رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل السابع والخمسون
تحرك إلياس في المنزل كأنَّ روحه تُسحب منه جزءًا جزءًا…لم يكن يبحث عنها فقط، بل كان يهرب من إحساسٍ مرعب بدأ يلتهم صدره، إحساس فقدْها مرَّةً أخرى.
فتح الأبواب بعنف، ناداها بصوتٍ مكسور،
تسارعت أنفاسه، وارتجف جسده، وذكريات الماضي انهالت عليه بلا رحمة، نفس الإحساس، نفس الخوف، نفس العجز..
لكن هذه المرة…لم يعد يحتمل.
لم يعد يملك قلبًا يقاوم كل هذا.
اندفع إلى مكتبه، وبيدين ترتجفان ضغط على الكاميرات…لتظهر فيها أمامه على الشاشة، توقَّف قلبه للحظات وهو يراها تخرج وحدها مكسورة…كأنَّ الحياة انطفأت داخلها.
اتجهت إلى منزل يوسف..
اختنق صدره، وخرجت منه شهقة موجوعة، كأن أحدهم غرس سكينًا في صدره ببطء، همس لنفسه بصوتٍ واهن:
_ليه يابني تعمل فينا كدا، أغمض عيناه
وكأن هذا المشهد وحده…كان كافيًا ليُدرك ماسيعانيه معها.
بمنزل يوسف…
دخلت كأنها تدخل قبره وهو حي.
توقَّفت عند الباب، ويدها مازالت على المقبض، تخشى أن تخطو خطوةً أخرى بداخل المنزل، كأنها إن دخلت أكثر، ستتأكَّد أن غيابه حقيقي..أنه لم يعد موجود.
لكن قلبها يهفو إلى أي شيئ يخصُّه فدخلت ببطءٍ مؤلم…خطواتها متردَّدة، مكسورة..
نظرت حولها…كل شيء كما هو..كلَّ شيء يحتفظ به إلَّا هو.
شهقة خرجت منها دون إرادة، شهقة أمٍّ انكسر ظهرها فجأة…
اقتربت من أحد أغراضه، التقطته بيدين مرتجفتين، وضمَّتْه إلى صدرها فجأة…بقوة…كأنها تعانقه هو.. لتهمس
"يوسف…"
خرج اسمه من بين شفتيها ممزَّقًا… ك آخر ما تبقَّى لها منه.
جلست على الأرض دون وعي، لم تعد ساقاها قادرتينِ على حمل هذا الوجع،
وانحنت تحتضن ما يخصُّه بقوة تخشى أن يُنتزع منها
_"إزاي سبتني، إزاي قدرت تمشي وتسيب أمَّك، هونت عليك يا حبيبي، دا وعدك ليَّا"
رفعت قمصيه تستنشقه بوله، كأن رائحته دواء لقلبها المحطَّم من غيابه..
ارتفع صوتها بالبكاء، لم يعد مكتومًا، لم تعد قادرة على كتمه، بكاء أمٍّ لا تبكي فقط،
بل تُنتزع منها روحها.
تشعر بأن البكاء أصبح الشيء الوحيد الذي يثبت أنها مازالت على قيد الحياة.
زحفت ببطء نحو سريره…
وضعت يدها عليه، ثم وجهها…ثم احتضنته بالكامل، تحاول أن تستخرج منه دفءه الغائب:
_"ريحتك لسه هنا، أهو إنتَ هنا…صح؟ قولٍّي إنك هنا…رد عليَّا! رد على أمَّك يا يوسف، قولي مش هقدر أوجعك يا أمِّي، مش هقدر أكون قاسي وأبعد عنِّك.
لكن لا رد.
فارتجف جسدها بعنف، وانهارت أكثر، وخرج صوتها مكسورًا حدَّ الاختناق:
_أمَّك اللي كانت بتستخبَّى في حضنك من الدنيا…تقوم تسيبها لوحدها كده؟!"
ثم فجأة…صمتت تنظر للغرفة بضياع..
تدور برأسها ببطء، عيناها زائغتان، وصوتها أصبح هامسًا…أخطر من الصراخ:
"أنا مش قادرة أعيش من غيرك…"
انحدرت دموعها في صمتٍ ثقيل، مش هقدر حبيبي، ياله ارجع لحضن أمَّك.
دلف إلياس بخطا ثقيلة، توقف عند الباب يستمع إليها بأنينٍ قاتل، كاد أن يدفنه وهو على قيد الحياة.
شعرت بوجوده التفتت إليه، وأشارت:
_إنتَ كمان وحشك، جيت تطمِّن عليه، بس هوَّ مش موجود، ابني مش موجود يا إلياس..جوِّزته علشان ميهاجرش، بس هاجر، ابني هاجر علشان يهرب من ماضي أمُّه.
اقترب منها وانحنى يساعدها:
_ميرال مينفعش اللي بتعمليه دا، اللي يسمعك بتقولي كدا، يقول بعد الشرِّ عليه إنه مش هيرجع.
صرخت بها بصوتٍ متقطِّع وقلبٍ مفتَّت:
_ماهو مش هيرجع، هيرجع ليه، أه قولي هيرجع ليه، وهوَّ شايف آلامه كلها هنا.
_ميرال...كفاية بقى، ليه مصرَّة إن الولد مبقاش موجود.
دفعته بقوة وثار غضبها:
_بالنسبالي مبقاش موجود.
دارت بعينيها بالغرفة، ثم خرجت تركض بين غرف منزله تدفع الأبواب وتنادي عليه:
_يوسف...يوسف إنتَ هنا.
توقفت واستدارت إلى إلياس:
_إيه رد عليك، سمعته؟..نزلت دموعها:
خرج وقالَّك كفاية عصبية يا إلياس
شوفته رد عليَّ وقالي وطِّي صوتك يا ستِّ الكل وابعدي عن إلياس هوَّ دايمًا بيتعصَّب مع نفسه.
دموع...دموع فقط كانت أبلغ عن أي كلمات أو وصف.
اقترب منها... وحاوط جسدها:
_ميرال أوعدك هرجَّعه، اديني وقت أعرف سافر فين، وحياتك عندي هرجَّعه.
هزت رأسها بالنفي:
_مش هيرجع يا إلياس، لو كان ناوي يرجع مكنش سافر هروب، كان على الأقل ودَّعنا.
رفعت عيناها تهمس:
_مكنش طلَّق مراته اللي بيموت فيها، ابنك مش هيرجع وأنا متأكدة، حتى لو رحت علشان ترجَّعه مش هيرجع..هو اختار الفراق والوجع، زي أمُّه زمان، فاكر يا إلياس؟
حاوط جسدها وتحرك بها للأسفل:
_ياله حبيبتي علشان ترتاحي، وسيبي رجوع يوسف عليَّ.
تهكَّمت بسخرية لاذعة:
_كأنك متعرفش ابنك يا إلياس، أو بتحاول ترضيني وتطمِّني، بس ريَّح نفسك، أنا متأكدة إنه مش هيرجع.
_طيب يلا ي اميرو، أنا تعبان مش يبقى إنتي كمان.
رفعت عيناها إليه:
_هترجَّعه ليَّ؟
احتضن وجهها يزيل دموعها:
_وحياة ميرال عندي هفضل وراه لمَّا يرجع.
أمسكت كفَّيه الذي يحتضن به وجهها وقبَّلته:
_ربنا يخليك ليَّا يارب.
ضمَّها لأحضانه بقوة، كأنها ستختفي من بين ذراعيه:
_ويخليكي ليَّا حبيبتي...
لفَّت ذراعيها حول خصره، تدفن نفسها داخل أحضانه، تستنشق رائحته، كأنه يحمل رائحة ابنها.
