رواية استثنائية في دائرة الرفض الجزء الثاني الفصل الرابع بقلم بتول عبدالرحمن
مدت إيدها حطت على مكتبه علبة قطيفة بدون أي تردد، تيم بص للعلبة باستغراب واضح
"إيه ده؟!"
چين طلعت نفس عميق وردت
"قولت أستنى كام يوم وأجي أشيل عنك الإحراج أنا، دي حاجتك، وأتوقع عمرنا ما هنكون مع بعض، وأنا مش حابة أفرض نفسي أكتر من كده يا تيم."
الصدمة كانت باينة على ملامحه، عينيه اتحركت بين العلبة وبينها وكأنه مش قادر يستوعب إنها فعلًا عملت كده، بصلها وسأل
"چين... ليه؟"
رفعت عينيها ليه وقالت بهدوء صريح وهيا مستعدة لسؤاله
"لإنك ما اديتليش سبب أستنى بيه أكتر من كده يا تيم."
رد بسرعة وبنبرة فيها ارتباك حقيقي
"إحنا اتفقنا ناخد وقت... وانتي وافقتي!!"
چين قامت وقفت، ابتسمت ابتسامة قصيرة نصها حزن ونصها استسلام
"أيوه استنيت، استنيت ايام وبعد الايام ايام، وفعلا حصل تغيير، أنت بقيت أبعد، مش أقرب."
تيم شد نفسه ووقف وحاول يبرر
"چين، انتي فاهمة غلط، انا مقولتش كده عشان اسيبك"
هزت راسها ببطء وقالت
"وأنا مش جاية ألومك، بس في لحظة معينة لازم افكر في نفسي واسأل، هل الشخص اللي قدامي متمسك بيا وعايزني فعلا؟!!"
بصتله نظرة مباشرة، نظرة فيها حقيقة واضحة جدًا
"وإجابتي كانت لاء."
قرب منها وقال بجدية
"چين... انتي فاهمة غلط، أنا بس مكنتش جاهز."
"وأنا مش مستعدة أستنى لما تبقى جاهز، أنا حاليا مستعدة أبقى مع حد جاهز ليا."
وبصت للعلبة اللي على المكتب وقالت
"دي ليك، لأنك عمرك ما فتحتلها باب، فمش من حقي أحتفظ بيها."
سكتت ثواني وبعدين قالت
"قولت لنفسي لو هو عايز يكمل كان قال، ولو فضل ساكت يبقى قراره واضح."
وبصوت واطي بس ثابت ختمت
"جاوبتني بسكوتك يا تيم."
وبعدها لفت وسابته واقف مكانه بيحاول يستوعب اللي حصل دلوقتي.
حسام كلم فريدة وهو سايق عربيته، وصوته كان هادي جدا كالعادة
"فريدة؟"
ردت بنفس الهدوء
"اي يا حسام؟"
رد باختصار
"أنا هعدي أخد فريد من النيرسري دلوقتي وبعدها هروح على بابا علطول."
فريدة هزت راسها ببطء وقالت
"تمام... تطمني أول ما توصل."
"ماشي، لو احتاجتي حاجة كلميني، أنا مش هتأخر."
وقفل المكالمة بسرعة.
فريدة كانت ماسكة فونها وبتفكر في كلام داليا ومتردده ترن على يسر تتأكد منها ولا لاء وبعد تفكير طويل حسمت أمرها وردت، الرنة طولت قبل ما يسر ترد ففريدة قالت أول ما سمعت صوتها
"ساعة عشان تردي."
يسر ردت بنعاس
"حرام عليكي، ما صدقت البت نامت."
فريدة قالت بهدوء
"معلش، مكنتش أعرف."
يسر سألت
"خير؟ في إيه؟"
فريدة دخلت في الموضوع علطول
"داليا كلمتني بتقولي إن تيم عمل حادثة، وإنها شافته في المستشفى."
يسر اتفاجئت
"حادثة؟! إمتى ده؟!"
