رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة والعشرون
بدت **زوي** واقفةً أمامها بكبرياءٍ ظاهر كأن الغرور قد التفّ حولها برداءٍ من بارد النظرات ثم قالت بنبرةٍ مشوبة بالاستعلاء:
— **في النهاية… زوجة أبي هي والدتكِ البيولوجية.**
ما إن وقعت كلماتها على مسامع **سيرين** حتى ردّت عليها دون تردد بصوتٍ هادئٍ ظاهره اللين:
— **إن كنتِ تنوين أن تصبحي الكَنّة الثانية لعائلة نصران… فعليكِ إذن أن تعامليني كأخت زوجكِ أيضًا.**
اتسعت عينا **زوي** بدهشةٍ لم تستطع إخفاءها… لم تكن تعرف تحديدًا ما الذي أثار في داخلها ذلك النفور الغامض من **سيرين** لكن منذ اللحظة التي رأت فيها **جاسر** يودّع **سيرين** و**ظافر** في الليلة الماضية بدأ شعورٌ غريزيّ بالكراهية يتسلل إلى قلبها كظلٍ ثقيل.
تنحنحت قليلًا محاولةً استعادة رباطة جأشها ثم قالت بنبرةٍ مترددة بين التحدي والمراوغة:
— **أظن… أنني سأعاملكِ كأختي الصغرى في الوقت الحالي… على أي حال أنا لم أتزوج جاسر بعد.**
وما إن أنهت كلماتها حتى اقتربت من **سيرين** خطوةً أخرى وانحنت قليلًا نحوها وعلى شفتيها ابتسامةٌ ماكرة قبل أن تقول بنبرةٍ ملساء:
— **بالمناسبة يا سيرين… سأحتاج إلى مساعدتكِ في بعض التسوق اليوم.**
في الحقيقة لولا **جاسر**، لما فكرت **سيرين** أصلًا في تبادل الحديث مع **زوي** ولو لدقيقةٍ واحدة لكنها أخفت ضيقها خلف هدوءٍ مصطنع وقالت باقتضاب:
— **حسنًا… أعطيني عشر دقائق فقط.**
ثم استدارت بهدوء وغادرت تاركةً **زوي** وحدها في غرفة المعيشة قبل أن تتجه إلى غرفتها لتأخذ حمامًا سريعًا علّ الماء البارد يبدد شيئًا من ثقل ذلك الصباح الغريب.
راحت **زوي** تتلفّت في أرجاء المكان بعينين يملؤهما الفضول الممزوج بعدم الارتياح… أخذت تتفحّص كل زاويةٍ وكل قطعة أثاث وكأنها تحاول أن تقيس قيمة البيت بميزانٍ في داخلها وكما يليق بعائلةٍ عريقةٍ كعائلة **نصران** بدا منزل **ظافر** فخمًا في هدوئه، أنيقًا في بساطته؛ فخامةٌ لا تصرخ بالبذخ بل تهمس بالرقيّ.
لكن تلك الفخامة الهادئة لم تُرضِ قلب **زوي** بل أثارت في نفسها شيئًا من الضيق؛ فحين قارنت بينه وبين منزل **جاسر** بدا الأخير أبسط بكثير.
عضّت شفتها في انزعاجٍ وتساءلت في سرّها بدهشةٍ مشوبة بالحسد:
كيف لا يزال **ظافر** يعيش في مكانٍ كهذا… وهو كفيف؟
بعد قليل خرجت **سيرين** وقد أنهت استعدادها وقبل أن تغادر مرّت على **ظافر** لتخبره بهدوءٍ أنها ستخرج مع **زوي** للتسوق ثم اتجهتا معًا نحو البوابة.
هناك كانت سيارة **لينكولن** طويلة تقف في انتظارٍ صامت كأنها قطعة ليلٍ مصقولة تقف عند العتبة.
فتحت **سيرين** الباب وهمّت بالصعود لكنها توقفت فجأة حين وقعت عيناها على شخصيةٍ مألوفة تجلس في الداخل.
كانت **زوي** أسرع منها بالكلام إذ انفرجت شفتاها بابتسامةٍ عريضة وقالت بمرحٍ مصطنع:
— **أوه… أمي! أنتِ هنا.**
ثم التفتت نحو **سيرين** وعيناها تلمعان بشيءٍ من السخرية قبل أن تقول:
— **لماذا لا تسلّمين على أمي يا سيرين؟**
لكن **سارة** لم تمنح المشهد فرصةً ليطول فقد قالت ببرودٍ جاف وهي تنظر إلى زوي:
— **كفّي عن معاملتها كأنها أختكِ يا زوي. الجو بارد في الخارج… ادخلي إلى السيارة.**
أومأت **زوي** برأسها بطاعةٍ سريعة ثم ألقت نظرةً مرتاحة نحو **سيرين** وقالت:
— **هيا ادخلي… لدينا الكثير من الأشياء لنشتريها اليوم.**
صعدت **سيرين** إلى السيارة بصمت وجلست تراقب الأم وابنة زوجها الحالي وهما تتبادلان النظرات والابتسامات بتناغمٍ غريب كأن بينهما لغةً لا يفهمها أحد سواهما.
