رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل الخامس 5 بقلم دنيا ال شملول


 رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل الخامس 


دلف إلى الجامعة وهو يقود دراجته النارية والتي يهيم بها عشقًا .. ولا يتحرك سوى بها .

أوقفها عند إحدى الاستراحات وترجل منها حاملًا حقيبة الظهر خاصته والتي لا يتحرك أيضًا سوى وهي معه .. نظر بعينيه التي تُغطيها نظارته الشمسية إلى المبنى الذي سيدلف إليه من أجل حضور إحدى المعامل الخاصة بكلية العلوم .. تلك التي كرهها منذ أن دلف إليها .. لكنه مضطر لأن يتحمل الأمر من أجل أسباب وجوده بها .. فأسبابه أقوى منه .. فقط مجرد وقت وسيغادرها دون أن يفكر حتى في تذكر أيامها المتشابهة ومعاملها التافهة من وجهة نظره . 

أخرج زفيرًا قويًا قبل أن يضع يده في جيب بنطاله الجينز الأزرق تاركًا قميصه ذو الخطوط المتوازية يتطاير خلف ظهره بسبب فتحه لأزراره جميعها فيتبين من أسفله تيشيرته الأبيض السادة والذي يُظهر عضلات صدره بوضوح . 

دلف إلى المعمل ليجد لنفسه مكانًا بين الصفوف بعدما وضع حقيبته أرضًا بجانب قدمه ورفع نظارته إلى منتصف خصلاته وبدأ بطرقعة رقبته يمينًا ويسارًا وهذا ما جذب انتباه تلك الجالسة من خلفه مباشرة وقد تتبعته بعينيها حتى جلس أمامها لتخترق رائحة عطره أنفها متسببة في سريان تلك القشعريرة إلى أطرافها .. فازدردت ريقها بحلق جاف وهي توبخ ذاتها على ما تشعر به هذا . 

دخل المحاضر لبعض الوقت ومن ثم خرج ليزفر عمار وهو ينظر لساعة معصمه السوداء وتحرك من مكانه متجهًا إلى الكافتيريا . 

ما إن خرج من الباب حتى أنزل نظارته يخفي بها عينيه عن الشمس الساطعة في كبد السماء لتشكل أشعتها أسهمًا تخترق لون السماء الصافي في مظهر بديع للغاية .. 

أنزل عينيه عن قرص الشمس متنهدًا ووضع يداه بداخل جيبه وتحرك دون أن يدري عن تلك التي خرجت هي الأخرى ولا تزال تراقبه . 

توقف في منتصف الطريق يُلقي نظرة سريعة على عربة التبرعات التي تقف إلى إحدى جوانب الأرصفة لتستقبل الطلاب والطالبات الذين يتبرعون بدمائهم من أجل المستشفيات ..

شعر لوهلة بأمر مريب يحدث .. البعض يدلف إليها والبعض يعود دون أن يدلف بعد أن يُحادثهم أحدهم قبل العربة بقليل .. لكنه تحرك دون أن يتحدث أو يُطيل النظر حينما لمح ذاك الذي دحجه لثوانٍ قبل أن يُدير وجهه في المكان كأنه يتفحص أو يستكشف شيئًا ما .. 

غادر عمار وبداخله يقين تام بحدوث شئ غير مرغوب في حدوثه داخل تلك المدعوة بسيارة التبرعات . 

وفي الواقع لم يقِل شعور تلك التي تراقبه عن شعور عمار حينها .. لكنها لم تتحرك مثله وتغادر بل أصرت على معرفة ما يحدث .. 

ذهبت تجاه العربة ليقابلها رجل يبدو عليه في منتصف الثلاثينات .. 

غادة بحمحمة :
- اا .. لو سمحت لو عايزة أتبرع .. المفروض أعمل إيه ؟ 

الرجل وهو ينظر إلى شئ ما خلفها ومن ثم نظر لها وهو يتمتم بهدوء :
- لا النهارده خلاص .. اكتفينا . 

عقدت ما بين حاجبيها وهي تتساءل :
 - أيوه بس في ناس لسه داخله و ... 

الرجل بنبرة توحي بانتهاء النقاش :
- ما هما الناس دول أواخر اللي داخلين للتبرع . 

عاد الرجل إلى العربة لتتحرك غادة من المكان إلى المبنى من جديد .. تقسم أن الأمر مشكوك به .. وتقسم أيضًا أنها ستعرف ما يحدث عاجلًا أو آجلًا . 