فريدة قالت بسرعة
"معرفش، أنا اللي بسأل، هي قالت إنها شافته هناك، بس حادثة خفيفة."
يسر سكتت لحظة وبعدين قالت بتفكير
"هو بعيدًا عن إنه لو عمل حادثة خفيفة مش هيعرف حد أصلًا وهيطنش، بس إيه اللي هيوديه هناك؟ إنتي عارفة إن المستشفى دي بعيدة عنه."
فريدة اتضايقت
"يعني إيه؟! أنا بسألك عشان تشتتيني؟"
يسر ردت فورًا
"لاء يا فريدة، والله ما أعرف، أنا بفكر معاكي وبقولك اللي ممكن يحصل."
فريدة سألت بقلق
"يعني داليا بتكدب؟!"
يسر قالت
"الله أعلم... أصل إيه اللي يخلي تيم يروح هناك؟"
فريدة ردت باستغراب
"معرفش، أنا ده اللي وصلي وحبيت أتأكد."
يسر ردت بنبرة واثقة شوية
"لاء، لو في حاجة كانت هتبان، معتقدش داليا بتقول الحقيقة."
فريدة سألت
"وإيه مصلحتها تكدب؟"
يسر اتنهدت
"معرفش برضو، وممكن تكون بتقول الحقيقة، الله أعلم."
فريدة سكتت لحظة وبعدين سألت بخفوت
"طب هو كويس أصلًا؟"
"هو عادي... بس شكله ساب خطيبته باين."
فريدة اتصدمت
"سابها؟!"
يسر أكدت
"آه، سالي كانت بتحاول ترجعهم بس معرفتش، بقالها فترة كبيرة بتتدخل بينهم بس تيم رافض تدخلها، وبقالي كام يوم مشوفتهاش هنا يعني"
فريدة سألت
"بس ليه؟!"
يسر ردت
"الله أعلم، يمكن زهق، أصل هو مش راضي يحدد معاد الفرح وكل شوية يأجل."
فريدة قالت وهيا بتفتكر
"آه، إنتي كنتي قايلالي."
يسر قالت
"مش عارفة بقا لو ممكن يرجعوا وتكون مشكلة بسيطة"
فريدة سألت بصوت واطي
" يعني تفتكري هيرجعوا؟"
يسر ردت بهدوء
"معرفش، أنا مش بحاول أتدخل أصلًا، اللي سالي بتقولهولي بسمعه وخلاص."
فريدة قالت
"طيب... ابقي برضو اتأكدي من موضوع الحادثة."
يسر ردت
"حاضر، هحاول."
تاني يوم...
تيم كان قاعد قدام نورين، ضهره مسنود على الكرسي بس جسمه مش مستريح، عينه مش ثابتة في مكان، كأنه بيهرب من أي نظرة ممكن تكشف اللي جواه، بعد صمت قصير قال بهدوء مكسور
"أنا وچين انفصلنا."
نورين مستغربتش، ملامحها كانت هادية وهيا بتسأله بنبرة متزنة
"وإنت حاسس بإيه بعد الانفصال ده يا تيم؟"
اتنهد بعمق وكأن السؤال سحب منه آخر طاقة عنده وقال
"مش عارف... مش هكدب لو قولت إني فقدت حاسة الإحساس في اللحظة دي."
ميلت براسها شوية وسألت بصوت ثابت
"احكيلي أكتر... فقدت الإحساس لحظة الانفصال نفسها ولا الإحساس ده مكمل معاك لحد دلوقتي؟"
رفع عينه أخيرًا وبصلها بنظرة تايهة
"لحد دلوقتي، حاسس إني بضيع كل الفرص من إيدي، مش عارف أعيش صح."
سكتت ثانية وبعدين قالت بهدوء مدروس
"يعني حاسس بندم؟"
هز راسه بنفي خفيف
"مش بالظبط... هو إحساس غريب، تقيل، كأني واقف في نص الطريق ومش عارف أرجع ولا أكمل."
