رواية بين الردي والهدي الفصل الرابع 4 بقلم نوري


رواية بين الردي والهدي الفصل الرابع بقلم نوري 



الشمس كانت لسه بتبدأ تفرش نورها الهادي على حيطان البيت، وصوت الراديو في المطبخ شغال ببرامج الصباح الرمضانية اللي بتدي أمان، اول يوم رمضان والحمد لله نرجس اديتني اجازة، كنت واقفة بساعد ماما في ترويق المطبخ والتجهيز لوليمة الفطار، بس عقلي كان في حتة تانية خالص، كان فوق، في شقته، حاسة اني عايزة اطمن عليه والمح طيفه من تاني، لكن هنزل بحجة اية، ويا ترى ماما هترضى تنزلني ولا لا، بصيت عليها لقيتها مشغولة في اللي بتعمله، رجعت اقطع الخضار اللي في أيدي من تاني وانا بقول


- ماما .. أنا هنزل اصبح على طنط كريمة، أهنيها برمضان وأشوفها لو محتاجة حاجة


قولتها وأنا بحاول أخلي صوتي طبيعي، بس عيني كانت بتهرب من نظرتها اللي بتكشفني دايماً


سابت السكينة من إيدها وبصتلي بجدية وقالت بنبرة فيها تحذير ناعم


ليلى .. إنتي عارفة أبوكي قال إيه، مش عايز رجلك تخطي عتبة بيتهم طول ما الحال مايل كدة


قربت منها ومسكت إيدها برجاء


- يا ماما دي طنط كريمة، دي زيك بالظبط، وبعدين سيف أكيد مش فوق، إنتي عارفة إنه زمانه في شغله، وانا مش هكمل خمس دقايق وهطلع علطول، علشان خاطري


اتنهدت وسكتت شوية كأنها بتغلب حنيتها على خوفها، هزت راسها بالراحة وقالت


ماشي، بس خمس دقايق بالظبط قبل ابوكي ما يصحى

- من عينيا


طلعت بوسة على خدها وجريت لبست طرحتي وفتحت الباب بشويش ونزلت وانا قلبي بيدق، كل درجة بنزلها كانت بتفكرني بذكريات قديمة، من ضمنهم ضحكته اللي كانت بتملى العمارة كلها، وصلت قدام شقتهم وخبطت على الباب خبطات هادية، اتفتح وشوفتها، بس مكنتش هي دي طنط كريمة اللي عارفاها

وشها كان دبلان وعينيها فيها سحابة حزن، أول ما شافتني ابتسمت ابتسامة باهتة وفتحتلي دراعاتها


تعالي يا ليلى، تعالي يا بنتي نورتي البيت

- وحشتيني اوي يا طنط


اترميت في حضنها وحسيت اني عايزة اعيط، عيني لفت على كل ركن في الشقة يمكن المحه لكن ملقتوش، دخلنا سوا وقعدنا في الصالة، مسكت إيدي ودموعها نزلت من غير ما تحس وهي بتقول


شوفتي يا ليلى؟ شوفتي سيف وصل لايه؟ أول يوم رمضان الناس ملمومة وفرحانة لكن احنا لا، نزل امبارح بالليل زي المجنون ومش عارفة هو فين دلوقتي ولا بيعمل إيه


حسيت بغصة في حلقي لكن حاولت أتماسك عشانها، ضغطت على إيدها بالراحة وقولت


- اهدي يا طنط، ادعيله، احنا في شهر مبارك ويمكن تكون دي ساعة استجابة، سيف قلبه أبيض بس هو تاه، وإن شاء الله ربنا هيرده لينا .. أقصد هيرده ليكي أحسن من الأول


هزت رأسها بيأس وهي بتمسح دموعها


المرة دي غير كل مرة، المرة دي حاسة إنه بيبعد بجد، كأن فيه حاجة بتشده لتحت وكل ما أحاول أرفعه يغرق أكتر، أنا خايفة عليه يا بنتي، خايفة يضيع مني خالص


بكت اكتر ف خدتها في حضني، فضلت قاعدة بسمع أنين قلبها اللي كان شبه أنين قلبي بالظبط، كنت بواسيها بكلام أنا نفسي محتاجة اللي يقولهولي، والوجع كان بيزيد في صدري مع كل كلمة حزن بتطلع منها، البيت اللي كان المفروض يكون فيه زينة وفرحة، كان غرقان في هم سيف، وأنا كنت واقفة في النص، مش عارفة أداوي جرحها ولا أداوي جرحي