أخرجها من أحضانه وسحب قميص ابنه من يدها:
_ياله علشان نرتاح، اليوم كان مرهق.
نظرت للقميص الذي بيده، ثم دارت بعينيها بالغرفة:
_عايزة أبات هنا، لو سمحت.
_مينفعش، علشان شمس، نسيتي بنتك لوحدها، وكمان نامت بمهدِّئ، ميرال لازم تفوقي علشان شمس، إحنا كبار وواعين ونقدر نتحكِّم في مشاعرنا ووجعنا، لكن هيَّ مش هتقدر تتحمِّل بعد أخوها.
نزلت دمعة شريدة عبر وجنتيها:
_ولا أنا قادرة، حاسة أخد روحي معاه، ليه عمل كدا.
رفع ذقنها ونظر لمقلتيها:
_مش قالك أي حاجة، افتكري ممكن يكون قالِّك حاجة وماأخدتيش بالك، أصل موضوع سفره المفاجئ دا وجعني، وكلامه في الرسالة وراه حاجة.
تراجعت تطالعه باستفهام:
_رسالة إيه؟..
سحب كفَّيها وتحرك لخارج المنزل وهو يقول:
_ بيودَّعني فيها.
بمنزل أرسلان…
دفع الباب بعنفٍ كأن الريح نفسها هي من فتحته، لكن ما رآه في الداخل كان كافيًا ليجمد الدم في عروقه…ابنته، فلذة كبده..
جالسة على أرضية الحمَّام الباردة، كأنها قطعة منكسرة من روحه…
في يدها مقص، وحولها خصلات شعرها متناثرة كأشلاء محطَّمة، حتى صارشعرها لم يعد كما كان..
شهقت غرام شهقة خرجت من عمق قلبٍ أمٍّ يُسحق ببطء:
_ضي!..حبيبتي عملتي في نفسك كده ليه؟!
لكنها لم تجب، رفعت عينيها ببطء… عيون متورِّمة من البكاء، غارقة بالألم، ضائعة بعشقٍ حطَّم قلبها.
ضمَّت غرام وجهها تزيل عبراتها، رفعت عيناها
تنظر لوالدتها بتشتُّت وكأنها لا تراها،
أو كأنها صارت بعالمٍ آخر، عالمًا كله صار بعيدًا جدًّا عنها…
انحنى بلال بسرعة، ركع أمامها ومدَّ يداه التي ترتجفان من هول حالة أخته، لمس كتفيها بحنان، يخشى عليها من فزع لمسته:
_ضي…بصيلي أنا هنا حبيبتي.
لم ترد…كانت بعالمٍ آخر بعيدًا عما يدور حولها، لقد وضعت نفسها به.
أبعد والدتها عنها وحاوط جسدها:
_حبيبتي بصيلي..لكنها لم تفعل شيئًا، سوى أنها مالت بجسدٍ واهن، على كتفه، فقام بحملها بسرعة، واحتضنها بقوة يخشى أن تتفكَّك بين ذراعيه:
_ماما..هاتي هدوم…هدومها مبلولة!
تشبَّثت به فجأة…بقوة مفزعة، وغرست يدها في قميصه تتمسَّك به كالغريق الذي يستغيث..تحرك بها، فسقطت رأسها على صدره وهي ترتجف، بلا صوت، بلا دموع…
صمتها كان أشدُّ قسوة من أي صراخ…
اندفعت غرام تبكي، تبحث بتشتُّت عن ملابسها، ولكنها لم تعي سوى انهيار ابنتها.
أما أرسلان..فلم يتحرَّك، تجمَّد في موضعه كأنَّ روحه تُسحب من جسده دفعةً واحدة…لم يفعل شيئًا، سوى أن تعلَّقت عيناه بابنته…نعم الآن لا يرى سواها…لا يسمع سواها.
ينظر إليها بقلبٍ يصرخ بداخله، وليست بعيونٍ تندم على ما يراه، من هذه؟! هل هذه
تلك التي كانت يومًا تختبئ خلفه خوفًا من الغدر!!
لأول مرَّة يشعر أنه ليس الأب الذي يحمي…بل الأب الذي خذل دون أن يقصد.
انقبض صدره بقسوة، يشعر بأن يدًا غليظة تعتصر قلبه بلا رحمة..
يتفتَّت داخله وهو يراها مكسورة، منطفئة…كأن روحها تسُحب منها رويدًا رويدًا ولم يتبق منها سوى جسدها، هل حقًّا هذه ضيِّه ونور حياته، ماذا حدث لها، كيف تغاضى عما يحدث لها من غدر البشر…
غدر البشر..!!
تردَّدت الكلمة داخله كطعنة، لكنه لم يستطع نطقها..
كيف يقولها…؟!
كيف ينعت من فعل ذلك بها بالغدر وهو من دمه!! من بيته!! هو من ربَّاه كأنه ابنه؟!
ارتجف قلبه بعنف، رافضًا الفكرة بكلِّ ما فيه
_لا…لا يمكن، فوالله…وتالله، لم يره يومًا إلا سندًا.
لم يره إلا ذراعًا تُمدُّ لحمايتها، لا سكِّينًا تُغرس في ظهرها.
لكن حالة ابنته كانت أقسى من كل إنكار.
نعم فابن أخيه الذي وثق به، والذي أدخله بيته، والذي ائتمنه على ابنته، هو نفسه من كسرها..
هنا انكسر شيء داخل قلب أرسلان
ليس غضبًا فقط…بل خيانةً تضرب جذور قلبه…
ارتفعت أنفاسه بشكلٍ متقطِّع، وعيناه تلمعان بوجعٍ لم يعرفه من قبل
كيف…؟!
خرجت منه كأنها صرخةً مذبوحة…
كيف يواجه هذا؟!.
أبٌ يرى ابنته تُذبح معنويًا أمامه،
والجاني ليس غريبًا، بل قطعةً من عائلته.
ضمَّ قبضته بقوة حتى ابيضَّت مفاصله، واهتزَّ صوته من بين أسنانه:
"لو كان غريب، كنت أعرف آخد حقِّي منه، لكن ده…ده أنا اللي ربِّيته!"
انكسر صوته باختناق كأن العالم كلَّه انهار فوق صدره:
"أحميكِ منه إزاي…وآخد حقِّك إزاي، وهوَّ ابني…؟!"
وفي تلك اللحظة…
لم يكن أرسلان رجلًا قويًا…ولا أبًا صارمًا…بل كان أبًا مذعورًا،
يرى ابنته تضيع بين يديه، ولا يملك إلا قلبًا يحترق، ولا ينطفئ.
تحرك خطوة، ثم توقَّف…
كأن قدميه ترفضان الاقتراب من آلام ابنته
همس بصوتٍ مكسور بالكاد يُسمع:
_ليه يابني عملت كدا، ليه كسرت الكلِّ كدا؟.
قالها وكأن سؤاله ليس سؤال عاديًا، بل
كان صرخةُ رجلٍ انهار داخليًا…دون أن يملك حتى حقَّ البكاء.
نظر إلى ابنته وهي ترتجف بحضن أخيها..
تتشبَّث به بقوة، تخشى أن يتركها وهي تهمس ببكاءٍ متقطِّع:
_متسبنيش، هموت متسبنيش هموت.
تمتمت بها وهي تظنُّه حبيب روحها.
ابتعد بلال يشير لوالدته:
_غيَّري لها، لمَّا أجهِّزها لها حقنة.
رفعت عيناها إلى إخيها:
_متسبنيش.
انحنى يحتضن رأسها وطبع قبلةً فوق رأسها:
_جي حبيبتي، غيَّري هدومك علشان متتعبيش..
قالها وانسحب من أمامها، متَّجهًا إلى والده.
