رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل السادس والخمسون
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"
مقدمة الفصل
"السادس والخمسون"
ما أصعب أن يمضي المرء وهو يحمل "خناجر" الكلمات التي سيغرسها في قلوب من أحب، وأن يكتب بمداد وجعه نهايةً لقصة كانت هي الحياة نفسها.
كيف للقلم أن يخط ملامحَ الوجع حين يهوي السند؟ كيف للعين أن تصبر على فقد من أحب، بينما الروح تتمزق من فرط الاشتياق؟ وكيف للقلب أن يتحمل أنين أربعة أرواح متشابكة، يرى كلّ قلب في الآخر بقايا حلمٍ تلاشى، وحبًّا لم يجد سبيلًا للبقاء؟
إنّ الرحيل "حبًّا" هو أقسى أنواع العزاء، وأكثرها وجعًا؛ لأنه يتركنا نحتفظ بالحب في صدورنا، بينما يغادر من نحب.. فنحن أحيانًا نمضي، لا لأننا كففنا عن الحب، بل لأننا أحببنا أكثر مما يحتمل قلبُ البشر، فصار القربُ احتراقًا لا يُطاق.
لذا.. رحل دون أن يلتفت، دون أن يحتضن أحدًا، وكأنّه كان يعلم يقيناً أن العناق سيكسر ما تبقّى منه.
ندخل بقى على فصل الاحزان
اقترب أرسلان من وقوف إلياس، وقد ارتسم القلق على ملامحه بعد سماعه كلمات غرام، غير مستوعب ماتلقَّته أذنه، نظر إلى ميرال متسائلًا:
_في إيه..مالها غرام..ومين دا؟
هنا فقط، فاقت ميرال من صدمتها، كأنَّ أحدهم انتزعها من دوامة سوداء وأعادها قسرًا إلى أرض الواقع
_هيَّ تقصد إيه؟ أنا مش فاهمة... طلاق إيه، وسفر إيه؟
تقدمت بخطواتٍ مترنحة، تكاد تسقط من ثقل ما سمعت، حتى توقفت أمام إلياس، الذي بدا كتمثالٍ بلا روح، حاضر بجسده...غائب بكلِّ ما فيه
رفعت عينيها إليه، تبحث عن إجابة تنقذ قلبها من السقوط:
_يوسف فين يا إلياس؟ وليه غرام بتقول كده؟
قالتها بارتجاف صوتها، وأنفاسها التي تتسارع، دارت بعينيها بشرود:
_هوَّ كان هنا من نص ساعة...آه، جالي وقعد شوية..كان شكله حزين، بس أنا قلت علشان بلال...
توقفت لحظة، وكأنَّ الكلمات تخنقها، قبل أن تنفجر بضعفٍ موجع:
_إنما طلاق!! يعني إيه طلاق؟! هوَّ زعلان من ضي للدرجة دي؟!
مدَّت يدها تمسك بذراع إلياس، تهزه بعجزٍ ترجوه أن يكذِّب كل شيء:
_رد عليَّا يا إلياس...ابني فين، عمل إيه؟!
لكن الصمت كان أثقل من الإجابة… وكفيلًا بأن يُسقط قلبها قبل جسدها.
_ هوَّ مقاليش إنه زعلان من ضي… كنت قاعدة براجع مع شمس، وهوَّ جه قعد معانا…ضحك، وهزَّر، وحتى شال شمس بس علشان يعاندني…وأنا أزعق له كعادتي: مينفعش تشيلها بالطريقة دي.
دارت عيناها كالتائهة في صحراءٍ قاحلة تبحث عن قطرة نجاة، وبدأت تتمتم بكلماتٍ متقطِّعة، كأنها تخرج من روحها لا من فمها:
_بس هو مقالش حاجة…مقاليش حاجة، لو كنت أعرف إنه زعلان مع مراته، كنت صالحتهم، كان ممكن أصلَّح كل حاجة، لكن هو مقاليش غير سامحيني، وما تزعليش مني، سكتت فجأة.
سكتت وكأنَّ الزمن توقف عند تلك الجملة.
فاتَّسعت عيناها ببطء، وارتجف جسدها، وكأن الحقيقة هبطت عليها دفعةً واحدة بلا رحمة:
_يعني…يعني هو كان بيودَّعني؟!
خرج صوتها مكسورًا، كطفلٍ ضلَّ طريقه وسط عاصفة:
_ابني…كان بيودَّعني!!
هبَّت من مكانها فجأة، تنظر إلى إلياس الذي وقف كمن سُلب عقله…لا يفهم شيئًا، إلا أنه يتمنى بكلِّ ما يملك أن يكون هذا كابوسًا سينتهي بعد لحظة.
اقتربت منه بخطواتٍ مرتعشة، جسدها ينتفض خوفًا، ثم تراجعت خطوة…ثم أخرى…تخشى إن اقتربت أكثر ستكون الحقيقة، حقيقة سفره دون علمها.
علَّقت عيناها به، تبحث في ملامحه عن كذبة…أي كذبة، أي وهم ينقذ قلبها من الانهيار…لكن صمته كان أقسى من أي كلمات تنطق أو شعور يُحس.
هنا خارت قواها، وسقطت على ركبتيها تشعر بأن الأرض سُحبت من تحتها،
أنفاسها تتلاحق بصعوبة، وكأنها تحتضر،
ودموعها انهمرت بلا رحمة، كسيولٍ جرفت كلَّ ما بداخلها.
وقبل أن تنفجر صرختها، قطع الصمت صوت هاتفه.
_أيوة يا باشا..أيوة الكاميرا لقطت العربية في المطار، للأسف موبايله مش معاه
تصلَّب وجه إلياس، وقال بسرعة مشتعلة:
_شوفلي مسافر فين، وأنا مسافة الطريق هكون عندك…حاول تمنع سفره بأي طريقة!
التقطت أذنها كلماته…
لم تسمع كل شيء، لكنها سمعت ما يكفي ليجعلها تنهض فجأة، وكأنَّ روحًا أخرى سكنت جسدها، واندفعت تركض نحو الخارج كالمجنونة..
لم تفكر في شيء، لا في ثيابها المنزلية، ولا في خصلات شعرها التي انسدلت بعد سقوط حجابها
لم تعد ترى، لم تعد تسمع…كل ما بداخلها كان صرخةً واحدة:
_لا…مش هيمشي…مش هيسيبني!.
_ميرال! استني!
صرخ بها إلياس خلفها، ولكنها كانت كالصمَّاء، أو ربما كمن قرَّر ألا يسمع شيئًا، سوى أن ترى فلذة كبدها.
أوقفت سيارة أجرة بيدٍ مرتجفة، واندفعت بداخلها، وقالت بصوتٍ خرج مختنقًا بالبكاء:
_مطار القاهرة لو سمحت بسرعة!
انطلقت السيارة ومعها قلب أم يُسحب منها بالقوة.
ركض إلياس خلفها، لكن المسافة خانته،
توقف للحظة، يمسح على وجهه بغضب، ثم اندفع نحو سيارته، استقلَّها بسرعةٍ جنونية…
وخلفه أرسلان، الذي كان مازال واقفًا في مكانه ، تحت صدمة ما يحدث…
ثم استفاق أخيرًا، وركض يلحق به، دون أن يفهم شيئًا.
بمنزل أرسلان…قبل ذهاب غرام الى ميرال
وخاصةً داخل غرفة ضي.
ما إن أُغلق الباب خلفه، حتى سقطت كلماته فوقها كأنَّها سكاكين تُغرس في صدرها بلا رحمة:
_"إنتي طالق."
تردَّدت الكلمة داخل أذنيها، لا كصوت…بل كعويلٍ ممزَّق، كصرخةٍ لا تنتهي.
لم تحتمل…انهارت ساقاها فجأة، وهوت على الأرض، كجسدٍ نُزعت منه روحه،
وانفجرت بالبكاء…بكاءٍ لم يكن دموعًا فقط، بل انهيارًا كاملًا لكل ما بداخلها.
_إزاي عمل كده؟!.
خرج صوتها متكسِّرًا، مختنقًا، كأن الكلمات تُنتزع من بين أنفاسها:
_إزاي قدر يقولها، إزاي رماني بسهولة؟!
وضعت يدها على صدرها تضغط عليه بقوة، تحاول إيقاف ذلك الألم الذي يمزِّقها:
_قلبي...قلبي هيوقف، ليه يايوسف، لم تستوعب الصدمة.
ولكن تردَّدت الكلمة بأذنها مجدَّدًا:
_"طالق…"
شهقت بقوة، ووضعت يديها على أذنيها، تريد إسكات الصوت
_لا… لا…!
صرخت فجأة، واندفعت تنهض بعنف، بدأت تحطِّم كل ما تطاله يداها، مزهرية سقطت وتحطَّمت…إطار صورة تهشَّم على الأرض.