فتحت عيني على صوت زنة خفيفة في ودني من المروحة القديمة اللي متعلقة في سقف الأوضة، حاولت أعدل جسمي بس ضهري كان متخشب من الكنبة، ريحة المكان كانت مزيج من بخور قديم وشاي مغلي وتراب مستخبي في الأركان، ريحة بسيطة بس حسيت فيها بالأمان


صباح الخير يا استاذ سيف


شوفت عم عرفة واقف فوق راسي وماسك فوطته الصفراء اللي دايماً على كتفه، بصته فيها خوف وحنية في نفس الوقت، عينيه كانت بتقرأ ملامحي المجهدة وكأنه بيدور على سيف اللي كان يعرفه زمان


* صباح النور يا عم عرفة

قوم يا ابني فوق كدة وظبط حالك، حقك عليا والله، انا المفروض النهاردة اجازة عشان رمضان بقا كل سنة وانت طيب، كمان نص ساعة جاي واحد تاني يستلم مني العمارة، وحقك عليا بس مينفعش يشوفك هنا في الأوضة


قومت وقفت وأنا دايخ و الدنيا لفت بيا لثانية، مسحت وشي بإيدي ونفضت هدومي اللي اتكرمشت وبقى شكلها مبهدل، بصتله بأحراج وانا وواقف قدامه بالشكل دة، الراجل ده شافني وأنا في عزي، والنهاردة بيلمني من الشارع في أوضته الضيقة


* عندك حق، أنا آسف مكنتش قاصد أتعبك معايا ولا أقلقك، بس الدنيا اتسدت في وشي مرة واحدة


طبطب على كتفي بإيده الخشنة وهز راسه وقال


متقولش كدة يا حبيبي انت زي ابني، انا معرفش الدنيا عملت فيك اية خليتك تجيلي هنا، بس سيبك من اي حاجة المهم انك كويس، ادخل الحوض اللي ورا الستارة دي اغسل وشك واستعذ بالله من الشيطان، الصبح طالع بنوره وربنا مبيسيبش حد قاصد بابه


وانا بعد اللي عملته دة هيبقالي عين اخبط على الباب؟ هزيتله راسي ومشيت ناحية الحوض بخطوات تقيلة، فتحت الحنفية ونزلت المية الساقعة على راسي، كنت محتاج المية دي تخترق جلدي وتوصل لقلبي وتطفي النار اللي فيه، بصيت لنفسي في المرايا المكسورة اللي فوق الحوض، شوفت واحد غريب، لكن عينيه فيها لمعة ندم كانت غايبة عنه بقالها سنين


* يا رب..


همست بيها لنفسي وأنا بحط راسي تحت الحنفية والماية الباردة نازلة تجري على وشي بتغسل ملامح ليلة امبارح، فضلت شوية لحد ما قفلتها، نشفت وشي بطرف كمي وخرجت لعم عرفة اللي كان واقف مستنيني، شكرته وسلمت عليه بعد ما رفض ياخد مني اي حاجة وخرجت للشارع مع أول خيوط الشمس اللي بدأت تدفي الجو، قلبي كان بيدق بعنف، كنت حاسس إني رايح لآخر فرصة ليا، يا إما أرجع سيف .. يا إما أضيع للأبد

مشيت من غير هدف ورجلي هي اللي كانت بتسوقني لحد ما لقيت نفسي واقف قدام النيل، قعدت على سور حجري قديم والهوا البارد كان بيخبط في وشي ويطير خصلات شعري المتبهدلة، بصيت للماية وهي ماشية بهدوء، وفجأة، الحقيقة خبطت في نفوخي زي القطر


* أنا عملت في نفسي إيه؟


سألت نفسي وبدأت الإجابة تمر قدامي زي الشريط، شوفت نفسي وأنا بضحك بصوت عالي وسط شلة وليد والكاس في إيدي، والفلوس اللي كانت بتترمى على ترابيزة القمار وكأنها ورق ملوش قيمة، شوفت ليلى وهي بتبصلي بخيبة أمل، وأمي وهي بتداري دموعها في سجادة الصلاة

