رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة والسابع عشر 417 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة والسابع عشر

حين وصلا إلى القصر كان الليل قد بسط عباءته الداكنة فوق المكان وأخذت أضواء الحديقة تتلألأ بين الأشجار كنجومٍ هبطت لتستريح على العشب حتى توقفت السيارة أمام المدخل الكبير فتقدمت إحدى الخادمات مسرعة وفتحت الباب باحترام ثم انحنت قليلًا قائلة:

**سيد ظافر… آنسة تهامي… العشاء جاهز… لقد كنا ننتظركما.**

ما إن أنهت عبارتها حتى ارتسم على وجه **ظافر** شيء من البرود الصارم ومن ثم التفت إليها بنظرةٍ ثابتة وقال بلهجةٍ هادئة لكنها تحمل حدّة مقصودة:

**ماذا قلتُ لكِ في المرة الماضية؟**

تجمدت الخادمة في مكانها لوهلة عندها تذكرت فجأة ذلك اليوم… حين كان **ظافر** قد أصدر أوامره لجميع العاملين في القصر بأن تُنادَى **سيرين** باسمٍ واحد لا غير:

**السيدة نصران**.

كان ذلك قبل أن يبتلع النسيان ذاكرته وقبل أن تتبدل الأحوال… خفضت الخادمة رأسها سريعًا وقد بدا الارتباك واضحًا على ملامحها ثم قالت بصوتٍ خافت:

— **نعم… أنا آسفة يا سيدة نصران.**

لقد تذكرت جيدًا ما قاله… ومع ذلك لم تكن المسألة مجرد نسيانٍ عابر؛ فالقصر في تلك الأيام كان يخضع لنفوذ **جاسر** وهو من يسيّر أموره ويصدر أوامره ثم إن الخادمة نفسها لم تكن تخفي استهانتها بـ **سيرين** بل اعتادت أن تستهدفها بالسخرية كلما سنحت لها الفرصة لكن ما حدث الآن بدد تلك الجرأة في لحظة.

أما **سيرين**… فقد وقفت صامتة للحظات وقد باغتها الموقف على نحوٍ لم تتوقعه إذ لم يخطر ببالها قط أن يقف **ظافر** يومًا ليدافع عنها بهذه البساطة وبهذا الحزم ولهذا حين نظرت إليه بطرف عينيها شعرت بشيءٍ يتبدل في داخلها وكأن صورة الرجل الذي كانت تعرفه بدأت تتشقق قليلًا لتكشف عن ملامحٍ أخرى لم ترها من قبل… رجل يمكنها الاعتماد عليه. وفي تلك اللحظة ودون أن تشعر تغيّر رأيها فيه… ولو بقدرٍ يسير.

ما إن ترجّلا من السيارة حتى اتجها بخطواتٍ هادئة نحو غرفة الطعام… كانت أضواء القاعة تتلألأ فوق المائدة الكبيرة فيما كان **جاسر** و**زوي** قد سبقا الجميع إليها منذ وقتٍ غير قصير.

جلست **زوي** هناك بوجهٍ هادئ ظاهريًا غير أن في صدرها بقايا ضيقٍ لم تخمد نيرانه بعد ما حدث في وقتٍ سابق من ذلك اليوم إذ كانت كلمات **جاسر** لا تزال ترنّ في أذنيها كصدى ثقيل لكن ما إن رأت باب القاعة يُفتح و**ظافر** يدخل برفقة **سيرين** حتى انجذب بصرها إليهما فورًا بل إلى **سيرين** على وجه الخصوص.

لم تكن **زوي** قد رأت **سيرين** من قبل إلا رؤيةً عابرة… مجرد اسمٍ يتردد في الأحاديث أو صورةٍ باهتة في الذهن ولذلك لم تكن تتوقع أن تراها بهذه الهيئة.

تأملتها للحظات… كانت **سيرين** تشبهها إلى حدٍ ما في الملامح غير أن شيئًا خفيًا كان يميزها… شيئًا لا يُفسَّر بسهولة… فعيناها على وجه الخصوص كانتا أعمق وأجمل؛ عينان إذا وقعتا في الذاكرة صعب على النسيان أن يمحوهما.