نورين قربت شوية بكرسيها وقالت
"الإحساس اللي بتقوله ده غالبًا مش ندم يا تيم، ده فراغ، إنت كنت ماشي في علاقة وإنت مش موجود فيها بقلبك، ولما انتهت، الفراغ بان فجأة."
تيم ابتسم ابتسامة باهتة
"يعني أنا ظلمتها؟"
ردت بدون تردد
"إنت ظلمتها لما كملت وإنت مش متأكد، وظلمت نفسك أكتر لما تجاهلت إحساسك سنين."
اتنهد وقال بصوت واطي
"أنا طول عمري بحاول أعمل الصح... بس دايمًا بحس إني متأخر."
نورين هزت راسها وقالت بحزم هادي
"مفيش حاجة اسمها متأخر طول ما إنت لسه بتفكر وبتحاول تفهم نفسك، الانفصال ده يمكن يكون أول قرار صادق خدته من سنين."
بصلها وسأل
"بس أعمل إيه بالإحساس ده؟ الفراغ... الخوف... الإحساس إني لوحدي؟"
ابتسمت ابتسامة صغيرة
"متجريش منه، سيبه، عيشه، الإحساس ده مرحلة مش نهاية، وإحنا هنا علشان نفهمه سوا، مش نمسحه."
سكت تيم شوية، وبعدها قال بهدوء مختلف عن الأول
"يمكن لأول مرة حاسس إني مش بهرب."
نورين قالت بنبرة دافية
"وده أهم تقدم عملته النهارده"
اتنهدت وسألت مباشرة
"أنا كنت سامعة إنك مشغل في شركتك رجالة بس... ده فعلاً صح؟"
تيم هز راسه بإيماءة بسيطة وقال
"آه، أنا متعود على كده من زمان، وماما هيا اللي عملت كده من الأول."
نورين ابتسمت ابتسامة خفيفة وكتبت ملاحظة قدامها قبل ما ترفع عينيها وتبصله
"طيب، حلو، دلوقتي بقا هنشتغل على النقطة دي، غير طقم العمل كله لبنات، ده بالنسبة لدورك مثلاً، أو نخليه مختلط بين الجنسين، وده هيكون أفضل."
تيم اتشد في قعدته وصوته خرج معترض شوية
"بس أنا مش حابب كده."
نورين متراجعتش، نبرتها فضلت ثابتة
"بس ده كان لازم يحصل من زمان، إنت قولت إنك هتسمع كلامي للآخر."
سكت، اخد نفس طويل وبان عليه التردد وبعدها قال باستسلام واضح
"هغير... حاضر، بس كاسيست ليا؟ لاء."
نورين بصتله بتركيز وقالت
"ده الأهم، لازم تسيب لنفسك فرصة تتعامل مع الجنس الآخر باستمرار، دي خطوة مهمة يا تيم."
اتنهد وقال بنبرة مش مقتنعة
"وبعد كده إيه هيحصل؟ مش حاسس إن حاجة هتتغير لما أغير لبنات."
نورين ردت بسرعة
"نفذ الأول، وسيب التفكير في التغيير ده دلوقتي."
هز راسه وقال
"تمام."
سألته بعدها بترقب
"لسه بتراقب فريدة؟"
تيم رد بدون تردد
"آه... حاولت أسمع كلامك ومعرفتش."
نورين قالت بهدوء
"مفيش أي مشكلة، مش من أول أيام أكيد، بس أتمنى تكون خففت شوية."
ابتسم ابتسامة خفيفة أقرب للإنهاك وقال
"بحاول... بقت عادة عندي، فصعب أبطلها."
نورين قالت بابتسامة خفيفة
"تمام، نشوف ده الجلسة الجاية."
هز راسه وبدون كلمة زيادة قام من مكانه وانسحب بهدوء.
بعد أيام بسيطة كان تيم قاعد في مكتبه بيشوف CV الاسيستنت الجديده، وكان معاها كام CV كام بنت وشكلهم مختارين بعناية فعلا، تيم كان مركز مع CV الاسيستنت وبيشوفه بدقه، اللي رشحهم كان قاعد قدامه وقال بنبرة هادية وواثقة
"أتمنى تكون كويسة فعلًا… لأن دي أحسن واحدة قدمت هنا يا باشمهندس تيم من بين كل البنات."