ألقت كل شيء، كل شيء أمامها، وكأنها تنتقم من عالمٍ لم يرحمها.
_أنا مش عايزة أسمعها…مش عايزة أسمعها!
صوتها يعلو…صرخة تلو الأخرى، ودموعها تنهمر بلا توقف، وجسدها يهتزُّ كأنها على وشك الانهيار التام.
في تلك اللحظة اندفعت غرام إلى الداخل، على صوت التحطيم والصراخ.
توقفت عند الباب للحظة، وعيناها اتَّسعتا برعبٍ مما تراه:
"ماذا حدث لابنتها"
_ضي!
صرخت باسمها، واندفعت نحوها، تمسك بذراعيها بقوة، تحاول إيقافها، لكن ضي كانت كالإعصار…
تقاوم…تنتفض…تبكي وكأنَّ قلبها يُنتزع منها حيًا.
_سيبيني!
صرخت ضي، وهي تحاول الإفلات منها:
_سيبيني يا ماما…هوَّ رماني…سابني!
تجمَّدت غرام للحظة، تشعر بأن كلماتها أصابت صدرها، نفت ذلك بعقلها، ولكن صوت ضي أفاقها حين قالت:
_قالها…قالها يا ماما!
انهارت ضي بين يديها فجأة، حتى شعرت بأن قوَّتها خانتها في لحظة واحدة:
_قالي إنتي طالق…بكلِّ سهولة، كأنِّي ولا حاجة…
احتضنتها غرام بقوة، تضمُّها إلى صدرها، ويديها ترتجفان وهي تربت على ظهرها، لكن عينيها امتلأتا بدموعٍ لم تستطع منعها.
_اهدي يا حبيبتي…اهدي.
لكن كيف تهدأ؟
وقلبها…مازال يسمع نفس الكلمة، تتردَّد داخله بلا رحمة:
"إنتي طالق."
_يوسف طلَّقني يا ماما…!
خرجت الكلمة منها مرة أخرى كأنها تُنتزع من قلبها انتزاعًا، لا تُقال…بل تُنزف.
_حبيبي رماني بكل ِّسهولة.
شهقت بقوة، تشعر بأنَّ الهواء صار عدوًا لها، ثم صرخت بصوتٍ مزق جدران الغرفة:
_قالي إنتي طالق!. قالي إنتي طالق!.
وضعت يديها على رأسها تضغط عليه بعنف، تحاول إسكات تلك الكلمة التي تصرخ داخلها بلا توقُّف،
ثم أطلقت صرخةً أخرى أعلى، أوجع تشعر بأن روحها هي من تصرخ لتقول:
_آآآه!
اندفعت تدور في الغرفة كالمجنونة، خطواتها غير متزنة، وأنفاسها متلاحقة.
تصطدم بكل شيء…وكأنها لا ترى أو لا تريد أن ترى عالمًا لم يعد فيه.
_يعني إيه…؟!
صرخت فجأة، وهي تضرب صدرها بقبضتها:
_يعني إيه بالسهولة دي…؟!
توقفت أمام والدتها،
وعيناها غارقتان بالدموع، لكنها لم تكن دموعًا فقط…كانت انهيارًا حيًّا.
_أنا كنت إيه عنده…؟!
اهتزَّ صوتها، وارتجفت شفتاها:
_كنت بحبُّه كنت عايشة له، كنت شايفة الدنيا بيه!.
اختنق صوتها، وانكسرت ملامحها تمامًا، و لم تعد قادرة على التنفس، وضعت يدها على صدرها:
_مش هقدر أعيش من غيره.
انهارت فجأة، وسقطت بجسدها على الأرض، تشعر بأن عظامها فقدت القدرة على حملها،
ضمَّت نفسها بذراعيها، تحاول أن تمنع نفسها من التفتُّت.
ولكن ارتفع صوت بكائها…
شهقات متقطِّعة، حادَّة، موجعة، كأن كل نفس يخرج منها يُمزِّق صدرها.
_مش هقدر…مش هقدر أعيش من غيره!.
كانت تردِّدها كمن يتعلَّق بخيطٍ أخير، تريده فقط، تريد ان تلقي نفسها بين احضانه
بمنزل بلال..
التفتت على كلمات كارما، حدقتها بذهولٍ لحظي، سرعان ما تبدَّد ليحلَّ محلَّه تعالٍ بارد، وهي ترفض أن تُهزم أمامها حتى ولو كانت منكسرة من الداخل..تراجعت خطوة، ترفع ذقنها بكبرياءٍ مصطنع:
_وانتي مين بقى علشان تحكمي علي، اعرفي حجمك.
قالتها بحدَّة، ثم استدارت بجسدها نحوه، ببرودٍ اصطنعته بدقَّة:
_اوعي تفكري انا جاية هنا علشان ارجع له، لا ياحنينه... قالتها وهي تدفعها حتى هوت على المقعد واستدارت اليه
_فيه كلمتين عايزة أقولهم قبل ما تكمل حفلتك يا دكتور…بعد إذن عمُّو الشيخ.
لم تنتظر ردًّا، وخطت للداخل، وعيناها تجوب المكان بوجعٍ صامت.
اقترب بلال من كارما بخطوة، وانحنى قليلًا، وقال بصوتٍ خرج بهدوءٍ مخيف، يخفي خلفه احتراقًا واضحًا:
_أوعي تفكَّري إني ميِّت على كتب الكتاب ده علشان تقولي الكلام ده…أنا باخد حقِّي…إنما إنتي على بعضك ما تهمِّنيش.
أنهى كلماته وتحرك فورًا، متَّجهًا خلف رولا.
في الشرفة…
كانت تقف تنظر للفراغ، تضغط على شفتيها بقسوة، تحاول حبس دموعٍ تأبى الانصياع، أغمضت عيناها علَّها تمحو مشهد جلوسه بجوار المأذون، هل حقًّا كان سيفعلها، ويكسرها للمرَّة الثانية، كيف يفعل كل هذا وهي تتيقَّن بحبِّه لها، تذكَّرت ذاك التسجيل الصوتي باعترافه لغريمتها بعشقه، تنهَّدت تتطلَّع حولها بضياع، كيف يعشقني كل هذا ويفعل بي هذا؟!.
توقَّف خلفها مباشرة، وأردف بصوتٍ منخفض لكنه حاسم:
_سامعك.
سحبت نفسًا عميقًا، علَّها تجمع شتات نفسها في صدرها، ثم أخرجته ببطء، واستدارت إليه.
تعلَّقت عيناها بعينيه…نظرة طويلة، صامتة، ممتلئة بأسئلةٍ مؤجَّلة:
_إنتَ حبِّتني يا بلال؟
جاء سؤالها كطعنةٍ غير متوقَّعة، فارتسمت على ملامحه سخرية جارحة:
_إنتي جاية دلوقتي تسأليني السؤال التافه ده؟
لم تتراجع، بل اقتربت منه خطوة، تحدِّق في عينيه بعمقٍ أربكه رغمًا عنه.
_دلوقتي تافه، كلِّمتك وقولت لك عايزاك.
_عايزاني!...وياترى عايزة إيه من الشخص اللي مش من مستوى طموحك يا باشمهندسة؟.
نظرت لعينيه مباشرة:
_فاكر لمَّا قولتلي..اتمنِّي وأنا أنفِّذ؟
تصلَّب جسده، ثم ابتعد عنها، يدير لها ظهره، يهرب من الذكرى قبل أن يهرب منها.
_وقتها كنت بقولها لحبيبتي، اللي كانت بتبادلني نفس الشعور، أو اللي كنت فاكر كدا.
توقَّف لثانية، ثم التفت برأسه نحوها، وعيناه تعانقانها بقسوةٍ موجوعة:
_مش واحدة عرفت تلعب بمشاعري.
اهتزّت أنفاسها، ورغم ذلك تقدَّمت تلك الخطوة الفاصلة بينهما، ومدَّت يدها تستقرُّ على ذراعه، لمسة مرتعشة لكنها صادقة:
_أنا عمري ما لعبت بمشاعرك، أنا قولتها منكرش، بس إنتَ عارف رولا..
ابتلعت ألمها، وأكملت بصوتٍ خافت:
_ولو كنت عايزة ألعب، كنت عملتها من أول ما عرضت حبَّك عليَّ.
شدَّ ذراعه قليلًا، لكنَّه لم يبعد يدها، وكأنَّ جزءًا منه عاجز عن رفضها بالكامل:
_إنتي عايزة إيه دلوقتي يا رولا؟
هنا…انكسرت المسافة بين الكلمات، وثقُلت اللحظة حتى كادت تخنقها.
رفعت عينيها إليه، وداخلها صراعًا بين كبرياءٍ يرفض الانكسار…وقلبًا لم يعد يحتمل البُعد.
