رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة والواحد والعشرون
ما إن تبدّلت ملامح **سارة** حتى انقلب وجهها كصفحةٍ طواها الغضب وفضحها الاضطراب، وكانت على وشك أن تستنطق **سيرين** عمّا تخفيه خلف صمتها، غير أنّ الأخيرة باغتتها بمرارةٍ تنضح وجعًا، وقالت بصوتٍ مكسورٍ يتوارى خلف حدّته:
“لماذا أعجز حتى عن أن أُقارن بابنة زوجكِ؟ إن كنتِ تبغضينني كل هذا البغض، فلماذا أنجبتِني؟”
حينها، خفَتَ ارتجاف نظرة **سارة** قليلًا، لكن القسوة تسلّلت إلى ملامحها كريحٍ باردة، فأجابت بسخريةٍ لاذعة:
“لولا والدكِ، لما أردتُكِ أصلًا… وجودكِ كان خطأ!”
كانت **سيرين** قد اعتادت سماع تلك الكلمات، حتى خُيّل إليها يومًا أنّها صارت محصّنة ضدها، لكن الجرح—وإن تكرّر—لا يندمل، بل يتعمّق في صمتٍ خفي. وفي تلك اللحظة، وخلف صلابتها الظاهرة، تمنت—ولو لمرّة—أن تنال من قلب أمها قبسًا من حبٍ يشبه ما يمنحه لها الآخرون.
وقبل أن تستدير، رمقتها بنظرةٍ باردةٍ تخفي احتراقها، وقالت بوجعٍ مُهذّب:
“ولو كان لي خيار، لما اخترتُ أن أكون ابنتكِ أيضًا.”
ثم مضت مسرعة، كأنها تهرب من ظلّها، أو من وجعٍ لا يُرى ولا يُقال.
ظلت **سارة** تحدّق في أثرها، وقبضت على يديها في صمتٍ ثقيل، كأنها تُحكم إغلاق شيءٍ يتداعى في داخلها.
اقتربت **زوي** بخطواتٍ مترددة، وسألت بفضولٍ يكسوه الحذر:
“عن ماذا كنتما تتحدثان يا أمي؟”
استعادت **سارة** تماسكها، وتبدّلت ملامحها كما يتبدّل القناع على وجه ممثلٍ بارع، فغابت القسوة، وحلّ محلها لطفٌ مصطنع:
“لا شيء… أمرٌ عابر.”
لكن **زوي** لم تقتنع، وقالت بنبرةٍ يشوبها التعجب:
“يبدو أنكِ لا تحبين **سيرين**…”
ففي عالمها، كانت الأمومة مرادفًا للحب، لا تقبل النقص ولا تعرف الاستثناء.
ورغم انشغال **جاسر** خارج البلاد، فقد وعد بالحضور في خطوبة **زوي**، بل وتعهد أن يمنحها نصيبًا من أسهم شركة العائلة، وكأنما يعوّضها عن غيابٍ طال، أو شعورٍ قد يختل.
لوّحت **سارة** بيدها ببرودٍ قاطع، وقالت بنبرةٍ يختلط فيها الأسى بالكبرياء:
“لا تذكريها… لولاها، لكنتُ ما زلت راقصةً يتهافت عليها الضوء، ما كنتُ لأهوي… ما كنتُ لأنكسر.”
عندها، أدركت **زوي** أن خلف الكلمات حكايةً أثقل من أن تُروى، فآثرت الصمت، وابتلعت فضولها كما تُبتلع الأسرار… دون صوت.
حين عادت **سيرين** إلى قصر نصران، وانسابت خطواتها خارج السيارة، وقع بصرها على **جاسر** واقفًا غير بعيد، كظلٍّ ينتظر اعترافًا مؤجلًا أو كلمةً لم تُقال بعد. كان طويل القامة، نحيل البنية، وقد غلّف الشحوب ملامحه ببرودٍ غامض، فيما لمعت عيناه بشيءٍ مألوف—كأنهما صدى عيني **ظافر**—غير أنّهما حملتا رقةً خفيّة، تفضح ما يُخفيه الصمت.
اقترب منها بخطواتٍ هادئة، وقال بصوتٍ خفيضٍ يختبر المسافات بين الكلمات:
“هل انتهيتِ من التسوق؟ آمل ألا تكون زوي قد وضعتكِ في موقفٍ محرج.”