مر اليوم الدراسي دون أحداث تُذكر سوى انشغال عقل غادة بما يحدث في عربة التبرعات .. وانشغال عينيها بذاك الذي تراه للمرة الأولى هنا .. أو ربما هو هنا منذ زمن لكنها لم تلحظه .

عاد عمار إلى منزله .. وبعد أن صف دراجته النارية وكان على وشك دلوف البناية لاحظ وقوف بدور فوق الرصيف تنتظر سيارة أجرة .. 

تساءل بهدوء :
- مستنية تاكسي ؟ 

ألقت نظرة عليه ثم أماءت دون أن تتحدث ليتمتم ليتحدث قاصدًا غيظها :
- إنتي مين فيكوا بقا ؟.. بدر ولا بدور ؟ 

نظرت له نظرة سريعه كافية لأن ترى بها ابتسامته العابثة تجاهها .. هذا الأحمق لن يكف عن إثارة عضبها منه .. 
أخيرًا أتت سيارة أجره واستقلتها دون أن تُلقي تجاهه نظرة أخرى .. ليبتسم باتساع لانتصاره هذا .. لا يعلم ما الرائع في رؤية وجهها أحمر من الغضب .. إنه يستمتع للأمر كثيرًا .

(🌸 ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء🌸) 

خرجت من مبنى الكلية بترقب تنظر تجاه السور الخاص بالحديقة .. 
لما ليس هنا اليوم أيضًا ؟!! بقيت تنظر حولها عله هنا أو هنا .. لكن خاب رجاؤها .. 
تنهدت بفقدان أمل لتتحدث هند بهدوء :
- شكله كده مجاش النهارده  .

سندس بحزن :
- شكله زهق مني يا هند . 

هند بنفي :
- لا طبعًا يا بنتي مفيش الكلام ده .. ده بيحبك وباينة زي الشمس .. ومحدش في الحب بيزهق يا سندس .. روقي كده وصلي ع النبي وادعي ربنا يجعل غيابه خير . 

تولين من خلفهم :
- خير اللهم اجعله خير .. إيه اللي حاصل ؟.. مالكم ؟ 

هند وهي تلكزها في ذراعها :
- مفيش يا ختي كنا مستنيين سعادتك أما تخرجي . 

تولين :
- وأديني خرجت أهو يا ستـ ... 

قطع جملتها اصطدامها بإحدى الفتيات لتعتذر الاثنتان في نفس الوقت . 

سندس :
- الله .. مش انتي نفس البنت اللي خبطت فيكي امبارح وأنا خارجة من المطعم ؟! 

نظرت لها غاده لثوان قبل أن تتمتم :
- أه فعلًا أنا .. إيه الصدف الجميلة دي ! 

تولين بمزاح :
- قصدك إيه صدف الخبط دي . 

ضحكت الفتيات معًا لتصافحهم غادة بالتوالي وهي تقدم نفسها لهم :
- أنا غادة خالد .. أتشرف بمعرفتكم ؟ 

تولين :
- تولين الرفاعي .. تقدري تقوليلي يا تولي زي صحباتي . 

أماءت لها غادة بابتسامة غامضة قبل أن تصافح سندس التي قدمت نفسها بهدوء :
- سندس ناجي الخولي .

غادة بتفكير :
- إنتي بنت الكوتش ناجي الخولي ؟.. معقولة ؟ 

سندس بتأكيد :
- مظبوط فعلا .

غادة :
- لاااه .. ده احنا نبقى اصحاب رسمي نظمي بقا .. ياما سمعت عن الكوتش الكبير ناجي الخولي وياما اتمنيت أحضرله سيشينز . 

سندس بابتسامة هادئة :
- تشرفنا يا غادة . 

ابتسمت لها غادة بلطف قبل أن تصافح هند التي قدمت نفسها بمزاح :
- هند الشرنوبي .. من نفس عيلة الممثل والمغني الصاعد أحمد الشرنوبي . 

غاده بانبهار :
- بجد !! 

هند :
- لا بهزار طبعًا .. وأنا لو من عيلته كنت وقفت معاكوا أصلًا ولا عبرتكوا . 

