رواية جحيم عينيك الفصل الخامس 5 بقلم مجهول


 رواية جحيم عينيك الفصل الخامس 

قطتي

لم أبكي لاستعطفك ..... بل ابكي لأغتسل منك...

ما زالت الحياة تختبر منانة خيوط عقلي...

الشد وتشد وأنا أقاوم الجنون.. أقاوم تبلد المشاعر وموت الإحساس...

والآن جاء دور قلبي ليخضع للاختبار اللعين.. في قصر يمان أوزيتش اللعين...

فهل ساقاوم ...

فتحت عينيها يتناقل وهي تستشعر نعومة الحرير الذي ترتديه وفراشها الوثير فسلبت الثريا الكرستالية المعلقة بالسقف عقلها بأضوائها المثلالثة وشكلها الجميل والفحم.

مهلا !!.. أين أنا؟ هل من حقا وأنا الآن في الجنة ؟...

جسدها المنعم في حرير التياب إستشعر راحة افتقدها منذ شهور عديدة، كان جسدها حال أثيريا يحلق في البرزخ متطلعا للنعيم الأيدي، استدارت ناحية منضدة السرير بارتخاء محبب ثم إلى اللوحات الفنية التي تملأ جدران الغرفة ديكور الغرفة وأنائه الفاخر مثير للإعجاب والدهشة حقاء

همت بالوقوف لتشعر بألم في ساقها كأن صعقة كهرباء ضربت ساقها موقظة عقلها المخدر فتالمت بشدة وهي تكشف الغطاء عن قدمها إذ بها مضمدة بشريط طبي، هنا فقط تذكرت إصابتها بطلق ناري في قدمها قبل أن يغمى عليها، ويبدو أنها استعادت وعيها للتوحين اضطريت أنفاسها وعلا القلق محياها، فمر شريط تلك الأحداث المأساوية في ذهنها، كيف كانت

تلهت في الركض لدرجة أن رئتيها كانتا ستنفجران...

تبادر إلى ذهنها أسئلة كحبات البرد، من ألقد حياتها من جلبها إلى هنا؟ وما هذا المكان الذي تتواجد فيه الآن ... أسئلة لن تنتظر حتى يأتي أحد ما ليجيب عليها، ففضولها دفعها لمغادرة هذا السرير المريح وتحمل الوخز الذي تشعر به في أسفل ساقها مستعينة بعكازين موضوعين قرب السرير.

لا بأس يجولة في هذا المكان الفخم لعلها تعرف صاحبه وتشكره على إنقاد حياتها، سارت بصعوبة إلى أن وصلت لصالة كبيرة لتجد نفسها تواجه بصدمة بالغة لوحة كبيرة للرجل الذي تسبب في إصابتها، بالكاد تحافظ على توازنها من الخوف فقد ارتجفت أوصالها من هول الصدمة حین ادركت أنها في عرين الأسد في جناحه الخاص داخل قصر عائلة أوزيتش.....

أربك الموقف حساباتها فتراجعت للخلف لتفقد توازنها وتقع في أحضانه مانعا إياها من السقوط قائلا ببرود الجليد وانفاسه تلفح وجهها البريء...

انتبهي أيتها القطة.. لن أكون حاضرا الإلتقاطك في كل مرة تسقطين فيها."

حملها بين ذراعيه يرفق عائدا بها إلى سريره وهو يستحضر ذلك المشهد أين لحق بها بعد أن تمكنت رصاصته من إصابة هدفها ليوقف سيارته ويترجل منها أمرا كلابه بالتراجع والهدوء فاستجابوا نه بينما توقف بقربها والمطر يبللهما بالكامل.

كانت ملامحه الفارغة مخيفة ومظلمة وهو يتفحص جسدها الذي كشف المطر عن مفاتنه من خلال القماش المبلل، لا يعرف لماذا أبقى على حياتها البائسة ولماذا رق قلبه الحالها، الشيء الوحيد الذي يعرفه أن هذه الفتاة تشكل خطرا عليه وتشكل تهديدا حقيقيا لعرشه ومملكته إن لم يمسح من رأسه تلك الأفكار الغبية حولها ويركب سيارته بلا عودة.

استقرت عيناه على مكان الرصاصة في ساقها فمزق کم قميصه ولف به الجرح لاعنا تحت انفاسه عجزه عن إخراس ذلك الصوت اللعين داخل جمجمته وهو يطالب بلعبته الجديدة، فما

كان منه إلا أن حملها إلى سيارته وغادر المكان.....

... تحمد عقلها عن استيعاب ما هي فيه الآن، هل حلمها بالنعيم حال كابوسا مربعا أم أنها

الحقيقة ؟

دوت صرحة داخل عقلها ...

" أين المفر وماذا ستكون نهايتي ؟"

وسامة وجهه القاسية على قلوب العذارى لم تستثنها رغم مقتها له. لم تمنع نفسها من الغوص في تفاصيل وجهه المتناسقة والمهيبة، حتى تفاحة آدم البارزة في حنجرته كإنارة للقوة والمتانة قد استرعت انتباهها، هذا ما استطاعت عيونها المتلصصة النقاطه وهي مخدرة بعطره

الرجالي الذي يأخدها قصرا إلى تلك القبلة المتوحشة.

حين وضعها على السرير استفاقت من شرونها، فاستجمعت قوتها لتصيح في وجهه غير ان صرختها الحشرت داخلها من نظرته المظلمة والمرعبة لها، كأنه يحذرها من الكلام بينما لا يزال قريبا منها قال ببرود...

مرحبا بك في مملكني أيتها القطة الشرسة"...

النقض باحتجاج شديد تريد إجابات لأسئلتها الكثيرة..

لماذا جنت بي إلى هنا؟ وما هذا المكان ؟...

استقام في وقفته حاشرا يديه في جيوبه وبنفس الملامح الجليدية...

"أنت في قصري وفي جناحي الخاص.. وعلى سريري "...

باستنكار صاحت .....

"بأي صفة ..."

اقترب منها أكثر لتستشعر فرانسها هالته الملتهبة ....

بصفتك قطني الأليفة والتي ستكون باستقبالي عند الباب كل يوم وتنمسح بحداثي وهي تموء

بعهر ويأس حتى أجلسها في حضني "

اشتدت صدمتها من إهانته تلك، كيف يكلمها بهذا الأسلوب المنحط ؟ صكت على أسنانها من الفيض لترد يتحد وكبرياء...

أموت ألف مرة ولا أكون عاهرة لأحد، فأنا حرة أبية ولا أتمسح بالأحذية كالذين يحيطون بك. هذه القطة الشرسة قد خدشت رقبتك في السابق وستفعلها مجددا وفي أية لحظة .....

أعجبته نبرة التحدي في صوتها المرتجف وعيونها الزمردية تنضحان بالكره والاشمئزال تبا كم

يريد اقتلاعهما حتى تهدأ شياطينه المستعرة بين أضلاعه...

اتحتى ممسكا فكها الصغير بعنف حتى شعرت أنه سيقتلع من مكانه وبعيون مستعرة كالجحيم ونبرة مرعبة ...

" صدقيني .. لازلت أتذكر تلك الطعنة جيدا وأنا التهم هذه الشفاه الشهية، كانت قبلة بطعم الزعاف المر والكرز اللذيذ، ولا مانع لدي في تكرارها... فلا لذة بدون ألم يا قطتي"

ادار رأسه ليربها جرح رقبته المندمل وقد وضع مكانه وشما بتاريخ الطعنة، اليوم والشهر والسنة بالأرقام اللاتينية...

ثم واصل كلامه رافعا أياها إليه بنفس الطريقة ليلة طعنته، لكن هذه المرة قرب شفتيه لأذنها وهي لا تقوى على المقاومة وهمس کمجنون مختل.....

وشمت مكان الطعنة حتى لا أنساها ما حييت كما أن تنسي طلقني على قدمك ما حييتي..... هكذا تكون متعادلين.. لا أحد مدين للآخر يشي... إعتنى بصحتك حتى تسترجعي عافيتك

بأقصى سرعة لأني أريدك سليمة معافاة البدن، فأنا لا أقبل بالأضحية المعيبة ولا أقربها....

أقلتها فوقعت على السرير وهي تتحسس فكها وتلطف الألم الناجم عن ضغط أصابعه الفولاذية بينما استدار میتعدا قبل أن تنطق ببنت شفة لترى ظله يتوارى خلف الباب موصدا إياه...