أشار أرسلان بعيونٍ مشتَّتة اتجاه ابنته:
_أختك مالها..؟!
_انهيار عصبي للأسف، لازم نكون حواليها، ممكن تئذي نفسها، الصدمة كانت قاسية عليها.
هوى أرسلان على المقعد يحتضن رأسه.
اقترب بلال منه:
_بابا هتبقى كويسة إن شاءلله.
رفع رأسه ينظر إلى ابنه:
_ليه يوسف يكسرها كدا، إزاي بعد الحبِّ دا كله...معقول كان بيلعب بيها؟.
جلس بلال بمقابلته:
_حضرتك تصدَّق إنه يعمل كدا؟
هزَّ رأسه بالنفي:
_أبدًا، لكن العقل والمنطق بيقول كدا.
_آسف يا بابا، لو فكَّرنا بالعقل، مستحيل يعملها..ولو فكَّرنا بالمنطق، نقول فيه حاجة أجبرته لكدا، إيه هيَّ دي اللي مجنِّناني.
قاطعهم رنين هاتفه، سحبه بسرعة:
_أيوة يا عمُّو إسحاق، اتَّصلت كتير ماردتيش ليه؟
قالها أرسلان بعصبية.
على الجانب الآخر ردَّ إسحاق:
_كنت نايم والتليفون سايلنت، فيه حاجة ولا إيه؟.
نهض من مكانه وقال بصوتٍ مختنق:
_يوسف ابن إلياس سافر فجأة، ومنعرفش سافر فين، عايزك تعرف لي مكانه، روحت المطار، رفضو يدُّوني معلومات.
_ويوسف يسافر ليه بالطريقة دي؟
_معرفش يا عمُّو، ولا حد يعرف، عايزك تفوق لي وتشوفه فين، خلال ساعات اعرف مكانه.
_حاضر..اهدى يلا، إنتَ نسيت نفسك وبتؤمر عمَّك.
_عمُّو إسحاق لو سمحت مش وقت هزار، متعرفش حالنا هنا إزاي.
_إلياس عامل إيه؟.
_هيعمل إيه يعني وهوَّ ميعرفش ابنه فين.
_تمام..تمام، ادِّيني كام ساعة وأشوف حد أتواصل معاه.
_إسحاق، مش هقولَّك الوضع هنا إزاي.
_خلاص يابني قولت هتصرَّف.
قالها إسحاق ونهض من فوق الفراش متجهًا للخارح، وجد دينا تشرف على إعداد طاولة الطعام..
_حمزة رجع ولَّا لسة؟.
_لسة مكلِّماه قالِّي جاي في الطريق.
قطع حديثهم دخول عمران من الخارج:
مساء الخير يا إسحاقو.
_مساء الخير حبيبي، كلِّم أخوك شوفه وصل فين.
اقتربت دينا بعيونٍ متسائلة ثم تساءلت:
_فيه حاجة ولا إيه؟
_أرسلان لسة مكلِّمني، بيقول يوسف ابن إلياس سافر فجأة ومحدش يعرف سافر فين.
هزَّت كتفها وقالت:
_عادي هوَّ يوسف صغير، ما يمكن شغل، همَّا ناسين دا دكتور، طبيعي يسافر في أي وقت مش لازم يقول يعني
_أنا كمان قولت كدا، بس الموضوع شكله كبير، صوت أرسلان مش طبيعي، ومستحيل يطلب منِّي مكانه إلا إذا الموضوع كبير.
_خير إن شاء الله.
دقائق قليلة ودلف حمزة ملقيًا السلام:
_عليكم السلام حبيبي...اطلع غيَّر هدومك علشان نتغدَّى.
أشار بيده باعتراضٍ واضح:
_لا...لازم أروح لشمس.
اقتربت منه دينا متذكِّرة حديث إسحاق منذ قليل:
_أيوة صح، عرفت إيه اللي حصل؟.
قطب حاجبيه بتساؤل:
_ليه في إيه، أنا بتِّصل بيها ما بتردِّش، واتصلت بعمُّو إلياس بردو مردِّش..
قالها وهو يصعد للأعلى.
تحرَّكت خلفه وهي تقصُّ له ما أخبره بها إسحاق.
توقَّف بمنتصف الدرج واستدار إليها:
_مش فاهم، يعني ايه يوسف سافر ومش عارفين مكانه؟!..
صعدت الدرج الفاصل بينهم حتى توقفت أمامه:
_معرفش، بابا جوّّا في المكتب بيحاول يوصلَّه.
عاد متَّجهًا لمكتب والده، طرق الباب ودلف بعد الإذن، خطا إلى مكتبه حتى انتهى من اتصاله:
_إيه اللي حصل؟..مفهمتش من ماما حاجة.
_أنا اللي عايز أسألك، مكلِّمتش شمس ولا إيه؟.
_بكلِّمها من ساعتين ما بتردش، قولت نايمة، واتصلت بعمُّو ما بيردش حتى طنط ميرال، علشان كدا قلقت وقولت هغيَّر وأروح لهم.
نهض إسحاق من مكانه وأشار إلى ابنه:
_طيب اطلع غيَّر، ونتغدَّى ونروح لهم.
_لا غدا إيه، لو الموضوع زي ما أنا متخيِّله، يبقى شمس حالتها صعبة دلوقتي، لازم أروح أطَّمن عليها.
_يابني استنى نروح مع بعض، منتظر مكالمة.
خرج وهو يردُّ باعتراض:
_لا أنا هروح حالًا، مش هغيَّر حتى..
قالها ولم ينتظر ردَّ والده، الذي تنهَّد وجلس على مكتبه، وسحب هاتفه في محاولةٍ للوصول إلى شيء.
بعد قليل..
وصل حمزة إلى كمبوند الشافعي، بدخول آسر بسيارته...ترجَّل من السيارة، وتوقَّف بانتظار آسر، الذي اقترب منه:
_حمد الله على السلامة.
تمتم بها آسر، أومأ حمزة وتساءل:
_إيه اللي حصل؟.
قصَّ له ما صار ولكنَّه لم يذكر طلاق يوسف لضي..قطع حديثهم خروج إلياس وميرال من منزل يوسف... تحرك حمزة إليهما..
بخطوات مترددة، وعيناه تحمل قلقًا لم يستطع إخفاءه، على شمسه، بادر الحديث بتحية خافتة:
_عمو إلياس، إزي حضرتك؟
رفع إلياس رأسه نحوه، وحاول أن ينتزع ابتسامة، لكنها خرجت باهتة لا حياة فيها:
_كويس يا حبيبي…
اتجه بنظره نحو ميرال…
توقفت عيناه عليها طويلًا، نهشت حالتها قلبه، وهو يراه بتلك الحالة،
خطواتها غير المتزنة، وجهها الشاحب، عيناها الزائغتان…لم تكن تبدو كإنسان يشعر… بل كجسد يسير بلا روح.
انخفض بصره سريعًا، وشعر بغصة تنزع تنفسه، كيف سيكون حالة حبيبته، هل فاقت حالة والدتها، تمنى أن يطير ليصل اليها ويطمئن روحه عليها، ورغم تلهفه الا انه قال بكلمات خافتة
_لسه عارف من بابا اللي حصل..
قاطعه إلياس بهدوءٍ ليقطع أي حديث غير محتمل على زوجته
_إنت لسه جاي من شغلك؟
أومأ حمزة برأسه وتحرك إلى جواره:
_أيوة… كنت عايز أطمن على شمس.
في تلك اللحظة دلفت سيارة اسحاق،فاقترب اسر من ميرال، وأحاطها بذراعه بحذر بالغ
_عمتو… حبيبتي… تعالي معايا.