أنا إزاي كنت غافل كدة؟ إزاي السنين دي كلها عدت وأنا بعيد عن ربنا؟ مش بس بعيد، ده أنا كنت بجاهر بالمعصية وكأن قلبي بقا من حجر، الخمر اللي شربته، الصلاة اللي ضيعتها، الورد اللي هجرته، كل ده كان ردى حقيقي، وأنا كنت فاكر إن هي دي الشطارة

حسيت بخنقة رهيبة، وكأن روحي القديمة هي اللي بتتحاكم قدامي دلوقتي، بدأت دموعي تنزل، مش دموع ضعف، دي كانت دموع ندم وفوقان، بكيت بحرقة مكنتش جربتها قبل كدة، بكيت وكأني طفل تاه من أهله في وسط زحمة وخوف ولسه شايف طرف توب أمه من بعيد، حطيت راسي بين ايديا وانا بقول


* يا رب .. أنا كنت مغيب، أنا كنت ميت وصحيت دلوقتي


كنت بشهق والناس اللي بتعدي من بعيد مكنتش هاماني، حاسس إن غشاوة سودة كانت على عيني واتشالت فجأة، صورة وليد والموقف اللي حصل امبارح كانت هي القشة اللي قطمت ضهر الشيطان اللي جوايا، أنا وصلت للقاع يا رب، ومليش غيرك يشدني

فضلت قاعد وجسمي كله بيترعش من البكا وكل دمعة بتنزل مني كانت بتحرق حتة من السواد اللي سكن قلبي


{ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ * كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ }


خلصت الورد بتاعي وصدقت وانا حاسة براحة، النفس اللي خرج مني كان هادي، أول مرة أحس إن رئتي بتتملي هوا نضيف مش مخنوق بخوفي وقبضة قلبي، بصيت للسما برجاء وقولت


- يا رب .. أمن قلبي برجعته


قفلت المصحف وقومت اجيب سبحتي، عيني جت على الدولاب ف روحت ناحيته، فتحته وطلعت منه علبة بحط فيها اية اي حاجة بحبها أو ذكرى، فتحتها بشويش ومديت ايدي وسحبت ورقة صغيرة مطوية، كانت منه، كتبهالي وهو رايح يعمل عمره لأول مرة وبعتهالي مع ادهم لأننا مكناش بنتقابل، فتحتها وعيني جت على خطه اللي عارفاه اكتر من اي حاجة تانية، وللمرة المليون بقرأها وانا بحاول استشعر وجوده


" ليلى .. يمكن تستغربي إني بكتبلك جواب، والحقيقة إن دي أول مرة أعملها، بس حسيت إن الورق هو الوحيد اللي يشيل صدق كلامي ليكي دلوقتي

أنا عارف إن حدودي وقلة كلامي معاكي ممكن يتفهموا إهمال أو إني مش مقدر وجودك، بس الحقيقة عكس كدة تماماً، أنا كنت بحاول أحافظ عليكي من نفسي ومن أي كلمة تخرج في وقت مش وقتها عشان ربنا يبارك لنا في الحلال اللي بتمناه معاكي، و عارف إنك أكيد سألتي نفسك ليه انتي بالذات وإحنا تقريباً مكنش بيننا غير سلامات عابرة من لما كبرنا، بس الحقيقة إن الحياء اللي في عينيكي كان بيجاوبني كل مرة، كنت بشوف في أدبك ورزانتك الحاجة اللي قلبي بيدور عليها، ومع كل نظرة خاطفة كنت بلاقي نفسي بتقرب منك أكتر من غير ما احس، لحد ما بقيتي السكن اللي بحلم بيه

أول ما حسيت إني بدأت أقف على رجلي وقادر أفتح بيت ملمحش خيالي غيرك تكوني شريكة عمري ونور بيتي، بكتبلك الجواب ده وأنا رايح بيت الله لأول مرة عشان أعمل عمرة، وهناك مش هيكون ليا دعوة غير إن ربنا يجمعني بيكي على خير، ويجعلنا سند لبعض في سكة الهدى والطاعة

خليكي دايماً واثقة إن مكانك في قلبي غالي، وإن الصبر ده كله آخره جبر كبير لينا سوا إن شاء الله "