لحظات وخفّت غيرة **زوي** قليلًا عندما وقع بصرها على أجهزة السمع الصغيرة التي تضعها **سيرين** خلف أذنيها فنهضت من مقعدها ورسمت على شفتيها ابتسامةً مصطنعة وهي تقول:

— **مرحبا ظافر… أهلاً سيرين.**

أومأت **سيرين** برأسها تحيةً لكنها لم تفُتها تلك النبرة المصقولة التي بدت كأنها مصنوعة بعناية وفي داخلها خطر لها أن **زوي** تجيد التمثيل أكثر مما ينبغي.

وحين اقتربت أكثر سنحت لها فرصة تأملها جيدًا… بدت **زوي** تمامًا كما ظهرت في مقاطع الفيديو التي رأتها من قبل؛ امرأة أنيقة يفيض حضورها بثقةٍ لا تنكر… بل إن في ملامحها شيئًا من بريق **سارة** وأسلوبها.

في تلك اللحظة نهض **جاسر** من مكانه واقترب منهما ثم مدّ يده مصافحًا أخاه قائلاً:

— **مرحبا يا ظافر.**

بدا **ظافر** متيبسًا قليلًا ربما من برودة الجو أو ربما هناك شيء آخر فهز رأسه بإيجاز وقال:

— **مهلًا…**

قبل أن تتم المصافحة كانت **سيرين** قد تقدمت خطوة وأسندت ذراعه برفق تساعده على الجلوس في مقعده ثم جلست إلى جواره بعد ذلك.

لكن رغم الأضواء الدافئة والمائدة العامرة ظل الهواء في غرفة الطعام مشبعًا بتوترٍ…

توتر صامت كأنه ينتظر شرارة صغيرة ليكشف ما يخفيه الجميع في صدورهم.

كانت **شادية** ما تزال في غرفة نومها تمسك الهاتف بيدٍ مشدودة وقد انتهت لتوّها من مكالمةٍ قصيرة مع زوجها **عدنان** وقد طلبت منه أن يعود إلى القصر في أقرب وقتٍ ممكن… لم يكن **عدنان** من الرجال الذين يعتادون المبيت في **قصر نصران**؛ بل كان حضوره نادرًا لا يحدث إلا حين تضيق الأمور وتستدعي الضرورة حضوره.

وحين أنهت المكالمة أخذت نفسًا عميقًا ثم غادرت الغرفة أخيرًا متجهة إلى غرفة الطعام وما إن دخلت حتى وقعت عيناها على الأربعة الجالسين حول المائدة فتوقفت لحظة تتفحص الوجوه ثم سحبت كرسيًا وجلست بهدوء وقالت بنبرةٍ حازمة:

— **لنبدأ الطعام.**

انطلقت الأيدي نحو الصحون غير أن الأمر لم يكن سهلًا بالنسبة إلى **ظافر** الذي كان يجلس بصمتٍ هادئ… فبسبب فقدانه للبصر كانت إحدى الخادمات تتقدم بين الحين والآخر لتضع له الطعام في موضعه وتساعده في ترتيب المائدة أمامه.

راقبت **شادية** ذلك المشهد بعينين ضيقتين وشعورٌ من الضيق قد تسلل إلى صدرها ولم يمضِ وقت طويل حتى التفتت إلى **سيرين** وقالت بنبرةٍ بدت مهذبة في ظاهرها لكنها تخفي جفاءً واضحًا:

— **سيرين لا أريد أن أزعجك… لكن ظافر زوجك… وبما أنه لا يستطيع الرؤية، أليس من واجبك أن تعتني به وتساعديه على تناول طعامه قبل أن تبدئي أنتِ بالأكل؟**

كادت **سيرين** تفتح فمها لتجيب لكن صوتًا آخر سبقها إذ قال **ظافر** بلهجةٍ هادئة لكنها قاطعة:

— **سيرين زوجتي… وليست خادمة.**

ساد الصمت للحظة… بدت **شادية** مذهولة كأن الكلمات قد سُلبت من لسانها فجأة فهي لم تتوقع منه هذا الرد ولا هذه الجرأة… لقد تغيّر **ظافر** كثيرًا منذ أن فقد ذاكرته؛ تغيّر بطريقةٍ لم تعد تستطيع التنبؤ بها.

