رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة والثامن عشر
نهضت **زوي** كذلك من مقعدها وقد لمعت في عينيها رغبةٌ واضحة في اللحاق بهما غير أن **جاسر** التفت إليها قبل أن تخطو خطوة واحدة وقال بنبرةٍ هادئة:
— **زوي… انتظريني هنا.**
كان صوته لطيفًا لا يحمل خشونة ومع ذلك لم تجد زوي مجالًا للاعتراض خاصةً أمام **شادية** الجالسة غير بعيد فاكتفت بابتسامةٍ باهتة بينما كان الضيق يتسلل إلى صدرها ببطء.
فهي في النهاية على وشك أن تصبح خطيبته رسميًا ومن الطبيعي — في نظرها — أن يرافقها أولًا أو يوليها اهتمامه قبل أي أحدٍ آخر لكن ما حدث لم يكن كذلك.
وحين خرج **جاسر** من القصر بقيت **زوي** واقفة في مكانها تقبض على يديها بقوةٍ حتى انغرست أظافرها في راحتيها تحاول كبت ما يتصاعد في صدرها من غيظٍ مكتوم.
أما في الخارج كان الليل قد اشتدّ ظلامه والثلج يهطل بكثافة يغطي الأرض بطبقةٍ بيضاء تزداد سماكة مع كل لحظة… وقد ظنت **سيرين** أن **جاسر** سيكتفي بمرافقتهما حتى البوابة فحسب لذلك لم تجد سببًا لرفض عرضه ومن ثم تقدمت إلى الأمام ببطء تمسك بذراع **ظافر** لتعينه على السير بينما الريح الباردة تعبث بحواف معطفها… غير أن شيئًا غريبًا بدأ يحدث… شيئًا فشيئًا أخذت رؤيتها تتشوش كمن انسدل الضباب فوق عينيها دون استئذان فلم يعد الطريق واضحاً أمامها كما كان قبل لحظات.
عبست قليلًا ثم قرصت كفّها بقوة لتحافظ على يقظتها… أما **ظافر** فكان يشعر بخطوات **جاسر** خلفهما ولذلك مدّ يده فجأة وأمسك بيد **سيرين** بكفٍ دافئة وثابتة.
في اللحظة التي لامست فيها يدها يده استعادت **سيرين** شيئًا من وعيها وكأن دفئه قد أعاد إليها توازنها فرفعت عينيها إليه وعلى وشك أن تسحب يدها… لكن **ظافر** شدّ قبضته قليلًا مانعًا إياها من الإفلات ثم التفت برأسه قليلًا نحو **جاسر** وقال بنبرةٍ باردة كأنه يُغلق باب الحديث:
— **يمكنك أن تتركنا هنا.**
وتابع بعد لحظة قصيرة:
— **آه… وبدلاً من أن تضيّع وقتك علينا بنجاستك… الأفضل أن تكرّس جهدك لإدارة العمل.**
توقف **جاسر** فجأة في مكانه وقد أدرك في تلك اللحظة معنى التلميح الذي ألقاه **ظافر** منذ قليل… لم يكن بحاجةٍ إلى كثيرٍ من التفكير فقد فهم أن ظافر قد كشف الأمر… وعلم أيضاً أن انهيار مشاريع العائلة مؤخرًا لم يكن صدفة كما أدرك **جاسر** حينها سبب برود **ظافر** طوال الوقت وسبب عدم ظهور أي أثرٍ لما وُضع في الشراب… عندها انزلقت على شفتيه ابتسامة ساخرة وقال بنبرةٍ تختلط فيها السخرية بالتحدي:
— **هذا خطؤك أنت يا ظافر.**
ثم أضاف وهو يحدق فيه بحدة:
— **أنا فقط أستعيد شيئًا كان يجب أن يكون لي منذ البداية… فما الخطأ في ذلك؟**
ساد صمتٌ ثقيل بين الرجلين وكأن الليل قد توقف ليستمع إلى ما سيحدث بعد ذلك.
أما **سيرين** فلم تكن في حالٍ تسمح لها بفهم ما يدور بينهما إذ أخذ الدوار يشتد في رأسها والإرهاق يتسلل إلى جسدها شيئًا فشيئًا حتى صارت عيناها تثقلان كأن النوم يسحبهما إلى عالمٍ بعيد… حاولت أن تبقى يقظة… لكن جسدها خانها… وببطء مالت نحو **ظافر** حتى استندت إلى كتفه فلم يعترض **ظافر** بل مدّ ذراعيه فورًا وحملها بثبات كأن الأمر طبيعي تمامًا حتى استقرت رأسها على صدره وفي غضون لحظات قليلة غلبها النوم… لكن نومها لم يكن هادئًا… ففي أعماق غفوتها شعرت بحرارة غريبة تشتعل في جسدها ونار تسري في عروقها… إحساسٌ مربكٌ ومزعج جعل أنفاسها تتسارع حتى وهي غارقة في النوم.