غمضت عيني وضميت الورقة لصدري بقوة ونزلت دمعة من عيني وانا بفتكر قد اية كان بيخاف يغضب ربنا في نظرة أو كلمة، وأنه كان بيشوف فيا طوق النجاة مش مجرد بنت بيحبها

قعدت على طرف السرير والورقة لسه في إيدي، كنت مستغربة إزاي لسه عايشة بكل طاقتها ونورها وصاحبها نفسه بقى مطفي؟ إزاي الكلام لسه بينبض بالصدق والروح اللي كتبته غرقانة في وحل مش عارفة تطلع منه؟ اتوجعت اوي على ضياعه وغيابه، بس في نفس الوقت كلامه كان بيجدد فيا الصبر، رجعت طويت الورقة بحرص شديد وحطيتها مكانها وقفلت عليها كأني بقفل على أغلى حاجة بملكها، مسحت عيني بطرف طرحتي وبصيت للمرايا وقولت لنفسي بصوت واطي لكن مسموع


- هستناك يا سيف .. هستناك


خرجت من الأوضة وحاولت أرسم ابتسامة هادية وأنا داخلة المطبخ لماما وانا جوايا يقين إن رمضان السنة دي يا هيرجع سيف اللي في الورقة، يا هيطوي الصفحة دي للأبد


السما كانت بدأت تاخد لون الوداع بخيوط برتقالي باهتة بتدوب في السواد اللي بدأ يزحف فيها، ومعاها بدأت حركتي في الشارع تقل، جسمي كان مهدود بسبب تعب السهر وقلة الأكل، وريقي ناشف وكأن في زوري شوك

كنت ماشي في شوارع السيدة بتيه، عيني كانت مغيمة بالدموع اللي مش راضية تقف وبتنزل تحرق وشي اللي دبل من الهم، ماشي بخبط في الناس ومكنتش شايفهم، شايف بس المعاصي والذنوب وهي بتطاردني في كل ركن

وفجأة، وقف الوقت..


"الله أكبر.. الله أكبر"


آذان المغرب رفع وصوت المؤذن في السيدة كان ليه رنة بتهز الحيطان، الناس بدأت تختفي من الشوارع وتدخل البيوت أو الجوامع، وأنا فضلت واقف مكاني قدام باب الجامع الكبير رجلي متسمرة في الأرض


* أدخل؟


سألت نفسي بكسرة


* أدخل بأنهي وش؟ بالوش اللي شرب وقامر وهجر الصلاة سنين؟


كنت حاسس إن الحيطان نفسها هترفضني، بس وسط الخوف ده، حسيت اني محتاج اكون جوا. وان في ندهة خفية بتقولي


تعالى .. ده بيت ربنا اللي بيقبل العاصي قبل الملتزم


قربت من السلالم ودخلت بخطوات مترددة، روحت اول حاجة للمبيضة وفتحت الحنفية، المية لمست وشي لأول مرة بنية طهارة بجد، كنت بتوضى وأنا بشهق، كل غسلة كانت كأنها بتشيل طبقة من السواد اللي غطى روحي، خلصت ولما خرجت الصلاة كانت بدأت، وقفت في آخر صف، ورا العمود عشان محدش يشوفني، الإمام كان بيقرأ بصوت شجي، صوت بيطبطب على الجروح


{ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله }


فضلت ماسك دموعي لحد اول سجدة، ساعتها انهار السد اللي كنت بانيه بقالي سنين، انفجرت في العياط، عياط مر وحارق، حاولت أكتم صوت شهقاتي عشان ملفتش نظر اللي جنبي بس مقدرتش، كنت بقول في سري


* يا رب .. أنا مليش حد غيرك، أنا ضيعت بجد، رُدني ليك رد جميل


في كل سجدة كنت بحس إن روحي بتطلع وبترجعلي نضيفة تاني، سلمت وفضلت قاعد مكاني في الضلمة اللي ورا العمود وشي مبلول مية ودموع، وقلبي لأول مرة من سنين يهدى، بصيت للسما من شباك الجامع وحسيت إن الهِداية مش بعيدة، انا بس اللي كان لازم اقرب من بدري