انكمشت على نفسها تذرف الدموع بحرقة على حظها العاثر الذي أوقعها في شرك ذلك الشيطان وكأن كل ما ذاقته من ألم منذ موت أبيها لا يكفي، ليته قتلها في ذلك المكان ولا تكون أسيرة لديه بلا حول ولا قوة، جوليا وجودت أخبراها بأنه وحش آدمي لا يرحم حتى أفراد عائلته، فماذا كان يقصد

" بالأضحية المعينة "؟

هل سيقتلها بعد أن يغتصبها ؟ هكذا يفعل المجرمون المختلون...

ارتعدت أوصالها لتلك الفكرة المربعة دافئة وجهها في الوسادة، وفجأة لمعت إحدى عباراته

المريضة في عقلها وكأنها إشارة لشيء ما...

وشمت مكان الطعنة حتى لا أنساها ما حبيت... كما لن تنسى طلقني على قدمك ما حييتي... هكذا تكون متعادلين لا أحد مدين للآخر بشيء"

همست تحدث نفسها المضطربة...

"هل فعلها حقا .. لا .. لا يمكن !!"

اعتدات في جلستها وبدأت في نزع الضماد وهي تتألم لكن ذلك لم يتنها عما تفعله بنفسها.

التصعق مما اكتشفته، لقد وضع وشما قرب الجرح بتاريخ الإصابة ليس باليوم والشهر فحسب.

بل بالساعة والدقيقة يليها عبارة "Mi gata " بالاحرف اللاتينية

عادت تكلم نفسها بصدمة...

" ماذا يعني هذا؟.. أي لغة هذه ؟.. ذلك اللعين مختل ومنحرف.. نقد وشم جسدي دون علمي !!"

جن جنونها ولم تشعر بنفسها إلا وهي تركض باتجاه الباب متجاهلة الألم الفضيع القدمها وتضرب باب الغرفة بكل ما أوتيت من قوة وتصرخ بأعلى صوتها غير عابنة بجرحها الذي ينزف...

"أخرجني من هنا أيها المختل الحقير.. أطلق صراحي أو اقتلني أيها المسح اللعين"... صرخت طويلا دون استجابة من أحد حتى فقدت وعيها من الإجهاد والنزيف...

في قاعة الاجتماعات ببرج السفير كان ممثلوا العوائل المافيوزية يتهامسون فيما بينهم يتوجس وترقب بانتظار وصول الزعيم الذي دعاهم لهذا الاجتماع النصف سنوي والمبكر على غير العادة.

كان يلتشن الجالس منزويا عن الجميع، بحنق خفي يسترجع ما حدث في آخر اجتماع حضره بهذه القاعة حين ابتلع الإهانة وخرج صاغرا أمامهم وهم يوجهون إليه نظرات السخرية

والشمائة ......

مرت سنة أشهر على تلك الذكرى المقيتة وحتى الآن لم ينتقم لكرامته المطحونة بينهم لأن الزعيم أمره أن ينسى الموضوع، فمختار دينيز رجل مهم ولن يدخل في حرب معه، سحقا له. الحقير لا يهتم إلا بنفسه أمضى تلك المدة يجري خلف المتأمرين عليه يجمعهم واحدا تلو الآخر ليثأر لنفسه، لكن أخاه الذي سجن وأهين بسببه لم يحرك ساكنا لأجله...

دخل أحد الموظفين معلنا عن وصول الزعيم إلى البرج التصمت الاجواء عن تلك الحوارات الثنائية واعتدلوا في وقفتهم تحسبا لدخوله من الباب في أية لحظة....

كان مختار دينيز قد جاء مع ابنيه الوحيدين واللذين يعملان في مجال الكازينوهات ولا يفقهان شيئا في تجارة السلاح، لكن ذلك لم يعفيهما من حضور الاجتماع برفقته بالكاد يخفي توجسه وتوتره من هذا الاجتماع السابق لأواله فهو على يقين أن الأمر يتعلق بإكمال ما بدأه في تصفية الحسابات...

دخل الزعيم رفقة أونور ولوكاس بهيأته الأثيفة، فبدلته وحدها تساوي ثروة. عم صمت مثقل بالترقب والتوتر ليسحق يكعب حذاك العريض الأرض من تحته كاسرا ذلك الصمت، فيوجود الزعيم تتخبط نفوسهم كانها على صفيح ساخن، في حين يبدو مظهرهم من الخارج كان على رؤوسهم الطير من فرط سكونهم لا أحد يرغب أن يلفت نظر ذلك الشيطان اليه ولو بالخير... إتخذ مكانه على رأس الطاونة وأشار في برود للباقين بالجلوس وهو يفك زر بدلته ثم تكلم

بصرامة وملامحه الحادة تنذر بالويل...

"أعتقد أنكم شاهدتم آخر إصداراتي " رفع حاجبيه مواصلا بنبرة ماكرة....

" أعنى الفيلم، هل شاهدتموه حتى النهاية أم أن قلوبكم المرهقة لم تتحمل .....

ليومي الجميع مؤكدين على مشاهدتهم الفيديو المجزرة للنهاية، إلا مختار دينيز التزم الجمود وهو يلعن تحت أنفاسه، كان موقفه محرجا أمام البقية، بالأمس يزمجر ويلعن الزعيم وهو على اعتاب الزعامة التي لم يتلها أبدا، وها هو الآن جامد لا ينبس يحرف في حضوره، شتان بين الأمس واليوم، أراد الخراص نظراتهم الناطقة شماتة فتكلم والدم يغلى في عروقه دون حسبان للنتائج فبدا كمن رمى بنفسه أمام قطار قادم بسرعة 300km في الساعة ... سيفرمه لا محالة.....

"ألهذا جمعتنا ؟! حتى تستعرض يأسك علينا نحن لدينا مشاغلنا وما تجمعنا هذا إلا لاعتقادنا أن الموضوع مهم"...

ليبتسم لوكاس بخيت هامسا لاونور...

" على نفسها جنت براقش

سكت الجميع مترقبين ردة فعل الزعيم الذي كان هادئا وهو يعيد صهره إلى الخلف واضعا رجلا على الأخرى و أصابعه تلعب بالقلم...

"ألا تعرف عاقبة من يقل أدبه على الزعيم ... أم أن سكوتي عليك كل هذه المدة شجعك على

التمادي ؟"...

ابتلع مختار ريقه يصعوبة ثم رد بنبرة أقل حدة من السابق...

"صحيح أنك الزعيم... لكن يحق لنا إبداء الرأي والمناقشة... نحن شركاؤك ولسنا عبيد لا"...

رفع نظره الثاقب نحوه قائلا بنيرة معينة...

" وهل الشركاء يتأمرون على بعضهم أو يغدرون ؟"

يلتفت الجميع إلى مختار الذي ازداد ارتباكه فرد بعد أن بلل حلقه الجاف...

"أنا لا دخل لي بمحاولة اغتيالك إن كنت تلمح لذلك "

ابتسم الزعيم واعتدل في جلسته مركزا نظره عليه ...

"أنا لم أعلى محاولة اغتيالي على أية حال، وإلا ما كنت بيننا اليوم، ما يخصني لا أجمع الشركاء لاستشارتهم أو إعلامهم به، وأنت تعرف ذلك جيداً.. ببساطة الأمر تجاوزني ليصبح مسألة تخص كل الحضور في هذه القاعة"...

العالت الوشوشات في القاعة مما أزعج الزعيم ليضرب سطح الطاولة بكفه مخرسا الجميع ثم أكمل كلامه ومختار يتصبب عرقا ...

خلال أزمتي الصحية.. خرجت الأمور عن السيطرة وراج أن جرذان الشوارع (يقصد عصابات الشارع عانت فسادا، ولم تجد من يوقفها عند حدها والغريب أنها تجرأت على الهجوم على شاحنة سلاح يساوي ملايين الدولارات تعود الثلاثة من شركائنا الأوفياء، لقد وضعوا فيها ثروة هائلة لاقتنائها ففقدت بين ليلة وضحاها، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، كيف تمكن حثالة من قطاع الطرق من السطو على شاحنة مجهزة ومؤمنة من مسلحين ؟ كيف حددوا موقعها ونوعية. حمولتها المموهة ؟ والأسلحة لم تظهر في السوق السوداء حتى الآن أي أنهم لم يقوموت ببيعها "

شايك أصابعه فوق الطاولة مواصلا تفحص ملامح مختار يعيون حادة...

