رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة والتاسع عشر
كانت **سيرين** في تلك الليلة أكثر اضطرابًا مما اعتادت… شعورٌ خانق بالحرارة يتسلل إلى جسدها وإرهاقٌ يثقل أطرافها كأن التعب قد اتخذ منها مأوى… فتنفست ببطء ثم تمتمت بصوتٍ واهن وكلماتها تخرج من بين أنفاسٍ متقطعة:
— **إلى أين نحن ذاهبون يا ظافر؟ أشعر… أنني سأصاب بدوار الطريق.**
التفت **ظافر** نحوها قليلاً وعلى الرغم من عينيه اللتين لا تبصران فإن صوته كان يحمل دفئًا يكفي لطمأنة قلبٍ قلق ومن ثم قال برفقٍ يشبه الهمس:
— **استندي إليّ… وأغمضي عينيكِ قليلًا… نامي فقط… وستشعرين بتحسن.**
لم تجادله بل مالت نحوه ببطء واستقرت رأسها على كتفه كمن وجدت أخيرًا موضعًا آمنًا تستريح فيه وأغمضت عينيها بينما السيارة تشق طريقها عبر الليل الأبيض.
كانا قريبين إلى حدٍ أربك أنفاسه… فمن تلك المسافة الضيقة استطاع **ظافر** أن يلتقط عبير عطرها الخفيف… رائحة رقيقة تشبه الزهر حين يبلله الندى… تسلل العطر إلى صدره فأثقل أنفاسه وأيقظ في داخله شيئًا حاول طويلًا أن يقيده.
ابتلع ريقه بصعوبة وشدّ قبضته قليلًا على ظهر المقعد الذي أمامه محاولًا أن يكبح ما يتصاعد في صدره من رغباتٍ لا يليق بها أن تستيقظ في مثل تلك اللحظة وبعد وقتٍ بدا أطول مما هو عليه وصلت السيارة أخيرًا إلى المستشفى.
لم يتردد **ظافر** لحظة بل حملها بين ذراعيه بعنايةٍ كما لو كانت شيئًا هشًّا يخشى عليه من الكسر وسار بها إلى جناحٍ خاص حيث باشر الطبيب فحصها.
مرّت ساعة كاملة… ساعة ثقيلة من الانتظار والقلق.
وأخيرًا خرج الطبيب ليطمئنهم أن النبيذ لم يُمزج بأي مادةٍ تؤذي جسدها وأن ما تعانيه مجرد أعراضٍ عابرة ستزول بعد قليل من الراحة… في تلك اللحظة اندفع **طارق** إلى داخل الجناح بقلقٍ واضح وهو يقول:
— **ماذا حدث يا ظافر؟**
كانت **سيرين** آنذاك غارقة في نومٍ عميق أنفاسها هادئة كأنها موجٌ خافت على شاطئٍ ساكن.
رفع **ظافر** يده مشيرًا إلى **طارق** أن يخفض صوته ثم قاده معه إلى خارج الغرفة… سأله **طارق** بقلق:
— **لماذا هي في المستشفى يا ظافر؟**
أجاب **ظافر** بصوتٍ هادئ لكنه يحمل أثر توترٍ لم يزل:
— **تناولت شيئًا لم يكن ينبغي لها تناوله… لكن لا يبدو أن هناك خطرًا الآن.**
في الحقيقة كان **ظافر** قد شعر بقلقٍ شديد في البداية حتى أنه طلب من **طارق** أن يأتي على الفور… فهو… لا يرى… وهذه الحقيقة كانت تضغط على قلبه أكثر من أي وقتٍ مضى… ما حدث هذه الليلة أعاد إليه مرارة فقدانه لبصره… لو كان قادرًا على الرؤية… لو استطاع أن يرى ما يجري حوله ربما ما كانت الأمور لتصل إلى هذا الحد.