ضحكن معًا لتقترح هند :
- إحنا رايحين نتغدى كشري مصري .. تحبي تشاركينا يا غادة ؟ 

غادة بتأكيد :
- طبعًاااا .. ودي عايزة كلام .. ده طبعًا لو مش هيزعجكم . 

هند وهي تتعلق بذراعها :
- يا ختي تعالي قال تزعجينا قال .. ده إحنا اللي هنطلعه عليكي بلا أزرق . 

ضحكن معًا قبل أن يغادرن المكان .. ولم تنسَ غادة أن تُلقي نظرة سريعة إلى المجهول قبل أن تغادر معهن . 

(🌸 لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يُحب لنفسه 🌸) 

تجلس إلى أرضية الصالة .. وتفترش الأرضية بملاءة يعلوها صينية واسعة وحقيبة تحوي ورق عنب طازج .. ومقص بيدها تقتطع به عروق ورق العنب ومن ثم تمرره لوالدتها التي تقوم بترتيبه في تناسق كي يسهل عليها سلقه .

وبينما هما على هذه الحال فإذا ببدر تخرج من غرفتها ترتدي ثيابها التي تتآلف من جيب أسود طويل لكنه ضيق بعض الشئ ويعلوه شميز أبيض بأساور سوداء .. وتتخصر الجيب بحزام فضي يشبه في لونه حقيبة يدها وحجابها الذي بالكاد يغطي خصلاتها ورقبتها وينزل طرفه الطويل إلى صدرها دون أن تغطي كتفيها وظهرها .. مما أثار حنق بدور التي تحدثت بانفعال : 
- بدر انتي مبقتيش صغيرة على اللي انتي لبساه ده .

بدر بلامبالاه : 
- لابسه إيه يعني ؟ شيفاني لابسه سلوبته مثلا ! 

بدور : 
- بدر طولي حجابك شوية ... وياريت تلبسي أي تلبيسة من اللي جوه عندي فوق لبسك عشان الجيبة ضيقة .. فيه تلبيسة سمرة جميلة أوي هتليق مع الطقم ده .

بدر وهي ترتشف بعض المياه من الكوب الموضوع فوق الطاولة باستمرار بجانب الكولمن الخاص بالمياه الباردة : 
- لا عاجبني الطقم كده .. خليكي في حالك يا شيخه بدور .

استغفرت بدور وهي تتمتم بحزن حقيقي على حال شقيقتها : 
- ربنا يهديلك حالك يا بدر .

بدر بلامبالاه : 
- أنا ماشية .. ربنا يعينكوا .

غادرت بدر دون أن تنتظر حديث أي من والدتها أو شقيقتها .. لتتمتم بدور في ضيق :
- أي يا ماما .. مفيش أي كلمة منك ليه ؟.. يعني يرضى ربنا لبسها ده يعني ؟

رفعت ملك عينيها التي بدا الحزن فيهما جليًا :
- عيزاني أعمل إيه يعني يا بدور .. أقوم أضرب واحده أطول مني .. ما هو على إيدك قد إيه اتكلمنا معاها ونصحناها .

بدور : 
- أيوه يا ماما تضربيها .. طالما بتغلط تنضرب .

ملك : 
- ضرب إيه يا بدور .. انتوا كبار .. ولو سمحنالكوا تتجوزوا بدري شويه كان زمان عندكم عيال .

بدور وقد ازدادت نبرتها لا إراديًا :
- يوووه .. كل شوية لو جوزناكوا بدري كان زمان عندكوا عيال ... تجوزونا إزاي أصلا وانتي بنتك مش عارفه تتحكمي في لبسها ولا طريقة ردها على خلق الله .. هي دي بني آدمة تفتح بيت أساسًا ؟

لم تجبها ملك .. فقط بقيت تنظر لها لثوانٍ دون أن تنبس ببنت شفه .. 
نظرات عتاب اخترقت روح بدور التي انتبهت لصوتها وما تفوهت به لتهرب بعينيها عن عيني والدتها .. ليخيم الصمت حتى انتهيا مما تفعلانه .

تحركت ملك إلى المطبخ وهي تحمل أغراضه دون أن تتفوه بأي حرف مما جعل بدور تقضم شفتها في ندم حقيقي .. لقد أخطأت .. تعلم ذلك .. 
ألم يقل المولى عز وجل في كتابه  " فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا " ؟.. ماذا فعلت هي الآن ؟.. لقد علا صوتها أمام والدتها .. كما طعنتها في تربيتها .. أليست هي الأخرى تربيتها ؟.. ومع ذلك لم تتطبع بدر بطباعها ولا والدتها أو والدها .. وما تحيا به بدر ما هو إلا طباع مجتمع يستحق الحرق .. 