تيم بصله وقال ببروده المعتاد
"ومستني إيه؟ دخلها."
اومأ وقال
"تمام."
دخلت البنت بعد ثواني، دخلت بخطوات ثابتة، واثقة من نفسها، شكلها جميل إلى حد ما.
تيم بصلها من فوق لتحت بوضوح وهو بيقيمها.
محمد قاله وهو بيقدمها
"دي سديم، هتفضل أسبوع تحت التدريب، قولتلها إنها مش هتتثبت هنا غير بعد الأسبوع دا."
تيم نقل عينيه بينها وبينه وقال بلهجة جادة
"طبعًا إنتي قرّيتي الشروط... بس في شرط مهم عندي عن الباقي وهو المواعيد، كل يوم تكوني هنا 8:30... 8:31 متجيش أحسن."
قالت بثقة
"عارفة يا باشمهندس، متقلقش."
تيم هز راسه وقال
"عارف إنك عارفة... أنا بس بأكد يا باشمهندسة سدين."
ردّت فورًا
"اسمي سديم... مش سدين."
تيم بص للدبلة اللي في إيديها وقال بنبرة فيها لمسة سخرية
"تمام يا مدام سديم."
صححت بسرعة
"آنسة لو سمحت... آنسة سديم."
تيم بصلها بضيق وقال
"أيًا كان... هتبدأي شغل من بكرة، ومع الوقت هتعرفيني أكتر وتفهمي طبيعة الشغل، وياريت... ياريت تكوني قد كلامك وتنتظمي لأني مش بحب أغيّر موظفيني كتير."
هزّت راسها وقالت
"تحت أمرك يا باشمهندس."
قبل ما تمشي، محمد وقفها وقال بابتسامة
"شرفيني يا سديم... هاا."
لفّتله بابتسامة خفيفة وقالت
"متقلقش يا باشمهندس... هكمل."
محمد قال بإعجاب
"بحب الثقة دي."
تيم ضحك بسخرية وقال
"بيبقى بعدها رفد من أول يوم مش أسبوع."
سديم بصتلّه بحدة وتحدّي وردت
"الأيام بينا."
مشيت بعد ما قالت كلامها وتيم فضل يبصلها وهي ماشية باعجاب من ثقتها.
محمد قال بثقة
" من ناحية ثقتها فليها حق، لماحة جدا وذكية وبتستوعب بسرعة، واراهنك خلال اسبوع إن مكانتش دراعك اليمين في الشغل"
تيم رفع عينه وبصله وقال
" والله انا بتمني متكونش بتبالغ"
محمد ابتسم
" هتعرف مع الوقت إن كلامي صح"
تيم رجع يركز في شغله وقال ببرود
" تمام كويس، تقدر تتفضل"
بالليل فريدة كانت قاعدة جنب فريد على السفرة، ماسكة الكشكول وبتساعده يحل الهوم وورك بتاعه، تركيزها معاه بس ذهنها كان مشغول شوية، فجأة فونها رن، بصت في الشاشة لقت اسم داليا، اتنفست بهدوء وردت
"إيه يا داليا؟"
داليا قالت بنبرة لطيفة
"فريدة، عاملة إيه؟"
فريدة ردت وهيا لسه بتبص في الكشكول
"الحمد لله."
داليا كملت
"كنا بنقول نروح ليسر بكرة وتيجي معانا، ياريت تكوني فاضية."
فريدة فكرت لحظة وقالت
"أنا فاضية من بعد الضهر لحد العصر، بعد كده فريد بييجي من النيرسيري، وبعده حسام."
داليا قالت بسرعة وكأنها مجهزة الرد
"خلي فريد يروح لمامتك عادي، وبعد كده نروح، وحسام مش صغير يعني، متشيليش همه."
