رواية جحيم عينيك الفصل السادس 6 بقلم مجهول


 رواية جحيم عينيك الفصل السادس 

الخلاص

بعض القرارات

رضا للعمل.. وألم للقلب

ليت بعض البشر لا يتكاترون، فهم لا ينجبون إلا نسخا باهتة منهم، نسخا مكررة لا جديد تقدمه ولا أمل تصنعه، نسخا تجتز خيبات الآباء وافكارهم البانية، فتسلك نفس الدرب الخطأ وتحمل على ضهرها اسفارا من المعتقدات والعقد والأمراض ترمي بالعقل في غياهب الدغمانية، وتعدم كل فرصة للحرية والسعادة...

غادر أونور مقر الشركة بعد أن تلقى خبر وفاة والد الزعيم متوجها إلى موقف السيارات، تفت عمل كثير ينتظره للإعداد للجنازة، ركب سيارته وأدار المحرك للانطلاق إذ يه يتفاجأ بشابة يافعة تقف أمام سيارته معترضة الطريق...

فتاة شقراء بملامح غاضية تلوح بيديها.

فنزل ليتبين الأمر واتضح له أنها إيلا قريبة ابنة القاضي والتي فلش بيتها ووضعهم تحت

المراقبة قبل أن يعثروا على قريبتها.

كانت واقفة بكل شجاعة وصلابة قائلة بحدة...

" أين أخفيتم قريبتي أيها المجرمون ؟ ماذا فعلتم بها ؟.."

خلو نظاراته مخفيا امتعاضه منها ...

"عما تتحدثين يا انسة ؟ وكيف تعترضين الناس بهذا الشكل الفج ؟"

"لا تتظاهر بأنك لا تعرفني، لقد تهجمت علينا رفقة بغالك ودمرتم البيت بكامله من أجل العثور على فاليريا وهددت بالعودة إذا لم تسلمها لكم، ثم وضعت كلاب حراسة أمام بيننا وبعد مدة

سحبتهم وهذا يعنى أنكم عدرتم عليها ."

قاطعها بقلة صبر...

"لا تتعبي نفسك ايتها الفتاة، إبنة عمك لقيت المصير الذي تستحقه، وابتعدي قبل أن أدهسك بسيارتي "

استدار عائدا إلى سيارته فاعترضته من جديد والقلق قد علا محياها ...

"ماذا فعلتم بها ؟ "

هز كتفيه بلا مبالاة...

"هذا لا يعنيك" ...

بلى، هي قريبتي الوحيدة، ألا تخجلون من الاستقواء على فتاة مسكينة، أنتم عديموا الرجولة. عار عليكم، وعار على زعيمك".....

اقتربت منه رافعة سبابتها في وجهه وضاغطة على فكها من الغيض...

سوف أبلغ الشرطة وأنهم زعيمك ذاك باختطاف فاليريا واحتجزها، ومن يدري ماذا فعل بها أيضا، وهل هي حية أم قتلها ...

رفع سبابته ساخرا منها وهو يخفض إصبعها المرفوع في وجهه...

"إذن... اهتمي بشؤونك حتى لا تلقي نفس مصيرها .. وحينها دعي الشرطة تنفعك "

ركب سيارته تاركا إياها تجتر حسرتها على قريبتها، أصبح واضحا لها أن فاليريا وقعت في قبضة

جلس الزعيم ببرود وسط الصالة يلعن تحت أنفاسه نحيب زوجة ابيه المثير للفتيان وبكاءها المصطنع والمتواصل، كم يمقت المنافقين والكاذبين منذ أن أصبح والده طريح الفراش وهي كالمسعورة تلهث خلف أملاك زوجها وإحصائها وتحريض أبنائها ضده، هو يعرف جيدا من أي طينة هي، والمثير للإشمئزاز وجود طفيلي كصهرها الناقة يغني على مؤالها طوال الوقت ويردد كلامها كالببغاء

نزل رستم ليعلمه أنه تم تفيسل المتوفى وتكفينه وفق الأصول والطبيب الشرعي قام باللازم واستصدر تصريحا بالدفن. كما أن الناس بدأوا يتوافدون لتقديم التعازي ومرافقة المرحوم إلى مثواه الأخير...