"إذن لماذا كل هذا العناء، طالما لم يجنوا الأموال الطائلة من العملية؟

ظل الحاضرون يتبادلون نظرات الشك ليرد مختار بحدة مكورا قبضته...

" إلى ماذا تلمح أيها الزعيم ؟ "

فجأة أضينت شاشة عملاقة في حائط القاعة بها صور لمخازن أسلحة ورجال مجهولين، فقام أونور من مكانه يشرح الصور بالتفصيل بينما لوكاس يوزع وثائقا على الجميع وعيونه الماكرة تترصد وجوه الحاضرين بحماس....

اونور شارحا.

"هذه الأسلحة لا تخفى على أصحابها الحاضرين بينكم... لكن لتعم المعلومة على البقية.. هذه مسدسات بيريتا... كوتر.. كلاشينكوف.. شتاير أوج... عشرات الآلاف من القطع كلها وجدت في مخزنين عائدين المختار دينيز تحت حراسة رجاله المقربين ....

ثم استدار إلى الشاشة مشيرا المقطع جديد..

هذه اعترافات رجال دينيز بقيامهم باعتراض الشاحنة والاستيلاء عليها بأوامر منه شخصيا...

احتج مختار وهو يحاول أن يظهر قويا بعد أن كشف أمره أمام الجميع ...

"هذا كدب وافتراء.. ما هي مصلحتي في تخريب اعمال شركاني وتكبيدهم خسائر جمة ؟ "

فرد الزعيم بحدة .....

"أنا سأخبرك ما كان هدفك من تلك الفعلة الغبية، أنت أردت خلق الفوضى لدفع العوائل إلى سحب ثقتها بعائلة أوزيتش ممثلة في شخصي وفي أخي يلتشن"...

ثم أكمل بنيرة مرعبة ....

مرتاد السجون، على حد تعبيرك"...

قام مختار من مكانه وهرع إلى الزعيم لينحنى عنده قدميه يخنوع وذل كبير يرجوا الإبقاء على حياته لقاء أي مقابل يريده فقد استشعر دنو المقصلة من رقبته ولن ينقده منها حتى أبناؤه الجالسون بلا حيلة خائفين أن تطالهم يد الموت، فأمسكها يقبلها ودموعه تبللها ليسحبها الزعيم باشمئزاز أخدا مناديل ورقية من أمامه يمسحها ...

يدي تقبل مرة واحدة عند تجديد العهد، وأنت عضضتها کانکلاب یا مختار

نظر الإبنان إلى بعضهما في لحظة أدراك لما حدث وما ينبغي القيام به الآن، فهرعا معا لتقبيل يد الزعيم ليقول أحدهما ...

"نحن بصفتنا ممثلين العائلة دينيز تقدم لك الطاعة والولاء أبها الزعيم، وسوف تتكلف بإرجاع الحقوق إلى أصحابها وتعويض خسائرهم المادية أيضا، لكن إراف بأبينا أرجوك "

زفر وهو يهز رأسه بأسف لبرد..

وأنا ملزم بإرجاع حق أخي، وما دون ذلك أنا اتنازل عنه ولن أفعل شيئاً لأنه لا مجال لعقابه مرتين"

فجأة دخل أربعة رجال ضخام الهيئة، يرتدون أقنعة تخفي وجوههم بالكامل، هيأتهم كفيلة بيت. الرعب في قلوب كل من بالقاعة...

رفعوا مختار من أطرافه الأربعة يبعدونه عن الزعيم تم تبلوه وأحكموا إمساكه بينما أحدهم يخرج سكبنا ليقف بشكل حجب الرؤية عن الجميع معتقدين في البداية أنهم سيقطعون رقبته كالشاة لكن بعد صمت رهيب أعقب توقف مختار عن الصباح وطلب الرحمة، السحب أولئك المقنعون تاركين مختار ينتقض كالديك المدبوح ووجهه مخضب بالدماء.

غادر الثلاثة فيما الرابع وضع شيئا على طاولة الاجتماع أمام دهشة واشمئزاز الجميع، كان ذلك

الشيء هو لسان مختار..

قام الزعيم من مقعده بملامح فارغة وخالية من أي تعبيير كأن المشهد مألوف له فلم يحرك فيه شعرة واحدة، إشرايت إليه الأعناق في ذهول وهو يلقي آخر عباراته الثقيلة عليهم كالجبال.

محدقا باللسان المقطوع على الطاولة...

اللسان السليط هكذا يكون مصيره فاحفظوا ألسنتكم من سكاكيني الحادة، سواءا في حضرة أفراد عائلتي أو في غيبتهم، ولو كان فيكم من يعرف معنى الأخوة والتضحية كاخي يلتشن.

لكان في مكاني هنا"

التقت إلى الأخوين المصعوقين مما حل بوالدهما...

ان عرفت أن والدكما ما زال يتنفس هواء تركيا سوف أقطع رأسه وأرميه في حديقة قصره كما فعل هو سابقا"

أغلق زر بدلته مستطردا ...

الاجتماع النصف سنوي سيكون في معاده المعتاد، هذه كانت جلسة ودية لتصفية الخواطر فقط "

استدار خارجا من قاعة الاجتماع مخلفا وراءه موجة ذهول وصدمة، بينما كان يلتشين لا يزال في مكانه مصدوما مما حصل هو الآخر، لقد اعتقد أن الزعيم نسي أمره كل هذه المدة ولن باخد حقه

حمدت تيران الغضب والكره في قلبه ليساورة شعور بالفخر والتقدير مع ندم لسوء ظنه بأخيه. فغادر القاعة مسرعا ليلحق بالزعيم عند المصعد قائلا...

"أيها الزعيم.. شكرا لك"

تنهد الزعيم وحزن غريب بعلاً نظراته ودون أن يلتفت إليه دخل المصعد رفقة مساعديه ....

"ارجوا ألا أضطر لقطع لسان أمك أيضا حتى تعود إلى رشدلا...

حاول يلتشن استيعاب جوابه الصاعق، كأنه صفعة رمته في هوة سحيقة من الحيرة والتعجب

تمتم محد تا نفست...

"اللعنة من يفتخر بأخ مثله"

لكن سرعان ما أعاده من تلك الهوة صوت الزعيم البارد...

نحن جائعون نريد تناول لسان الثور على حسابك الى تركب هذا المصعد اللعين ؟"...

فاندفع ينتشن داخل المصعد بلا جدال بينما لوكاس يجاهد لمنع نفسه من الانفجار ضحكا...

استفاقت فاليريا بعد أن خف مفعول المخدر لتجد سيدة جالسة عند سريرها تقرأ كتابا ما في صمت وهي ترتدي منزرا طبيا فسألتها بلا تردد....

"ماذا حصل لي ؟"

خلعت الطبيبة نظاراتها ووضعت الكتاب جانبا، وبابتسامة لطيفة قامت بجس نبضها وتفقد حرارتها .....

"حمدا لله على سلامتك .. لقد كنت في حالة سيئة بسبب النزيف الناجم عن الإصابة والإجهاد... يجب أن تكوني أكثر حرصا لأن الجرح عميق وقابل للانهاب أن لم تتناولي أدويتك في الوقت... أنت محظوظة كون الرصاصة لم تصب عضمة الساق وإلا كانت حالتك أسوء، لا تحاولي الوقوف

عليها حتى لا يفتح جرحك مرة أخرى عزيزتي "...

رفعت فاليريا نفسها تحاول الاقتراب من الطبيبة والهمس كأنها تخاف أن يسمعها أحد...

"أرجوك أيتها الطبيبة ساعديني في الخروج من هنا.. أنا مخطوفة وسجينة هنا منذ فترة "

فابتسمت الطبيبة في وجهها متجاهلة إياها كأنها لم تسمع ما قالته ...

تناولي طعامك وأدويتك في الوقت ولا تجهدي نفسك... وخلال أيام فقط ستعوين للسير بشكل طبيعي"...