فريدة قالت بهدوء
"طيب سيبيني أشوف حسام هيقول إيه وبعد كده أرد عليكي."
داليا ضغطت عليها شوية وهيا بتضحك
"المهم تيجي، ابقي عرفيني بقا أوكي؟"
فريدة ردت
"تمام."
في اللحظة دي حسام دخل الصالون وداليا كملت بسرعة
"وهنعدي عليكي، هنروح بعربيتك، إنتي عارفة الطريق طويل شوية."
فريدة قالت بنبرة عامة
"ربنا يسهل يا داليا."
داليا قالت بخبث
"أوكي باي، بوسيلي فريد وحسام."
فريدة قطبت حواجبها وقالت تلقائي
"نعم؟!"
داليا عدلت كلامها بسرعة
"قصدي بوسيلي فريد، وسلمي على حسام."
فريدة ردت بضيق
"يوصل إن شاء الله."
قفلت وهيا حاسة بضيق مش مفهوم، حطت الموبايل جنبها وحسام كان مركز في ملامحها وقال
"مالك؟!"
فريدة رفعت عينيها وبصتله وقالت
"داليا... بتقول هيروحوا ليسر وعايزاني أروح معاهم."
حسام قطب حواجبه وقال
"وصحابك دول فاضيين للدرجة دي؟ إنتي عارفة المسافة بتاخد وقت قد إيه."
فريدة قالت
"ما هيا بتقول هيعدوا عليا ونروح بعربيتي، اللي أنا أصلاً ركناها بقالي فترة."
حسام سكت شوية وفريدة بصتله وسألته بصراحة
"أروح ولا لاء؟"
حسام قال بهدوء محسوب
"يسر إنتي بتكلميها دايمًا يا فريدة، وكل فترة بتقابليها."
فريدة ردت بسرعة
"بس بقالي كتير في نفس الروتين، مش هيحصل حاجة لو فكيت عن نفسي يوم يعني وغيرت جو."
حسام قال وهو بيبصلها بضيق
"متحسسنيش إني مقصر."
فريدة قربت منه وقالت
"ومين قال كده بس يا حبيبي؟ أنا بتكلم إني مش بشوف صحابي دايمًا، ولو اتجمعنا يوم كل فترة عادي."
حسام رد
"وهما لسه كانوا هنا من فترة."
فريدة سألته مباشرة
"يعني مش عايزني أروح؟"
حسام سكت لحظة وبعدين قال بصراحة
"آه مش عايزك تروحي... بس مش هقولك لاء برضو، إنتي عارفة إني بحب أرجع ألاقيكي في البيت، واليوم اللي بتروحي فيه عند مامتك ببقى شايل همه، فكل الفكرة إني مش حابب أرجع ملاقيكيش."
فريدة ابتسمت وقالت
"مش هتأخر يا حبيبي، هكون هنا قبل 8."
حسام رد بنبرة قاطعة هادية
"قبل 6 تكوني خارجة من هناك."
فريدة فهمت قصده وهزّت راسها بابتسامة
"حاضر."
تاني يوم، تيم وصل الشركة في معاده، دخل بخطوات ثابتة وهيبته وبروده المعتادين، ملامحه مقفولة ونظرته مستقيمة قدامه، قرب من مكتبه وسديم أول ما شافته وقفت تلقائي وابتسمت محاولة منها تكسر الجمود
"صباح الخير."
تيم مبصلهاش حتى ولا رد، كمل طريقه ودخل مكتبه بسرعة وهو باصص قدامه كأنها مش موجودة أصلًا، ابتسامة سديم اختفت بهدوء واتنفست وهيا بتمتم لنفسها
"هو يوم باين من أوله."
بعد ثواني سمعت صوت الجرس، عرفت فورًا إنه بيناديها، عدّلت وضعها بسرعة وخدت نفس ودخلت المكتب وهيا حاسة بتوتر خفيف.
تيم كان قاعد ورا المكتب، عينيه على اللابتوب، إيده بتتحرك على الكيبورد من غير ما يرفع راسه وقال بنبرة قصيرة
"القهوة؟!"
