![]() |
رواية بين الردي والهدي الفصل الخامس بقلم نوري
شقة سيف كان لسة ساكنها الهدوء، لكن هدوء ما قبل العاصفة، السفرة لسه مرصوصة زي ما هي بحالها وكأن الأكل في البيت ده بقى تقيل على القلوب قبل البطون
أدهم كان قاعد في الصالة الموبايل في إيده و صوابعه بتتحرك بعصبية على الشاشة، كل شوية يحاول يتصل بسيف وهو بيتنفس بصوت عالي و وشه مخطوف
اما كريمة .. ف كانت قاعدة على الكنبة اللي قصاده بتبصله بنظرات كلها امل ورجاء أنه يطمنها عليه
جرب تاني يا أدهم يمكن فتحه، يمكن كان في حتة مفيهاش شبكة وبقت موجودة دلوقتي
قالتها بصوت مرتجف طالع من قلبها المحروق على ضناها، طلع زفير حاد و داس على رقمه السبيكر عشان تسمع معاه
" عفواً .. الهاتف الذي طلبته مغلق أو غير متاح حالياً "
الرسالة المسجلة كانت بتقلقهم اكتر كل ما يسمعوها، رمى التليفون جنبه على الكنبة وقال
انا حاسس أنه فيه حاجة
حطت كريمة إيدها على صدرها وبدأت تهز جسمها لورا وقدام بحركة لا إرادية بطيئة
يا وجع قلبي عليك يا سيف .. أول يوم رمضان يا ابني؟ السكة دي واخدانا معاك لحد فين تاني؟
قام ادهم وقف فجأة وبدأ يمشي في الصالة بخطوات سريعة صوته بدأ يعلى غصب عنه من كتر القلق
ما هو ده اللي هيجنني، سيف مكنش كدة، مهما غلط ومهما بعد، مكنش بيقفل تليفونه في يوم زي ده، أنا قلقان عليه بجد، مكنش طبيعي امبارح وشكله كان يوحي بمصيبة
دموعها اللي كانت محبوسة بدأت تنزل بغزارة وهي بتسمع كلامه
متفولش على أخوك يا أدهم، متقلقنيش عليه اكتر
قعد جنبها وحاوط كتافها بإيده وهو بيحاول يهديها رغم إنه هو نفسه محتاج اللي يطمنه
خلاص يا أمي اهدي
مسكت في إيده بقوة وكأنها خايفة هو كمان يغيب عنها وسط القلق ده
انا مش هقدر أنام يا أدهم ولا هيغمضلي جفن طول ما تليفونه مقفول، يا رب .. عشان خاطري طمني عليه .. عشان خاطري يا رب
الأجواء كانت مختلفة تماماً عن اللي في شقة سيف، هدوء مريح للأعصاب مع فرع النور الهادي وقعدتها وسط أسرتها اللي بتحسسها بالأمان والدفا، التليفزيون كان شغال بصوت واطي والكل ساكت، وصوت المعلقة وهي بتخبط في طبق الرز بلبن اللي قدام باباها كان هو الصوت الوحيد اللي بيقطع الصمت ده، كانت قاعدة بينهم جسمها موجود بس عقلها وقلبها في حتة تانية، ماسكة طبقها الصغير وبتحرك المعلقة فيه بآلية كأنها بترسم دوائر مالهاش أول من آخر، قلبها كان مقبوض وبينغزها بالخوف و القلق و حاسة ببرودة في أطرافها رغم إن الجو كان دافي
مالك يا ليلى؟ مش بتاكلي ليه؟
صوت مامتها قطع حبل أفكارها، رفعت راسها بسرعة ورسمت ابتسامة باهتة وهي بتقول
- لا يا ماما باكل أهو، انا بس ماليش نفس أوي، يمكن من كتر شرب الماية على الفطار