غادرت الغرفة في حين كانت فاليريا تناديها وتترجاها أن تستمع إليها بدون جدوى، نظرت حولها لتكتشف أنها في مكان آخر غير ذلك الجناح أو ربما غرفة أخرى داخله، حتى الشرفة مغلقة بإحكام، مالذي يريده منها ؟ لماذا يهتم بها مادام سيونيها مرة أخرى ؟ ألم يكفيه ما فعله بها؟ أم أن في جعبته المزيد من صنوف التعذيب عوض أن يتركها تموت في ذلك المكام؟ كلما تذكرت أنه وضع لها وهما تجهل معناه تغلي الدماء في عروقها من الفيض...

"ذلك الحقير يعتقد أنه إذا وشملي سأصبح ملكه.. كأنه ابداعني من سوق النخاسة.. ألا يوجد قانون يوقفه أمثاله ؟"

بعد ساعة دخلت خادمتان تضعان لها من أشهى المأكولات على طاولة طبية لتدخل الطيبية بابتسامتها السمحة...

"هيا تناولي طعامك ثم سأعطيك أدويتك"...

الترد فاليريا يتمرد...

"لا أريد أن أكل شيئاً ولن أتناول الأدوية اللعينة .. فقط غادروا ودعوني وشأني "

فأشارت الطبية للخادمين بالمغادرة لتتبعهما مغلقة الباب خلفها، أصبحت فاليريا وحدها في

مواجهة جوعها المؤلم.. والذي ازداد ثورة بعد أن اكتسحت رائحة الطعام الزكية أنفها لتزيد من معاناتها، استرقت النظر لصحن حساء الفطر مع الدجاج الساخن والشهي ولقطعة اللحم المحاطة بخضروات مشوية سلطة ومقبلات وتحلية .. طعام يسيل له لعاب الشيعان قبل الجوعان، كانت على وشك تلبية صرخات الاستغاثة من معدتها الهزيلة حتى تذكرت تلك النظرة المظلمة ونبرة الوعيد في صوته..

"أريدك سليمة معافاة البدن.. فأنا لا أقبل بالأضحية المعيبة ... ولا أقربها "

فضربت الطاولة موقعة الطعام على الأرض وهي تبكي لتحتضن معدتها الممزقة من الجوع تحت

غطاء السرير....

في مطعم فاخر كان الأربعة يتناولون طعامهم في صمت تام ليتكلم لوكاس...

" ابني مختار لا يبدوا أنهما قادران على سد الفراغ الذي سيخلفه والدها.. سوف تعاني معهما حتى يتعلما.. فهما لا يجيدان سوى تسيير الكازينوهات ولا دخل لهما في أعمالنا " أجاب أونور بتفاؤل...

سوف يتعلمان تحت اشرافي، كما أنه لا بأس بدخول ميدان الكازينوهات فهو مجال مريحوخال من الاخطار"....

فشاركهما يلتشن حديثهما ...

ذلك النوع من المشاريع بيهرجته ومصاريفه الكبيرة يجلب أنظار الحكومة إليك، فتسلط عليك ترسانة من الضرائب التي تقسم الضهر ...

ليرد اونور...

"لكن أرباحه كبيرة، وهو غطاء مثالي لنشاطات أخرى.. لدينا كزينوهات في عدد من الدول لماذا لا تفتح واحدا هنا أيضا؟ ...

التفت إلى الزعيم الذي يبدو شاردا...

"أليس كذلك يمان ؟ "

لم يحبه، فعاد بناديه..

"يمان... هل تصغي إلينا أم أنك لست معنا ؟"...

رفع رأسه عن الطبق الذي بالكاد لمسه، ورفع حاجبيه نافيا...

"لم أسمعك.. ماذا قلت ؟"...

اضطر أوتور لإعادة كلامه في حين أن تركيز الزعيم كان منصبا على هاتفة والرسالة الواردة عليه، ليرفع أصبعه موقفا أونور عن الكلام....

"ليس الآن يا اونور"...

فما كان منه إلا ان استجاب له ...

"كما تشاء.. لكن لماذا أبقيت على حياة مختار بعد تأمره عليك ....

قررت الإبقاء على حياته في آخر لحظة"

نظر إلى أونور مقوسا شفتيه وهو يهز كتفيه بلا مبالاة ...

"لن أشعر بأي متعة في قتله، فعدلت عن ذلك، يكفي أنه لن يلعق فروج المؤسسات بعد الآن"...

فتعالت ضحكات لوكاس ويلتشن ليأخدا كأسيهما يرفعانها بانتشاء...

" بصحة الأيكم."

أونور لم يجد بدا للتمهيد لسؤاله الموالي فطرحه مباشرة بدون لف أو دوران...

" إلى أين أخدت ابنة القاضي يا يمان؟"

دون أن يلتفت إليه حتى...

" إلى حيث أردت ؟"

فهم الآخر أنه لا يرغب بالحديث عنها لكنه لم يمنع نفسه من طرح ذات السؤال في كل مرة تسنحله الفرصة..

هل ستقتلها لاحقا؟"

اظلمت عيناه فجأة ونظر بحدة إلى أونور

تعرف جيدا أنني لا أتحدث عن خصوصياتي.. فلما تسألني عنها؟"

ليرد أونور بابتسامة ماكرة...

"أعذرني لم أعرف بأنها صارت من خصوصياتك"

ليكتفي الزعيم بالصمت لاعنا تحت أنفاسه

"نیا"

كانت الساعة تشير إلى التاسعة مساء حين سمعت صوت خطوات قادمة إليها فاختيات تحت

غطاء السرير، لتسمع صوت فتح الباب ووضع الأواني على الطاولة.

فرفرت بحنق تحت الغطاء قائلة بتنمر طفولي...

" هذا الأكل سيكون مصيره الكب كسابقه، فحدوه من هنا واغربوا عني أريد الموت في سلام"

تركت الخادمة العشاء على الطاولة وخرجت مغلقة الباب خلفها، لكن هذا لم يجعل فاليريا تطمئن أنها لوحدها، فقد شعرت بطاقة غريبة في الغرفة هالة مخيفة رفعت حرارة المكان كان ماردا من نار يقبع خلف الغطاء منتظرا خروجها، نسيت ألم الجوع وألم الجرح من توجسها واستشعارها.

الهالة طاغية.

أصبحت تدرك بما لا يدع مجالا للشك أنه هنا، يقف عند سريرها ويحدق بها بعيونه المظلمة..

استجمعت ما لديها من شجاعة ويقين بوجوده...

"لا تتعب نفسك أنا لن أكل شيئا"

"التعب جزء مني وقد اعتدت عليه، لذا انهضي ونفذي أمرى قبل أن أتعب نفسي"

همست سرا و هي تزفر ....

"تيا"

أخرجت رأسها ببطء ناظرة إليه بخوف، لتدرك أن عنادها معه سيجر عليها المتاعب فقط.

فاعتدلت في جلستها مقربة طاولة الطعام إليها باستسلام وهو يحدق بها كأنه ينتظر أي تقاعس

منها في تنفيذ الأوامر فيعاقبها.

التتقى شره راحت تبتلع لقيمات صغيرة بشكل إلى حتى اكتفت مبعدة طاولة الطعام وهي

تتمتم بترقب

"لقد شيعت "

ظل واقفا ويديه في جيبه لبرهة دون اية ردة فعل ثم اقترب ورفع الغطاء عنها أمام نظرات استهجائها ثم الحني إليها يحملها بشكل خطف انفاسها لتشهق وهي تنشبت برقبته خوفا من الوقوع.

"ماذا تفعل ؟!!"

استدار واخد مكانها جاعلا إياها تجلس في حضنه ثم قرب طاولة الطعام.

"افتحي فمك..."

يده الأخرى كانت تطبق على خصرها محكمة تثبيتها كالكماشة، وشرع في إطعمها في صمت

كأنها طفلة صغيرة.

رهبة اللحظة والحرج الذي شعرت به وهي في حضنه الجما لسانها ، ففتحت فمها لكل لقمة من يده دون مقاومة أو اعتراض، كانت ضعيفة هشة وعارية الروح بين يديه، تتلقى هجمات كاسحة من كل الاتجاهات من لمسة يده التي تلهب خصرها، ومن احتكاك جسدها الفض بعضلات صدره وفخديه الصلبة، شذا عطره الذي حفظه أنفها وألفته خلايا دماغها المشتعل من الإثارة، نسيت تماما إصابتها وجوعها وتعب روحها، لكن عقلها دائم اليقظة، لا يغفل أو ينسى.