سديم سألت بحذر
"نوعها إيه؟"
رفع عينه ليها لحظة سريعة وقال ببرود واضح
"سادة، أي حاجة أطلبها منك، مش عايز يكون فيها نقطة سكر واحدة."
هزت راسها بهدوء وقالت
"تمام."
رجع يبص لللابتوب وسأل
"اتواصلتي مع علاء امبارح؟ فهمك كل حاجة؟"
ردت بثقة ممزوجة بتردد بسيط
"أكيد، بس ده مش هيمنع إني محتاجة شوية وقت."
من غير ما يبصلها، كمّل شغله وقال بنبرة قاطعة
"خدي وقتك، بس متغلطيش، تقدري تتفضلي."
سديم خرجت بهدوء، قفلت الباب وراها وهو رجع يندمج في شغله كأن الحوار كله مخدش من طاقته ولا ثانية.
فريدة كانت واقفة قدام المرايا بتظبط نفسها والجرس رن، راحت بسرعة تفتح ولقت أصحابها واقفين قدامها، ابتسمت ابتسامة سريعة وقالت وهيا بترجع الأوضة تاني
"تعالوا ادخلوا."
داليا دخلت وهيا بتبص عليها من فوق لتحت وقالت بنبرة مستغربة شوية
"إنتي لسه مجهزتيش ولا إيه؟"
فريدة ردت بسرعة
"لا لا جهزت، بس العربية في التنضيف... عشر دقايق وهتيجي."
مليكة قعدت وهيا بتسأل بفضول
"هو فعلًا المكان بعيد؟ داليا قالت مش أوي."
فريدة بصتلها وهيا بتظبط الساعة في إيديها وقالت بجدية
"المكان بعيد فعلًا، الطريق لوحده أكتر من ساعة."
مليكة شهقت بدهشة
"بجد؟ أنا عمري ما روحت ليسر... بس كنت فاكرة أقرب من كده!"
داليا قالت بسرعة
"فيها إيه يعني؟ ما إحنا معانا عربية."
فريدة بصت حواليها وسألت
"صحيح فين حنين؟!"
مليكة ردت
"مش هتعرف تيجي، خافت تتأخر."
فريدة قالت بحزم واضح
"المهم يا بنات، قبل ستة نكون خارجين من هناك."
داليا ابتسمت ابتسامة جانبية وقالت
"سيبيها بظروفها... يمكن نمشي قبل كمان."
فريدة ردت وهيا بتحاول تحسم الموضوع
"يبقى أحسن."
في نص اليوم، تيم طلب سديم، ثواني وكانت سديم بتخبط وبتدخل المكتب بثبات.
وقفت قدامه وقالت باحترام
"أفندم؟"
كان قاعد ورا مكتبه، عينيه على اللابتوب، ملامحه جامدة كالعادة، قال من غير ما يرفع عينه
"ملف مشروع علاء اللي مكملهوش... وصل لفين؟"
ردت فورًا
"اتراجع بالكامل، واتبعت للإيميل بتاع حضرتك من نص ساعة، ولو تحب أطبعه حالًا."
رفع عينه ليها لحظة سريعة، مجرد نظرة تقييم وبعدين قال
"طيب، تقرير المصاريف؟"
قالت بثقة
"متظبط، وفيه ملاحظة صغيرة على بند الشحن، حطيت اقتراح لتقليل التكلفة في آخر صفحة."
مد إيده للملف اللي كان قدامه، قلب صفحاته بسرعة، لقى كل حاجة مترتبة بدقة، علامات، ملاحظات، ترتيب واضح.
سأل
"اجتماع بكرة؟"
"اتأكدت من الحضور، والـ presentation جاهزة، ولو تحب أراجعها مع حضرتك دلوقتي."