تنهد **طارق** أخيرًا وقال بارتياح:
— **الحمد لله… يسعدني سماع ذلك.**
ففي أعماقه كان يشعر بدينٍ ثقيل تجاه **سيرين** فقد أنقذته يومًا من موت محتم ولم يكن ليسمح أن يصيبها مكروه قبل أن يرد لها ذلك الجميل لذا أراد أن يبقى بجانبها حتى تستيقظ لكنه ما لبث أن أفأفة اعتراض من **ظافر** كانت كافية لفهم الرسالة بأنه لا مكانٌ له هنا لذلك غادر الجناح أخيرًا على مضض… وبعد أن خلا المكان عاد **ظافر** إلى الغرفة.
وقف لحظة يتأمل ملامح **سيرين** النائمة ثم اقترب منها بهدوء وحملها بين ذراعيه مرة أخرى… بنفس العناية التي حملها بها أول مرة… بنفس الثبات… بنفس الشغف.
عندما غادر المستشفى يحملها كان الليل لا يزال يغمر الطرقات والثلج يتساقط بصمت.
أما بين ذراعيه…
فكانت **سيرين** تنام بطمأنينةٍ كاملة كأن قلبها قد اختار دون وعيٍ أن يثق بالمكان الوحيد الذي يشعر فيه بالأمان.
فتحت **سيرين** عينيها ببطءٍ عند منتصف الليل تقريبًا كأن النوم كان يمسك بجفونها بخيوطٍ ثقيلة لا تريد أن تنفك… أخذت لحظة تستعيد وعيها ثم راحت تنظر حولها في الغرفة بارتباكٍ خفيف.
لم تكن في المستشفى كما ظنت بل كانت في **قصر نصران**… غير أن المكان لم يكن الجناح الرئيسي للقصر بل الملحق الخاص بـ **ظافر** القائم إلى جوار المبنى الكبير… ذلك المكان الأكثر هدوءًا وعزلة.
حاولت أن تتحرك قليلًا لتجلس لكن يدها لامست فجأة شيئًا دافئًا إلى جوارها… عبست في حيرة ومن ثم مدّت أصابعها تتحسس ذلك الشيء ثم قرصته بخفة لكنها سرعان ما أدركت أن ما لمسته صلبٌ ودافئ في آنٍ واحد.
استدارت ببطء فإذا بوجه **ظافر** قريبٌ منها… عندها اتسعت عيناها قليلًا إذ فهمت في الحال أنها كانت قبل لحظة تقرص ذراعه دون أن تدري.
أفلتت من بين ذراعيه بسرعة كمن لامست جمرة ثم اعتدلت جالسةً على السرير.
أما **ظافر** فقد شعر بحركتها فالتفت نحوها وسأل بصوتٍ أجشٍ من أثر النوم:
— **هل ما زلتِ تشعرين بالتعب؟**
احمرّ وجه **سيرين** خجلًا وتجنبت النظر نحوه وهي تقول محاولةً تبرير ما حدث:
— **لا… ربما كنت فقط متعبة لأننا بقينا في السيارة وقتًا طويلًا.**
عندما سمع **ظافر** تفسيرها لم يشأ أن يكشف الحقيقة فاكتفى بأن قال بهدوء:
— **ربما… لكن تذكري في المستقبل ألا تأكلي أو تشربي كل ما يُقدَّم لكِ.**
لم يزد على ذلك حرفًا فهو في النهاية لا يستطيع أن يرى ما يحدث حوله… ولن يعرف دائمًا ما قد تتناوله أو تفعله حين يغيب انتباهه.
هزّت **سيرين** رأسها مطمئنة:
— **بالطبع.**
لم يخطر ببالها مطلقًا أن مشروبها قد يكون دُسّت فيه مادةٌ ما بل إنها كانت قد سألت الخادمة عن النبيذ الذي شربته في تلك الليلة فأخبرتها بثقةٍ أن ذلك النوع لا يحتوي إلا على نسبةٍ ضئيلة من الكحول وأنه مناسب حتى للحوامل.
تنهد **ظافر** ثم قال بنبرةٍ هادئة بدت بريئة في ظاهرها:
— **حسنًا… فلنكمل النوم… لن تشرق الشمس إلا بعد بضع ساعات.**
نظرت **سيرين** حولها داخل الغرفة فلاحظت شيئًا غريبًا… لم يكن هناك سوى السرير وأن الأريكة التي اعتادت أن تراها في هذا الجناح… قد اختفت.