استجمعت شتات نفسها وقررت العودة لاستفزازه وافتعال المشاكل معه، فهذا أسلم لروحها وعقلها من البقاء في حالة سكون في حضنه فهي تشعر أن عواقب الهدنة أشد وأقصى من

عواقب الحرب...

"هذا يكفي، فلا أظنك تحب السمينات"

ارتسمت على شفاهه ابتسامة هادئة وهو يمرر أصابعه على خدها وشفتيها لتسري قشعريرة غربية بجسدها المنهك...

" يكفي أن يعود التورد لخديك الشاحبين، وتعود النضارة لشفتيك المتيبستين"

خفق قلبها لعباراته ونبرة صوته العميقة مستشعرة جفاف حلقها وصعوبة ابتلاع ريقها في قريه. قدم لها حبات من الدواء مع كأس من الماء، فتناولتهم بإذعان آثار في نفسها الحنق وألف علامة استفهام.

كيف تنفلت عقائها في وجوده وتخضع له ؟ هل خوفا منه أم أن هذا رجل ساحر يلقي تعويذة لسحرية ما عليها ؟

أعادها إلى سريرها لتستطيع ضبط انفاسها المضطربة أخيراً وتعود للملمة دفاعاتها بشيء من الجدية قاطعة الصمت بينها وذلك التواصل البصري المريك لها ...

"ماذا يعني ذلك الوشم؟"

نهض عن السرير موجها لها نظرة عابنة ...

كل ذلك التمرد لأنك لم تعرفي معناه؟"

عاضتها نبرة الاستهزاء في صوته لنرد بغضب

جسدي ليس دفترا تدون عليه انجازاتك الإجرامية، وليس ملكا لك لتفعل به ما يحلو لك"

خنقتها العبرات للحظة وهي تقاوم دموعها ...

"لماذا جنت بي إلى هذا؟ إن كنت لن تقتلني فلماذا تحتجز لي هذا؟ لماذا عذبتني الأيام وفي آخر لحظة انقدت حياتي ؟"

كانت تتطلع لأجوبة شافية علها تعرف مصيرها ...

لكنه لم يواكب تطلعاتها تلك، وفضل إنهاء هذا الحوار... تصبحين على خير أيتها القطة"

غادر بعد أن لمح دمعة تنزل على خدها الحقت خللا بدقات قلبه وعكرت صفوه.

تركها متوجها نحو الصالة حيث ملاذه الخاص هناك اتجه للبيانو وجلس يعزف عليه، كان كالظمان حين يجد بئر ماء في قلب الصحراء، قد إنهالت أصابعه الطويلة على لوحة المفاتيحالبيضاء العاجية والسوداء الابتوصية، مفرجا عن الحان عذبة من معزوفة mariage d'amour

كل ما يحتاجه الآن هو العزف لتهدئة ثورة أضرمتها تلك العيون الزمردية في فؤاده، أراد إيقاف الفوضى التي اندلعت فيه وإعادة ضبط دفاته وإحكام السيطرة على روحه المظلمة.

تلك المشاعر الغربية، اكتسحت قلبه الحسور والصلب في غفلة منه فخفق لها دون اذنه، لدرجة أنها قد منعته من قتلها ذلك اليوم، أدخلها مملكته ليتبت لقلبه أن لا شيء مميز بها حتى يخفق

أنها كغيرها من جحافل النساء اللواتي عرفهن، لكنه كان يفشل كل مرة يراها ويكسب قلبه الرهان، فالرغبة التي تجتاحه كالاعصار في تمزيق شفتيها بين أنيابه وحاجته الملحة كالجحيم في سماع أنينها وتأوهاتها، تفقده صوابه، الزعيم الماجن والعابث بقلوب النساء، صار عابدا ورعا امام حرمتها، فيمسك نفسه عنها حتى لا يؤذيها ولا يسلبها نقاءها ولا يفسد بريق عيونها البرينة.

هذا خطأ، الحب ضعف وهوان امن بمكانته وشخصيته، لقد بنا عالمه الخاص بالحديد والنار بالدم والوحشية، وجود ذرة عاطفة وسط تلك اللبنات سوف يهدم أركانه بلا رجعة، لكنه في نفس الوقت غير قادر على إطلاق سراحها حتى لا تكون لغيره، ولن تكون حتى لو اضطر لدفنها

في حديقة قصره.

اثارت تلك المعزوفة العذبة فضول فاليريا وهي تتسأل من يعزف بهذه البراعة والجمال في منتصف الليل استهواها سماء الألحان الشجية عن قرب فخرجت تتلمس طريقها بالعكاز

بصعوبة حتى تجاوزت ردهة طويلة إلى صالة واسعة يجري فيها الخيل من اتساعها.

تفاجات أن العازف البارع ومرهف الإحساس لم يكن سوى سجانها وجلادها المتوحش، كيف الشخص يستسيغ القتل والظلم أن يكون ذو حس مرهف، كيف لأصابع الموت أن تصنع البهجة والسعادة، يد تزهق الأرواح وأخرى تعرف الالحان الملاح، كم هذا الرجل مليء بالتناقضات والعجيبة، فظلت واقفة تستمع العزف الفريد غير عابنة بإصابتها، فقد سلب قلبها جميل المقام وعذب اللحن.

انهى معزوفته وأسدل الغطاء على مفاتيح البيانو بهدوء وأصابعه تطرق على الأبنوس الأسود طرقات منتظمة لينطق بما لم تتوقعه...

"أقسم بالجحيم السابع إن النهب جرح قدمك لأطلقن النار على الأخرى وأجعلك مقعدة، عودي

الغرفتك ولا تخرجي منها حتى أذن لك "

فعادت ادراجها في صمت وهي تلعن تحت انفاسها حظها العاثر الذي أوقعها في يده.

تمر الأيام بسرعة في الخارج حيث عجلة الزمن تدور بسرعة وتذوب في معترك الحياة؟ بينما نكاد تتوقف هذا في هذا السجن المخملي اين تقبع فاليريا محاطة بكل وسائل الراحة والعناية الطبية في عزلة تامة عن بقية سكان القصر الذين تجهل وجودهم كما يجهلون وجودها حتى الآن....

كان بعض أفراد العائلة مجتمعين على مائدة الإفطار في شرفة الدور الأرضي والمطلة على الحديقة الأمامية في هدوه نام سرعان ما كسره ضيا بجلبته وهو ينضم إليهم في عجلة من امره فاستنکرت هاندا عدم احترام ابنها الآداب المائدة بضيق..

"صباح الخير أولا، تم اجلس وأنت تأكل ثانيا، متى تتعلم إحترام الاتيكيت"

فرد ضیا غیر عالی

"أنا مستعجل يجب ألا أتأخر عن الجامعة"

ضحكت سارة باستهزاء...

"ضيا المستهتر أصبح يعيا بالوقت والمواعيد"

وقع بصره عليها كمن وجد ضالته فجلس ينوي أخذ كامل وقته للاستمتاع باللحظة فهي لا تتكرر

إلا نادرا فرد بنبرة ماكرة...

ها أنا قد جلست .. ليس لأتمهل في الأكل وإنما لأستمتع بملامحك الصفراء وهي تتهجم من

الخبر القنبلة "

أكمل منتقدا للبقية ...

وسوف يصدمكم جميعاً، هناك عشيقة سرية في جناح الزعيم، آخر مرة سمعتها تصرخ كان منذ أيام

فقالت هاندا مستخفة بالخير

"لابد أنها تلك الإسبانية التي تدعى مارسيلا"

التعقب مدار...

"مارسيلا انتقلت للإقامة في منزل أنستازيا منذ زمن... بربك أمي !"

الترتيك سارة واضعة فنجانها واستدارت نحو ضيا...

كيف عرفت ذلك؟ ومن هي الفتاة؟ هو لا يأتي بالعاهرات إلى القصر، فلا بد أن تكون ضيفة مؤقتة "

ضحك ضيا من كلام سارة...