ملامحه متغيرتش، فضلت ثابته وهو بيبصلها ورد بهدوء
"كويس، تقدري تتفضلي"
سديم هزت راسها باحترام وانسحبت
الساعة كانت داخلة على ستة والبنات قاعدين مع بعض، الجو مليان كلام وضحك خفيف، يسر شايلة بنتها اللي بتحاول تنزل من حضنها ويسر ماسكاها بإحكام
فريدة بصتلها وقالت وهيا بتمد إيديها
"هاتيهالي."
يسر هزت راسها بتحذير خفيف وقالت
"هتعيط يا فريدة."
فريدة ضحكت وقالت بثقة
"متنسيش إن أنا مامي برضو."
يسر ابتسمت واستسلمت
"خلاص خدي."
فريدة أخدت نور بحنية، بس أو ما مسكتها عيطت ومرضيتش تسكت وهيا بتبص ليسر، فريدة حاولت تهديها، هنا ابتسمت وقالت
"شكلك نفسك تجيبي بنت."
فريدة بصت لنور وهيا بتحاول تسكتها وقالت
"حسام اللي نفسه أوي... بس لو خلفنا بنت بجد هتاخد كل الاهتمام لوحدها، فريد نفسه واخد كل الاهتمام، فتخيلي بقا لو جبت بنت."
يسر ضحكت وقالت
"هتاخد مكانكوا كلكوا، اسأليني أنا."
فريدة بصتلها بمزاح
"طب ربنا يطمنك."
هنا سألت بفضول
"يعني مش ناوية قريب؟"
فريدة ردت وهيا بتهز كتفها بخفة
"ربنا يسهل... هخلي حسام يتحايل عليا شوية كمان."
داليا اتنهدت وقالت بنبرة فيها لمحة تذمر
"ما بلاش السيرة دي، أنا لسه مدخلتش عش الزوجية."
مليكة ضحكت وقالت
"متستعجليش يا حبيبتي، هتتمني يوم من دلوقتي."
داليا رفعت حاجبها وقالت
"ده رأيكوا في الجواز يعني يا بنات؟"
يسر قالت بابتسامة هادية
"عندها حق."
هنا بصت لداليا بشك وسكتت وداليا حولت نظرها لفريدة وسألتها مباشرة
"وإنتي رأيك إيه يا فريدة؟"
فريدة ردت بهدوء صريح
"عندهم حق فعلًا، قبل الجواز انتي مش شايلة مسؤولية حد، دلوقتي في بيت وطفل وحياة كاملة."
داليا قالت بنبرة خفيفة
"أممم... بس حسام بيساعدك في حاجات كتير، مش مخليكي محتاجة حاجة."
فريدة ابتسمت تلقائيًا وقالت
"أممم... فعلًا، ربنا يخليه ليا."
مليكة قالت بحماس
"هو ما شاء الله بيحبك... من كتر ما بيحبك سمّى فريد على اسمك."
فريدة هزت راسها وقالت
"جت صدفة عادي، هو بيحب الاسم فاقترحه."
داليا ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت بنبرة غامضة
"لاء صدفة غريبة."
فريدة بصت في ساعتها فجأة وقالت
"إحنا كده اتأخرنا... يادوب نمشي."
داليا بصت هي كمان في الساعة ويسر قالت بسرعة
"خليكوا شوية كمان."
فريدة هزت راسها وقالت باعتذار
"الطريق طويل يا يسر، إنتي عارفة يعني."
الكل قام يتحرك استعداد للمشي، داليا قالت وهي بتمد إيدها لنور
"هنودّع نور بقا."
يسر ابتسمت بحب وداليا أخدت نور، رفعتها قدامها وهيا بتبصلها وبعد لحظات مليكة مدت ايديها وقالت
"هاتيهالي أنا."
وأول ما أخدتها من داليا صرخت جامد، الكل اتخض واولهم مليكة، يسر قامت بسرعة وخدتها من مليكة بسرعة وقالت بخوف
"في إيه؟! مالك يا نور؟!"
نور كانت بتعيط بعنف... وشها احمرّ وصوتها عالي.
