رواية حكاوي يعقوب الفصل الرابع 4 بقلم محمود الامين


 رواية حكاوي يعقوب الفصل الرابع 

حكاية عزّام

بصَّ يعقوب وراه، لكن ما لقاش أي حاجة... فرجع بصّ تاني للراجل وقال:
_ إنت بتبص ورايا ليه يا عم؟.. هو إنت شايف حاجة أنا مش شايفها؟!
= كان واقف وراك... عزّام كان واقف وراك دلوقتي، والله العظيم أنا شُفته.
_ أنا مصدّقك ومش مستغرب كلامك؛ عشان أنا كمان شُفته، بس أنا عايز أعرف هو ليه بيظهر ليَّ أنا بالذات؟
= السؤال ده أنا ما عنديش إجابة ليه... بس كل اللي أقدر أقوله لك إن عزّام ده كان راجل غلبان وعلى قد حاله، وللأسف اتعرّض لأذى شديد، واللي عمل كده فيه كان حد قريب منه... وحتى بعد ما مات وخلّص منه، كمّل عليه في القبر! ولو عايز تتأكد من كلامي، روح لكارم التُّرَبي بتاع البلد واسأله كان بيسمع إيه طالع من قبر عزّام... يا راجل، ده الأسبوع اللي اتحجز فيه في المشر. حة كان أسبوع أسود على المستشفى كلها!
_ أكيد أنا عايز أعرف حكاية عزّام، بس اللي هيجنّني هو ليه بيظهر ليَّ أنا دلوقتي؟
...
بس في لحظة سكت يعقوب، واسترجع الكلام اللي قاله حارس في المشر. حة... إن عزّام كان بيتعرّض لأذى شديد، وإن اللي كان بيأذيه ما استكفاش وكمّل عليه في القبر... فسأل الراجل من تاني:
_ إنت بتقول إنه أذ. اه جوّه القبر... طيب إزاي؟!
= أنا هفهمك كل حاجة، بس برضه لازم تروح وتسمع من كارم التُّرَبي... عزّام كان راجل غلبان وعلى قد حاله، وكان بيشتغل مدرّس لغة عربية، متجوز وعايش هو ومراته وعياله زي أي حد... بس كان في نقطة سودا في حياة عزّام؛ أخوه شوقي كان عكسه في كل حاجة، شخص صايع ومش بيشتغل، ده غير إنه وقتها كان محبوس على ذمة قضية سر. قة... وعشان عزّام كان بيكره المشاكل، ما كانش بيختلط بأخوه خالص، وكان بيحاول يبعد عنه على قد ما يقدر.
وعشان عزّام كان ماشيها بالحلال، ربنا كرّمه وبقى بيدي دروس خصوصية للعيال اللي في القرية، والدنيا كانت ماشية معاه زي الفل... العيشة بدأت ترتاح معاه، لكن في الوقت ده شوقي خرج من السجن، وكان مش معاه فلوس، وكان عارف ومتأكد إنه لو راح لأخوه مش هيساعده ولا هيقف جنبه، وإنه طول عمره متبرّي منه.
لكن المصيبة إن شوقي كان ماضي على نفسه وصلات أمانة لناس كتير في مقابل خدمات كانوا بيخلصوهاله، وما كانش قدامه غير إنه يروح لأخوه عشان يقف جنبه ويساعده في الأزمة دي.
يومها البلد كلها تشهد على الخناقة اللي دارت ما بين عزّام وأخوه شوقي... وعزّام طرد شوقي قدام الناس كلها، وقال له إنه لو جه عند بيته تاني هيبلّغ عنه الحكومة.
حاول شوقي يتصرّف في المصيبة اللي هو فيها، لكنه ما عرفش... لحد ما وقع في طريقها الملعونة... الست اللي أذ. ت ناس كتير، وكانت بداية الحكاية.
= قصدك مين؟!
_ هي في غيرها؟!.. الدجّالة اللي لعنت البلد كلها وتسببت في مو. ت ناس كتير... جليلة!