ما ذنب والدتها لتسمع منها ما سمعته ؟.. هل تكبر لتُجن ؟.. هل هذا هو جزاء والدتها التي لا تتحمل عليها أمرًا ولا ترفض لها طلبًا ... ولا تستكثر عليها شيئًا ؟.. أهكذا تكافؤها ؟

تجمعت العبرات بمقلتيها وهي تؤنب نفسها وتقضم شفتيها في تفكير لما يمكنها أن تفعله لمراضاة والدتها .. تعلم أنها وإن ذهبت إليها الآن واعتذرت فقط لتقبلتها والدتها بكل صدر رحب .. لكن عليها أن تفعل شيئًا يطيب خاطرها وينسيها تمامًا ما بدَر منها .. 

تحركت خلفها بخطوات حثيثة وأعين تتهرب خجلًا من ذنب قد اقترفته وتتمنى أن يسامحها الله عليه وأن ترضى عنها والدتها .. 

اقتربت بهدوء وحاوطت والدتها التي توليها ظهرها واستندت برأسها إلى ظهرها وشددت من احتضانها وهي تتمتم بعبرات تهدد بالسقوط :
- أنا آسفة أوي والله مكنش قصدي أبدًا .. حقك عليا يا أغلى ما ليا والله ما أقدر على زعلك أبدًا يا كل دنيتي . 

ملك وهي تربت على يدها بخفة وحنان :
- مش زعلانة منك يا حبيبتي خالص .. انتي معاكي حق .. بس على إيدك يا بدور أنا حاولت وأبوكي حاول وكانت أخرتها إننا نعرف من بره إن اللي بتخرج بيه قدامنا عشان ترضينا بيتغير للي يرضيها هي من ورانا .. مصير ربك يهديها وتفوق من الغفلة اللي عايشة فيها .

استدارت لتواجه ابنتها واحتضنت وجنتيها بين راحتيها وهي تتابع بابتسامة :
- متيأسيش أبدًا من إنك تحاولي تصلحي منها .. انتي أقرب حد ليها وأكتر حد ممكن يساعدها . 

ابتسمت لها بدور بحب وقامت باحتضانها لتربت ملك على ظهرها بحنو ومن ثم قبلت كتفها بحب ورضا .. 

(🌸 من رد عن عِرض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة🌸) 

تحركت من غرفتها قاصدة غرفة ابنها كي تطمئن عليه .. فهو منذ أن عاد من الخارج اليوم وهو بغرفته .. 

طرقت عدة طرقات قبل أن يأتيها صوته الهادئ :
- اتفضلي يا ماما . 

دلفت بابتسامة متمتمة بهدوء :
- إزيك يا حبيب ماما ؟ 

ريان بهدوء :
- بخير يا ماما الحمد لله .. في حاجه ولا إيه ؟

ديالا بتنهيدة وهي تجلس إلى فراشه :
- أبدًا يا ريان .. هو أنا عشان بسأل على حالك يبقى فيه حاجه ؟ 

ريان :
- لا طبعًا .. عادي . 

دلفت ديالا بهدوء وجلست إلى جواره تحاول البحث عن شئ ما كي تتحدث معه به .. 

ديالا بتساؤل هادئ :
- هو ليه قاعد لوحدك من وقت ما رجعت من بره حبيبي ؟.. يعني أنا وبابا وأنس قاعدين في البرندا بره ومعانا لب وفيشار وساقع وكده والقعدة حلوه أوي هتعجبك . 

ريان بابتسامة هادئة :
- أبدًا أنا بس كنت تعبان شوية وجيت نمت على طول وصحيت بذاكر أهو .. يعني الامتحانات قربت زي ما انتي عارفة وكده . 

ديالا بتنهيدة :
- ربنا يوفقك يا حبيبي . 

أعلن هاتفه عن اتصال ليتمتم بهدوء :
- هرد على المكالمة بعد إذنك . 

تحرك إلى شرفة غرفته بعدما أماءت له لتتحول بنظراتها حولها حتى سقطت عيناها على ذاك الظرف فوق الكومود المجاور لفراشه .. 
التقطته بهدوء وقامت بفتحه بفضول لتُصدم مما رأت به .. 