_عايزة تنفِّذ وعدك ليَّا يا بلال…
خرجت الكلمات أخيرًا، ضعيفة في نبرتها…لكنها قوية بصدقها
تجمَّد بلال في مكانه، وكأن الزمن توقَّف عند تلك الكلمات.
عيناه غاصتا في عينيها، يبحث عن حقيقةٍ يحاول إنكارها منذ إهانتها.
أمَّا هي…فكانت تقف أمامه بكلِّ ما فيها من ضعفٍ وقوة،لا تطلب حبًّا…
بل تطلب كرامة أُهدِرت بالعناد، أو نهايةً تليق بكلِّ هذا الوجع الذي تشعر به من مجرَّد فكرة ابتعاده.
ظلَّت النظرات بينهما صامتة، لكنها لم تكن مجرَّد نظرات، كانت ساحة حربٍ صامتة، يتصارع فيها العشق مع الكبرياء، والحنين مع الجرح الذي لم يندمل.
ارتجف قلبه بعنف حين انحدرت دمعةً على خدَّيها، وكأنها سكينًا باردًا شقَّ صدره دون رحمة، فهمست بصوتٍ متكسِّر كأن الحروف تُسحب من روحها:
_إنت قولت مستحيل تربط اسمك باسم واحدة تانية رسمي…خليك قدِّ وعدك معايا.
أغمض عينيه لثوانٍ، يحاول الهروب من تأثيرها، ثم فتحهما بوجعٍ حاد:
_عايزة مني إيه يا رولا؟! أنا عملت اللي إنتِ عايزاه.
اقتربت منه خطوة…خطوة واحدة فقط، لكنها كانت كفيلة بإسقاط كلِّ دفاعاته.
تعلَّقت بذراعه، وكأنها تغرق وتتشبَّث بطوق النجاة الأخير، رفعت عينيها الغارقتين في الدموع:
_أنا جيت على أساس وعدك ليَّا، على أساس إن لسه ليَّا مكان…لكن لو شايف إنِّي ماليش حق…اعمل اللي إنتَ عايزه.
بس اوعى تفكر جاية هنا علشان زي مااللي برة دي بتقول، انا رولا يابلال، ومش باخد حق حد، ولا ضعيفة علشان اتمسكن
_انت كسرتني، ولازم تدفع تمن كسرك ليا
رغم ماقالته، ولكنه نظر إلى يدها على ذراعه…ليشعر بأنها مازالت ملكه فاجتاحته رعشةً عنيفة، رعشةُ رجلٍ يقف على حافَّة الانهيار.
كيف لها أن تكون بهذا القرب…وهذا البعد في نفس الوقت؟!
دنا منها ببطء، يشعر بأن قوَّةً خفية تدفعه نحوها رغمًا عنه، حتى اختلطت أنفاسهما،
انحنى قليلًا، وصوته خرج مبحوحًا، محمَّلًا بكل ما كتمه:
_رولا…إنتِ قتلتي ابننا…فاهمة يعني إيه؟! حتى لو ماكنتيش عايزاه…أنا كنت شايفه حياتي كلَّها.. بأي حق وجبروت جاية توقفي قدامي وتقولي حق...انا حبيتك حب محدش قدر يحبه، وكنت مستعد اضحي بحياتي علشان نظرة من عيونك، وكل اللي استحقيته منك،انك قتلتي بذرة حبي ليكي
سحقها بعيناه قائلًا:
_قتلتي ابننا...مفيش واحدة بتحب واحدة وتموته كدا
اهتزَّ جسدها، وكأن كلماته صفعتها بقسوة، وانهمرت دموعها بلا مقاومة…
أمَّا هو، فلم يعد يميِّز إن كانت دموعه تسقط أم دمه ينزف من داخله.
فقدت سيطرتها فدفنت رأسها في ذراعه، تبكي بصمتٍ موجع…صمتًا يحمل صراخًا لا يُسمع.
لكنه ابتعد..ابتعد لينقذ ما تبقَّى من عقله، أو كرامته، أو ربما ليمنع نفسه من الانهيار بين ذراعيها.
ابتعد حتى لا يسحقها بعشقه، أو يعاقبها بضعفه، أو يخون كل ما تبقَّى له من كبرياء.
مسحت دموعها بيدٍ مرتجفة، وانحنت تلتقط حقيبتها، لكنها توقَّفت قبل أن ترحل…
التفتت إليه، وعينيها تلمعان بوجعٍ صادق:
_أنا مقتلتش ابني يا بلال…وقعت من على السلِّم، مش هكدب عليك، آه فكَّرت…بس مقدرتش، مقدرتش أقتله حتى لو كنت تايهة.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم أكملت بصوتٍ مبحوح:
_عايز تصدَّق براحتك، وعايز تكذِّبني برضه براحتك، أنا مش هلومك.
سكتت لحظة، وكأنها تجمع بقايا نفسها، ثم قالت بثباتٍ موجع:
_أنا همشي، بس خلِّيك فاكر، لو ربطت اسمك بالبنت اللي برًَة، تبقى دفنتنا بإيدك…ووقتها مفيش رجوع..
تراجعت خطوةً نحوه، والنار تشتعل في عينيها:
_مش رولا الشافعي اللي حبيبها يفرَّط فيها بسهولة…وإنتَ فرَّطت فيَّا بسهولة يا بلال…وده تمنه كبير.
اقتربت أكثر، وضعت كفَّها على صدره، فوق قلبه مباشرة:
_القلب ده لو فكَّر ينبض لغيري، أنا هوقفه بإيدي…سامع؟ أنا مش بهزَّر.
ارتفعت قليلًا لتصبح بمستواه، وعيناها تغرزان في عينيه بثباتٍ مرعب:
_هتفضل ملك لرولا وبس يا ابن عمِّي…وأنا عمري ما بهدِّد…أنا بنفِّذ.
سحبت يدها ببطء، وكأنها تنتزع قطعةً من روحها، بعدما شعرت بتنتفاضة نبضه تحت كفيها، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة تحمل وجع الدنيا:
_سلام…يا عريس.
استدارت، وخطت للخارج…
ظلَّ بمكانه للحظات، مرَّر كفِّه على وجهه بعنف، يحاول أن يستوعب ما حدث، بينما اندفعت رولا للخارج، تهرب بقلبها قبل قدميها، أقسمت بداخلها لو ظلَّت دقيقة واحدة، فقط دقيقة، ستنهار وتلقي بنفسها بين ذراعيه دون كرامة…دون مقاومة،
لكن خطواتها توقَّفت فجأة
حين اصطدمت عيناها بـ كارما الواقفة عند الباب، التي كانت تنتظرها…
قاطعتها كارما بصوتٍ متردِّد:
_فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تمشي، الدكتور ماكانش مصرّ على كتب الكتاب علشان يكسرك زي ما قولتي…هوَّ كان عايز ينتقم من اللي ورَّطه…
رمقتها رولا بنظرةٍ متعالية، باردة… نظرة تحمل احتقارًا لدرجةٍ مؤلمة، ثم اقتربت منها ببطء، وكأنها تدهس كلماتها قبل أن تنطقها:
_هوَّ إنتي ليه مفكَّرة نفسك حاجة؟ إنتي مالك أصلاً؟ أوعي تفكَّري دموع التماسيح دي ممكن تضحكي عليَّا… ولَّا الريكورد اللي بعتيه هوَّ اللي جابني.
انحنت قليلًا نحوها، تهمس بقسوة تقطر سُمًّا:
_بلال ابن عمِّي…وأنا اللي هفوَّقه من حرباية زيِّك.
تراجعت بعدها، تنظر إليها باشمئزازٍ صريح، وكأنها انتهت من شيءٍ مقرف… ثم استدارت وغادرت.
تجمَّدت كارما مكانها، تتابع خروجها بذهول، بعدما صفعتها بكلماتٍ كالطعنات.
اقتربت بصوتٍ غاضبٍ شقَّ الصمت،
وطالعتها بعينين تشتعلان:
_تستاهلي…علشان إنتي واحدة غبية.
فيه واحدة تعمل اللي إنتي عملتيه؟!
التفتت إليها كارما، والغضب يرتجف في ملامحها، لكن خلفه وجعٌ أعمق:
_إنتي لسه صغيرة ومش فاهمة حاجة، أنا مستحيل أعيش على حساب غيري، من إمتى وإنتي أنانية كده، وياريت تشيلي موضوع جوازي ده من دماغك…أنا مش هتجوِّز راجل متجوز حتى لو هموت.
دفعتها كندا إلى داخل الغرفة بعنف، وهتفت بانفعال:
_خلِّيكي غبية، وعيشي دور الضحية لحدِّ ما تلاقي نفسك في يوم تحت رحمة أسامة!