سكتت مامتها ورجعت تنتبه للتلفزيون من تاني، لكن مصطفى فضل مركز معاها وبيبصلها بنظرة الأب اللي فاهم بنته وقاري اللي ورا سكوتها، خافت يفتح سيرة يحيى تاني ف نزلت عينها في طبقها بسرعة
جواها كان فيه حرب مخلياها عايزة تقوم تجري تخبط على بابهم وتسأل عنه، لكن كرامتها وخوفها من نظرة أهلها كانوا زي اللجام اللي شاددها، حست إنها متكتفة، لا قادرة تطمن قلبها ولا قادرة تنسى اللهفة اللي شافتها في عينه يوم ما قابلته، حست بالدموع اللي بدأت تتجمع في عينيها ف قامت وقفت فجأة قبل ما حد يلاحظ
- أنا هقوم أرتاح شوية قبل التراويح، عن اذنكم
مشيت من قدامهم بسرعة وأول ما دخلت غمضت عينها بقوة وخدت نفس طويل، حست إن الأوكسجين في المكان قليل، وإن حيطان البيت بتضيق عليها من كتر الخوف عليه ومن السكة اللي سحبته لحتة ميعرفش يرجع منها تاني، مسحت على وشها وحاولت تستجمع قوتها وهي بتهمس لنفسها بيقين مهزوز
- اهدي .. ثقي في ربنا وبس
كنت لسة قاعد في الركن اللي ورا العمود، الضلمة حواليا كانت بتطبطب على خزيي، وكلام الشيخ لسه بيرن في ودني
الصخرة طاشت
كنت مغمض عيني وبحاول أتخيل الميزان ده، صخرة ذنوبي اللي بقالها تلات سنين بتتقل، وورقة الوضوء والصلاة اللي لسه عاملهم، هل فعلاً ممكن تطيش؟ هل ربنا هبيقبل اللي زيي بمجرد دمعة وسجدة؟
الوقت سرقني وأنا غرقان في أفكاري، سمعت صوت المؤذن وهو بيرفع أذان العشاء، الصوت المرة دي دخل قلبي من غير استئذان، مكنش بيخوفني زي ما كان بيعمل طول السنين اللي فاتت، كان المرة دي بيطبطب عليا ويقولي
أدي الفرض التاني أهو .. اثبت
قومت وانا حاسس بجسمي تقيل بس روحي كانت خفيفة، وقفت في الصف كتفي في كتف راجل غريب معرفوش، كنت حاسس بآلفة غريبة، كأني رجعت لبيتي الحقيقي، صليت العشاء والتراويح، وكل سجدة كنت بحس إن الأرض بتسحب مني وجع سنين، كنت بسجد وبطول مش عايز أقوم، عايز أفضل في الحتة دي للأبد، بعيد عن وليد، وبعيد عن القمار، وبعيد عن النسخة القبيحة مني اللي كنت عايش بيها
خلص الإمام آخر ركعة في الوتر وسلم، قعدت استغفر شوية وبعدين افتكرت أهلي، أمي اللي زمانها دلوقتي قاعدة على السجادة وبتدعيلي وهي بتبكي، وأدهم اللي أكيد القلق واكل قلبه، لازم أطمنهم، لازم يعرفوا إني بخير .. وإني بدأت أنضف
مديت إيدي في جيبي عشان أطلع التليفون بس ملقتوش، فتشت الجيب التاني بلهفة و نفضت هدومي، بصيت حواليا على السجادة اللي كنت قاعد عليها لكن مفيش حاجة، اختفى
وقفت وبدأت أدور ورا العمود لكن برضو ملقتوش، سألت الراجل اللي كان جنبي يمكن شافه
* يا حاج، شوفت موبايل كان هنا؟ موبايل أسود؟
هز راسه وقال
لا يا ابني والله