راقب **جاسر** المشهد بغيرة واضحة وما إن تأكد أن **سيرين** قد فقدت وعيها تمامًا حتى زالت ابتسامته الساخرة وقال بلهجةٍ أكثر صراحة:
— **حان الوقت يا ظافر لتعيد ما ليس لك.**
ثم تابع ببرودٍ جارح:
— **هي لم تحبك منذ البداية.**
عند سماع تلك الكلمات ارتسمت على شفتي **ظافر** ابتسامة خفيفة أقرب إلى ضحكةٍ ساخرة مكتومة ثم قال بهدوءٍ يحمل شيئًا من التحدي:
— **وماذا لو لم تحبني؟**
وأردف بثبات:
— **أنا زوجها الشرعي.**
ثم رفع عينيه نحوه رغم ظلامهما وأضاف بنبرةٍ حادة:
— **ولو أردت أن تلوم أحدًا… فابدأ بنفسك… أنت من انتحل شخصيتي آنذاك.**
ساد الصمت للحظة أخرى ثم وقبل أن يبتعد ألقى **ظافر** تحذيرًا أخيرًا بصوتٍ بارد:
— **توقف عن استخدام هذه الحيل القذرة مرةً أخرى.**
وتابع بنبرةٍ أشد قسوة:
— **وإلا… فلا تلمني على ما قد أفعله.**
ظلّ **جاسر** واقفًا في مكانه يراقب **ظافر** وهو يبتعد ببطء وسط الثلوج المتساقطة بينما كانت **سيرين** ساكنةً بين ذراعيه كزهرةٍ أرهقها البرد فأغمضت بتلاتها ومع ابتعاد الخطوات تلاشت تلك النظرة المكسورة التي كانت تلوح في عيني **جاسر** وحلّ محلّها بريقٌ بارد لا يشي سوى بجحيم قادم.
استدار أخيرًا عائدًا نحو القصر غير أنه توقف فجأة حين لمح **زوي** تقف خلفه على مسافةٍ قريبة فتبدلت ملامحه إلى الصدمة في لحظة وسألها بنبرةٍ حاول أن يجعلها طبيعية:
— **هل كنتِ واقفة هنا طوال الوقت يا زوي؟**
رمقته **زوي** بنظرةٍ متعجبة إذ بدا سؤالُه غريبًا بعض الشيء فأجابت بهدوء:
— **لا… لقد وصلت للتو… ما الأمر؟**
تأملها لحظةً قصيرة ثم صرف النظر عن السؤال كأنه لم يكن مهمًا وقال ببرودٍ هادئ:
— **لا شيء… هيا دعيني أعيدك إلى الداخل.**
لكن قبل أن يتحركا تقدمت **زوي** خطوةً نحوه ومدّت ذراعيها تعانقه فجأة وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ خفيفة وهي تهمس:
— **سنُعلِن خطبتنا قريبًا يا جاسر… دعني أبقى معك الليلة.**
غير أن **جاسر** لم يبادلها العناق بل أبعد ذراعيها عنه برفقٍ دون خشونة وقال بصوتٍ هادئ:
— **زوي… أفضّل أن نحتفظ بذلك لليلة زفافنا.**
اتسعت عينا **زوي** قليلًا بدهشةٍ خفيفة… فهي لم تتوقع أن ترى في هذا العالم رجلًا لا يزال يتمسك بمثل هذا التحفظ لكن بعد لحظةٍ قصيرة ارتخت يداها إلى جانبيها وارتسمت على وجهها ابتسامة متملقة ثم قالت برقة مصطنعة:
— **بالطبع.**
_____________
في تلك الأثناء كانت **سيرين** غارقة في شعورٍ غريب لم تعهده من قبل… حرارةٌ شديدة تسري في جسدها كأن نارًا قد أُضرمت في عروقها… ترتجف أحيانًا ثم تشعر في اللحظة التالية بلهيبٍ يكاد يحرقها فلطالما كانت أكثر ما تخشاه هو البرد… تنفر من نسمةٍ باردة كما تهاب الطيور العواصف لذلك لم تفهم ما الذي أصابها في تلك الليلة.
تمتمت بصوتٍ متعب وهي تقبض على قميص **ظافر** بإحكام تبحث فيه عن سندٍ يحميها من اضطرابها:
— **الجو… حار.**
في تلك اللحظة كان **ظافر** قد أجلسها بالفعل في السيارة وانطلقت بهما عبر الطريق المكسو بالثلج نحو المستشفى.. التفت برأسه إليها ثم سألها بنبرةٍ خفيفة يمازحها رغم قلقه:
— **هل أصبتِ بنزلة برد؟**
مدّ يده ليتحسس جبينها أولًا فشعر بحرارتها المرتفعة ثم انزلقت أصابعه النحيلة إلى خديها… فكانت الحرارة هناك أشد كأن الحمى قد اتخذت من وجهها موطنًا.
هزّت **سيرين** رأسها ببطء ثم مالت تضغط خدها على راحته الدافئة… لم يمنحها ذلك سوى قدرٍ يسير من الراحة لكنها تمسكت به ومن ثم قالت بصوتٍ خافت متعب:
— **لا أعرف… لنعد بسرعة… أنا متعبة جدًا.**
أجابها **ظافر** على الفور لكن صوته خرج أجش قليلًا مثقلًا بما يعتمل في صدره من نشوى:
— **بالتأكيد.**
يعوزها رغم الحقيقة التي تضغط على قلبه وكانت أشد قسوة فمنذ أن أصبحت **سيرين** حاملًا لم يكن ينبغي لها أن تشرب الكحول من الأساس… وفوق ذلك كله لم يتردد **جاسر** في دسّ مادةٍ منشطة في شرابها.
أغمض **ظافر** عينيه للحظة وقد اجتاحه شعورٌ لاذع بالندم… لقد لام نفسه بصمت لأنه لم ينتبه في الوقت المناسب ولم يمنعها من الشرب قبل أن يحدث كل ذلك إذ اعتقد إنه المستهدف من قِبل جاسر لا هي.