توقفت كارما..أنفاسها تتلاحق، وعيناها تلمعان بصدقٍ موجع:
_آه…أنا غبية وغلطانة كمان، بس أهون عليَّا أعيش تحت رحمة أسامة… ولا أعيش وأنا عارفة إن كلِّ يوم في واحدة بتنام مكسورة بسببي..
إزاي هيبقى عندي قلب أفرح، وأنا سارقة فرحة غيري؟!
قالتها، وكأنها تحاكم نفسها قبل أي أحد، ثم استدارت وخرجت تسير بخطواتٍ ثابتة، رغم ارتجاف روحها، حتى وصلت إليه…
كان بلال لا يزال واقفًا في الشرفة… ظهره مشدود، وكتفاه مثقلتان، كأنه يحمل العالم فوقهما، عاجز، ضائع…لا يعرف أي طريق يسلك.
اقتربت منه، وقالت بصوتٍ حاسم، كقرارٍ وُلد من رحم الألم:
_أنا مش موافقة أكمِّل الجواز ده، ولو وافقت من الأول، كان علشان عندي أمل إن مراتك تيجي وتوقفه.
اقتربت خطوةً أخرى، وعيناها ثابتتان عليه:
_باباك اتَّفق معايا على كل حاجة، وقالي ماكمِّلش الجواز لو رولا ماجتش، وهدِّدني كمان…
قطب بلال جبينه، وكأن الكلمات تضرب رأسه بلا رحمة:
_بابا…اتَّفق معاكي؟!
أومأت برأسها ببطء، ثم أضافت، وهي تفرك كفَّيها بتوتر:
_آه…وهوَّ اللي قالي أتِّصل برولا، ومش بس كده، توقَّفت لحظات تجمع شتات شجاعتها، ثم قالت:
_أنا سجَّلت كلامك عن رولا، وبعته لها.
هنا اندفع نحوها كالإعصار، عيناه تشتعلان بصدمةٍ وغضبٍ وخذلان، وصوته خرج كزئيرٍ مكتوم:
_ إنتِ عملتي إيه؟!..إزاي تعملي كده؟!
انفجرت كلماته كصفعة، فاهتزَّت ملامحها، وانسابت دموعها دون قدرة على إيقافها لكنها لم تتراجع هذه المرَّة…
رفعت رأسها، وصوتها خرج مكسورًا، لكنه صادق حدَّ الوجع:
قولت لك قبل كده، أنا يتيمة آه، بس عندي كرامة، مستحيل أقبل أرتبط بشخص حياته متعلَّقة بواحدة تانية، حتى لو الارتباط ده صوري…
ولولا مستقبلي اللي كان هيضيع، ما كنتش حطِّيتك في الموقف ده أصلًا.
اقتربت منه خطوة، خطوة جريئة لم تفعلها من قبل، ولأول مرَّة تنطق اسمه دون ألقاب:
_بلال…اسمعني.
اهتزَّت عيناه قليلًا…ليس من الكلمة بل من الطريقة.
أكملت، وعيناها تغرقان بالدموع:
_مراتك بتحبَّك، وإنت بتموت فيها… وأنا السبب في طلاقكم، حتى لو بتقول إنتي مالكيش دعوة، تمام أنا معرفش سبب طلاقكم، بس مفيش حد فينا معصوم من الغلط.
اللي بيدبح الست، خيانة الراجل، حتى لو كانت مجرَّد شك…
ابتلعت غصَّتها، ثم تابعت بصوتٍ أكثر هدوءًا، لكنه أشدُّ تأثيرًا:
_ مهما حاولت تثبت لها إن مفيش حاجة بينَّا، مش هتصدَّقك…علشان بتحب، وبتغير وأي ستِّ فينا، مش عايزة حبيبها يشوف غيرها.
تنهَّدت بعمق، ثم ابتسمت ابتسامة موجوعة:
_ أنا بعزَّك أوي، وكنت أتمنى يكون لي أخ زيَّك، مش هقولك علشاني، لأني عارفة إني مش فارقة…بس علشان خاطرها هيَّ.
اقتربت أكثر:
_ لو قرَّبت منها هتشوف قدِّ إيه هي مكسورة…يكفي إنها جت لك هنا، دي لو مش بتحب، ماكنتش هتفرق معاها أصلاً…
ظلَّ صامتًا…يحدِّق بها فقط، كأن كلماتها تتسلَّل داخله رغمًا عنه…
مسحت دموعها سريعًا، وتراجعت خطوة، وكأنها استعادت حدودها:
متخليش غضبك من أسامة يضيَّع حياتك، هوَّ مش هيخسر، لأنه للأسف فكّر صح ووقَّعنا كلنا..
إنتَ اللي هتخسر، آه منكرش خسرت قبل كده، بس خسارة عن خسارة تفرق يا دكتور، لسه عندك فرصة.
ساد صمت ثقيل…ثم قال فجأة، بنبرةٍ مختلطة بين الشكِّ والاستنكار:
_ كارما…هوَّ إنتي ليه كلامك حسِّسني إننا كنَّا هنعيش حياة زوجية؟
ضحكت بسخرية مريرة، تهزُّ رأسها:
_ اللي برَّة مش هيفهم غير كده يا دكتور…
وبعدين…إحنا كده كده بينا عقد جواز…
قبل أن يُكمل أي رد…
رنّ هاتفه…أخرجه من جيبه، نظر للشاشة، ثم ابتسم بتهكُّم مرير:
_ أبويا…أكيد بيتطمن خطِّته نجحت ولَّا لأ…
فتح الخط، وصوته يحمل سخرية لاذعة:
_إيه يا أرسلان باشا، نسيت حاجة في خطِّتك؟
جاءه صوت والده مشحونًا:
_إنتَ كنت تعرف إن يوسف هيسافر؟
قطب جبينه بعدم فهم:
_يوسف مين؟
جاءه الرد كالرصاصة:
_يوسف ابن عمَّك، طلَّق ضي وسافر.
تجمَّدت ملامحه، وضحك بخفَّة غير مصدِّق:
_ إيه الهزار ده يا باشا، متخافش، ما كتبناش الكتاب، وخطِّتك نجحت و..
قاطعه صوت أرسلان، صارخًا بعنف:
_بطَّل غباء، بقولَّك يوسف طلَّق أختك وسافر!
سقطت الكلمات عليه كرصاصة اخترقت صدره بلا رحمة…مرَّت لحظة، ثم أخرى..
حتى بدأ يستوعب
_بابا…إنت بتتكلِّم جد؟
استمع إلى صوت أرسلان:
_يعني ما كنتش تعرف؟! يعني لعب بينا كلِّنا!
تجمَّد بلال في مكانه، كأن الزمن توقف، بل كأنَّ كل شيء انهار فجأة..
همس لنفسه بذهول:
_ معقول يوسف يعمل كده؟…لا…أكيد فيه حاجة غلط، هوَّ قالي عنده عملية صعبة، ولكن أغلق أرسلان الهاتف..
توقَّف بلال ينظر الى الهاتف، يستوعب ماصار، ثم فجأةً اندفع للخارج، أوقفه
صوت المأذون:
_ هفضل منتظر يا أستاذ…
أشار إليه بلال بيده، وصوته خرج مختنقًا:
_آسف…لغينا كتب الكتاب…
ثم التفت للحارس بسرعة:
_وصَّل المأذون…وحاسبه..لم ينتظر ردًّا..
اندفع خارج المكان، بخطواتٍ سريعة مضطربة…حتى وصل إلى سيارته
وقلبه يسبقه، يريد أن يكذِّب ما استمع إليه.
بالمطار…
أنهى يوسف إجراءاته كمن يؤدِّي أوراق إعدامه…أوراق تُسلَّم، توقيعات تُكتب، ونبضه وحده يصرخ داخله بلا صوت،
اتجه نحو البوابة…لكن كل خطوة كانت خيانة..
خيانة لبيتٍ تركه خلفه، لقلبٍ مازال يهيم به عشقًا، كان يسير لكن داخله كان يُسحَب للخلف بقوة…صور تتلاحق بلا رحمة
أمِّه…بوجهٍ شاحب، وعيونٍ تغرق بالخذلان، صوتها يناديه باسمه دون أن يسمعه.
أبوه…ذلك الجبل الصلب، الذي يعرف أنه اليوم سينكسر، ليس لسفره، بل لأنه اختار أن يبتعد..أن يهرب.
ضغط على عينيه بقوة، حتى يمحو تلك الصور، لكنها لم تختفِ، بل ازدادت وضوحًا…وصل إلى البوابة، وتوقَّف لأول مرَّة.
رفع عينيه نحو الطائرة، لم يرَها وسيلة سفر…بل رأى قطيعة، رأى نهاية..
رأى نفسه يُقتلع من جذوره ويُلقى في أرضٍ لا تعرفه…هذه ليست رحلة..