كم اشفق عليك تبحثين عن أي مبرر تيردين به تارك المستعرة، لكن الفتاة فعلا هنا منذ أيام ويوليها عناية خاصة، مصعده الخاص لا يهدأ بين صعود ونزل طبيبة وممرضات خدم وحراسة إضافية على جناحه حتى الذباب ممنوع من الاقتراب"

قال ذلك وهو يشير بسبايته لأنف سارة التي شعرت بالاستفزاز فرفعت يدها محاولة ضربه غير أنه أقلت منها مغادر الحديقة وهو يضحك باستهزاء....

خالتي، هل ما يقوله صيا صحيح؟

لا أصدق أن يمان على علاقة جادة مع احداهن "

لترد هاندا ببرود

تعرفين كيف هي طباعه، لا أحد يجرؤ على سؤاله عن خصوصياته، فانسي الأمر ولا تفتعلي المشاكل، وإلا لن يكون موقفي قويا أمامه وأنا أدافع عنك حين يعود من سفره مع يلتشن سوف أعرف حقيقة تلك الفتاة ......

قبل أن تنهي هاندا كلامها... تفاجأت بعودتهما الغير متوقعة وملامحهما لا تبشر بالخير، اتجه يلتشن إلى الشرفة حيث يجلسون في حين اكتفى الزعيم برفع يده للتحية وأكمل طريقه إلى

الداخل في عجلة من أمره....

ماذا حصل يا بني لماذا رجعتم بسرعة ؟ "

زادت ملامح يلتشن الحزينة وعيونه المحمرة من قلق هاندا ومنار...

رستم بلغنا أن حالة والذي سيئة جدا"

وضعت هاندا يدها على فمها من الهلع ...

"لقد كنت عنده هذا الصباح قبل أن أنزل، كان طبيعيا ككل الايام، كيف اتصل بكما وأنا لا علم لي

بشيء"

سوف أصعد للوقوف على الوضع"

أوقفها يلتشن...

"أمي لقد فات الأوان"

نظر إليها وعيونه قد فاضت بالدموع.

"أبي متعب جداً يا أمي، وحان الوقت ليرقد بسلام، ويرتاح من معاناته"

اضطربت هاندا وانخفض ضغطها مسببا لها دوارا طفيفا، فأجلسها على الكرسي في حين هرعت

منار لتقديم كوب ما....

سوف يرحل عنا والدك ويتركنا تحت رحمة ابن الإسبانية"

في تلك الأثناء خرجت فاليريا من الحمام وهي تلف جسدها بالمنشقة لتجد الخادمة قد حضرت لها ما سترتديه اخيرا بانت قادره على السير على قدمها بعد أيام من العلاج استعادت فيها بعضا من وزنها وعافيتها، أيام لم ترى فيها سجانها منذ تلك الليله التي عزف فيها على البيانو.

غيابه جعل نفسها تستكين وتهدأ، جعلها تستعيد توازنها بعض الشيء دون أن تنسى للحظه أنها في عرينه وتحت عينيه وفي ظله، حتى لو كان غير موجود فروحه تغلف كل جدران غرفتها ورائحته لا تفارقها، حتى الوشم لا ينفك يذكرها ويفقد قلبها طمأنينته، وكلما لمحته تتوعد بازالته فور هروبها ونجاتها من سجنها، حتى ما ترتديه من ثياب فاخرة تذكرها به ارتدت حمالات الصدر وهي تنسأل في نفسها باستنكار والخجل يكسو وجنتيها

كيف عرف مقاس ثيابي الداخلية بهذه الدقة ؟"

ارتدت بقية ثيابها وجففت شعرها، فاسترعي انتباهها صوت جهاز يرن في خصر الخادمة التي كانت توضب غرفتها فقامت الأخيرة بإقفاله وتركت ما بيدها لتتجه صوب الباب مغادرة في استعجال كان أحدهم يطاردها، حتى أنها نسيت أن تغلق الباب بالمفتاح كما هي العادة.

لم تفكر فاليريا مرتين لانتهاز الفرصة والهروب، أو على الأقل تتجاوز جدران هذه الغرفة التي

ظلت حبيستها الأيام وتكتشف ما يوجد خارجا.

خرجت من غرفتها بحذر لتلمح خادمة أخرى تخرج بسرعة من الباب الخارجي للجناح، هناك حركة مريبة في المكان، تصرفات الخدم الغير مفهومة من المؤكد أن لها علاقة بذلك الإنذار.

كان رستم يسير بنيات في ردهات القصر باتجاه جناح هارون وهو يتفقد بحرص نزول الخدم والحرس إلى الطابق السفلي وبيده صندوق من خشب العاج الوردي مزين بأحرف من ذهب. دخل الجناح واتجه رأسا إلى مكتب هارون حيث كان الزعيم بانتظاره وسط سحابة دخانية لسيجاره، غارقا في صمته البارد.

وضع رستم الصندوق على المكتب أمام الزعيم ليفتحه مواجها رسالة والده التي أمر بفتحها في اليوم، هذا اليوم كان سيأتي عاجلا أم أجلا يترقبه الزعيم برهبة منذ أن أصبح والده طريحالفراش والألم والمعاناة.

قطع رحلة العمل في دبي حين جاءه إتصال رستم. ترك كل شيء ليلبي نداء الواجب الأخير للابن تجاه أبيه واجب الوحوش الادمية تجاه بعضها.

بعد الحادث مباشرة كان لا يزال قادرا على تحريك شفتيه ولسانه بشكل مفهوم فأملى هذه الرسالة على رستم أمام ابنيه يمان ويلتشن وختمها يختمه المميز والذي كان آخر مرة يستعمله الإمضاء قرار ما، ذلك القرار كان فرمان موته الصندوق كان يحوي الفرمان وأداة تنفيده، مسدسه المتوارث عبر الاجيال، ميرات اجداده و مصدر اعتزازه و فخره به طلقة واحدة ووحيدة قدر لها أن تدفن مع صاحبها في قبر واحد.

أمكة الزعيم وقام عن المكتب بخطوات بطيئة...

فیا در رستم مقترحا...

"هل أبقى معك أيها الزعيم ؟"

ليومي له بالرفض فاحنی رستم راسه احتراما مغادرا الجناح لينزل عبر المصعد تحت أنظار فاليريا فتحركت نحو الجناح بخطوات عرجاء لا تلوي على شيء غير تلبية فضولها الملح.

فتحت الباب لتجد نفسها في جناح فخم بطراز عتيق، وسرعان ما اختبات خلف عمود رخامي حين سمعت خطوات أقدام تتقدم نحو باب أحد الغرف.

كان ذلك الشخص هو يمان يستعد الغوص في محيط تلك الغرفة مجددا ولآخر مرة، لا شيء سيبقى كما كان، بعد خروجه لن يعود هناك وجود لهارون أوزيتش لا كاب متحجر القلب ولا كزعيم بهايه القاصي والداني

هذه المرة لن يترك قناع الزعيم خلفه لأنه سيحتاجه لتنفيذ آخر مهمة موكلة إليه، أخذ نفسا عميقا ثم ولج الغرفة وبيده مسدس ال اوزيتش الكلاسيكي الصنع، تقدم نحو والده الذي كان جامدا عدا مقلتيه اللتين تتيعان يده الحالمة للمسدس ليقفل عليهما جفونه وهو يترقب موته الوشيك.

دخل عليه ابنه البكر، عمله الدنيوي كانه ملك الموت قد جاء يقبض روحه، بعد طول انتظار أعاد فتح عينيه لينظر إلى ابنه الجالس عند حافة السرير وهو يمسك رأسه بين كفيه، ود لو استطاع أن ينطق بكلمات تشجعه وتواسيه، يكلمات حازمة تأمره أن ينفذ ليرحمه من ألم وخز السكاكين في عظمه وعصبه كل لحظة.

رفع يمان رأسه مستسلما لدموعة المسجونة من كان طفلا، منذ خلق الزعيم.

في تلك اللحظة وقفت فاليريا بين باب الجناح وباب غرفة النوم في حيرة من أمرها هل تلبي فضولها أم تعود أدراجها، فساقتها قدماها إلى تلك الغرفة مدفوعة برغبة لا تقاوم المعرفة ما يدرو فيها كأن قوة ما تحملها على ذلك.

كان الباب مواربا ويسمح لها برؤية جيدة لسجانها وهو جالس على طرف سرير رجل مريض فالتقطت أذنيها صوته ذو النبرة الحزينة...