أثناء مراسم الدفن المهيبة، ألقى الجميع النظرة الأخيرة على نعش هارون أوزيتش بعيون فارغة متوارية خلف النظارات السوداء ووجوه شاحبة وجامدة لا تعرف منها العدو من الصديق.

رسلان لم يخفي استياءه وهو يبت شكواه وشكوكه يهمس الكلام لزوجته مدار...

"لا أفهم لماذا منعوني من معاينة المرحوم كوني طبيب العائلة، حتى أنهم منعونا من إلقاء نظرة أخيرة عليه أمك هي الأخرى لم تدخل إليه، هذا غير طبيعي أبدا"

لترد مدار با نزعاج محاولة اسكاته...

متى كانت عائشنا طبيعية حتى تتفاجا هكذا، دعنا لا نخوض في هذا الكلام هذا يا رسلان"

كان ضيا أكثر أبنائه تأثرا وحزنا لوفاة والده ليس لأنه كان أبا حنونا معه، فالحادث الذي ألم به كسر شوكته و ازال قسوته مما مكن ضيا من الاقتراب منه ونسج علاقة طبيعية معه، عزاؤه الوحيد أن الزعيم قد عوض مكانه منذ مدة طويلة وطالما كان سنده ومتقده من المازق مع والده الفح والقاسي.

رفع بصره إلى يمان أخيه الأكبر يراقبه في ذهول غريب الرجل لم يذرف دمعة واحدة أو يبدو عليه التأثر حتى، واقف بثبات وشموخ وسحنته جامدة لا توحي بشيء فقط عيناه مستقرتان على نعش والده وهو ينزل في القبر ببطء وحرص شديد من يدري ماذا يدور داخل جمجمته اللعينة، لقد ورث من أبيه نفس القسوة والوحشية، لكنه صار الأب والحامي والحامل للواء آل اوزينش من بعد والده، ربما هكذا أفضل للجميع، هكذا أطرق ضيا في التفكير حتى انتهت

مراسم الدفن والسحب الناس وتفرقوا لركوب السيارات والمغادرة ....

كان آخر الواقفين على ذلك القبر الحديث يحدق من وراء نظاراته السوداء إلى الشاهد ( هنا يرقد المغفور له هارون أو زيتش)، فجأة شعر بيد تحط على كتفه كحمامة السلام، دون أن يلتفت عرف صاحبة تلك اليد الجنونة صاحبة الكف الرحب بالسكينة والحب...

"Mi más sentido pésame mi hijo"

تعازي الحارة لك يا بني ......

)شكرا أمي( "gracias mamá"

قالها مبتسما بسخرية ثم أكمل ...

ولو أنني أعرف أنك ترقصين فرحا من الداخل، لكنك لست مضطرة لأن تواسيني، فجانب مني يشاطرك فرحك بنهاية هذا الطاغية "

تنهدت الستازيا وهي تربت على ظهر ابنها مرسلة بلمستها الحنونة دعمها له...

"لا يا بني.. للموت هيبة وقداسة تجعنا ننسى كل شيء رغما عنا وتجعلنا نغفر حتى ترتاح .. لما رايته طريح الفراش زال ألم قلبي واندمل جرح السنين، فقد انتقمت منه الحياة واخدت حقي منه. الحياة أقصر من أن تضيعها في الأحقاد لكننا لا ندرك هذه الحقيقة إلا حين يدرك الموت أحدنا، فانسي كل الماضي وارمه خلفك وتطلع بنظرة تفاؤل للمستقبل، لقد تحررت منه يا يمان وتستطيع أن تنفض عنك ذلك الزعيم الفض والقاسي . "

التقت إليها بجدية بالغة....