هذه هجرة من كل شيء، من اسمه… من ماضيه…من قلبه الذي لم يعد يحتمل.
تنفَّس بعمق، لكن الهواء لم يدخل صدره…كأنَّ أنفاسه عالقة بين البقاء والهروب.
قلبه لم يكن ينبض بل كان يصرخ، صرخةذ صامتة تمزِّقه من الداخل، نعم…هو يعلم،
يعلم أنه يؤذيهم، جميعهم، يعلم أن قراره سيترك وراءه خرابًا لا يُرمَّم…لكن
ماذا يفعل، كيف يبقى وهو لم يعد قادرًا على مواجهة نفسه؟
كيف يعود…وكلَّ ما بداخله مكسور حدَّ العجز؟
خطا خطوةً نحو الطائرة…فتعثَّرت روحه قبل قدميه، يشعر بأن الأرض ترفض أن تتركه يذهب…كل شيء فيه يقاوم،
لكن الألم كان أقوى.
رفع قدمه ببطء، وصعد أوَّل درجة، كانت ثقيلة…كأنها ليست درجة، بل حكمًا يقوده إلى غرفة إعدامه.
درجة يودِّع فيها كل ما عاشه هنا.
الثانية…بها كان قلبه يتشقَّق بصمت.
الثالثة…دمعة سقطت، رغماً عنه، دون أن يمسحها…لم يعد يهتم
فما الذي بقيَ ليُخفيه؟
توقف لحظة واحدة فقط…لحظة أخيرة، نظر خلفه، لم يرَ أحدًا، لكن رأى كل شيء يتركه..بيتًا…ضحكة حبًّا
ويدًا كانت تتمسَّك به وتركها..
أغمض عينيه، وانسحبت من صدره أنفاسه…صعد درجات سلَّم الطائرة، وتوقف على آخر درجة مستديرًا ينظر بالفضاء، كأنها نظرة وداع، تمنى أن يرى وجوهًا مبتسمة، ولكن كلَّ مارآه فراغ مُوحش، وقعت عيناه على لافتة:
_ادخلو مصر إن شاء الله آمنيين، لمعت عيناه بالدموع:
_ ربما لا نلتقي أبدًا.
قالها ثم دخل، وأغلق الباب خلفه..
هنا فقط…أدرك الحقيقة.
أنه لم يُغلق باب طائرة…
بل أغلق باب قبره بيده.
تجمَّد للحظة، وعيناه معلَّقتان بذلك الباب الذي ابتلعه، بينما جسده وحده من جلس في مقعده كغريبٍ لا ينتمي إليه.
لم يعد يشعر بشيء…
لا بالناس حوله…ولا بأصوات المضيفات…ولا حتى بحركة الطائرة من حوله.
دقائق قليلة…
وستُقلع الطائرة من الأرض، تغادر الأراضي المصرية بسرعة، كأنها تهرب به من كلِّ ما يعرفه…من كل من يحبُّهم…من نفسه.
ولا أحد…لا أحد يشعر
أن بداخلها إنسانًا يتمنى الموت…وهو مازال حيًّا.
كان جالسًا بصمت، وعيناه زائغتان، وكأنهما فقدتا القدرة على التركيز، بينما داخله كان يصرخ…ينهار…يتفتَّت بصوتٍ لا يُسمع.
وفي أعماقه كان يدعو…ليس للنجاة،
بل للخلاص.
_يارب…خُد روحي…خلَّصني من الوجع ده.
دعاء خرج دون صوت، لكنه كان أعلى من أي صرخة.
فجأة…قبض على صدره بكفَّيه، بقوة، يحاول أن يُسكت ذلك القلب الذي يتمرَّد عليه، الذي يصرخ ألمًا، الذي يرفض أن يصمت..لكن الألم…لم يتوقَّف..
ازداد..
انتشر في صدره كحريق، يلتهم أنفاسه ببطء، يخنقه، يمزِّقه من الداخل…
أغمض عينيه بشدَّة، وأسند رأسه للخلف، وكأن الهروب الوحيد المتبقِّي هو أن يختفي…حتى من نفسه.
وفي تلك اللحظة…
كانت الطائرة ترتفع..ترتفع به بعيدًا،
عن حضن أمِّه…عن صوتها الذي لم يسمعه…
ترك كل شيء خلفه، وترك قلبه هناك
ينزف وحده.
نعم فهو طبيبُ قلبٍ، يعرف كيف يقرأ ارتجافاته على الشاشة..
يعرف معنى الخفقان الزائد، والانقباض المفاجئ، وضيق الشرايين…
لكنَّه يقف عاجزًا أمام وجعه، فوجعه لا يظهر على شاشة، ولا تُفسِّره سمَّاعة..
يبتسم لمرضاه بثباتٍ يُطمئنهم،
ويقول: “الحمد لله…الحالة مستقرة.”
بينما قلبه في الداخل ينهار بصمت،
ويُخفي كسرةً لم يتعلَّم يومًا كيف يُجبِّرها.
عند ميرال…
خرجت من سيارة الأجرة كأنها تُنتزع من داخلها، لا تسير…بل تندفع، وقلبها يسبقها بخطواتٍ مذعورة..
_يا مدام الحساب…
قالها صوت الرجل صاحب السيارة كشيءٍ تافه وسط إعصارها، فلوَّحت بيدها دون أن تلتفت، أنفاسها متقطِّعة كأنها تركض منذ عمر:
_لحظة لو سمحت، هرجع لك لازم ألحق ابني…
لم تنتظر ردَّه…انطلقت، وكأن الحياة كلها متوقِّفة خلف تلك البوَّابة.
لكنها توقَّفت فجأة، يدٌ صلبة اعترضت طريقها:
_رايحة فين يا مدام؟
رفعت عينيها له، عيون غارقة بالدموع والرجاء معًا، رفعت يداها التي ترتجفان كأوراقٍ ذابلة:
_ابني جوَّا…ابني هيمشي، لازم أوقفه، لو سمحت عدِّيني.
كانت كلماتها تتكسَّر، تختنق وكلُّ حرفٍ يخرج ممزَّقًا من صدرها.
_آسف يا مدام.
هنا انهارت.
لم تعد قادرة على الوقوف بثبات:
_يووووسف!!!
صرخت باسمه بكلِّ ما تبقَّى فيها من روح…صرخة خرجت كأنها تُنتزع من قلبها لا من حنجرتها، لكنها ارتطمت بالزحام، بالضوضاء، ولم تصل إليه.
_في إيه اللي بيحصل؟
قالها أحدهم بحدَّة، ليردَّ الآخر ببرودٍ قاسٍ:
_شكلها مجنونة، هنستدعي الأمن.
كلمة “مجنونة” سقطت عليها كطعنة، لكنها لم تهتم، لم ترَ شيئًا سوى ابنها يرحل يبتعد، يضيع..وفجأة
دفعها الرجل بقوَّة.
جسدها الواهن لم يحتمل، ترنَّحت، وسقطت…لكن لم ترتطم بالأرض..
سقطت في حضن إلياس.
لحظة صمتت فيها الدنيا..وتوقَّف الزمن، وتوقَّف معه قلبه..نظر إليها..
لم يرَ زوجته…بل رأى امرأة محطَّمة، أمٍّ تُسحق أمامه، عيونها زائغة، أنفاسها متقطِّعة، وكأن روحها تُسحب منها قطعةً قطعة.
ضمَّها فورًا، يحاول إخفاء هذا الانهيار عن أعين العالم…أو ربما عن نفسه.
لكنها دفتعه، تضرب صدره بضعف، تصرخ باسمه:
_سيبني…يوسف، يوسف هيمشي.
رفع عينيه ببطء…
وكانت نظراته كجحيمٍ مشتعل نحو الرجل الذي دفعها...اقترب منه بخطوةٍ واحدة فقط، كان كفيلًا بأن يُفرغ كلَّ غضبه فيه..
لكن يد أرسلان أوقفته.
_إلياس…اهدى فيه حاجة أهم.
كلماته كانت كصفعةٍ أيقظته من جنونه.
التفت إليه، وقال بصوتٍ خرج محمَّلًا بالخوف لا الغضب:
_ادخل اعمل أي حاجة، لازم توقف سفره بأي طريقة يا أرسلان، ربت على كتفه بسرعة:
_حاضر…خد ميرال من هنا، الكاميرات عليكم.
سحبها إلياس رغم مقاومتها، رغم صراخها الذي مزَّق المكان:
_ميرال اهدي، الناس بتبصِّ علينا همنعه، والله همنعه.
تعلَّقت به فجأة..
أمسكت كفَّيه، تقبِّلهما بلهفةٍ موجعة، تتشبَّث بآخر أمل:
_ابني يا إلياس…ابني متخلوش يسافر وهوَّ مكسور، حرام عليكم.
ارتجف قلبه…
وضمَّها بقوة، كأنها ستنهار إن تركها لحظة.