لم تُبدِ أي رد فعل…لم تنظر إليه حتى
انساقت معه بصمتٍ مخيف
رفع رأسه ببطء نحوها، ينظر الى تخبطها في السير، أشار إلى اسر قائلًا بهدوء:
_طلّعها أوضتها يا حبيبي.
اكتفى بإيماءة صامتة، ثم ابتعد بها…
بينما بقي إلياس واقفًا في مكانه، جامدًا ينتظر اسحاق
ترجل إسحاق من سيارته، وتقدم نحوه بخطوات مترددة:
_مساء الخير يا إلياس.
أجابه بصوت خافت:
_مساء النور…
ثم أشار بيده إلى الداخل:
اتفضل.
لكن إسحاق لم يتحرك فورًا، استوقفه منظر ميرال وهي تسير بتخبط
تقلصت ملامحه بقلق واضح:
_مدام ميرال كويسة؟
تردد إلياس للحظة، ثم قال بإيجاز شديد:
_الحمد لله.
دخلا وجلسا…جلس إلياس، لكن جلوسه لم يكن إلا جسدًا أُلقي فوق مقعد؛ أما روحه، فكانت غارقة في اي رد من اسحاق على الاطمئنان على ابنه
تنحنح إسحاق برفق، مراعيًا حالته، ثم قال:
_التذكرة كانت لألمانيا… وبكرة إن شاء الله أعرف لك هو فين بالظبط هناك.
ساد صمت ثقيل للحظة
_ألمانيا…
خرجت الكلمة من بين شفتي إلياس همسًا، لكنها حملت كل الام البعد عنه
تنحنح إسحاق مرة أخرى، محاولًا أن يبدو عمليًا:
_طبعًا مش من حقي أدخل… بس سفره عادي… يعني مش مشكلة حتى لو مقالش.
تجمد إلياس في مكانه…
كأن كلماته أصابته في صدره
"سفره عادي…"
ترددت الكلمات في رأسه، بينما كان شيء ما بداخله يتكسر بصمت.
مرر يده على وجهه ببطء، ثم رفع عينيه نحو إسحاق، وصوته خرج هادئًا، لكنه محمّل بألمٍ عميق:
_هو عادي فعلًا يا إسحاق؟
صمت لحظة، ثم تابع، وقد بدأت نبرة الاختناق تظهر جليًا:
_ممكن كل شئ جايز، يمكن ماتعودناش أنا وهو ناخد قرارات من غير ماحد فينا يعرف
خرجت منه ضحكة خافتة، لكنها كانت أقرب إلى بكاء مكتوم:
_أنا مش زعلان إنه سافر…أنا خايف عليه، انت عارف شغلي القديم لسة بيطاردني
اومأ اسحاق بتفهم، ثم نهض قبل أن يقول
_متخافش، اعرف مكانه، وصدقني حمايته هتكون على اكمل وجه.
توقف الياس بمقابلته
_اعرف لي بس مكانه، مش محتاج حاجة تانية
_إن شاءلله، هسيبك علشان ترتاح، واسف جيت في وقت متأخر
هز إلياس رأسه بالنفي
_متقلش كدا، انت صاحب بيت
اتجه إسحاق بنظره نحو حمزة، وقد بدا عليه التردد قبل أن يسأله:
مش هتروح؟
ظل حمزة في مكانه، وقال بصوتًا حاسمًا:
_أطمن على مراتي الأول يا بابا.
أومأ إسحاق برأسه دون اعتراض، ثم تحرك مغادرًا، بينما ظل حمزة واقفًا مكانه
اقترب إلياس منه، وربّت على كتفه بحنوٍ أبوي، وقال بهدوء:
شمس واخدة مهدئ، زمانها صحيت شوية وتنزلك، أنا هطلع لها.
لكن حمزة أوقفه سريعًا
_حضرتك بتقول إنها واخدة مهدئ، يعني تعبانة… لو تسمح لي أطلع لها.
اقترب خطوة، وعيناه تنطقان بما عجز عنه لسانه،نظرات تحمل الرجاء، الخوف، والتمسك:
_عمو إلياس.. أنا مش غريب، اللي فوق مراتي
توقف لحظة، وكأن الكلمات تثقل صدره، ثم أكمل بصدقٍ واضح:
_مش عايز منك غير ثقة، وصدقني عمري ما أخون ثقتك… شمس أغلى من روحي.
تأمله إلياس طويلًا، وفي قلبه ألمٌ لا يهدأ، لكنه شعر بصدقه،.ابتسم ابتسامة خافتة خرجت من بين وجعه
نادَى على الخادمة بصوتٍ هادئ:
_طلّعي الكابتن أوضة شمس، بس اطلعي لها الأول وعرفيها إنه هيطلع.
_حاضر يا باشا.
تحركت الخادمة، وفي تلك اللحظة
دلف أرسلان…كان وجهه لوحة ممزقة من الألم والحزن، عيناه غارقتان في وجعٍ لا يُحتمل
تقدم بخطوات ثقيلة، ثم قال بصوتٍ خافت:
_اسحاق كان هنا؟
أومأ إليه إلياس دون أن يتكلم…
جلس أرسلان على المقعد، وأسند رأسه إلى الخلف، مغمضًا عينيه…
وكأنه يحاول الهروب من مما رآه من حالة ابنته
راقبه إلياس بصمت…ومن حالته أدرك أن هناك ما هو أسوأ مما يتخيل.
فقال بهدوء، وهو يشير لحمزة:
_اطلع يا حبيبي مع مها.
أومأ حمزة وتحرك سريعًا
صمت ثقيل، يحمل في طياته شيئًا مخيفًا.
اقترب إلياس قليلًا، وتسائل بصوتا خرج حذرًا:
_مالك… إيه اللي حصل؟
اعتدل أرسلان بنصف جسده، وقال بصوت
خرج محملًا بانكسار رجلٍ فقد كل شيء:
_ابنك ليه وصلنا لكده يا إلياس؟… ليه يقتلنا كده؟
اهتز صوته، وبدأت ملامحه تتشقق من الألم:
_ضي بتموت… ومش على لسانها غير متسبنيش
ثم تابع حديثه المتقطع، وكأن كل حرف يُنتزع من قلبه:
_بنتي بتضيع يا إلياس… بتضيع من إيدي وأنا واقف… مش عارف أعمل لها حاجة
رفع عينيه إليه، نظرة تحمل عتابًا ممزوجًا بانهيار:
_ده جزاتي… إني رميت بنتي في نار ابنك؟
ساد الصمت، لكن كان صمتًا قاتلًا
حين قالها أرسلان دون أن يشعر بانهيار دموعه، التي كانت تسقط في صمتٍ موجع، كأنها اعتراف بالعجز قبل أن تكون حزنًا:
_مالها ضي يا أرسلان؟
سأله إلياس بقلقٍ ظاهر، لكن قلبه كان يرتجف خوفًا من الإجابة…
اختنق صوت أرسلان، وانسابت دموعه أكثر، ثم قال بصوتٍ مكسور:
_روح شوفها، وانت هتعرف ابنك عمل فيها إيه… ليه يعمل كده؟ دبحها يا إلياس يوسف دبح البنت بسكين بارد
تصلب جسد إلياس، وكأن الكلمات اخترقت صدره، لكنه أجبر نفسه على التماسك، وقال محاولًا احتواء الموقف:
_طيب اهدى، أنا هشوفها وهتكلم معاها… وإن شاء الله تهدى.