بقيت عينيها معلقة على ظهره حتى أنهى مكالمته مع عمته ميادة وعاد إليها لتتيبس قدماه أرضًا وهو يلمح الظرف بين يديها وعينيها مغرورقة بالعبرات التي تحجرت من الصدمة .. 

       
(🌸من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة🌸) 

يدور بغرفته حول نفسه في تفكير عميق سلبه الراحة منذ أن رآها ذاك اليوم تجلس بالكافيه المطل على الكورنيش بشرود تام ولوقت طويل للغاية حتى غادرت عند المغرب .. 
ومنذ أن رآها تدلف بكل هدوء مع أسرتها ورأى نظرة الضعف التي لمحها بنظراتها وهي تدلف من باب المنزل دون أن تنظر إليه حتى .. 

ومنذ أن تناهى إلى مسامعه حديث صديقيه عنها وتنمرهم بها وهو يدور حول ذاته لا يعلم لماذا يفكر بها بهذا العمق .. 
جُل ما يعرفه عنها أنها ابنة قريبة عائلته .. حتى اسمها قد سمعه صدفة لا أكثر .. 

رآها كثيرًا ولم يهتم أو يُلقي بالًا بها .. لماذا الآن ؟.. يعلم يقينًا أن ما ضايقه من صديقيه أنه لا يحب الغيبة والنميمة وأنهم قد افتعلوا خطأً ليس إلا .. لكن حاله الآن بعد أن رآها تخرج من غرفة وجد بابتسامة واسعة مختلفة تمامًا عما دلفت بها وهو مشغول بها .. ابتسامة !!.. هل جُن أخيرًا أم ماذا ؟.. هل شغلته لكونها قد ابتسمت فقط !.. يا إلهِ أنه يحتاج لغسيل عقل .. 

خرج من غرفته زافرًا بضجر واتجه إلى حديقة منزله كي يستنشق بعض الهواء النقي عله ينظف عقله من تلك الأفكار التي تراوده دون أن يعرف لها سببًا .. ومن حسن حظه فقد وجَد عمته تجلس إلى الأرجوحة تقرأ كتابًا ما .. جلس إلى جوارها لتتساءل دون أن تنظر إليه :
- إيه مصحيك لحد دلوقتي يا بيه ؟.. مش عندك شغل الصبح ؟ 

بشير بجانب عينه :
- شوفوا مين بيتكلم !!.. ده على أساس إنك فاضية بقا وكده ! 

وجد بثقة :
- أيون أنا عن نفسيتي فاضية ومعنديش حاجة بكره .. حضرتك بقا ناوي تأجز ولا إيه ؟ 

بشير وهو يضم شفتيه للأمام بعدم رضا :
- إيه الظلم ده .. اشمعنا انتي تأجزي وأنا لا يعني . 

وجد بجانب عينها :
- تصدق كل ما أنسى فكرة إنك إبن أخويا والمفروض إنك كبير وعاقل .. ترجع تفكرني تاني إنك تافه وغلس ورخم وهادم للملذات ومعكنن صفو الهدوء . 

بشير وهو يعدل ياقة تيشرته ويمسح على خصلاته بغرور مصطنع :
- تسلمي بجد والله يا عمتي .. مش عارف أقولك إيه بس من بعض ما عندكم . 

وجد بغيظ :
- قوم من وشي يا بشير .. عايزة أقرأ الكتاب وأخلصه . 

بشير وهو يسحب الكتاب من بين يديها ويقرأ عنوانه :
- كوني صحابية .. الله .. مش ده نفس الكتاب اللي كنتي بتقرأيه من أسبوعين ؟ 

وجد وهي تأخد الكتاب منه :
- أيوه .. كل مره أقرأه لازم أكتشف حاجه جديدة سقطت مني سهوًا في القراءة .. عشان كده بقرأه على طول .. غير إنه تذكير يعني وكده .. وبستفاد منه كتير أوي ومش عايزة أنسى حاجة . 

بشير وهو يحاوط كتفها بيده في استرخاء :
- طب ما تقوليلي كده اقتباس معلق معاكي منه . 