" أنت تخاطبين الزعيم يا أمي، وليس يمان، مهما فعلتي لن تفلحي، فقد كانت بصمة أبي الوراثية أطفى من يصمتك، أنا الزعيم ولن أكون غير ذلك، بل لا أستطيع أن أكون أحدا غيره، كل شيء يقودني إليه، فاقبلي إبن هارون أوزيتش كما هو وانسي ابنك لأنه مات يوم التزعوه من حضنك "

تأبطت ذراعه وهي ترتدي نظارتها السوداء وكلها أمل وعزيمة....

" لكنك ابني الوحيد وتحمل دمي، ولن اتنازل عنك لرجل ميت"

مشيرة إلى القبر....

"! Qué descanse en paz"

أقل يرقد في سلام)

وغادرا المقبرة معا...

مرت عدة أيام لم تتجاوز فيها فاليريا عتبة غرفتها، لا تدري كيف مرت عليها لياليها الطويلة والمملة وهي جالسة في ارجوحتها هائمة في زينة السقف، هذا كل ما يقي لها بعد أن خرمت من السماء والشمس والهواء، بعد أن حرمت من حريتها حتى في الاعتراض.

في كل مرة تسرح بفكرها في ملكوتها، يقف عقلها مشلولا لساعات عند تلك القبلة المتوحشة تلك الشفاه الشرهة التي التهمت خاصتها بتملك، وقلبها أيضا، لقد كانت ألعن من سابقتها وأكثر جوعا وقسوة، كأنه يفرغ غضبه عبرها، أو كأنه يثار منها.

لكن نفسها لم تنفر منها ومن لسانه العابث بما تبقى لها من اتزان، ما صدمها أن جسدها قد تداعي لها وأذعن مستسلما وطائعا، لتتولد الشهوة في فجها العميق وتسري كالحمم إلى أطرافها، لذة. ائمة تملكتها ليصرخ منها عقلها محذرا...

"إياكا"

عودة تلك الذكرى إلى ذهنها يجعل وجنتيها تشتعلان لتدفن وجهها بين كفيها خجلا...

تماسكي يا فتاة، لم يحدث شيء إنها مجرد أوهام لا معنى لها، أنت بخير طالما لن تتجاوزي

عتبة هذه الغرفة ...

فجأة دخلت الخادمة تجر عربة صغيرة بها مواد التنظيف وملاءات جديدة لتستبدلها بالمستعملة وهي تعمل في صمت نام كأنها روبوت.

قررت فاليريا أن تتحدث إليها حتى لا تنسى كيف يتكلم الناس أو تنسى صوتها ...

هل انتهى العزاء في القصر؟"

الترد الخادمة وهي تعمل كالنملة دون توقف...

ليس بعد ما زال الناس يتوافدون بين الفينة والأخرى، فالمرحوم كان معروف"

تمالكها الفضول وأرادت المعرفة أي خبر عن ذلك المتوحش الغالب عنها، أي شيء...

"لابد أن الكل مشغول إذا ؟"...

"نعم أنستي " ...

"تيار"

متمتمة في حنق بسبب أجوبة الخادمة المقتضية والغير شافية وكأن الحديث عن سيد القصر

جريمة كبرى.

غادرت الخادمة مغلقة الباب لتلتفت فاليريا نحوه متسائلة، لماذا لم تسمع دوران المفتاح في الباب؟

قامت من مقعدها مقترية من الباب بهدوء وأدارت مقبض الباب الذي الفتح التلمح الخادمة تتخد طريقها في تلك الردهة الطويلة باتجاه الخارج، فأغلقت الباب عائدة إلى مقعدها بتوتر.