_حاضر أرسلان هيتصرَّف، لكنها لم تقتنع..
دفعت صدره برفق، ورفعت يدها تشير للداخل، وعيناها ترجوه بانكسارٍ قاتل:
_روح إنتَ…إنتَ اللي لازم توقفه، هوَّ مش هيسمع غيرك، تجمَّد للحظة
ثم فتح باب السيارة، وأجلسها برفق، يده مازالت ترتعش من ثقل ما يحدث.
انحنى نحوها، وقال بصوتٍ مبحوح:
_خليكي هنا حبيبتي.
لكنها أمسكت قميصه قبل أن يبتعد، همست بصوتٍ ميِّت:
_ما ترجعش من غيره.
تصلَّب مكانه، حين شعر بأن كلماتها خنجر استقرَّ في صدره، أغلق الباب ببطء، رغم ارتجاف كلِّ حواسه، ثم استدار نحو المطار..
بعد فترة…
عاد أرسلان وإلياس إلى السيارة،
توقف إلياس أمام السيارة،
مرَّر يده في شعره بعنف، وقال بصوتٍ خرج متكسِّرًا:
_إزاي يحصل دا من غير ما أحس… إزاي خلَّص أوراق السفر من غير ما أعرف؟!
ردَّ أرسلان بصوتٍ منخفض، يحمل نفس الصدمة:
_إلياس…ممكن تهدى علشان ميرال، أنا لحدِّ دلوقتي مش مستوعب أصلًا إنه يعملها…
بداخل السيارة..
لمحتهما ميرال من مرآة السيارة،
قلبها لم ينتظر..
فتحت الباب بسرعة، ونزلت، تَّتجه نحوهما بخطواتٍ متعثرة، وعيناها تدوران بجنونٍ في المكان، تبحث… تتشبَّث بأي أملٍ كاذب..
_فين يوسف..مش قولت هتجيبه؟
قالتها بنظراتٍ ضائعة، بين باب المطار، والسيارات…والوجوه
كأنها ترفض تصديق أنه لن يعود..
اقترب منها إلياس ببطء، مدَّ يده، وحاوط كتفيها، محاولًا احتواء انهيارها.
التفتت له ببطء، عيناها تتفحَّصان وجهه، كأنها تقرأ الحقيقة من ملامحه.
_إلياس ما بتردش ليه، فين الولد؟
صمت...صمته كان الإجابة.
اقتربت خطوة…ثم أخرى، حتى أصبحت أمامه تمامًا، تحدِّق في عينيه مباشرة.
_رد عليَّا…فين يوسف؟
ابتلع ريقه، وقال بنبرةٍ حاول أن يجعلها حازمة لكنها خانته:
_ميرال…اركبي العربية.
شهقت بخفوت:
_يعني إيه اركبي العربية؟!. أنا بسألك ابني فين!
ظلَّ صامتًا…عيناه تهربان منها، هنا فهمت.
اهتزَّ جسدها كله، وتراجعت خطوة للخلف، تهزُّ رأسها برفضٍ هستيري:
_لا…لا…لا…
رفعت يدها تشير نحوه، وصوتها بدأ يرتفع، يرتجف، يتمزَّق:
_إنتَ… معرفتش تمنع سفره صح؟
لم يرد.
وهنا صرخت…صرخةً خرجت من أعماق قلب أمٍّ يُنتزع منها ابنها:
_إزاي تعمل فيَّا كدا يا إلياس؟! إزاييي؟!!
اقترب منها يحاول تهدئتها، لكن نظراته سقطت على شعرها المبعثر، ملابسها، انهيارها أمام الناس.
فقال بنبرةٍ مختلطة بين القهر والعجز:
_ميرال…بصِّي لنفسك، ابنك دكتور..مش طفل علشان أمنعه!
كانت كلماته…قاسية..قاسية لدرجة أنها صمتت.
تجمَّدت ملامحها، واتَّسعت عيناها بذهول…تحاول أن تستوعب ما يلقيه عليها، ثم همست بصوتٍ بالكاد يُسمع:
_مش طفل؟
رفعت عينيها له، والدموع تملأها، لكن هذه المرة لم تكن دموع ضعف، بل دموع أم لم تعد لديها القدرة أن ترى ابنها في يومها، اقتربت وتمنَّت أن يخونها سمعها:
_يعني إنتَ سيبته يسافر؟!.
اهتزَّ صوتها أكثر، وانسابت عبراتها:
_يعني كنت عارف؟!!....
صمت إلياس وعجز عن تهدئة انهيارها.
فوضعت يدها على صدرها، تحاول إيقاف الألم الذي انفجر بداخلها:
_حرمتني من ابني يا إلياس،
قالتها وكأنها لفظت روحها معها..وبدأ جسدها يترنَّح، وأنفاسها تتقطَّع:
_أنا…حتى ما ودَّعتوش…
لتفقد السيطرة تمامًا..وتنهار بين ذراعيه.
تعلَّق جسدها به كمن فقد آخر قوة، تبكي لا، لم تكن تبكي…كانت تنزف، تنكسر، تموت وهي على قيد الحياة... تشبَّثت بذراعيه، تترجَّاه:
_رجَّعهولي، بالله عليك رجَّعهولي…أنا هموت وهو بعيد عنِّي.
ضمَّها بقوة، علَّه يمنع تتفتُّتها بين يديه، وقال بصوتٍ خرج مبحوحًا، مهزومًا:
_ميرال ياله الناس بتبصِّ علينا.
سحبها برفق رغم مقاومتها الضعيفة، وأجلسها داخل السيارة، ثم أغلق الباب.
وقف لحظة…يسند جبينه على الزجاج
وعيناه امتلأتا لأول مرَّة ليس بالغضب،
بل بالعجز.
في الجهة الأخرى…
جلس أرسلان في سيارته بصمتٍ قاتل،
يضغط على المقود بقوة، أنفاسه ثقيلة، وكأن الهواء لم يعد يكفيه، حتى الآن لا يعلم ما الذي حدث وجعل يوسف يهرب.
بمنزل يزن..
عادت رولا تتخبَّط بخطواتها، وقلبها ينبض
بعنف، كلما تذكَّرت مافعلته،دلفت للداخل، فوجدت والدها بمقابلها:
_حمد الله على السلامة، دا إيه الجبروت اللي إنتي فيه يا بنت يزن؟!.
_تربيتك يا يزن باشا، حضرتك نسيت إنَّك ما بتحبش اللي بيضيَّع حقُّه؟
اقترب منها وابتسامة ساخرة على وجهه:
_حقِّك!...هوَّ فين حقِّك دا؟
طالعت والدها بكلِّ كبرياء:
_رولا يزن مينفعش حتِّة بت تهدم بيتها يا بابا، ممكن أكون فوقت متأخَّر، لكن متعودتش على الهزيمة، بلال جوزي، ومن حقِّي أدافع عن حياتي.
_جوزك مين يا بت، نسيتي إنُّه طلَّقك؟
اقتربت من والدها، وأشارت على نفسها:
_لأنِّي أنا اللي طلبت، مش هوَّ اللي طلَّقني، ومش معنى إنه طلَّقني يعيش حياته مع البتِّ الجربوعة دي.
نظر إلى رحيل التي خرجت على أصواتهم:
_سامعة بنتك بتقول إيه؟
خطت رولا وقالت:
_من إمبارح منمتش، هدخل أنام ولو بلال جه محدش يصحِّيني، لازم أعاقبه على كل دقيقة وجع قلبي فيها.
ضحكت رحيل بعدما فشلت في كبح ابتسامتها...التفت إليها يزن:
_إنتي عجبك كلامها؟
_بتحبهُّ يايزن..بنتك بتحبُّه أوي، وبعدين مش انتَ كنت عايز كدا، ليه مضايق دلوقتي؟.
_رحيل، النهاردة وقفت قدام إلياس وأرسلان بسببها، أنا مش هحذَّرها تاني، اتكلِّمي معاها.
لكن قاطعهما دخول طارق:
_إيه اللي بيحصل في بيت إلياس؟.
بمنزل إلياس..
تجمَّع الجميع بعدما انتشر خبر سفر يوسف كالنار في الهشيم، صمتٌ ثقيل خيَّم على الأرجاء.
توقفت سيارة إلياس أمام المنزل، ظلَّ لثوانٍ ممسكًا بالمقود، ينظر إلى ميرال الجالسة جواره…بعينين مفتوحتين على اللاشيء، كأن روحها غادرت وبقي جسدها فقط.
ترجَّل أخيرًا، خطواته مثقلة…كأنه يجرُّ خلفه عمرًا من الخيبات، دار إلى جانبها، فتح الباب ببطء، ومدَّ يده إليها.
نزلت ممسكة بكفِّه، لكنها لم تكن تمشي…كانت تُسحب معه، جسدًا بلا نبض.