وقفت مكاني بحاول افتكر سيبته فين لكن دماغي مش مجمعة من اللي كنت فيه، طب واهلي؟ زمانهم دلوقتي نارهم قايدة ومش عارفين يوصلولي، استعرضت ربنا فيه وقررت أرجع البيت اطمنهم عليا، لازم ارجعلهم قبل ما يفقدوا الأمل فيا تماماً
القلق و السيناريوهات المرعبة كانت بتنهش في ادهم، مكنش قادر يثبت في مكانه و بيتحرك في الصالة بخطوات مضطربة، كل شوية يروح ناحية الشباك يبص على الشارع ويرجع تاني لمكانه، وكأن الحركة هي الطريقة الوحيدة اللي بتخفف عنه نار القلق، الموبايل في إيده مكنش بيفارقه لحظة، كل شوية يرفع الشاشة يبص على الساعة ويحاول يتصل بيه تاني لكن بدون فايدة
أنا مش هقدر أفضل قاعد كدة يا أمي، أنا هنزل أشوفه فين
قالها وهو بيسحب مفاتيحه من على الترابيزة وصوته فيه حسم مبيقبلش الجدال، قامت كريمة ومسكت في دراعه بلهفة
تنزل تروح فين يا ابني؟ أنت عارف هو راح فين؟ هتدور عليه في أنهي سكة بس
مسح على وشه بتعب وقال
هلف في كل مكان، هسأل عليه في المنطقة وهشوف الأماكن اللي كان بيقعد فيها، المهم مفضلش قاعد هنا والتفكير بياكل في راسي
جت على بالها فكرة ف قالت
طب اطلع لعمك مصطفى خليه ينزل معاك، هو بيعز سيف مهما حصل، وبالي مش هيهدى إلا لو كنتوا مع بعض
كان هيعترض لكن شاف في عينيها خوفها عليه هو كمان، هو راسه وخرجوا سوا على السلم، طلعوا وبدأت كريمة تخبط على باب شقتهم خبطات سريعة نسبياً وقلب بيدق بعنف
أول ما الباب اتفتح بان وش مصطفى الهادي اللي اتبدلت ملامحه للقلق أول ما شافهم، ومن وراه ظهرت ليلى وفاطمة وهما قلقانين من الخبط، وقفت كريمة على الباب وبدون تفكير قالت بكسرة وتوسل
بالله عليك يا أبو ليلى، سيف مرجعش وموبايله مقفول من بدري وأنا قلبي مش مطمن، انزل مع أدهم ساعده يلاقيه، بالله عليك
رغم كل الضيق اللي جواه من سيف إلا أن ملامحه لانت، بص لأدهم وقال
ثواني والبس جزمي وأكون معاك يا ابني، اهدي يا أم سيف، إن شاء الله مفيش غير كل خير
في اللحظة دي، حطت ليلى إيدها على قلبها فجأة، وكأنها لقت التفسير للنغزة اللي كانت حاسة بيها، عينيها لمعت بالدموع وهي بتبص لأدهم بخوف إن يكون سيف جراله حاجة، خرج مصطفى وقبل ما ينزلوا مسكت كريمة في قميص أدهم بقوة وبصتله بنظرة مليانة وجع ورجاء
امانة عليك مترجعش البيت من غير أخوك، هاتهولي يا أدهم، هاتهولي عشان النار اللي في صدري دي تنطفي
هز راسه بأسى ونزل مع مصطفى، سندت فاطمة كريمة ودخلتها جوا، و فضلت ليلى واقفة ورا الباب، سندت جبهتها على الخشب وغمضت عينها وبدأت تهمس
- يا رب .. أنت اعلم بمكانه، احفظه ورده لينا بالسلامة، يا رب لا تفجعنا فيه
طلعت السلم بلهفة ممزوجة بشوق، لهفة اني ارجعلهم واطمنهم عليا، وشوق اني اشوف في عيونهم فرحتهم برجوعي عن اللي كنت بعمله، وصلت قدام باب شقتنا وطلعت المفتاح بإيد مرتعشة، فتحته ودخلت وأنا بتلفت حواليا زي الغريب