لا يترك ذلك الباب مفتوحا عن عيث، لكن مثلها وفضولها تكاتفا عليها ليحملاها بعد ساعة على فتح الباب والتجول في الجناح الهادئ والخالي من آية حركة استقرت عيناها على البيانو الفخم وسط بهو الجناح والمقابل لبار رخامي انيق.

رغم مرور وقت على وجودها هنا لا تزال تفتح فمها البهارا بالفخامة والبذخ الواضح في كل زاوية من زوايا الجناح، قادتها خطواتها المتأنية نحو باب أحد الغرف والذي يبدو حجمه ملفتاء فتحته ببطء وهي تتلفت حولها مخافة أن يكشف أمرها، بمجرد أن وضعت أول قدم داخل تلك الغرفة إذ برائحة خشب الصندل والبرغموت يباغتان أنفها من جديد، حينها أدركت أنها في غرفة ذلك القاسي المتعجرف، فأكملت طريقها إلى الداخل مدفوعة بحب الاستطلاع ومأخودة

بتفاصيل مخدعه الخاص.

غرفة واسعة ذات إضاءة خافتة وألوان معتمة يتوسطها سرير فخم ومنضدة ذات طراز عتيق غرفة الملابس كانت مقابلة للسرير لا تقل الساعا، ذات رفوف تملأ جدرانها، بها ملابس رجاليه بدلات رسمية بمختلف التصميمات والألوان قمصان أحذية جلدية ورياضية، ملابس مختلفة. معاطف وسترات أحزمة جلدية ساعات فاخرة، عطور من كل الانواع، رفوف خاصة بربطات العنق، قبعات، وقفازات جلدية، واكسسوارات أخرى حتى مفاتيح أحدث اصدارات السيارات موجودة، إنه يملك أسطولا منها الغرفة أشبه بمعرض المقتنيات الثمينة بكل ما تحمل الكلمة من معنی

أثارت خزانة متوسطة الحجم فضولها بسبب الزخارف التي تغطيها وقد كانت شبه مفتوحة

التتفاجاً بأنها خزانة لأنواع من السيجار الفاخر مرصوصة بعناية كأنها لفائف من الديناميت مع ولاعات ماسية وذهبية وقطاعات.

لم تدرك أن الوقت يسرقها وهي تتجول في أكثر مكان محرم على سكان هذا القصر على صاحبه وخادمه الخاص، خرجت من غرفة الملابس فلمحت زجاجة كرستالية مليئة بالماء اخذتها التشرب وما إن كادت تفعل حتى سمعت خطوات أقدام من فزعها واضطرابها السكب الماء عليها. ميللا فستانها من الصدر إلى نهايته لتعيد القنينة بيد مرتعشة وهي تلعن حظها العاثر وتهورها.

بحثت عن مكان للاختباء فاستقرت عيناها على أسفل السرير كمخرج وحيد لورطتها، فانزلقت بخفة تحته وهي تدعو الله أن يمر الأمر بسلام وإن عادت تكن ظالمة لنفسها ...

عاد الزعيم من ملعب الغولف ليستعد لاستقبال ضيوف مهمين ما إن دخل حتى أثارت أضواء الغرفة تلقائيا، لمتجه إلى الحمام، ثم خلع ملابسه وشرع في الاستحمام لتستغل هي الفرصة وتخرج من تحت السرير تسير على أصابع قدميها إلى الباب ففوجئت به موصدا بالمفتاح.

"سحقا.. أية لعنة أصابتني ما هذه الورطة التي أوقعت نفسي فيها"

متمتمة بحنق ويأس وهي تعود للاختباء تحت السرير.

أنهى الزعيم حمامه بتمهل وخرج لافا منشفة حول خصره وأخرى أمام المرأة يجفف بها شعره الأسود الحريري الرطب أمام المرأة، طوله القارة وعضلات صدره وكتفيه التي تتخللها عروق بارزة تنساب عبر ثناياها كنهر الحياة توحي بالعنفوان والصلابة، عضلات بطنه مسطحة كانه أحد تماثل الآلهة الاغريقية القديمة جسم رياضي مثير يلهب الناظرات إليه، خال من العيوب

والشوائب ليزيد وشم النسر على كتفه رهبة وجمالا.