وجد بابتسامة وهي تسترخي بين أحضانه هي الأخرى :
-  الاقتباسات كتير .. يعني مثلا زي بتقولك إيه :
" قد يعشق القلب ويحب ويهوى ويغرم ويتألم، لكنه يأبى أن يسقط، ويتعفف أيضًا عن الحرام عندما تكون النفس طاهرة والروح ربانية، والقلوب خضراء نضرة لا تدق إلا بالحلال ." 

بشير بابتسامة هادئة :
- عمرك حبيتي قبل كده يا عمتي ؟ 

وجد وهي تضم شفتيها للأمام :
- أبدًا .. بس متأكدة إن اليوم اللي هحب فيه واحد هيكون شخصية زي ما بتمناه وبحلم بيه طول عمري .. هو صعب في جيلنا ده بس انت وفجر ابن عمي خير دليل على إنه فيه خير لسه في شباب بلدنا وفيها شباب كويسة .. عشان كده بكل طاقتي هحافظ على قلبي لرجل أحلامي . 

بشير بابتسامة هادئة :
- ينفع أكون متطفل وأعرف إيه هي مواصفات رجل أحلامك ؟ 

وجد بضحكة خفيفة :
- يكون زي بابا .. نفسي في راجل يكون زي بابا أوي يا بشير .. حكيم في تصرفاته .. بيحب ماما أوي ومبيتكسفش يبين حبه ليها للعالم كله .. حتى بعد العمر ده كله لسه بيظهر حبه ليها ولسه هي بتحافظ على كل حاجه تخصه وتحافظ على جمالها وأناقتها عشانه .. بيقدملها كل حاجه ترضي ربنا وترضيها .. بيكون إمامها في الصلاة .. ويكون كتفها لو مالت ويكون دواها لو مرضت .. يكون الأب لو احتاجت الحنان ويكون الأخ لو احتاجت سند ويكون الابن لو احتاجت البر ويكون الزوج لو احتاجت الحب .. بيتفهم زعلها وغضبها وبيقدر يكسب قلبها ويطيب خاطرها .. بيقدر يفرق بين التحكم وبين إبداء الرأي خوفًا عليها .. بيفهمها من نظرة واحده ويطربق الدنيا لو حد زعلها .. هو سرها وهي سره والاتنين أمان بعض .. 

تنهيدة قوية خرجت عنها قبل أن تتساءل :
- تفتكر هلاقي عينة بابا دي تاني ولا خلاص كده ؟ 

بشير بابتسامة وهو يقرص وجنتها بخفة :
- اللي قلبه مليان بحب ربنا واللي روحه متعلقه برضا ربنا واللي كل ذره في كيانه بتخشع لقدرة ربنا عمر ربنا ما هيخذله أبدًا .. إنتي تستاهلي الخير كله يا عمتي وتستاهلي تتشالي في العين وفي القلب وعلى الراس كمان .

وجد وهي تضربه على صدره بعدما تخضبت وجنتيها بحمرة الخجل :
- بس بقى يا عم متكسفنيش . 

ضحك عليها قبل أن ينتبه لوضعهما فقام بدفعها عنه وهو يتمتم بغيظ :
- ابعدي بقا كده انتي تقيلة أوي . 

وجد وهي تتخصر بعدم رضا :
- مين دي اللي تخييييينااااه .. ده أنا كلي على بعضي كدهو أربعة وستين كيلو يا حيلتها وموزونة بالهدوم والشنطة والعضم .. يعني هصفصف على عشرين أو خمسة وعشرين كيلو بالكتير . 

بشير وهو يحاول كتم ضحكاته :
- انتي بتردحي يا بت ؟.. وبعدين إيه موزونة بالعضم دي !.. هما المفروض يوزنوكي لحمة بس ولا إيه ؟!

أنهى جملته ودخل في نوبة ضحك هستيرية مما جعلها تتحرك من جانبه في غيظ وقامت بجلب خرطوم المياه وبدأت تُغرقه به وهو يصرخ راكضًا من أمامها وهي من خلفه وأصوات ضحكاتهما تجلجل في المكان لتعطيه البهجة والحيوية والسعادة التي شهدها منزل جود طيلة سنوات نشأته .. 
لكن دوام الحال من المُحال .. فالمصائب التي تأتيك على حين غرة وفي أعز من تملك تهدم أعتى الرجال وأقوى الجبال .. 

قد تكون في أسعد أوقاتك وفي لحظة واحدة تتحول سعادتك العارمة لتعاسة هادمة .. تقتلع روحك بلا رحمة .. وتمزق قلبك أيما تمزيق .