ساد صمتٌ ثقيل داخل السيارة وهي تشقّ طريقها في الشارع.
مدّت **سارة** يدها فجأة وأمسكت بيد **زوي** ثم أخذت تتأمل الخاتم الضخم الذي يلمع في إصبعها وقالت بإعجابٍ ظاهر:
— **أهذا الخاتم اشتراه لكِ جاسر؟ إنه جميلٌ حقًا.**
ابتسمت **زوي** ابتسامةً مفعمة بالزهو ورفعت يدها قليلًا كأنها تعرض الخاتم أمام الضوء ثم قالت بنبرةٍ يغلب عليها التفاخر:
— **نعم، لقد صُنع خصيصًا لي… قال إنه بما أننا سنخطب قريبًا فهو يريد أن يقدّم لي الأفضل.**
كان في نبرتها شيءٌ من السعادة وشيءٌ آخر أشبه بالاستعراض المبتذل ثم التفتت فجأة نحو **سيرين** وكأن فكرةً خطرت لها للتو وقالت بنبرةٍ تبدو بريئة في ظاهرها لكنها محمّلة بالمعنى:
— **وأنتِ يا سيرين… أي نوعٍ من الخواتم اشتراه لكِ ظافر عندما تمت خطوبتكما؟**
حين عُقدت خطوبة **سيرين** في ذلك الزمن البعيد لم يكن لـ **ظافر** يدٌ في خاتمها ولا اختيار بل كان **ماهر** هو من اشتراه وقدّمه لها فقبِلته بقلبٍ ساذج وابتسامةٍ بريئة صدّقت كل ما يُهدى إليها.
يومها ظنّت أن اللمعان في الخاتم وعدٌ لا يخيب، فاحتفظت بفرحتها طويلًا حتى أفاقت متأخرة لتدرك أن البريق قد يخدع وأنها كانت—دون أن تدري—تمنح سعادتها لوهمٍ عابر لهذا حين سُئلت لم تُطِل الحديث بل قالت بنبرةٍ هادئة تخفي وراءها الكثير:
— **إنه… مجرد خاتمٍ عادي.**
لم تنتظر **سارة** طويلًا بل التقطت الكلمة كأنها فرصة وقالت بسخريةٍ لاذعة:
— **لم يكن ظافر يحبّها حتى آنذاك، فلماذا يكلّف نفسه من أجلها؟ ما يفعله الآن ليس إلا شفقةً عابرة بعد أن فقد بصره.**
كان غياب ظافر عن المشهد—وهو الغارق في عتمته—ذريعةً كافية لهما ليطلقا ألسنتهما دون رادع إذ راحت **سارة** و**زوي** تتبادلان الحديث عنه ببرودٍ قاسٍ كأنهما نسيتا تمامًا كيف كانتا بالأمس القريب تغزلان له المديح حين كان قويّ البصر حاضر الهيبة.
…
وبعد أن انتهت جولة التسوّق أخيرًا وقبل أن تغادر **سيرين** استوقفتها **سارة** جانبًا بعيدًا عن أعين الآخرين ومن ثم اقتربت منها قليلًا وخفّضت صوتها لكنها لم تُخفِ حدّته وقالت:
— **سيرين، لا أريد أن أبدو قاسية… لكن دعيني أكون صريحة… ظافر الآن بعد أن فقد بصره لم يعد ذا قيمة وإن أردتِ الاتكاء فاعتمدي على إخوتكِ تامر وزوي… كلاهما أكفأ منكِ ومنه بكثير.**
لم تتحمّل **سيرين** هذا الالتفاف المسموم فقطعتها بهدوءٍ حاد:
— **سيدة سارة، من فضلكِ… ادخلي في صلب الموضوع.**
عندها تخلّت **سارة** عن قناعها تمامًا واستقامت في وقفتها ثم قالت بوضوحٍ لا لبس فيه:
— **عليكِ أن تتركي لزوي حرّية التصرّف داخل عائلة نصران… صحيحٌ أنها ستتزوج الابن الأصغر لكن من يدير شؤون العائلة الآن هو جاسر… وهذا ما يهم.**
توقفت لحظة ثم أضافت بنبرةٍ آمرة:
— **لذلك عندما تكونان بمفردكما… عامليها كأختكِ الكبرى.**
ساد صمتٌ قصير ثقيل كغيمةٍ مكتومة فرفعت **سيرين** عينيها إليها ببطء وفي نظرتها شيءٌ من السكون الذي يسبق العاصفة ثم سألت بصوتٍ هادئ لكنه يحمل زجراً صريحاً:
— **سيدة سارة… من منا هي ابنتكِ البيولوجية هنا؟**