توقفت **سيرين** في موضعها، كأن الحرج التفّ حولها من كل جانب، ثم هزّت رأسها نفيًا، وقالت بنبرةٍ مقتضبة:
“لا… زوي لا تزال في السيارة مع والدتها.”
كانت تعلم—بيقينٍ لا يحتمل التهاون—أن **زوي** هي زوجته المرتقبة، وأن أي كلمةٍ تُساء فهمها قد تُشعل ما لا يُطفأ، فآثرت الحذر، وآوت إلى صمتٍ محسوب.
لكن ما إن علم **جاسر** أن **زوي** ليست برفقتها، حتى اقترب أكثر، حتى كادت المسافة بينهما تختفي، وقال بصوتٍ أخفض، يحمل في طيّاته رجاءً مكتومًا:
“سيرين… إن كنتِ تشعرين بالندم الآن، فلا يزال بإمكانكِ أن تخبريني.”
كان ينتظر منها اعترافًا… كلمةً واحدة تقلب الموازين، رغبةً صريحة بالبقاء، ليهدم من أجلها كل ما بُني، ويُلغي الخطوبة في لحظةٍ لا تتكرر.
لكن قلب **سيرين**، وإن خفق بعنفٍ يكاد يُسمع، حسم أمره قبل أن تنطق شفاهها، فهزّت رأسها سريعًا، دون تردد، كأنها تفرّ من احتمالٍ يخيفها، وقالت بثباتٍ مصطنع:
“لا أشعر بأي ندم… ثم إن الأمور تسير على ما يرام بينك وبين زوي، وهي تبدو رائعة و….”
لم تُتِمّ **سيرين** عبارتها، حتى اختلّ توازن **جاسر** فجأة، وكأن الأرض خانته، فسقط نحوها سقوطَ المُثقل بما لا يُرى. ارتجفت عيناها دهشة، وسارعت تُسنِده، تُحيطه بذراعيها قبل أن ينهار تمامًا، وهمست بقلقٍ عاجل:
“ما بك؟”
كانت عيناه محتقنتين بحُمرةٍ موجعة، وملامحه واهنة كأن السهر استنزف روحه، فقال بصوتٍ متعبٍ يتكسّر على حافة الرجاء:
“أعاني انتكاسة… هل يمكنكِ أن تبقي معي قليلًا؟”
لم تتردد، ولم تُمعن التفكير، كأن قلبها سبق عقلها، فألقت بالحقائب جانبًا، وحملته بكلتا ذراعيها، تُثبّت جسده الذي يترنّح كغصنٍ أرهقه الريح.
وحين استند إلى كتفها، وانساب إليه عبيرها المألوف، هدأ اضطرابه قليلًا، كأن ذاكرةً بعيدةً ربّتت على قلبه، وقال بصوتٍ خافتٍ تلوّنه بقايا ابتسامة:
“لا أعلم إن كنتِ ما زلتِ تذكرين… كنتُ أعدكِ أن أعيدكِ إلى الماضي… يوم قلتِ إنكِ ستتزوجينني حين تكبرين.”
غاصت الكلمات في صدر **سيرين** كحدّ سكينٍ بارد، تمزّقها من الداخل دون أن تُسفك دمًا. أدركت—بيقينٍ قاسٍ—أن أي بصيص أملٍ تمنحه له الآن، سيكون خيانةً أشد من الرفض، فآثرت البعد، ولو كانت قريبة.
قالت بصوتٍ حاولت أن تجعله عابرًا، بينما الألم يعتصره:
“كنتُ صغيرة… لم أكن أعرف حينها ما أقول.”
ابتلع **جاسر** مرارةً صامتة، وابتسم ابتسامةً واهنةً تُخفي انكسارًا عميقًا، وقال:
“أجل… أعلم. ولن آخذ تلك الكلمات على محمل الجد بعد الآن.”
ثم مال بجسده، واتكأ برفقٍ على كتفها الواهن، كأنما يلقي بثقله على ما تبقّى من ذكرياتهما، وضمّ شفتيه في صمتٍ مُحكم، يخفي خلفه ما يعجز عن قوله.
وفجأة، لمحت عيناه حركةً خفية خلف شجرةٍ قريبة… شخصًا يختبئ ويلتقط صورة. في لحظةٍ خاطفة، مدّ يده والتفّت حول **سيرين**، يقرّبها إليه في مشهدٍ مُلتبس.
ومن زاوية ذلك المتلصّص، بدا الأمر وكأنهما يتعانقان… عناقًا لا يليق أن يكون بريئًا.