شوقي استعان بيها، وهي وعدته إنها هتقف جنبه وهتساعده، وطبعًا كانت عرفت اللي حصل ما بينه وما بين عزّام... وقتها عرضت عليه إن كل حاجة بيملكها عزّام هتكون ليه هو، بشرط يسمع كلامها.
شوقي ما كانش عارف الشيطانة دي بتفكّر في إيه، وقال إن آخرها هتخليه يسر. ق بيت أخوه... لكن لا!
الدجّالة دي عملت سحر لعزّام اسمه "سحر الخراب"... وبعد أسبوع واحد، عزّام اترفد من المدرسة بعد ما عمل مشكلة مع والد طفلة، والمشكلة دي كانت بسبب إن الطفلة قالت إن الأستاذ عزّام حاول يقرب منها... ما حدّش في البلد كان مصدّق الكلام ده، والكل كان بيشهد له بالأدب والاحترام، لكن الكل لاحظ إنه بيتغير، وإنه مش ده الأستاذ عزّام اللي الكل عارفه.
لحد ما في يوم صحيت البلد فيه على كارثة...
الأستاذ عزّام خلّص على مراته وعياله... ما حدّش كان متوقع اللي حصل ده، والكل قال أكيد في حاجة غلط، وإن الأستاذ عزّام مظلوم... لكن كل الأدلة كانت ضده، وعزّام ما قدرش يستحمل تأنيب الضمير اللي عايش بيه، وأنهى حياته قبل ما يتقبض عليه.
وعشان كان عامل جر. يمة قبل كده، جث. ةه راحت على المشر. حة عشان تتشرح ويعرفوا إذا كان بيتعاطى ولا لأ... خصوصًا مع شهادة الشهود اللي أكدت إنه ما كانش طبيعي الفترة اللي فاتت.
قعد أسبوع كامل في المشر. حة، وزي ما قلت لك كان أسبوع أسود... لدرجة إن الدكتور اللي كان مسؤول عن التشريح عقله اتأثر بسبب اللي شافه في الأسبوع ده.
وبعد ما اتدفنت جث. ةه، كارم التُّرَبي حكى لكل أهل البلد إن القبر بيطلع منه صراخ... وإن الصراخ ده لا يمكن يكون صراخ بني آدم!
وبدأ يطلع كلام إن في ناس شافت شوقي وهو نازل القبر بالليل... ومن بعدها الصراخ بدأ، وأقدر أأكد لك إن شوقي حط عمل في كفن أخوه يعذّبه حتى بعد مو. ته.
...
يعقوب كان بيسمع حارس المشر. حة وهو بيحكي له، وكان خايف يقوله إن الملعونة دي تبقى جدته... لكنه اتكلم وقال:
_ دلوقتي بس أنا عرفت ليه الراجل ده بيظهر ليَّ أنا بالتحديد.
= ليه؟.. هو إنت تعرف حاجة عن الكلام اللي أنا حكيته ده أو كنت حتى طرف فيه؟!
_ مش عارف أقولك إيه... خايف أقولك اللي فيها تخاف مني، بس أنا والله بعيد كل البعد عن الموضوع ده... الملعونة الدجّالة دي تبقى، للأسف، جدتي!
= نعم؟!.. إنت بتهزر مش كده؟
_ لا، مش بهزر... أنا بتكلم بجد، بس أنا عاوز أروح لكارم التُّرَبي... أنا لازم أصلّح الغلط اللي حصل ده، أكيد الراجل بيظهر ليَّ وعاوزني أنقذه.
= لا، ده شغل أفلام سيما... بص، أنا كسبت فيك ثواب وفهمتك، بس دلوقتي لازم ترجع على أوضتك، وأوعى تدخل المشر. حة تاني لوحدك... مش كل مرة تسلم الجرّة!
_ حاضر.
...
...