* امي؟ أدهم؟
محدش رد، دخلت أوضتها يمكن الاقيها بتصلي، لكن مكنتش موجودة، خرجت ودخلت اوضة ادهم وانا بنده عليه لكن ملوش اثر برضو، الحال اتبدل وبقيت انا اللي قلقان عليهم دلوقتي، يا ترى راحوا فين، يارب متكونش أمي تعبت ولا ادهم جراله حاجة، خرجت من الشقة وأنا مش شايف قدامي، مكنتش عارف هروح فين ولا ادور عليهم عند مين، ملقتش حل غير إني أطلع لشقة ليلى، اترددت كتير لكن مفيش حل تاني، طلعت و وقفت قدام بابهم وأنا حاسس بالخزي من نفسي و إني مش حمل أبص في عين حد فيهم، رفعت إيدي وبدأت أخبط خبطة واحدة هادية وبعدين التانية، اتفتح الباب ببطء .. وظهرت هي
الوقت وقف في اللحظة دي والهوا اتسحب من حواليا لثانية، كانت واقفة وشها باهت وعينيها باين عليهم التعب، لكن أول ما شافتني اختفى في ثانية وحل مكانه لمعة خلتني أتهز من جوايا
- سيف
قالتها بصوت كأنها بتطمن إن اللي واقف قدامها ده حقيقة مش خيال، مكنتش قادر أنطق، بصتلها وعيوني بتنطق بكل اللي لساني عاجز عنه، كنت بقولها إني أسف، إني ضعت، إني كنت غبي لما سيبت النور اللي في عينيها وروحت للسواد، فضلت باصصلها وبس وانا بشبع من ملامحها اللي كانت غايبة عني
سيف؟ أنت جيت يا ابني؟
صوت أمي طلع من جوا شقتهم، جت تجري عليا وهي بتشهق و اترمت في حضني
ليه يا سيف؟ ليه بتوجع قلبي عليك يا ابني؟ ده أدهم وعمك مصطفى نزلوا يقلبوا الدنيا عليك، كنت فين يا حبيبي؟
دفنت راسي في كتفها وغمضت عيني ودموعي نزلت من غير استئذان
* حقك عليا يا أمي .. سامحيني، والله ما هعمل كدة تاني، والله ما هغضب ربنا ولا هغضبكم مني أبداً
مسكت إيدها وبوستها بلهفة عشان ترضى عني، طنط فاطمة كانت واقفة بتمسح دموعها وبتحمد ربنا، وأمي بدأت تشدني من إيدي وهي بتقول
يلا يا حبيبي، يلا ننزل بيتنا، البيت كان ضلمة من غيرك
خليتها تسند على ايدي و نزلنا، وقبل ما أغيب عن عينيها، لفيت وشي وبصيت لليلى لآخر مرة، كانت لسه واقفة عند الباب، عينيها مدمعة وبتبصلي بنظرة فيها يقين غريب، وكأنها كانت عارفة إني هرجع
نزلت وأنا حاسس إن روحي ردت فيا، بس المرة دي وأنا سيف جديد مش ناوي يخسر رضا ربنا وأهله تااني أبداً
اللحظات اللي بنقضيها في أحضان أمهاتنا بالدنيا كلها ومفيش حاجة تعوضها، ودة اللي عرفه سيف وهو منهار في حضن كريمة، ساند كتفها وإيده ماسكة في طرف توبها وكأنه طفل خايف يضيع في الزحمة تاني، صوت بُكاه كان عالي ودموعه مبتقفش
* سامحيني يا أمي، بالله عليكي سامحيني، أنا عارف إني شيلتك الهم وسودت عيشتك، بس والله العظيم مليش غيرك، مليش مكان أهرب فيه من نفسي غير حضنك
كريمة حالتها مكنتش تقل عنه في شيئ، دموعها كانت بتنزل على شعره وإيديها بتتحرك على ضهره بحنية