في تلك اللحظة، اندفعت شمس من داخل المنزل كالعاصفة، عيناها تبحثان بجنونٍ خلفهما، تتعلَّقان بكل زاوية:
_بابا…فين يوسف؟
تجمَّدت ملامح إلياس، وكأن السؤال خنجرًا انغرس في صدره.
اقترب أرسلان سريعًا، يحاول إبعادها:
_حبيبتي تعالي معايا…
لكنها انتزعت نفسها بعنف، وركضت نحو والدها، وقفت أمامه، وتساءلت بصوتٍ مرتجف:
_بابا فين يوسف..ليه مرجعش معاكم؟!
لكنها توقَّفت عن السؤال، حين نظرت لوجه أمَّها في انكسارها، و عينيها الغارقتين بالدموع.
تراجعت خطوة، ثم أخرى، تهزُّ رأسها برفضٍ هستيري:
_لا…لا…يوسف مستحيل يعمل فينا كدا، هوَّ مش أناني، يوسف عمره ما يوجعنا…
أكيد…أكيد بيهزَّر، هيطلع دلوقتي ويضحك علينا…
ثم فجأة، استدارت وركضت..
اندفعت إلى منزل أرسلان، صعدت إلى غرفة ضي…طرقت الباب طرقةً واحدة، لم تنتظر ردًّا، دفعت الباب ودخلت.
تجمَّدت في مكانها.
وجدت بلال يقف بجوار الفراش، يمسك بحقنة، يغرسها في ذراع ضي التي كانت شبه غائبة عن الوعي.
اقتربت شمس ببطء…ودموعها تنساب في صمتٍ موجع، حتى وقفت أمام الفراش.
نظرت إلى ضي…
وجهها منتفخ من البكاء، شاحب كأن الحياة انسحبت منه، عيناها محمرَّتان بلون الدم، تفتحهما وتغلقهما بصعوبة…كأنها تصارع لتبقى، أو لتنجو من وجعٍ أكبر من الاحتمال.
خصلات شعرها مبعثرة، ممزَّقة، كأنها كانت تنتزعها بيديها في لحظات انهيارها.
ارتعش قلب شمس.
نظرت إلى غرام…التي كانت تحتضن كفَّ ابنتها، تمسِّد على شعرها برفقٍ منكسر، وشفتيها تتحرَّكان بآيات من الذكر الحكيم…بصوتٍ متقطِّع، تتمسَّك بالله حتى لا تضيع ابنتها، من يراها يقسم أنها فقدت روحها، لا ابنتها فقط.
جلست شمس على طرف الفراش، اقتربت، وانحنت تقبِّل وجنة ضي المرتعشة، وهمست بصوتٍ مخنوق:
_ضي…إيه اللي حصل، ليه يوسف سافر من غير ما يقول لحد؟
لكن صوتها اختنق حين خرج أنين ضعيف من ضي…أنين مزَّق قلبها.
فجأة، انحنى بلال، وسحب شمس برفق لكن بحزم من جوارها:
_حبيبتي…مش وقته ضي تعبانة.
رفعت عينيها إليه، نظرة مليئة بالخذلان والوجع:
_إيه اللي حصل يا بلال، ليه يوسف سافر..إزاي قدر يعمل كدا..ازاي قدر يبعد عنِّي؟.
لم يجب..ارتفع أنين ضي مجدَّدًا… هذه المرة أقوى…كانت صرخة مكتومة خرجت من أعماق روحها.
شهقت شمس من حالتها، وهي تستمع إلى اسم أخيها من بين شفتيها، كانت تناديه، وكأن قلبها يتمزَّق مع كل صوت.
سحبها بلال للخارج، وقال بصوتٍ منخفض لكنه حاسم:
_شمس…روحي دلوقتي، بابا زمانه جه وأكيد هيلحقه.
نظرت له…بعينين غارقتين، وهزَّت رأسها ببطء، ودموعها تسقط بلا توقُّف:
_جه…من غيره.
كلمتان فقط…
لكنهما سقطتا كحكمٍ نهائي كحقيقة لا مفرَّ منها.
_يعني إيه…هوَّ يوسف سافر فعلًا؟
أومأت له بصمتٍ قاتل.
تحرَّكت شمس ببطء…لا تسير، بل تجرُّ خلفها خيباتٍ ثقيلة، كأن كل خطوة تُنتزع من قلبها انتزاعًا.
صور يوسف بدأت تتزاحم أمام عينيها…ضحكته، صوته، طريقته وهو يناديها، يربت على رأسها، يحتضنها كأنها عالمه الصغير.
تعثَّرت فجأة، فسقطت على ركبتيها بقسوة.
انفجرت بالبكاء.
بكاءًا لم يكن مجرَّد دموع…بل انهيار روح.
ضمَّت ركبتيها إلى صدرها، واحتوت نفسها بذراعيها، تحاول أن تعوِّض غيابه…أن تخلق من ذراعيها ذلك الحضن الذي كان يضمُّها دائمًا.
_سابني…سابني ومشي؟
قالتها بصوتٍ مكسور، يكاد لا يُسمع، لكنه كان كافيًا ليشقَّ القلوب.
كيف رحل؟!.
كيف استطاع أن يبتعد…وهو الذي كان لها كل شيء؟
لم يكن مجرَّد أخ…كان أمانها حين تخاف، سندها حين تضعف، ودفئها حين يقسو العالم عليها.
ثلاثة عشر عامًا…
ثلاثة عشر ربيعًا…وهي في كنفه، طفلته المدلَّلة، مدلَّلة قلبه قبل أن تكون أخته.
كان يسبق دمعتها قبل أن تنزل، يقرأ حزنها من نظرة، ويجبر خاطرها بكلمة..بضحكة، باحتضان...شهقت وهي تتذكَّره:
طب ليه سبتني…ليه يا يوسف؟
اهتزَّ جسدها مع نوبة بكاءٍ أعنف، في هذه اللحظة، لا تستوعب أنه فقط رحل…بل تشعر أنه اختفى من عالمها بالكامل.
انحنت أكثر على نفسها، وكأنها تنكمش من الألم، تذوب داخله:
_مين هيحضني لمَّا أعيط..مين هيقولي اهدي وأنا معاكي؟
_مين هيخاف عليا غيرك؟..
رفعت وجهها المبلَّل بالدموع، تنظر أمامها وكأنها تراه…وكأنه سيأتي الآن… كما كان يفعل دائمًا.
لكن…لا أحد جاء.
عاد رأسها ليسقط بين ذراعيها، وهمست بصوتٍ خافت مكسور:
_أنا بقيت لوحدي يا يوسف…
جملة خرجت منها كطفلةٍ فقدت أبويها معًا…
طفلة كانت تعيش داخل قلبه…
وفجأة…أُغلِق الباب ورحل..
لم تحتمل الصمود، لتبكي بشهقاتٍ مرتفعة، سمعها بلال بالداخل، نظر من الشرفة، فركض إليها...رفعها من فوق الأرض:
_شمس..حبيبتي اهدي
دفنت رأسها بأحضانه، تبكي بشهقاتٍ مرتفعة:
_يوسف...يوسف يا بلال، أخويا سابني.
ضمَّ رأسها يمسِّد عليها:
_اهدي، أنا هكلِّمه وأخلِّيه يجي، أكيد سافر يومين وراجع، ميقدرش يبعد عنِّك، صح يا شموس؟.
تراجعت تمسح دموعها كالطفلة البريئة:
_أيوة صح، هوَّ ممكن يكون سافر مؤتمر وراجع، صح، صح يابلال مش كدا؟.
أومأ لها بعحز، فكلُّ ما يوجع داخله، طلاقه لضي، يبدو أن الموضوع أكبر من أي تصوُّر.
_أكيد حبيبتي، أومال يسافر من غير حتى مايقولِّي.
قالها بصوتٍ منكسر، يشعر بجمرة تلتهم صدره، إلى الآن لم يصدِّق أنه رحل دون أن يخبره.
حاوطها ودلف بها الى منزل عمِّه، وجد الجميع بالداخل، نهض الياس أول ما رآه:
_بلال تعال عايزك.
قالها وتحرَّك إلى الداخل والعيون كلها عليه، دلف يزن خلفهم، بينما تحرك أرسلان بعد عدَّة اتَّصالات من غرام.
بداخل المكتب..
وقف إلياس أمامه:
_سؤال واحد بس، لو فعلًا بتحبِّ عمَّك، إيه اللي خلَّى يوسف يسافر فجأة من غير ما نعرف.
_والله ما أعرف يا عمُّو، أنا زيكم بالظبط.
طالعه إلياس بشك، اقترب منه بلال:
_وحياة ربِّنا ما قالي حاجة، وأنا مصدوم زيكم، بس اللي مصبَّرني إنه قالي عنده عملية مهمَّة، ممكن يكون سافر علشان عملية.