صوت المدفع كان لسه بيرن الحارة، والأذان بيتردد من كل المآذن القريبة والبعيدة، لكن شقة سيف كانت ساكتة تماماً وكئيبة، السفرة كانت مرصوصة بعناية، طبق الشوربة اللي لسه بيطلع دخان، والبلح باللبن، وصينية الرقاق اللي ريحتها مالية المكان، بس مكنش فيه شهية لأي حاجة، كريمة كانت ماسكة المعلقة وبتقلب في طبقها بآلية وعينها سرحانة في الكرسي الفاضي اللي كان دايماً سيف بيملى مكانه شقاوة وضحك

وأدهم .. الأخ اللي شال حمل البيت على كتافه بدري، كان بياكل ببطء وهو باصصلها بطرف عينه، شايف الرعشة اللي في إيدها والدمعة اللي محبوسة ورا رموشها ومصممة متنزلش، رفع راسه و ساب المعلقة وهو بيسند ضهره على الكرسي وبيبصلها


أنا قلقان يا أمي، سيف غيبته طالت المرة دي، ومن امبارح وهو تليفونه مقفول


مرفعتش عينها من الطبق، رسمت على وشها جمود قاسي مبيشبهش قلبها وقالت بصوت حاولت تخليه ناشف


اللي يغيب يغيب يا أدهم، هو عيل صغير؟ هو اللي اختار السكة دي، واختار يبعد عننا وعن ربنا في يوم زي ده، سيبه، يمكن الضلمة اللي هو فيها توجعه ف يعرف قيمة النور اللي كان فيه


اتنهد تنهيدة طويلة بتعب، هو عارف إن الكلام ده قشرة برانية بس وإنها من جوا بتتقطع


يا أمي ده أول يوم رمضان والبيت وحش من غيره، مهما عمل هيفضل ابنك وأخويا، أنا قلبي مش مطمن، سيف امبارح مكنش طبيعي، كان عامل زي اللي روحه بتطلع منه


فضلت ساكتة كأنها بتعاقب نفسها على حنيتها اللي مش قادرة تموتها، قام من على السفرة قبل ما يخلص أكله وقال


انا مش هقدر أكمل أكل وبالي مشغول، هدخل أوضتي أحاول أكلمه تاني، يمكن الاقيه مفتوح المرة دي


سابها ودخل أوضته وقفل الباب وراه بهدوء، سابت المعلقة من إيدها ودارت وشها الناحية التانية وانفجرت في بكا مكتوم وهي بتهمس بصوت واطي


يا رب احميه، يا رب رده ليا، أنا مليش غيره يا رب


جوا الأوضة كان ادهم بيفرك في جبهته بتوتر وعينه على رقم سيف، داس اتصال وحط التليفون على ودنه وهو بيدعي من كل قلبه إن المرة دي يرد، كان مستني يسمع صوت .. حتى لو كان تعبان أو ضايع


الجامع كان هدي تماماً، ريحة المسك مع سكون ما بعد الصلاة عملوا حالة من الهيبة، كنت لسة قاعد في الركن اللي ورا العمود، الضلمة حواليا كانت بتطبطب على خزيي، والجامع بدأ يفضى من الناس اللي جريت عشان تلحق فطارها، حسيت إني مش قادر أقوم، ودموعي مكنتش راضية تنشف، كانت بتنزل بوجع وشهقاتي بتطلع ترج صدري وتفكرني بكل لحظة ضيعتها في معصية الله

وفجأة، حسيت بخيال بيقرب مني وصوت وقع خطوات هادية على السجاد، غمضت عيني وداريت وشي بيدي، لحد ما حسيت بإيد اتحطت على كتفي بشويش


انت لسه قاعد هنا يا ابني؟ المغرب أذن من بدري، مروحتش تفطر ولا إيه؟


مكنتش قادر أرفع راسي ولا أطلع كلمة واحدة، سكت شوية كأنه بيقرأ اللي جوايا من غير كلام وبعدين سألني تاني بنبرة أهدى

مالك يا ابني؟ إيه اللي شايل حمله فوق كتافك ومقعدك هنا؟


أول ما نطق عيطت تاني، عياط طفل تاه في وسط زحمة وخايف ميرجعش تاني، ملحش عليا، بالعكس، قعد قدامي وسحب سبحته اللي سمعت صوت خرزها وهو بيخبط في بعضه، فضلت على الحال دة شوية لحد ما هديت، بس دموعي لسه على وشي، رفعت راسي ابصله لقيته الإمام اللي كان بيصلي بينا، بصلي بعين فيها حكمة السنين وقال بوشوشة