أنا عمري ما غضبت عليك يا حبيبي، الأم مبتغضبش على حتة من قلبها مهما وجعتها، أنا كنت بتوجع عشانك مش منك، كنت بموت كل ليلة وأنا شايفة ابني بيضيع من إيدي ومش عارفة أشده، كنت بفرش سجادتي وأقول يا رب .. يا رب سيف أمانة عندك ردهولي، والحمد لله إنك رجعت يا نور عيني
بصلها وهو بيمسك إيديها وبيبوسها بلهفة وندم
* أنا كنت ميت والنهاردة بس صحيت، قولي إنك راضية عني، قوليها عشان أقدر أعيش
راضية عنك يا أول فرحتي، راضية عنك دنيا وآخره، بس خليك في حضني و متوجعش قلبي تاني
في اللحظة دي، اتفتح الباب ودخل أدهم وهو بينهج، وشه كان مخطوف وعينيه بتدور في الصالة زي المجنون، اول ما شاف سيف رمى مفاتيح البيت وجري عليه من غير تفكير وبكل قوته شده لحضنه، حضن كان فيه عتاب السنين وخوف الليلة دي كلها، دفن وشه في كتفه وبدأ يبكي بصوت عالي، بُكا واحد كان شايل حمل أكبر من سنه خايف يصحى الصبح وميلاقيش سنده
كنت فين يا سيف؟ انت عايز تموتني ناقص عمر؟ متعملش فينا كدة تاني إحنا ملناش غيرك
شدد سيف من ضمته ليه وهو بيبكي معاه، مالت كريمة عليهم وحاوطتهم بدراعاتها، وهي بتهمس في سرها
يا رب احفظهملي ومتفجعش قلبي في حد فيهم يا رب
الأوضة كانت غرقانة في ضوء الوناسة الضعيف، مصطفى كان قاعد على طرف السرير ساند ضهره ومربع إيده فوق صدره، ملامحه كانت هادية بس عينيه كانت بتسرح في الفراغ
فاطمة كانت قاعدة جنبه وشها منور بفرحة حقيقية وهي بتحكي بحماس وتأثر وكأنها بتوصف مشهد من مسلسل
ياه مصطفى لو كنت شوفت منظره وهو واقف على الباب، الولد كان مكسور كسر يقطع القلب، وأول ما شاف كريمة اترمى في حضنها وهي يا حبة عيني كانت بتعيط ومش مصدقة أنه قدامها، الحمد لله انه رجع، والله الواحد قلبه كان واكله عليه أوي
هز راسه ببطء من غير ما يقطع خيط كلامها ف كملت
فضلت تحضن فيه وتقوله راضية عنك وهو يوعدها إنه مش هيغضب ربنا ولا هيزعلها تاني، أنا فرحانة عشانها أوي، كريمة تعبت وشالت فوق طاقتها كتير، والنهاردة بس تقدر تنام وهي مطمنة
سكتت لحظة مستنية منه تعليق لكنه فضل ساكت، نظراته كانت شاردة وكأنه مش سامع تفاصيل الفرحة دي، أو شايف تمن تاني ليها مفيش حد واخد باله منه غيره
انت روحت فين؟ مش فرحان لسيف؟
سألته باستغراب وهي بتلمس كتفه بشويش، اتنهد تنهيدة طويلة خرجت من أعماق صدره محملة بتقل السنين، يصلها وقال بصوت واطي ورزين
فرحان طبعاً يا فاطمة، سيف ابني قبل ما يكون ابن جاري، كريمة تستاهل كل خير، والبيت ده مكنش ينفع يفضل مكسور كدة
سكت لحظة وهو بيبص ناحية باب اوضة ليلى المقفول وكمل بشرود
بس أنا بفكر في ليلى
استغربت وسألته
ليلى؟ ومالها ليلى يا مصطفى؟ ده البت كانت هتموت من الخوف عليه، ودلوقتي زمانها نايمة وهي مرتاحة