لكن أرسلان لم يهدأ…احتضن رأسه بين كفيه، ودموعه لا تتوقف
_أهدى إزاي؟ انت مش متخيل حالتها دي ممكن تأذي نفسها، مش حاسة بحاجة غير إن يوسف بعد عنها… ليه يا يوسف؟ ليه تعمل في البنت كده؟
ثم رفع عينيه إلى إلياس، نظرة ممزقة بين الرجاء والاتهام:
_متزعلش مني… أنا خايف على بنتي، انت زمان خوفت على ابنك ليضيع من بين إيدك… وأنا سلمت لك البنت وأنا مغمض
أغمض إلياس عينيه بقوة، ويشعر بأن الكلمات تضغط على جرحٍ مفتوح داخله، ثم قال بصوتٍ مرهق:
_أرسلان لو سمحت… أنا في اللي مكفيني… كفاية تضغط إنت كمان.
هز أرسلان رأسه بسرعة، وكأنه يعتذر رغم انهياره:
_عارف… والله عارف، بس قولي أعمل إيه؟ وأنا شايف بنتي بتضيع قدامي
أغمض إلياس عينيه، وعجز عن النطق…
لكن أرسلان لم يتوقف، صوته أصبح أهدأ، لكنه أكثر ألمًا:
_إلياس… متزعلش مني، أنا عاجز، عارف يعني إيه تبقى شايف أقرب الناس ليك بيتكسر… ومش قادر تعمل له حاجة؟
فتح إلياس عينيه ببطء
وكان في نظرته انكسار أبٍ لم يعد قويًا كما كان.
ثم قال بصوتٍ متعب، و كل كلمة تُنتزع منه:
_أنا تعبان يا أرسلان…
توقف لحظة، ويده ترتجف فوق صدره:
_قلبي بيتقطع على ابني… عارف إنه غلطان، وعارف إنه وجعكم… بس اعذرني
رفع عينيه إليه، وقد امتلأت بالألم:
بنتك؛ مهما كانت بتعاني هي قدام عينك في حضنك
انخفض صوته أكثر، واهتز:
_إنما يوسف.. أنا معرفش حاله إيه، حاسس إنه بيتقطع؛ ومش عارف أعمل له حاجة ولا أوصل له
أخرج من جيبه ورقة مهترئة من كثرة ما قبض عليها، ومدها إليه بيد مرتجفة:
_شوف كاتب إيه، أنا مش فاهم يقصد إيه مش قادر أتنفس حاسس جبل فوق صدري
ابتلع ريقه بصعوبة، وكأن الكلمات تخنقه:
_وكله كوم… وإنه يخبي عليّ سفره كوم تاني، حتى لو فيه وجع الدنيا كلها، أنا أولى أعرف ابني بيمر بإيه
صمت لحظة…
ثم تكلم، لكن هذه المرة لم يكن يخاطب أرسلان فقط… كان يواجه نفسه:
_أنا زعلان إني ما بقيتش أب يستاهل حتى كلمة منه
انخفض صوته أكثر، وكأنه يخشى هذا الاعتراف:
_كنت فاكر إني أكتر واحد حاسس بيه، طلع أنا آخر واحد عرف إنه بيتألم
أدار وجهه بعيدًا، لكن دمعة سقطت رغمًا عنه
ضغط بكفه على صدره:
_تعمل إيه… وإنت بتحاول توصل له، ويقولوا لك سفره عادي…
ابتسم بمرارة:
_آه… عادي بس محدش قال لك إن الفراق بيكسر من جوه من غير صوت
تنفس بصعوبة، وصوته خرج متقطعًا:
_أنا موجوع علشان هو مشي موجوع علشان سابني ومشي
ساد صمت اخر ثقيل، كأنه يحمل أنين قلبين مكسورين.
ثم همس إلياس، بصوت بالكاد يُسمع:
_أصعب حاجة، إنك تبقى أب ومتعرفش تحمي ابنك…
في الجهة المقابلة
كان أرسلان ينظر إليه بقلبًا يحترق
بالأعلى بغرفة شمس
طرق الباب طرقًا خافتًا، ثم دلف دون انتظار رد.
وجدها قد أنهت صلاتها… جالسة على سجادة الصلاة، ووجهها مبلل بالدموع.
تجمّد مكانه، كأنه يراها لأول مرة… يرسم تفاصيل وجعها بعينيه.
رفعت عينيها إليه، وعندما وقع بصرها عليه، اهتز صوتها:
ـ حمزة…!
وصل إليها بخطوة واحدة، يضمها إليه بقوة…
فانفجرت باكية بين ذراعيه، فقد كانت تنتظر هذا الحضن لتنهار؛ لتقول بشهقات متقطعة:
ـ شفت يوسف عمل إيه…؟ سابني ومشي، سافر وسابني لوحدي
أنا بقيت وحيدة يا حمزة… وحيدة أوي
أغمض عينيه بقسوة، وكأن أحدهم يغرس النار في صدره.
لم يحتمل صوتها، ولا ضعفها الذي يهده لأول مرة.
رفعت وجهها إليه، ويا ليتها لم تفعل.
عينان غارقتان بالوجع…ضياعها ك ضياع طفل فقد أمانه... طالعته بتلك النظرة الضائعة:
ـ أنا عايزة أخويا… أنا مش قادرة أستحمل بُعده
رفع يده ببطء، يمسح دموعها وكأنها تحرق أنامله، وقال بصوت مختنق حد الوجع:
ـ يا روح حمزة… بلاش دموعك دي بتوجعني أنا…
شهقت بقوة، وحين شعرت بأنها فقدت التنفس، لتقول بانهيار:
ـ هاتهولي يا حمزة… علشان أعرف أتنفس
أنا حاسة إني بموت من غيره
شدّها إلى صدره بقوة أكبر، كأنه يحاول يحميها من الالم الذي يجتاحها:
ـ بعد الشر عليكي، خلاص، وعد هقلب الدنيا كلها عليه، وهرجّعه… وهجيبه يعتذر لشمسي
ابتعدت عنه تهز رأسها بعنف، ودموعها ابلغ رد
ـ لا… أنا عايزة حضنه، يوسف عمره ما كان مجرد أخ، ده كان أماني، وحياتي
احتوى وجهها بين كفيه، يحدق في عينيها يغرق فيهما وقال بصوت منخفض متعب:
ـ وأنا يا شمس…؟ أنا فين من ده كله…؟
نظرت إليه بصدق موجع، لا تعرف كيف تخفف عنه:
ـ إنت حبيبي… وجوزي
بس هو… هو حياتي اللي اتربيت جواها
أنا أول ما عرفت الخوف… جريت عليه
وأول ما اتكسرت حضنه كان بيجمعني، حضنه كان آماني ياحمزة
اختنق صوته داخل صدره، ونيران الغيرة اشتعلت رغمًا عنه، رغم أنه أخوها… تمنى، ولو للحظة، أن يكون مكانه.
أمسكت بملابسه كطفلة تستجدي الأمان:
ـ يوسف بالنسبة لي مش أخ وبس، يوسف هو شمسي وأنا من غيره، ضلمة… وبرد، ووحدة تخوف…
سقطت دمعة من عينيها وهي تهمس:
ـ إنت عارف لما الشمس بتغيب؟
الدنيا كلها بتبرد… مهما كان حواليك ناس…أنا كده يا حمزة، بردانة أوي من غيره
سكت لحظة… ثم جذبها إليه مرة أخرى، يضمها
ـ اوعدك هرجعه، لو هقلب الدنيا كلها عليه
علشان قلبي اللي مش مستحمل يشوفك كده…
رفعت عينيها إليه، تتشبث بكلماته:
ـ هترجعه… صح؟
مرر يده على شعرها بحنان، وعيناه تحملان وعدًا ثقيلًا:
ـ هرجّعه غصب عنه، أصل أنا مقدرش أعيش… وشمسي مطفية.