رفعت حاجبيها بتركيز ولم يحتج الأمر إلى كثير من التفكير لتفهم من الذي أمر بإخراجها من الغرفة لكنها لم تقل شيئًا ولحسن الحظ كان السرير واسعًا للغاية بما يكفي ليمنحها مساحةً آمنة بعيدًا عنه فقالت بهدوء:
— **حسنًا.**
ثم تحركت إلى حافة السرير وتكوّرت هناك كقطّةٍ صغيرة تبحث عن دفءٍ هادئ وما هي إلا لحظات حتى غلبها النعاس مرة أخرى لتغرق في نومٍ عميقٍ كأن الليل قد احتضنها من جديد.
مع انبلاج الصباح شقّ صوت المنبّه سكون الغرفة كصفعةٍ حادّة على جفون النوم فاستيقظت **سيرين** على رنينه المزعج تفتح عينيها ببطء وما إن استعادت وعيها حتى أدركت شيئًا أربك قلبها… لقد كانت مرةً أخرى بين ذراعي **ظافر**.
تجمّدت للحظة كأنها تخشى أن تفضح أنفاسها ارتباكها أما خارج النافذة فقد كان الصباح قد استوى على عرشه؛ وضوءٌ نقيّ يتسلل إلى الغرفة معلنًا أن النهار قد بدأ بالفعل.
أبعدت نفسها عنه بحذرٍ شديد كمن تنتزع خيطًا من حريرٍ لا تريد له أن ينقطع ثم نهضت مسرعة فقد تذكّرت فجأة ما ينتظرها ذلك اليوم إذ كان عليها أن تساعد **جاسر** في الاستعداد لعشاء الخطوبة فلم تكن تملك رفاهية التفكير في أمرٍ آخر لذلك تجاهلت ارتباكها وبدأت ترتّب الغرفة على عجل… تجمع ما تناثر هنا وهناك وتعيد الأشياء إلى مواضعها محاولة أن تعيد النظام إلى أفكارها أيضًا.
ففي المدينة لم تكن الخطوبة مجرد وعدٍ بسيط بين قلبين بل طقسٌ طويل من العادات والتقاليد؛ تفاصيل لا تُحصى وأشياء كثيرة ينبغي إعدادها يدويًا بعنايةٍ وصبر… ورغم أن **سيرين** لم تكن تميل كثيرًا إلى عائلة **نصران** إلا أنها لم تتردد في المساعدة… ليس من أجلهم…
بل من أجل **جاسر**… فهو على الأقل كان لطيفًا معها دومًا وذلك كافيًا لترد له بعض المعروف.
في تلك الأثناء كان **ظافر** قد استيقظ منذ وقتٍ غير قصير وشعر بحركتها حين نهضت من السرير لكنه لم يتحرك إذ أدرك بحسّه الدقيق أنها تتحرك بحذرٍ شديد كأنها تخشى أن توقظه ولأنه لم يشأ أن يضعها في موقفٍ محرج بقي ساكنًا… يتظاهر بالنوم ولم ينهض إلا بعد أن سمع وقع خطواتها يغيب على الدرج معلنًا نزولها إلى الطابق السفلي.
أما **سيرين**، فما إن وصلت إلى الأسفل حتى لمحت **زوي** تتقدم نحوها بخطواتٍ هادئة وعيناها تلمعان بفضولٍ… وقفت أمامها مباشرة ثم قالت بنبرةٍ بدت خفيفة في ظاهرها لكنها تحمل ما هو أعمق من مجرد سؤال:
— **نسيت أن أسألك شيئًا الليلة الماضية…**
ثم مالت برأسها قليلًا وحدّقت فيها بعينين ضيقتين قبل أن تتابع باستهزاء:
— **أخبريني يا سيرين… هل أصبحتِ أختي الصغرى الآن… أم زوجة أخي؟**