مشي يعقوب من المستشفى، وراح عند بيت كارم التُّرَبي بعد ما خد العنوان من حارس المشر. حة... كان عايز يفهم في إيه بالظبط؟!.. هو سمع إيه وممكن يكون شاف إيه؟!
خبط على الباب، وبعد دقايق كان واقف قدامه كارم التُّرَبي، وأول ما شاف يعقوب عرفه واتكلم وقال:
_ إنت جاي تعمل إيه هنا؟
= هو إنت تعرفني؟
_ جدتك تبقى الملعونة... اللي لعنت البلد كلها وخلّت الناس تخلّص على بعضها! وعرفت إن أهل البلد طردوك إنت وجدك، ومش عارف إنتوا إزاي لحد دلوقتي موجودين... ما تحلّوا عننا بقى وتسيبوا البلد دي!
= أنا ما كنتش راضي على اللي كانت بتعمله جدتي... عشت مع جدي طول عمري، وكان بيقول عليها إنها ما. تِت من زمان، ما عرفتش إنها عايشة غير قريب... ولما عرفت اللي كانت بتعمله، اتبرّيت منها للأبد.
بس أنا مش جاي لك عشان كده... عزّام بيظهر ليَّ، وحارس المشر. حة حكى لي كل حاجة، وأنا جاي عشان أعرف إنت سمعت إيه بالظبط؟!.. وجايز يكون عندك تفسير ليه عزّام ظهر ليَّ أنا بالذات؟!
_ اليوم اللي اتدفن فيه عزّام... كنت تعبان ومرهق، وغلطتي إني نمت وسيبت مكان الحراسة، وده خلّى الملعون اللي اسمه شوقي يستغل غيابي وينزل القبر عشان يحط حاجة فيه... ووقتها صحّاني حسن، وده واحد من الناس اللي ساكنة قرب التُّرَب، وقال إنه شاف واحد نزل القبر بتاع عزّام.
وما هي إلا ساعتين... وسمعت صوت صراخ رهيب جاي من ناحية القبر ده!
ولما قربت، اتأكدت إن الصوت طالع منه، وكنت سامع واحد بيقول: "افتح الباب يا كارم... أنا عايش!"
طبعًا خوفت، وما فتحتش باب القبر... وبعدها جبنا شيوخ كتير، بس ما لقيناش أي حاجة جواه!
والكل كان خايف يروح لشوقي، اللي كان عامل زي المجنون، والكل كان خايف على نفسه وعلى عياله... أصل تخيّل واحد عمل كده في أخوه، هيفرق معاه حد تاني؟!
بس بسم الله ما شاء الله... جدتك هي السبب في كل ده! لو بعدتوا عننا، كنا ارتحنا من زمان.
...
خلص الراجل كلامه، ويعقوب كان واخد القرار إنه هيروح لشوقي... هو متأكد إنه حط حاجة في القبر، وهي اللي مسببة لعزّام العذاب... وهو ده السبب اللي خلّى عزّام يظهر ليعقوب.
أخد العنوان من كارم التُّرَبي، لكن كارم صمّم إنه يروح معاه... خاف عليه إن شوقي يعمل فيه حاجة.
ولما وصلوا هناك، كان الوقت متأخر، والبلد كلها نايمة... خبطوا على الباب مرة واتنين، لحد ما اتفتح.
وقتها شمّوا ريحة وحشة قوي... واللي فتح الباب كان شوقي، بس كان منظره صعب جدًا؛ جسمه هزيل ونحيف، جلد على عضم حرفيًا، وعينيه جاحظة لبرا بشكل مرعب...
ومن غير ما يتكلم، بصّ ليعقوب ولكارم، ودخل لجوه... وهما دخلوا وراه.
لكن اللي شافوه جوّه كان صعب...
شوقي كان مخلّص على مراته وابنه... دابح الاتنين... المنظر كان مفزع وخلى يعقوب يتصدم!
لكن المفزع أكتر... إن شوقي دخل المطبخ، وجاب سك. ينة، وبكل سهولة... دب.ح نفسه!
لكن فجأة...


تعليقات