في اليوم التالي – مكتب آسر
دلفت آسيا إلى المكتب بخطوات هادئة، واتجهت نحوه وهي تضع كارت أمامه.
ـ فيه واحد برة اسمه معتز الدمنهوري.
رفع آسر الكارت، يقرأ ما به باهتمام، قبل أن يسأل بفتور:
ـ وده عايز إيه؟
آجابته:
ـ من يومين حاجز معاد علشان يقابلك… قضية يعني.
أومأ دون أن يرفع عينيه عن الأوراق:
فقال لها:
ـ تمام… دخّليه، وابعتي سحر.
رفعت حاجبها باستغراب، واقتربت خطوة:
ـ عايز سحر ليه؟
رفع عينيه إليها أخيرًا، بنظرة هادئة تحمل سخرية خفيفة:
ـ هكون عايزها ليه؟ شغل طبعًا
أشارت إلى نفسها بضيق خفيف:
ـ ما أنا فاضية… ولا أنا منفعش؟ ولا جايبني أدخّلك الناس وخلاص؟
أنا زهقت… ووعدتوني أكمل الكلية، والسنة الجديدة هتبدأ اهو… فين التقرير يا متر؟
لمعت ابتسامة على شفتيه، حاول إخفاءها ولكنه فشل. نهض من مكانه واقترب منها قليلًا:
ـ هتصدقي لو قلتلك مكنتش متوقع منك تتغيري كده؟
نظرت له بتهكم، واقتربت المسافة بينهما:
ـ آسر… بلاش لؤم المحامين معايا.
إنت عارف… لما بحط حاجة في دماغي بعملها.
رفع حاجبه بإعجاب خفيف:
ـ لا والله؟ فاجأتيني.
مطّت شفتيها وهي تنظر إلى أناملها:
ـ يمكن إنت اللي ما درستنيش كويس.
تراجع خطوة وكأنه استوعب المعنى، قبل أن يبتسم بنبرة أعمق:
ـ قدامنا وقت… متخافيش. هندرس بعض كويس أوي.
قالها ثم عاد وجلس خلف مكتبه. اقتربت منه، وأسندت كفيها على سطح المكتب، تميل نحوه بثقة:
ـ أنا بدخل امتحانات على طول… ومبحبش الدراسة.
بدليل اشتغلت معاك وامتحنت، حتى من غير ما أروح الكلية…فخاف من عقلي.
أومأ ساخرًا، وعيناه تلمعان بإعجاب واضح:
ـ وأنا بحب ذكاءك أوي يا آسيا.
اعتدلت سريعًا، واستدارت متجهة إلى الباب:
ـ مش ذكائي بس يا ابن خالي… أنا آسيا برضه.
توقفت عند الباب، واستدارت بنصف جسدها:
ـ واتعلمت عربي كويس… علشان مبحبش الخسارة، خصوصًا لو كان المنافس ضعيف التفكير… عيب في حقي.
زمّ شفتيه بتهكم، ورد بنبرة متحدية:
ـ لا برافو… عاجبني شغل القطط اللي بتستخدميه ده.
_طيب خاف من القطط
_اوكيه وانتي خلي بالك… من المنافس الضعيف ليوقّعك.
ابتسمت بثقة، وهزت رأسها:
ـ متخافش… أنا عارفة أستخدم أسلحتي كويس.
فتحت الباب ثم التفتت له مرة أخيرة:
ـ هدخّلك الراجل… بدل ما يقول عليك متر نص نص، وساعتها العيب هيبقى في حقي أنا.
خرجت بثقة واضحة، بينما زفر آسر بضيق خفيف، وهو يهز رأسه بتمتمة:
ـ وبعدين معاكي يا آسيا… مش ناوية تعقلي... تنهد يحدث قلبه
_ملقتش غير المتمردة دي، ودي هتعامل معاها ازاي
بمنزل إسحاق
رغم أن الجميع على طاولة الإفطار، إلا أن الصمت كان ثقيلًا بينهم.
قطع عمران هذا السكون وهو يرفع فنجان قهوته، متسائلاً بنبرة عابرة لكنها تحمل فضولًا خفيًا:
_حمزة بات عند شمس ولا إيه؟
أجابته والدته بهدوء، لكنها لم تُخفِ قلقها:
_لا… رجع مع الفجر، ولسه نايم… قال هيصحى على عشرة، شمس تعبانة ومش عايز يسيبها لوحدها.
ثم التفتت بعينيها إلى إسحاق، الذي كان غارقًا بجريدته :
_عرفت حاجة عن مكان يوسف؟… ميرال صعبانة عليا أوي، من ساعة ما حكتلي عن حالتها وأنا مش مرتاحة.
أنزل الجريدة ببطء،:
_نزل ألمانيا… بس خرج منها على دولة تانية، ومفيش أثر واضح ليه… بحاول أوصل لأي خيط.
اتسعت عينا عمران بدهشة:
_ليه كل ده… إيه اللي حصل يخليه يهرب بالشكل ده؟
شد إسحاق شفتيه بجهل:
_لما حمزة يصحى… يمكن نفهم منه حاجة. حاولت أكلم إلياس امبارح، بس حالته ما كانتش تسمح.
تدخلت دينا، وهي تحاول ربط الخيوط بصوت متردد:
_هو مش اتجوز ضي علشان السفر… أنا فاكرة غرام قالت حاجة زي كده.
أومأ إسحاق ببطء:
_أيوه… ساعتها كنا عايزين نخطبها لحمزة.
تبادلت دينا وعمران نظرة حائرة، قبل أن تقول:
_طيب إزاي يسافر ويسيب مراته؟
ولكن قطع حديثه دخول حمزة بخطوات بطيئة، وملامح مرهقة :
_صباح الخير…
ردت والدته سريعًا، تحاول أن تخفي قلقها بابتسامة دافئة:
_صباح النور يا حبيبي… تعال افطر، وأنا أعملك قهوتك.
رفع إسحاق عينيه إليه، يراقبه بنظرة فاحصة:
_صحيت بدري… مش كنت قايل عشرة؟
مرر حمزة يده على وجهه، وصوته خرج مثقلًا:
_أنا منمتش أصلًا.
تقدمت والدته نحوه بخوف واضح:
_شمس عاملة إيه؟
تجمد لثانية…
وكأن السؤال أصاب موضعًا يؤلمه.
ثم جلس ببطء، وعيناه شاردتان، قبل أن يهمس بصوت خافت يحمل وجعًا مكتومًا:
_هتعمل إيه… حضرتك شوفت طنط ميرال… تخيل بقى شمس، اللي حياتها كلها كانت في أخوها.
أومأ إسحاق برأسه بتفهم، وظهر الحزن على ملامحه:
_فعلاً… كانت متعلقة بيه بشكل مش طبيعي… مع إنهم في الأول ما تربوش مع بعض، بس من ساعة ما جت تعيش مع أبوها… وهو بقى عالمها كله.
سكت لحظة، يتذكر طفوليتها، ثم أكمل:
_فاكر لما كانت بتصحى وماتلاقيهوش… كانت بتفضل تعيط لحد ما يرجع.. شوفتها مرة عند ارسلان لما الياس وميرال كانوا مسافرين
هنا شعر حمزة بأن كلمات والده تغرس بصدره كالسيف
خفض عينيه، وقال بصوت منخفض فيه ألم واضح:
_أنا عرفت إنه سافر ألمانيا يا بابا… كلمت حد أعرفه في المطار وقالّي.
رد إسحاق:
_للأسف وبعدها غادر ألمانيا.
ثم سكت، ووجّه نظره لابنه مباشرة:
_طيب ما تسأل اللي عرفت منه… يمكن يوصلك لحد في مطار هناك، يعرف سافر على فين.