 

 (🌸 من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شكله وأتته الدنيا وهي راغمة🌸) 

استيقظ من سباته العميق على صوت هاتفه الذي يعلن عن اتصال عاجل .. 

أجاب بقلق حينما قرأ اسم المتصل لتتيبس جميع أطرافه ويتشقق قلبه الدامي وتنهمر عبراته إعلانًا للعزاء ويتحجر لسانه عن النطق ويجف حلقه كمن بقى لأسبوع دون قطرة مياه ترويه .. فأصبح شاحبًا كمن فارق الحياة .. ومن قال أنه لم يفارقها .. لقد فارقها توًا مع استماعه لكلمات المتصل ..

لقد انفصلت روحه عن واقعها وتبعثرت أجزاء قلبه الدامي .. 

أنزل الهاتف ببطء وهو ينظر لنقطة في الفراغ دون أن يستطيع الحياد عنها ودون أن ينبس ببنت شفة .. فقط دموعه تغرق وجنتيه دون توقف .. 
وفجأة علت وتيرة تنفسه وبدأ ينتحب ويضرب الفراش بقبضته ليتحول في نهاية المطاف إلى صرخة مدوية استيقظت على إثرها زوجته فزعة من هذا المظهر الذي تراه عليه دون أن تفهم ما يحدث بالتحديد .

اقتربت شهد سريعًا وهي تحاوطه بخوف وقلق متمتمة بتساؤل وعبراتها تنساب هلعًا وجزعًا لما عليه زوجها .. تعلم أن هذه الحالة لن تكون سوى لسبب واحد فقط .. لكنها تحاول أن تنكرها .. لا تريد تصديقها ..

جلست به أرضًا وهي تنتحب معه وتضمه إلى صدرها ليتشبث بها بدوره وهو يبكي كطفل فقد والديه .. إنه يحيى نفس الشعور للمرة الثانية .. ولكن هذه المرة بطريقة أكثر مرارة وألم ..

تحرك من مكانه وقام بتبديل ثيابه في عجلة من أمره وغادر إلى منزل أخيه ....

(🌸من لَزِم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب🌸) 

بقيت عينيهما معلقة ببعضهما .. ريان بلا مشاعر وديالا برجاء أن ينكر .. 

ظن ريان لوهلة أنها ربما لم تفهم ما يوجد بداخل الأوراق وتنتظر تفسيره .. 

تحمحم ينظف حلقه وهو يتمتم بهدوء :
- ده .. اا .. تحليل الأنيميا بتاعي .. بس الحمد لله كويس يعني هي حداشر والدكتور طمني . 

ديالا وهي تتحرك تجاهه وتمسك بوجنته بين يديها وانسالت عبراتها وهي تنظر داخل عينيه :
- امته جبت التحاليل دي ؟ 

تابع ريان في كذبته بصوت مبحوح :
- النهاردة . 

ديالا وهي تبتسم بتذبذب :
- الدكتور قالك إيه بالظبط ؟.. حميد صح ؟.. حميد وهيتعالج بسرعة صح ؟ 

نظر لها ريان بإدراك لكونها تعلم ما يحتوي عليه الظرف ومن ثم رمش عدة مرات محاولًا الهرب من عينيها ... لكنها لم تسمح له بذلك حينما ثبتت عينيها داخل عينيه تطالبه بالإجابة .. 

نفى مرارًا وهو يُنكِّس رأسه شاعرًا بتلك الوخزات التي أصابت قلبه وهو يرى ملامحها الفزعة وعينيها التي لا تتوقف عن ذرف الدموع ويدها التي ارتخت إلى جانبها في صدمة وعدم تصديق .. 
طفلها ليس مريض بالسرطان .. لا ليس كذلك .. هناك خطأ ما .. بالتأكيد هناك خطأ ما .. 

ابتلعت غصتها وحاولت التحدث في ثبات لكنها فشلت فشلًا زريعًا حينما خرجت نبرتها مهزوزة ضعيفة وهي تؤكد له أنهما سيذهبان في الغد لإجراء تحاليل جديدة .. 

ولت ظهرها له وهي تحاول التقاط أنفاسها وتقدمت خطوتين قبل أن تخونها قدمها وينسحب النور عن عينيها لتسقط إلى الأرض بقوة مغشيًا عليها ..

تعليقات