هز راسه بأسى مكتوم وقال
ما هي دي المشكلة، إنها مرتاحة، رجوع سيف النهاردة بالشكل ده وبالندم اللي شافته في عينيه أحيا جواها أمل كان بدأ يدبل، ليلى كانت صابرة على نار، والنهاردة النار دي بقت نور في عينيها، أنا خايف يا فاطمة، سيف لسه قدامه مشوار طويل عشان يثبت إنه اتغير بجد، وخايف بنتنا تتعلق بحبال دايبة وتدفع هي تمن ندمه ده من أعصابها و سنينها
بص للأرض وكمل بصوت فيه خوف الأب على أغلى ما يملك
ليلى قلبها رقيق، وتعلقها بسيف مش مجرد عشرة جيرة، ده وعد هي حطاه بينها وبين نفسها، رجوعه النهاردة خلى الوعد ده حقيقة في نظرها، وأنا كأب قلبي مقبوض من فكرة إنه ممكن يضعف تاني، أو إن المشوار اللي بدأه النهاردة يكون تقيل عليه فينسحب، وساعتها هي اللي هتدفع التمن
سكتت وبدأت ملامح الفرحة على وشها تهدى وتتحول لتفكير وقلق هي كمان، قام مصطفى وراح ناحية الشباك و بص للشارع وهو بيهمس لنفسه
يا رب زي ما ريدت سيف لأمه رده لنفسه وللحق عشان خاطر القلوب اللي استنته دي متتكسرش تاني
كنت قاعدة في أوضتي على سجادة الصلاة ودموعي نازلة زي الشلال، لكن المرة دي مكنتش دموع وجع، كانت دموع فرحة ورضا
- يا رب .. استجبتلي؟ بجد يا رب استجبتلي انا العبد الضعيف؟
مكنتش مصدقة اللي حصل، لسه صوت خبطته على الباب بيرن في ودني، وصورته. ..صورته وهو واقف قدامي، وشه التعبان، وعينيه اللي كانت بتدور على سيف القديم وسط ملامحي، مكسورة بس فيها ضي جديد زي اللي كنت بشوفه زمان، فردت جسمي على السجادة وغمضت عيني، كلامه لسه بيتردد في عقلي زي صدى صوت جميل
* والله ما هعمل كدة تاني .. والله ما هغضب ربنا ولا هغضبكم مني أبداً
يا رب، هو أنا سمعت صح؟ ولا دي أوهامي اللي رسمتلي الجملة دي عشان تطمن قلبي؟ أنا بقالي سنين بتمنى أسمع الكلمة دي، سنين بدعي إنه يرجع لبابك قبل ما يرجعلنا، بس جوايا حتة خايفة .. خايفة أتعشم بزيادة تكون لحظة ندم عابرة والشيطان يضحك عليه تاني
- لا .. اكيد المرة دي غير
قولتها لنفسي وأنا بمسح دموعي بطرف الإسدال، النظرة اللي كانت في عينيه وهو بيبصلي قبل ما ينزل كانت نظرة غريق لقى شط، حسيته بيقولي فيها أنا جيت ومحتاجك تسندي معايا
قلبي كان بيدق بعنف، وببتسم وسط بكايا وأنا بفتكر ملامح طنط كريمة وهي حاضناه، البيت أخيراً رجعتله الروح .. و رجعتلي أنا كمان
قومت وقفت وورحت ناحية الشباك، وفتحته براحة عشان أشم هوا، بصيت على البيوت اللي كانت منورة بالزينة والفوانيس في كل مكان وكأني اول مرة اشوفهم، ابتسمت وبصيت للسما وانا بدعي في سري
- يا رب، ثبته و متخليهوش يضعف تاني، واجعل رجوعه ده بداية لخير ملوش آخر .. قادر على كل شيئ يا رب