صمت يمسح على وجهه بضياع:
_بس موضوع الطلاق دا، مش عارف أحدِّد الموضوع بالظبط.
ضرب إلياس على المكتب وثار غضبه:
_إزاي متعرفش، دا أنتوا كل أسراركم مع بعض.
_يوسف مش كل حاجة بيقولها، وحضرتك عارف.
هوى على المقعد وأشار إليهم بالخروج:
_سبوني لوحدي، ثم رفع رأسه ليزن:
_خلِّي بالك من ميرال، أنا دماغي مش فيَّا، لازم أعرف سافر فين.
_ما تقلقش، كلِّم إسحاق هيعرف سافر فين.
أومأ بصمت، ثم تراجع بجسده على المقعد وأغمض عينيه، وهنا ترك نفسه للانهيار، كلمات ابنه ترنو بأذنه، ليضرب النبض داخله بقوة..انسابت دموعه:
_هونت عليك تكسر أبوك كدا يا يوسف.
بالخارج..
خرج بلال متَّجهًا إلى منزل والده، قابلته رولا.
_بلال...التفت إليها، اقتربت منه:
_فين يوسف، إزاي يسافر من غير ما يقول لحد، عمِّتو هتموت عليه.
أغمض عيناه، يشعر بثقل تنفُّسه وسار بعض الخطوات، يريد أن يختلي بنفسه، لايريد أن يرى أحدًا ضعفه، ولكنها تحرَّكت خلفه وأمسكت ذراعه:
_بلال مابتردش عليَّ ليه؟
_رولا أنا مخنوق، ابعدي عنِّي لو سمحتي.
لكنها استدارت حتى وقفت أمامه.
لمحت دموعه التي يحاول أن يمنعها من النزول:
_إنتَ اكيد متعرفش؟
اختنق صوته وتشكَّلت غصَّة بحلقه، حتى شعر بعدم تنفُّسه:
_مش قادر أستوعب اللي عمله، ليه، عمل كدا ليه، ليه يكسرنا كدا، ضي بتموت، وأمُّه بتموت، وشمس منهارة، مفكرش في دول كلُّهم، إيه اللي حصل خلَّاه يعمل كدا؟..
إزاي قدر يبعد عنِّي، إزاي هيعدِّي يوم من غير ما أشوفه ونغلِّس على بعض فيه، حاسس إني مش قادر أتنفِّس، معقول يعمل فينا كدا؟!.
ضغط على شفتيه حتى لا ينهار بالبكاء أمامه، ولكنها اقتربت منه واحتضنت وجهه تزيل آثار الدموع التي لمعت بعينيه:
_ممكن ما تبكيش علشان معيطش.
فقد قدرته على الصمود لتنهار دموعه وهو يقول:
_دا يوسف يا رولا، إنتي عارفة يوسف بالنسبالي إيه، حاسس إني بقيت يتيم من غيره، مخِّي مش قادر يستوعب أصلًا سفره دا، طيب ليه اتجوز ضي وليه عمل فيها كدا؟!.عمره ما كان خاين، مخِّي هيفرقع من التفكير، يوسف مش خاين علشان يرمي مراته بالطريقة دي، وهوَّ عارف إنها بتحبُّه، ولا عمره فكَّر في مصلحته، على حساب حد، إيه اللي حصل معاه، إزاي كنت بعيد عنه ومحستش بمعاناته... أنا متأكد فيه حاجة كبيرة حصلت معاه.
_طيب سألت ضي؟
_ضي مش حاسة بحاجة، كلِّ اللي على لسانها اسمه وبس، وإزاي طلَّقها ورماها.
_معذورة، بعد الحبيب صعب أوي، صعب لدرجة الموت.
توقف على كلماتها ينظر إليها..
_تعبتيني معاكي يا بنت عمِّي، اثبتي على موقف.
لم تشعر سوى وهي تضمُّ نفسها لأحضانه:
_بنت عمَّك بتموت من بعدك.
أغمض عيناه بعدما تسلَّلت رائحتها إلى رئتيه..حتى فقد السيطرة على نفسه، أخرج رأسها من أحضانه يسبح في عينيها:
_عايزة من بلال إيه يا رولا؟
تاهت في عينيه، لترفع يدها على وجهه:
_إنتَ مصدَّق إنِّي مقتلتش ابننا صح؟..
والله ماقتلته يا بلال، وحياة بلال عندي ما قتلته.
ابتعدت منتفضة على صوت يزن خلفهما:
_ايه قلِّة الأدب دي يا محترم، طيب رإعي الظروف اللي إحنا فيها، وإنتي يابت على البيت يالَّا، ماتبوسوا بعض أحسن، ماهو ما بقاش حد قادرُّكم.
اقترب من بلال بعيونٍ نارية تريد إحراقه:
_روح عند مراتك وابعد عن بنتي، مش اتجوزت، ثم التفت إليها:
_مش اطلَّقتي منه بناءً على رغبتك، لو شوفتك قريبة منه هدبحك...امشي على البيت.
_بابا..
_قولت على البيت...ضربت قدميها في الأرض ثم تحرَّكت مغادرة المكان، فاقترب من بلال:
_خلِّيك في نظري زي ما إنتَ يابلال، عيب اللي أنتَ بتعمله، يا سيدي بلاش العيب، اعرف حدود ربِّنا، هيَّ دلوقتي طليقتك.
_أنا تعبان يا عمُّو، ومش قادر أجادل حضرتك...بعد إذنك.
_استنى عندك.
توقَّف واستدار اليه، فاقترب يزن منه:
_فين زفت يوسف، وبلاش الكلمتين اللي قولتهم قدام إلياس، لأنِّي متأكِّد أنُّكم زي بعض، ومفيش حد بيعمل حاجة بدون علم التاني.
_لو أعرف مكانه مكنتش زمانك شوفتني مكسور، وأنا معرفش عنه حاجة، كل اللي بفكَّر فيه إيه اللي وصَّله ليوصل لكدا.
وصل آسر إليهم:
_للأسف المطار ما بيقلش أي معلومات، مش قدَّامنا حل غير لما يرجع عمُّو أرسلان، هوَّ اللي يقدر يوصل لمعلومة.
تنهَّد يزن وتركهما وغادر المكان... بينما دنا آسر من بلال:
_عرفت إن أسامة راح كتب فيك بلاغ بتهمة الإشهار بسمعته.
_يخبط دماغه بالحيطة، هيتجنِّن من وقت ما عرف موضوع كتب الكتاب.
_إنتَ فعلًا كتبت كتابك يا بلال على طليقته؟
نظر إليه وهزَّ رأسه بالرفض:
_رولا جت..بس لو قولتلك كنت سعيد إنَّها جت ووقفت كل حاجة، أنا عاجز ومش عارف أعمل إيه، من جهة الحيوان دا لازم أعلِّمه درس ما ينسهوش، ومن جهة تانية مش متحمِّل أشوف وجعها، رغم كل اللي عملته.
ربت آسر على كتفه:
_متخافش أنا مصحصح له، وردِّيت بالشكوى خمس، ومش بس كدا، أخدت إذن كمان بالتسجيل له، وزي ما اتفقنا رميت له البنت السكرتيرة، وحياتك عندي لأندِّمه إنه فكَّر يعلِّم على حدِّ فينا.
_تسلم يا صاحبي.
هطلع لضي، لأنَّها بتنام بالمهدِّئات... أومأ له فتحرَّك لمنزله.
بعد فترة
دلف بلال الى غرفة اخته، لم يجدها بفراشها، وجد والدته تغفو فوق الاريكة، خرج يبحث عنها بلهفة، طرق على باب الحمام ولكن لا يوجد رد...
استيقظت غرام على صوت بلال... هبت فزعة
_ماما ادخلي شوفيها جوا كدا، هي في حالة لاوعي من الصدمة ممكن تأذي نفسها
_اكسر الباب، الباب مقفول من جوا، حاول دفع الباب مرارا وتكرار، وصل ارسلان على صرخات غرام باسم ضي... انفتح الباب بعدما دفع ارسلان وبلال الباب بقوة، ليقف مندهشًا ممارآه، ليشعر بأن الأرض تسحب من تحت قدميه على ذلك المشهد الذي جعله يقف متجمدًا، كأن احدهم القى فوقه دلو من الماء المثلج بفصل الشتاء، ليشعر ببرودة جسده....
في منزل الياس
دلف الى غرفته، لم يجد ميرال بفراشها، ارتجف قلبه، ركض كالمجنون يبحث عنها، دلف الى غرفة ابنته، وجدها مازالت غافية، بعدما طلب من بلال حقنها بمهدئ، حين وجد انهيارها وبكاؤها المتواصل...
توقف بالممر ينظر حوله بضياع
_رحتي فين ياميرال