زفر بضيق، وأضاف بنبرة حاسمة:
_مش عايز أدخل جهات مختصة دلوقتي.
هز حمزة رأسه بتفهم
_هشوف…
قالها وهو ينهض ببطء:
_المهم… أنا مش هرجع النهارده.
رفع عينيه لوالده وأضاف:
_هقضي اليوم مع شمس… وأسافر على شغلي من هناك.
نظرت له والدته بقلق:
_طب ارتاح شوية الأول يا حبيبي، شكلك تعبان.
ابتسم ابتسامة خفيفة… مكسورة
_أنا مش تعبان ياماما
بعد عدة ايام بمنزل ارسلان
فتح الباب ودلف للداخل بهدوء، معتقدًا أن أخته بمفردها كعادتها… جاء ليعطيها دواءها ويرحل، لكن خطواته توقفت فجأة.
تجمد مكانه…
كانت تجلس تحتضن رولا، وكلتاهما غارقتان في النوم فوق أكتاف بعضهما، كأن التعب هزمهن معًا.
ظل للحظات يتأمل المشهد بعينين ساكنتين، لكن داخله كان يضج.
اقترب ببطء…
انحنى أولًا يعدّل وضع رأس الاخرى على المقعد بحنان بالغ، ثم حمل اخته بين ذراعيه، وكأنها شيء هش يخشى عليه من الكسر، واتجه بها نحو الفراش.
ما إن وضعها، حتى فتحت عينيها قليلًا، وهمست باسمه بصوت واهن:
_بلال…
مال عليها قليلًا، وقال بصوت خافتًا مطمئنًا:
_اهدي… أنا هنا.
أغمضت عينيها مرة أخرى، وكأن وجوده وحده كان كافيًا لتسكن.
سحب الدواء من جواره وسأل بهدوء:
_أخدتي الدوا؟
أومأت برأسها، ثم نظرت ناحية رولا:
_ادتهولي…
مرر يده على خصلاتها بحنان، وعيناه تفتشان ملامحها:
_انتي كويسة؟
هزت رأسها بالنفي، وانسابت دموعها دون مقاومة:
_لا… مش كويسة خالص
اعتدلت جالسة، وأسندت رأسها على كتفه، تتشبث بذراعه:
_قلبي واجعني أوي…غدر بيا وخاني
لكن عينيه لم تكن عليها…
كانتا معلقتين بتلك الغافية على الاريكة
همس، وكأنه لا يواسيها… بل يواسي نفسه:
_بكرة تخفي… الأول بيبقى صعب… بعد كده بتتعودي… لحد ما الوجع يبقى رفيقك.
رفعت رأسها تنظر إليه… ثم اتبعت اتجاه نظره نحو رولا، وقالت بصوت هادئ لكنه مليء بالمعنى:
_بإيدك تزيح الألم.
تصلب للحظة…
ثم نهض فجأة، كأنه يهرب من شيء داخله:
_نامي يا حبيبتي… أنا في أوضتي لو احتاجتي حاجة.
قالها وغادر سريعًا.
ما إن أغلق الباب، حتى فتحت رولا عينيها…دموعها كانت شاهدة إنها سمعت كل شيء.
نظرت إلى ضي، التي التفتت لها بنظرة فيها سخرية موجوعة:
_عايزاه يسامحني
تمددت ضي على الفراش، وهمست بهدوء:
_متسامحيش أي شخص في حقك
لكن رولا لم ترد…
نهضت فجأة، وكأن قرارًا وُلد في تلك اللحظة.
_رايحة فين؟
سألتها ضي باستغراب.
ردت وهي تتحرك نحو الباب، بعينين لامعتين بعزم وألم:
_أعالج قلبه… أصله بيوجعني أوي.
عقدت ضي حاجبيها:
_قلبه؟
وضعت رولا كفيها على صدرها، وابتسمت ابتسامة حزينة:
_قلبه معايا… وقلبي معاه.
نظرت لها ضي طويلًا… ثم ابتسمت بأسى:
_اتمنى يعالجك مش يكسرك
انحنت رولا وقبّلت وجنتها برفق:
_بكرة يوسف يرجع… وتنسي كل ده.
ضحكت ضي بسخرية مريرة:
_ومين قالك إنه لسه يفرق معايا؟
هزت رولا رأسها وهي تتجه للخارج:
_بس تشوفيه… هتنسي أي وجع.
وقفت أمام غرفته…
ترددت لثواني… ثم طرقت الباب.
_ادخل.
دخلت تبحث عنه بعينيها، فخرج من غرفة الملابس…
توقف كلاهما للحظة… صمت مشحون بكل ما لم يُقال.
اقتربت خطوة، وصوتها خرج مترددًا:
_فيه موضوع عايزة أتكلم معاك فيه.
رد بهدوء جاف:
_سامعك.
تاهت عيناها في أرجاء الغرفة، تهرب من نظرته… والكلمات تثقل شفتيها.
_مش بتقولي عايزة تتكلمي؟
تنفست بعمق، ثم نظرت إليه أخيرًا:
_تيجي معايا مشوار مهم؟
قطب جبينه:
_مشوار إيه؟
بالجامعة وخاصة بكلية الاعلام
دلفت الى الصرح الجامعي، تبحث عن كليتها، تحركت كالطفلة التائهة وسط الزحام.. تبحث عن اخيها، رفعت هاتفها
_رائد انت فين؟!
_قدام كلية الإعلام، امشي في طريقك على طول، هتلاقيها في وشك
_اوكيه... دقائق معدودة حتى لمحت وقوفه
_اوبس دي فعلا زي مامي بتقول
وبعدين بقى في Egypt هي حلوة وكل حاجة لكنها crowded
ضحك عليها وسحبها من كفيها
_عيشي اللحظة ياصغننة واستمتعي
_أنا فعلا كدا، بس مضحكش عليك، كان نفسي اوي ادخل سياسة واقتصاد، مفهمتش حاجة من بابي
_لما نروح هفهمك المهم دي كليتك، ادخلي وشوفي الدنيا تمام ولا ايه، واه احنا مش في امريكا، دي مصر، اتصرفي زي مابابا قالك
_اوكيه.. هحاول، متخافش هعرف اتأقلم..
_أنا مش بعيد عنك، لو مشيتي شوية هتلاقي كلية الهندسة
اومأت له قائلة
Good luck
you too
دلفت الى الممر تبحث عن قاعتها
مطت شفتيها
_كله شبه بعضه، اوقفت احدى الفتيات
_Excuse me, where can I find the first-year Mass
? Communication classes
صمتت تنظر اليها
_اسفة فين الفرقة الاولى للاعلام
اشارت الفتاة على مبنى وقالت
_دي القاعات شوفي المكتوب هتعرفي
Thank you
تحركت سريعًا تبحث عن القاعة المسجلة عندها..
هرولت الى القاعة التي تقام بها المحاضرة، تنظر الى ساعتها
_ اوف دلوقتي الاستاذ الدكتور، هيسمعني كلمتين
كانت تخطو بخطوات واسعة، ولم تنتبه لذاك الذي يتراجع بظهره يودع احدهم، حتى اصطدمت به
_ ايه ياكابتن ماتفتح، اعمى النظر
رفع حاجبه ينظر لتلك التي تصل الى ركبتيه
_ انا سامع صوت بس مش عارف طالع منين
اشارت باصبعها
_ مااسمحكلش.. قطب حبينه يهمس لنفسه
- طيب دي اوطي علشان تسمعني ولا اشيلها.. قالها وهي تنحني ترفع كتبها تسبه
_ هو يوم مش باين من اوله
انحنى يحمل كتبها
_ اسف يااوزعة، بس نصيحة ماتمشيش في الزحمة ممكن يدوسوا عليكي
قالها وغادر، وهي تطلع اليه بعيونا جاحظة
_ اه يا.. قاطعها رنين هاتفها، ضربت على رأسها متذكرة المحاضرة.. ركضت الى القاعة وجدت الباب مغلقًا.. ضربت اقدامها بالأرض..