تعرف جيداً ما زرعته بداخلي حتى تكون متأكدا من تلبيتي لرغبتك هذه، تعرف أنك خلقت وحشا آدميا ينفذ دون جدال آلة لسفك الدماء بلا مشاعر جعلتني جبلا شامخا يتحمل نقل المهام الجسام سدا خرسانيا منيعا ضد كل ما يهدد أولادك وزوجتك وامبراطوريتك من بعدك. عقلا لا يهدأ ولا يكن لجنى المال وربح الصفقات بكل الطرق المشروعة والغير مشروعة، هكذا اردتني أن أكون دائما، فماذا علي أنا؟... ماذا عن مشاعري التي قتلتها؟ واحلامي التي دست عليها وأنت تقتلعني من حضن أمي في سن صغير وتأخذني بعيدا عن بيتي وحديقة حينا الصغير ومدرستي وأصدقائي.. ليتك على الأقل أحببتني واحتضنتني كما يفعل أي أب مع ابنته.. ما فعلته بعد ذلك كان أبشع من النزاع طفل من حضن أمه أنت رميتني في معسكر لتنشئة المجرمين والقتلة، هناك رأيت ما تشيب له الولدان ويعجز اللسان عن وصفه، صارعت الأظل على قيد الحياة كتور وسط مجموعة من الأسود والضباع، لكن حين أعدتني إلى هذا القصر شعرت أن ذلك المعسكر أفضل من قصرك الباذخ وحياة البؤس المغلفة بالترف التي يعيشها إخوتي بسبب قسوتك عليهم.. فاورتتهم الضعف والاتكالية والنفاق وصاروا يلهثون خلف مصالحهم الشخصية فقط .. بطريقة ما أدركت أن قرارك بإرساني لذلك المعسكر كان صالبا.. فأنا على الأقل لست ضعيفا وتائها أو إنكاليا مثلهم...

استدار إليه وهو يبتسم يحزن...

لكن لا تخف ما دمت خلفهم لن يقعوا، فارقد بسلام"

فجأة ضحك بمرارة والدموع تأخد طريقها بين شعاب لحيته السوداء الحقيقة..

نيا كم أحسدك على هذا سوف ترتاح من هذه الحياة البالسة، أمل فقط ألا تجد من ارسلتهم

قبلك ينتظرونك في الجحيم السابع"

نهض ليدنو من والده ثم انحنى يقبل جبينه وألقى نظرة أخيرة داخل عينيه، وربما كانت الأولى طيلة حياته، فهو لم يتجرأ يوما على النظر داخل عينيه رهبة واحتراما.

مسح الزعيم دموعه يظهر يده فقد انتهى يمان من وداع أبيه لياني دور الزعيم في تنفيذ الأمر الأخير، فمد يده ليأخد وسادة صغيرة بعد أن مرر الامله على جفون والده يغلقهما إلى الأبد.

وضع الوسادة على وجهه باليد اليسرى والمسدس من فوقها باليد اليمنى، تماما كما أراد وأوصى في رسالته.

لم تكن حياة هارون عادية، ولن تكون نهايته عادية أيضا.. حياة سوداء ونهاية سوداء...

...)وداعا يا أبي( "Adios mi padre "

دون تردد أطلق على رأسه رصاصة الرحمة دوى صوتها في الارجاء مع صرخة مكتومة وموجعة أصدرها يمان فاتسعت منها تلك العيون الخضراء من خلف الباب جزءا من هول المنظر فخرت

قواها تجدو على الأرض كاتمة صرختها بيديها.

لقد استطاع إنهاء حياة أبيه، سمعت ورأت كل شيء مع ذلك فقط فيه بسهولة، فمن هي حتى يبانيها حية خارج هذه الجدران، تحاملت على نفسها وقامت تجري حتى كادت توقع تمثالا من

على طاولة في منتصف الصالة لكنها أمسكته قبل أن يقع وأعادته لمكانه انتتجه بسرعة الى

سجنها الصغير، فلا مهرب من هذا القصر الأشبه بالمتاهة لتشعب ممراته ومنافذه.

خرج الزعيم باتجاه الباب الخارجي لجناح والده فتوقف عند التمثال الذي تغير موضعه يضع انشات ثم قام بتعديله ريثما يأتي رستم الذي استدعاه وما هي إلا ثواني حتى كان أمامه يقوم بتعزيته..

تعازي الحارة لكم أيها الزعيم وأدامك الله ذخرا وأمانا لهذه العائلة "

هز رأسه ثم قال...

اريد جنازة مهيبة تليق به... اهتم بالموضوع با رستم ...

تم سلمه المسدس .. ليقول رستم باستغراب

" المسدس أصبح لك الآن أيها الزعيم، فهو ارت لال أوزيتش"

رد بسخرية مريرة..

نبا لال أوزيتش جميعهم."

انزوت فاليريا في ركن داخل غرفتها تبكى ولا تعرف ليكانها سببا محددا، ما اكتشفته كان أكبر من قدرتها على الاستيعاب، لقد عرفت أن ذلك الرجل عاش حياة لم يخترها بنفسه وأمضى طفولة قاسية، هو يكره كونه انسانا قاسيا بلا رحمة، يكره حياته ويحن لطفولته في كتف أمه. هذا يعني أن خلف قناع الزعيم يقبع شخص آخر ينتظر الفرصة للظهور ويحتاج من يخرجه إلى الوجود.

قلبها ينفطر من ذلك المنظر كيف ستنجو منه؟... أين المهرب ؟ كيف سيراف بها ويستجيب التوسلاتها وقد استطاع إنهاء حياة أبيه، حتى لو كان يطلب منه هذا لا يبرر وحشيته وقسوته.

ذلك الرجل لا عزيز له، فمن هي ليراف بحالها ويطلق سراحها.

انتفضت من مكانها حين سمعت صوت خطواته داخل الجناح فاستجمعت قوتها لتخرج إليه. وتستعطفه عله في حالته هذه يستجيب لها، فقد طفح الكيل وباتت تشعر بجدران هذا القصر تطبق على صدرها وتخنقها.

ذهبت إليه رغم خوفها مدفوعة برغبة في رؤيته في حالة ضعفه، لرؤية ذلك الوجه الحزين الباكي، فوجدته مستلقيا على الأريكة وقد نزع عنه سترته وربطة العنق رافعا ذراعه امستوى راسه مخفيا عيناه تحته كأنه قد غفا...

" اللعنة.. لقد قتل والده للتو وها هو يستلقى هنا بأريحية.....

حدثت نفسها باستغراب وهي واقفة بجمود تحدق به غير قادرة على التقدم، لقد كانت جسورة قبل أن تلمحه، وها هي الآن تحسب خطواتها للعودة، لكن الانسحاب دون أن يلاحظها أصبحطموحا بائسا ذهب أدراج الرياح حين تكلم فجأة دون أن يغير وضعيته تلك...

قطتي لديها ما تقوله.. وأنا أود سماعها ...

ابتلعت ريقها واستدارت نحوه لا تعرف ماذا تقول كيف ستفك عقدة لسانها أمامه يحق الجحيم ؟

تمتمت مترددة....

ال آنا

"اليتي لتعتذري عن تلصصك، أليس كذلك؟"

"أنا لم أتلصص .."

فقاطعها ببرود مخيف...

بلى حتى أنك كنت توقعين تمثال الجرانيت هناك.. لا تجعليني أعاقبك على الكذب أيتها القطة."

استهجنت طريقة حديثه معها فردت باستنكار

برأيك... ماذا ستفعل سجينة تجد الأبواب الموصدة لأيام مفتوحة بشكل مفاجئ أمامها، أليس من الغباء أن تفوت عليها الفرصة للهروب ؟ حتى لو كانت نسبة نجاحها ضئيلة، على الأقل لن تندم على المحاولة، فالغريق يتعلق بكومة قش، وهذا ما فعلته ببساطة."

.. نهض واعتدل في جلسته التلمح ذات الجمود والبرود في ملامحه مع فرق بسيط هو أن الحزن يطل من عينيه الفاتنتين، ذلك الحزن الذي يعكس روحه المكلومة وبروده اضفيا مزيجا اسرا يغري بالاقتراب كالنار التي تجذب بدورها الفراشات..

لكنك عوض المحاولة فضلت التجسس علي، أليس كذلك؟ أن ينتابك الفضول نحوي هو تقدم

كبير يا قطتي"

احمر وجهها لترد بالفعال تغطى على ارتباكها ......