مليكة اتلخبطت وبصت لإيدها
"أنا معملتش حاجة! معرفش اي حصل"
داليا كانت واقفة مكانها، ملامحها ثابتة زيادة عن الطبيعي، بتحاول تبان متفاجئة زيهم، يسر كانت بتهز نور، بتحاول تهديها، بس نور كانت بتعيط أكتر.
سالي دخلت بسرعة وسألت بذعر
"في إيه؟ صوتها عالي كده ليه؟"
يسر قالت بسرعة بخوف
" مش عارفة ايه حصل، مش راضية تسكت، اول مره يحصلها كده"
سالي قربت أكتر وقالت بجدية
"أنا هطلب الدكتور بسرعة يجي يشوفها."
يسر هزت راسها وهيا بتحاول تمسح دموع نور اللي مش بتوقف.
وفي وسط الفوضى وانشغالهم كلهم، فون فريده رن وكان حسام بس قبل ما يلحق يرن بصوت عالي، داليا لاحظت الرنه وبخطوات هادية جدًا قربت وفصلت الصوت وسابته يرن، وبمجرد ما الرنه خلصت قفلت الفون خالص وسابته مكانه كأن مفيش حاجة حصلت.
تيم وصل البيت، ركن عربيته في مكانها ونزل بهدوء كعادته، قفل الباب ولسه هيتحرك بس قبل ما ياخد خطوة لقدام، شاف عربية غريبة، وقف لحظة، ركّز أكتر، وعرف فورا انها مش غريبة، افتكرها، ازاي ما يفتكرهاش وهو اللي كان جايبها معاها بنفسه؟
دي عربيتها...
فريدة....
معقول... هيا هنا؟
إيده شدت على المفتاح من غير ما يحس، قلبه دق دقة تقيلة، واضحة، عنيفة.
اخد نفس طويل، حاول يرجع لبروده المعتاد، ملامحه رجعت جامدة، ثابتة... بس غصب عنه عينيه فضلت فيها لمعة صغيرة مقدرش يخبيها.
دخل البيت بخطوات ثابتة، وأول ما الخدامة قابلته سألها بهدوء حاول يخبيه ورا نبرة عادية
"في حد في البيت؟"
الخدامة ردت ببساطة
"أيوه يا فندم، أصحاب مدام يسر موجودين."
الكلمة دي كانت كفاية.
أصحاب يسر... يعني فريده فعلا هنا.
بص لفوق ناحية الدور العلوي، ومن غير ما يقول اي حاجة تانية طلع السلم بخطوات أسرع من المعتاد.
وصل قدام أوضة يسر ووقف لحظة، كان لسه هيتحرك ويبعد بس باب الأوضة اتفتح فجأة ودكتور خرج الأول ووراه سالي.
تيم عقد حواجبه باستغراب وقرب خطوتين، سمع الدكتور بيقول وهو بيعدل نضارته
"متقلقوش، مفيهاش حاجة خالص، مجرد عياط عادي"
سالي ابتسمت بتنهيدة ارتياح
"شكرًا يا دكتور."
الدكتور مشي وتيم وقف قدام سالي، ملامحه بقت أجدّ وهو بيسأل
"في إيه؟ الدكتور ده لمين؟"
سالي ردت بسرعة تطمنه
"مفيش، نور بس كانت بتعيط ومش راضية تسكت، فجبنا الدكتور يشوفها."
نبرته اتشدت من غير ما يحس
"ليه؟ حصلها حاجة؟!"
"لا، هو قال مفيش حاجة خالص، عايز تشوفها أجيبهالك؟"
هز راسه بخفة وقال بهدوء
"هبقى أشوفها لما اللي عند يسر يمشوا."
في اللحظة دي باب الأوضة اتفتح تاني، والبنات بدأوا يخرجوا بعد ما ودعوا يسر، عيونه اتحركت وسط الوجوه... ووقفت عليها...
فريده...
كانت ماشية وهيا بتعدل شنطتها، ولما رفعت عينيها صدفة... شافته... واتجمدت مكانها لحظة.