على الجانب الآخر من المائدة كانت **زوي** تراقب المشهد في صمت… رأت كيف وقف **ظافر** يدافع عن **سيرين** دون تردد فاشتعل في قلبها شيءٌ لاذع يشبه الغيرة… حاولت أن تخفي ذلك الشعور سريعًا ومدّت يدها تضع بعض الطعام في طبق **جاسر** قائلة بلطفٍ مصطنع:

— **يجب أن تأكل أكثر يا جاسر.**

نظر **جاسر** إلى الطعام في طبَقه للحظةً ومن ثم لمعت في عينيه نظرة باردة خاطفة كأنها ومضة شتاءٍ عابرة لكنه سرعان ما أخفاها بابتسامةٍ هادئة وهو يقول:

— **بالطبع… وأنتِ أيضًا ينبغي أن تأكلي المزيد.**

عاد الصمت يخيّم على المائدة من جديد لكنّه لم يكن صمتًا عاديًا… بل صمتٌ ثقيل.

وبينما كان **جاسر** يتحدث لم تَحِد عيناه عن **سيرين** لحظة… كان يراقبها بنظراتٍ هادئة في ظاهرها لكنها تحمل شيئًا من التمحيص كمن يزن ردود أفعالها دون أن يشعر به أحد.

ثم ألقى نظرةً عابرة على الخادمة الواقفة غير بعيد ففهمت الإشارة على الفور ومن ثم أسرعت تتقدم بخطواتٍ خفيفة وسكبت كأسًا من الشراب لكل واحدٍ منهم ثم تراجعت في صمت.

عاد الجميع إلى تناول طعامهم لكنّ السكينة التي بدت على المائدة لم تكن سوى قشرةٍ رقيقة تخفي تحتها اضطرابًا خفيًا.

ظل كلٌّ منهم غارقًا في أفكاره كأن العقول قد افترقت وإن اجتمعت الأجساد حول مائدةٍ واحدة.

أما **سيرين** فقد بدأ شعورٌ غامض يتسلل إلى داخلها… إحساسٌ خافت بأن شيئًا ما في هذا الجو ليس طبيعيًا.

لم تكن قدرتها على احتمال الكحول كبيرة لكنها في الوقت نفسه لم تكن من الضعف بحيث يدوّخها كأسٌ واحد… وما إن مضت لحظات حتى شعرت بدوارٍ خفيف في رأسها كدوامةٍ بطيئة.

عقدت حاجبيها تلقائياً وهي تحاول تفسير الأمر ثم قالت في سرّها إن السبب لا بد أن يكون طول بقائها في السيارة أثناء الطريق وهكذا طردت الفكرة من ذهنها ولم تشأ أن تثير حولها شكوكًا لا ضرورة لها.

أما **ظافر** فقد شرب رشفة من النبيذ نفسه غير أن خبرته الطويلة في عالم الأعمال وما اعتاد رؤيته من حيلٍ ملتوية ونياتٍ مخفية جعلت حذره حاضرًا دائما لذا لم يكمل بل تظاهر بالشرب يخفض يمينه ساكباً محتويات كأسه في المزهرية المجاورة لقدمه أرضاً شاكراً سيرين في داخله كونها اختارت له هذا المقعد تحديداً.

وبهذا لم يتجرع النبيذ كما يفعل الآخرون بل اكتفى برشفاتٍ قليلة لم تمس جوفه ثم سكب الباقي بهدوءٍ دون أن يلفت الانتباه… وبعد أن انتهت الوجبة أخيرًا نهضت **سيرين** من مقعدها وقد بدا عليها شيءٌ من الإرهاق، واستعدت للمغادرة برفقة **ظافر**.


لكن ما إن خطوا بضع خطوات نحو الباب حتى أسرع **جاسر** خلفهما وقال بنبرةٍ بدت حريصة:

— **الثلج يتساقط بغزارة في الخارج… دعاني أوصلكما إلى المنزل.**

كان صوته لطيفًا… لكن في عمق نظرته شيءٌ آخر لم يكن من السهل قراءته.

تعليقات