"أنت واهم... انا لا أرغب سوى بالخروج من هنا"

بابتسامة باردة...

" يعني أنك لا تريدين التحدث لماذا جئت إلى إذا ؟ هل اشتقتي إلى يا قطتي الشرسة ؟"

كانت اسئلته المستفزة تحاصرها وتضيق عليها الخناق غير قادرة على مجاراته في الاعيبه، ربما لا مجال للمراوغته لذا فقررت أن تفتح موضوع والده التمهد الموضوعها ربما تفلح محاولتها.....

"حسنا أنا لدي فضول بشأن.......

قاطعها وهو يضع يده على فخده إشارة لها بالجلوس عليه ....

" إذا تعالي واجلسي هنا حتى أسمعك وأبث في مطلبك أيتها القطة...

شعرت أنه يستدرجها لفخه فعزمت ان تلعب بطريقته وبقواعده على أية حال لو أراد الحصول عليها الفعل بالقوة، هكذا فكرت فاليريا وهي تخفف توترها، فسمعته يلقي تطميناته إليها كأنه سمع ما حدثتبه نفسها ...

"فقط سنتحدث أعرف أنك لست مستعدة لأكثر من ذلك"

أخدت نفسا عميقا وسحبت كرسيا خلفها لتضعه أمامه وتجلس عليه قائلة بنبرة لنيمة ....

"هكذا أفضل "

هز رأسه يتلهم ثم سحب الكرسي إليه فجأة لتصبح محاصرة بين رجليه ووجهه قريب منها تحد

كبير قصرح عقلها

( هذا أسوء بكثير)...

" هذا أفضل بكثير أهنئك على أفكارك العبقرية".

احمرت وجنتاها من الغيض كم يعشق استفزازها والتلاعب بعقلها ...

فقالت يقلب قوي...

"رأيتك تطلق النار على أبيك تلبية لطلبه الأخير دون أن يرف جفتك أو ترتعش يدك عند الإطلاق. ورغم ذلك بكيت عليه بحرقة، أخبرته بكل ما يعتلي صدرك ناحيته وعبرت له عن مشاعرك

ودعته، قبلت جبينه ونظرت في عينيه.."

كان ينصت إليها بإمعان وهو يتفرس ملامحها ليرصد عينيها الزمرديتين يغشاهما الدمع. والكلمات باتت تجد صعوبة في الخروج من حلقها، لكنها استرسلت في الحديث توجه نظرها العينية المظلمتين بخسارة بعد ان كانت تهرب منهما ...

... أذا لم يتسنى لي ذلك مع أبي، لم أودعه وأقبله، لم أعبر له عن مشاعري ناحيته، فقط رحل بدون سابق إنذار خطفه الموت منى دون رجعة، لم أخبر ذلك ولم أستحقه، لهذا فعلت ما فعلته من حرفتي عليه، أردت أن أنتقم منك حتى يرقد أبي بسلام في مثواه الأخير، الشكر الله أنك لم تمت على يدي حتى لا أحمل وزرك وأتحمل تأنيب الضمير طيلة حياتي، ما حصل كان غلطة قد دفعت ثمنها ولازلت، فارجوك.. تدعني أذهب لحال سبيلي، إراف بي وامتحني حريتي"

ازدادت ملامحه حدة وأظلمت عيناه.. لينطق بحكمه الأخير عليها وينبتها بمصيرها الذي قرره

" لا أحد تجزأ على طعني وجعل قلبي يتوقف عن النبض مرتين في غرفة الإنعاش سواك ولا أحد رأى دموعي اللعينة سواك، لهذا أصبحت روحك بيدي وملكي، أنا من يقرر إطلاق سراحها ساعة أشاء، لكن ليس إلى الحياة خارج هذه الجدران، بل إلى السماء خارج هذا العالم، أنت لي فاليريا ما تشافارياني، منذ أن وضعتك في مرمى بندقيتي عرفت أن النار المستعرة داخلي لن تنطفى بموتك، فأبقيت على حياتك لأكتشف على مهلى كيف سأطفئ تلك النار، أو ربما تكتشفين انت طريقة ما كيفية إطفائها"

ردت بيأس وترجي...

غضبك نحوي لا مبرر له، تعرف جيدا أنني كنت مخدوعة ومتساقة للعبة قذرة، فانسى ما حصل ودعنى أرحل.. أرجولا"...

كانت تبدل مجهودا للحفاظ على تركيزها في الحديث بسبب الطريقة التي يتأمل بها تعبيرات وجهها، لم يكن يزيح عينيه عن خاصتها إلا لتستقرا على شفاهها التي استعادت نضارتها ولونها

الكرزي...

"لو كان ما أشعر به تجاهك هو الغضب لكنت الان مدفونة في تلك الحفرة العملاقة، ولا تسأليني عن ماهية الشعور اللعين الذي يساورني تجاهك، لأنني لا أعرف حقا"

فاجأها حين سحبها إلى حضنه مجلسا إياها على فخده، يدس أنفه في رقبتها اخدا نفسا عميقا كأنه الحياة، أو عبير الجنة، ثم نظر إلى عينيها ...

لكنتي اكتشف في هذه اللحظة أن...

سكت كأنه تردد أو تراجع عما كان سيقوله، ثم استطرد بلغة لا تعرفها ...

"Nada cura mejor que el verde de tus ojos"

الا شيء يشفي أفضل من خضرة عينيك)

لم تفهم ولا كلمة واحدة سوى أنه تحدث معها باللغة الإسبانية، وهي معلومة حصلت عليها من جودت

نبرة صوته العميقة ولكنته الإسبانية سلبت عقلها في لحظات، فتاهت في سوداء عينيه

الحزينتان... مأخودة بعيقه الأسر، قد لا تجيد فك طلاسم تلك اللغة الأنيقة لكن أحرفها وكلماتها عرفت الطريق لوجداتها محدثة مفعولا كالسحر، لكنها تذكرت وشم قدمها لتسأله مرة أخرى...

" ما معنى ذلك الوسم؟"

ابتسم وهو يطل على وشم قدمها ...

"Mi gata"

"قطتي.. هذا هو معنى الوسم الذي أثار جنونك ذلك اليوم"....

الترد يتحد.

"لست قطتك أنا إنسانة حرة لا أملك، وسوف أزيله حين أرحل من هنا، حتى لا يذكرني بإجرامك

في حقي."

"المشكلة أن جرائمي توشم في العقل والقلب، فكيف ستزيلينها ؟."

تملكها الفيض منه الترد...

" انا أكرهك "

حركته تبرتها المرتجفة لاستفزازها أكثر...

"إذا.. لأعطيك سببا آخر لكرهي " ...

انقض عليها كالصقر الجارح، كالسيل الجارف، أو كالأسد الجالع يلتهم شفتيها الكرزيتين ويسحق طراوتهما بين دفتيه القاسيتين والتهمتين، فانتفضت في حضنه تقاوم بلا فائدة.

بيد واحدة طوق يديها خلف ظهرها وأحكم بالأخرى رقبتها من الخلف عادما المسافة بين جسديهما بما لا يدع لها مجالا للمقاومة، فاستسلم جسدها و ارخی دفاعاته بينما صرح عقلها غير مصدق خيانة جسدها وتواطؤه مع قبلته الفاجرة، فاندلعت تيران الشهوة المحرمة في جسدها.

التبكي عيونها لذة انتهاك شفتيه ولسانه لتغرها بكت ضعفها وقلة حيلتها.

توقف عن تقبيلها حين امتزج طعم دموعها المالحة بحلاوة شفاهها المغرية، وكأنه يأيه الدموعها وإن غدت كالطوفان الثاني، لكن أثرها قد توغل عميقا في نفسه ووعی مغزاها مستشعرا

انكسارها وضعفها ...

فأرخى قبضته وفتح لها المجال كمن يفتح كفيه ليفرد العصفور جناحيه ويطير بعيدا، يراقب بعيون باسمة هروبها منه باتجاه غرفتها أين أغلقتها بإحكام من الداخل قبل أن تخز على الأرض في حالة من الصدمة، تجلس جلسة محاكمة لجسدها الذي خانها وقدم فروض الولاء والطاعة العدوها




تعليقات