توقفت للحظات ثم طرقت الباب وفتحته بهدوء قائلة
_اسفة يادكتور، بس.. توقفت تنظر لذاك الجسد الضخم وهو يتوقف امام المدرج، يبدو وانه يعطي تعليماته.. القى عليها نظرة ثم اتجه بنظراته للطلاب
_ النهاردة سماح علشان اول يوم تعارف، وكمان فيه عيال صغير كانت تايهة
قالها عمران متهكمًا.. وهو يرمقها بسخرية
هبط من جانب المكتب، وتحرك بين درجات القاعة
_أنا دكتور عمران اسحاق الجارحي.. هناخد مع بعض اقتصاد سياسي
بكمبوند الشافعي
خرجت ضي من غرفتها بعد عدة أن مضت الأيام ثقيلة كأنها لا تمر.. حتى والوقت نفسه أصبح عبئًا على صدور الجميع، خاصة في كل محاولة للوصول إلى يوسف كانت تنتهي إلى لا شيء…
رغم كل اتصالات إسحاق، إلا أن القوانين هناك كانت جدارًا صلبًا، لا يُكسر، ولا يُخترق.. ذبلت ميرال…وجهها فقد الحياة، شاحب كأن الروح انسحبت منه تدريجيًا.
أما شمس… فلم تكن أفضل حالًا،
لكن الفرق الوحيد… كان حمزة.
وجوده بجانبها كان الشيء الوحيد الذي يبقيها واقفة… وكذلك بلال لم يتركها
حملت غرام بعض انواع الحلوى التي تحبها ابنتها.. واقتربت من جلوسها بالحديقة، وجدتها شاردة بنظراتها اتجاه حمزة وإلياس
_يعني انتوا خارجين فين دلوقتي ياحمزة
_رايحين سينما ياعمو، ماقولت لحضرتك من شوية
ضغط الياس على فكيه عله يحاول السيطرة على اعصابه
_سينما ايه دلوقتي، انت ليك مزاج يابارد
_لا حضرتك فهمتني غلط، احنا هنشوف فيلم كوميد... وصل بلال على كلمات حمزة
_والله فيلم كوميدي يابن اسحاق
_والله ياعمو حتى اسمه برشامة
_اسمه ايه ياخويا
حاول بلال كتم ضحكاته ولكنه فشل، يهز رأسه
_هو فيه فيلم فعلا اسمه كدا ياعمو
حاوط اكتاف شمس، يجذبها إليها
_عايزة تروحي سينما ياشموسة
دفعه حمزة بغضب
_ايدك يااخويا، وبعدين انت بتعمل ايه هنا، مالكش بيت
اقترب بلال منه، ولكن اوقفهم إلياس
_بس منك له، نظر إلى ابنته الصامتة
_عايزة تروحي سينما حبيبتي
_مش عارفة يابابا، التفتت الى حمزة
_مابلاش سينما، مش قادرة
_حبيبتي غيري جو، مش كفاية مابتروحيش الجامعة
هزت رأسها بالرفض وقالت
_اسفة ماليش نفس
غمز بلال
_احسن، فيه حد ياخد بنوتة قمر لفيلم اسمه برشامة.. هو دا مش مخدرات
جحظت أعين إلياس
_انتوا بتقولوا ايه..؟!
قهقه بلال... او ربما اراد ان يخبر الجميع أن كل شيئا على مايرام
عند ضي…
دارت عيناها بالمكان كالغريبة… نظرات باردة… بلا روح. توقفت عيناها عند منزلها، ذلك الذي كان وطنها، فحدّقت به طويلًا… طويلًا جدًا، تحاول أن تتذكر كيف كانت تشعر داخله… لكنها لم تجد سوى الفراغ... نهضت واتجهت اليه، دخلت.
وكل خطوة خطتها كانت كصفعة على قلبها…هنا ضحك، وهنا اقترب، وهنا وعدها أن لا تنكسر…
ابتسامة ساخرة لتقول
_واحد كذاب.
تنفّست بصعوبة، وراحت عيناها تلتهم التفاصيل… كل زاوية تصرخ باسمه، كل ركن يفضح حبها و أنها كانت يومًا له.
صعدت للأعلى ببطء، بإنهاك، دلفت غرفتهما.وهنا تجمّد الزمن.
ليطاردها كلا من الصور…ضحكاته…نظراته التي كانت توهمها بالأمان… لم تكن ذكرى، بل طعنات متتالية، تُغرس في صدرها دون رحمة.
خطت و سحبت نفسها سحبًا، كأنها لم تعد تنتمي لهذا المكان… جلست على الفراش، نفس الفراش الذي شهد حبها… وسقوطها.
حدّقت فيه بعينين خاليتين، باردتين،
ميتتين…كأنه لم يكن يومًا لها، وكأنها لم تكن يومًا كل شيء لديه.
ثم بدأت الأصوات تتصارع بعقلها بقوة على ذلك الفراش، همسه بالعشق، وعوده الكاذبة التي اصبحت له خيانته
كل شيء تداخل داخل رأسها حتى شعرت أن روحها تُسحق، تُطحن بلا رحمة.
اختنقت.فنهضت فجأة، كمن يهرب من حريق… لكن الحريق كان بداخلها.
اندفعت للأسفل، تبحث… لا تعرف عمّ تبحث، لكنها كانت تعلم شيئًا واحدًا…
يجب أن ينتهي هذا، يجب أن ينتهي كل شيء.. وقعت عيناها على زجاجة، يدون عليها احذر قابل للاشتعال
توقفت لحظة… لحظة واحدة فقط، ثم اقتربت، التقطتها بيد مرتجفة… لكن عينيها لم ترتجف.. سكبت… بعنف… بقسوة… كأنها تصب وجعها نفسه.
ثم…أشعلت.. ولم تنظر خلفها.
خرجت من المنزل، والنيران تلتهم كل شيء… الذكريات… الضحكات… الأكاذيب… وحتى قلبها الذي تركته هناك يحترق.. ارتسمت على شفتيها ابتسامة، ليست فرحًا…بل انتقامًا موجعًا منتصرًا… ومكسورًا في آنٍ واحد.
وهمست بصوتٍ خرج من بين رماد روحها:
حرقت كل أيامك يا يوسف…
زي ما حرقتني بالظبط..
رأت الواقفة بالشرفة الدخان يخرج من منزل اخيها، ركضت تصرخ باسم والدتها ووالدها
_ماما بيت يوسف بيولع
هبت ميرال من فوق سجادة صلاتها، تهمس بقلبًا كاد أن يتوقف عن النبض
_ابني... ركضت كفتاة تحاول ان تنقذ ماتحاول انقاذه، ولكن قدميها توقفت وهي ترى ضي واقفة أمام المنزل تنظر إليه بإبتسامة، مع وصول إلياس وحمزة يصرخ بالأمن
_مطافي بسرعة
استدارت ضي على صوت إلياس وقالت بنبرة باردة
_حرقت ابنك زي ماحرقني، مابقاش له ذكريات، كله اتحرق واصبح رماد، وصله دا، قوله ضي حرقتك زي ماحرقتها
قالتها وتحركت دون ان يغمض جفن، بينما ميرال التي توقفت تنظر للمنزل الذي اصبح كقطعة سوداء من الدخان
_حرقت ذكريات ابني... قالتها لتسقط على ركبتيها تنظر للمنزل ببكاء
_حرقتي ذكريات ابني يابنت ارسلان