للدرجة دي ذنبك كبير؟


بصتله بصدمة من أنه عرف اللي انا فيه، نزلت عيني للأرض وأنا حاسس بجمرة نار في قلبي وهزيت راسي وعيني دمعت أكتر، رجع يسبح وسألني


بقاله قد إيه؟


قولت بصوت مبحوح ومكسور


* تلات سنين

ياااه، أتاري دموعك نازلة بالكوم


حسيت إني محتاج أتكلم، محتاج أطلع القرف اللي جوايا، بلعت ريقي وقولت


* أنا مش عارف عملت كدة إزاي، أنا كنت ملتزم يا شيخنا، كنت عارف طريق الجامع، وردي مبيفارقنيش وصلاتي في وقتها، كل حاجة كانت كويسة لحد ما روحت شغل جديد


بدأت أحكيله بمرارة عن صحاب السوء في الشغل وإزاي سحبوني رجل ورا رجل، وإزاي شربت كل حاجة وفقدت كل حاجة وأهمهم رضا ربنا اللي كنت حاسس بيه زمان، بصلي بابتسامة غريبة، ابتسامة فيها رحمة مكنتش متخيل اني ممكن اشوفها تاني


عارف؟ النبي ﷺ جاله صحابي في مرة قاله يا رسول الله إني أصبت حداً، يعني عمل كبيرة من الكبائر، النبي سابه ومشي، فالراجل جري وراه وقالهاله تاني، يا رسول الله إني أصبت حداً، فالنبي سابه برضو ومشي ومردش عليه، لحد ما أقيمت الصلاة والراجل صلى مع النبي، وبعد الصلاة جري وراه تاني وقاله يا رسول الله، إني أصبت حداً فأنشدك الله أن تقيم فيّ حد الله


كمل وهو بيسبح ونظراته بتخترق روحي


النبي ﷺ بصله وقاله، أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء؟ قال بلى يا رسول الله، قال وقد شهدت معنا الصلاة؟ قال بلى يا رسول الله، قال فأذهب فقد غفر الله لك حدك


سكت شوية وخد نفسه وقال


عارف يا ابني، أنا أول ما سمعت الحديث ده، تخيلت ميزان، كفة فيها صخرة سودة كبيرة أوي، وجه النبي ﷺ حط ورقة صغيرة في الكفة التانية، الورقة دي هي الصلاة والوضوء اللي عملتهم دلوقتي، الصخرة طاشت، شوف عظمة أجر الصلاة، النبي قاله غفر لك بمجرد صلاتك ووضوءك


مسك إيدي وضغط عليها وقال


ورغم إنك قعدت سنين تعصي الله، إلا إنك مخلتش الشهوة تكسرك أكتر من كدة ورجعت، شيخنا كان بيقولنا متخليش الذنب يكسرك مرتين، مرة لما وقعت فيه، ومرة لما يمنعك من الطاعة بحجة إنك مش نضيف، لو وقعت في الأولى متقعش في التانية، قوم وتوب، وربنا غفور رحيم


بصتله بيأس وقولت


* بس أنا موقعتش مرة ولا اتنين، أنا وقعت تلات سنين


قام وقف وطبطب على راسي بحنان وقال


يا ابني، تلات سنين في عمر الزمن ولا حاجة قدام رحمة ربنا اللي وسعت كل شيء، ربنا مبيعدش لينا بالأيام، بيعد لينا بالصدق في اللحظة دي، أنت دلوقتي أنضف من تلات سنين فاتوا بمجرد دمعتك دي، روح أفطر والحق رمضان من اوله وخليه بداية عهد جديد .. ربنا يغفرلك ويثبتك إن شاء الله


سابني ومشي .. وفضلت لوحدي في الجامع، بس المرة دي مكنتش حاسس بالضلمة، كنت حاسس إن في نور صغير بدأ يشقشق جوا قلبي، كأني فعلًا اتولدت من جديد


الفصل الخامس من هنا

stories
stories
تعليقات