بعيدة وحين رأت ما حدث أسرعت نحوه بخطواتٍ خفيفة وقدّمت له معطفه قائلة بقلقٍ مهذب:
— **ما بها الآنسة زوي، سيد جاسر؟ يبدو أنها غاضبة.**
أخذ **جاسر** المعطف وارتداه ببطء ثم قال بنبرةٍ هادئة لا تحمل أثر اضطراب:
— **جاكي… من فضلكِ أريدك أن تحضري لي شيئًا… سأرسل لكِ العنوان لاحقًا.**
أومأت فورًا دون أن تسأله عن شيء.
— **بالتأكيد، سيدي.**
كانت تعرف حدودها جيدًا وتدرك أن الفضول في مثل هذه الأمور لا يُستحسن لذلك ما إن تلقت تعليماته حتى انصرفت لتنفيذ ما طُلب منها.
وبعد أن ابتعدت أخرج **جاسر** هاتفه من جيبه وحدّق في الرسالة التي وصلته قبل قليل من الصيدلي.
كانت الكلمات قصيرة، لكنها واضحة:
*«هذا دواء فعّال يا سيد جاسر… أتمنى لك ولخطيبتك ليلة سعيدة.»*
ظل ينظر إلى الشاشة لحظةً صامتة ثم أطفأ الهاتف ببطء.
—
وفي مكانٍ آخر كانت **سيرين** قد أنهت جميع الترتيبات المتعلقة بـ **فاطمة** و**نوح** بعنايةٍ هادئة ولم تترك تفصيلًا صغيرًا دون أن تضعه في موضعه الصحيح محاولة أن تضمن لهم الطمأنينة قبل أي شيء.
بعد ذلك اتصلت بـ **كوثر** وأبلغت **زكريّا** أنها ستعود إلى المدينة من أجله وحين انتهت من كل شيء ذهبت إلى **قصر نصران** برفقة **ظافر**… لكن الطريق إلى القصر لم يكن خاليًا من الصمت الثقيل.
كانت كلمات **جاسر** التي سمعتها في المرة الماضية لا تزال تدور في ذهنها كصدى بعيد لا ينطفئ ويبدو أن **ظافر** شعر بشيءٍ من ذلك الصمت الكامن في قلبها إذ مدّ يده فجأة وأمسك بيدها بقوةٍ غير معتادة فارتعش قلب **سيرين** للحظة.
رفعت عينيها إليه بدهشةٍ خفيفة كأن هذا المشهد قد مرّ بها من قبل… كأن الزمن يعيد نفسه في دائرةٍ غامضة… نظرت إليه بصمت لكنها
لم تسحب يدها.