صب لنفسه مشروبا وتوجه إلى سريره ليستلقى عليه بهدوء واسترخاء.

شاهدت هي من تحت السرير تحركات قدميه في ارجاء المكان حتى شعرت به يستلقي فوق السرير، لتزفر بقلة صبر فيبدو أن وضعيتها هذه ستطول كثيراً بما أنه قرر أحد قيلولة ما بعد الظهيرة كما اعتقدت فستانها المبلل سوف يزيد من صعوبة الانتظار، فاطلقت زفرة ملل وضيق انقطعت في المنتصف حين سمعت صوته المرعب ليقطع معها حبل أفكارها ويرعد فرائسها ...

بدل أن تستلقي على الأرضية الصلبة، تعالي واستلقي بجانبي ابنها القطة الفضولية"

صكت على اسنانها وأغمضت عينيها بشدة محاولة إقناع نفسها أنه لا يوجه الكلام إليها، لكنه عاد يكلمها مجددا...

" بقيتي لأيام حبيسة غرفتك وحين سنحت لك الفرصة جنتي برجليك إلى غرفتي الخاصة

بكامل إرادتك، فنسب أغراضي حتى خزنة السجاير خاصتي فتحتها، الهذه الدرجة اشتقتي إلى

يا صغيرتي ؟"

التزمت الصمت رافضة مجاراته في الحديث لتسمع الزعيم ينيرة حادة...

أخرجي وإلا سأشدك من شعرك فاليريا".

كانت أول مرة تسمعه ينطق إسمها، لترد عليه رافضة الاذعان له....

كنت تعلم بوجودي، لهذا اغلقت الباب "

جناحي مزود بنظام أمني دقيق رأيت كل تحركاتك من هاتفي "

"حسنا اعترف بغلطتي وأعتذر على اقتحام غرفتك الخاصة... والآن هلا فتحت لي الباب الأخرج

بسلام وكفى ..؟"

ادركت نبرة السخرية من رده...

تخرجين من غرفتي ؟!!.. لا تسير الأمور هنا بتلك البساطة، فكل خطوة وكلمة تكون محسوبة عندي، وصاحبها يثاب عليها أو يعاقب"

"وما هي عقوبتي ؟"

سالت بنبرة غير مبالية، ليسكت قليلا قبل أن يرد بسؤال لم يكن بالحسبان...

"ما هي أقصى عقوبة تلقيتها من والدك ؟"

كان وقع ذلك السؤال على قلبها مؤلما، فقد ذكرها بطفولتها رفقة والدها فشعرت بمرارة فقدانه في حلقها، وتجمع فيض الدمع في مقلديها، لماذا سألها عن والدها وما شأنه به ؟

قاومت تلك الغصة، تتذكر تفاصيل من طفولتها جعلها سؤاله المفاجئ تطفو على السطح بعد أن كانت غارقة في بحر النسيان...

"أقصى عقوبة هي أن يقاطعني لأيام، لا يتحدث معي ولا يسألني عن يومي، لا يأكل معي ولا يلقي التحية حتى كانت أقصى عقوبة لطفلة فقدت أمها وهي صغيرة ولا تعرف ملاذا آمنا غير والدها، لذلك كنت ابنة مطيعة في صغري لأنني كنت أعتقد أن التمرد سيحرمني من والدي كما

حرمني من أمي"

وضع مشروبه على المنضدة جانب السرير ثم أشعل سيجاره يأخذ جرعته المميتة عبر رئتيه قبل

ان يكمل...

"القاضي العادل يمارس الصمت العقابي على ابنته ويشعرها بالذنب بجعلها تعتقد أن موت أمها

كان بسببها "

قطبت حاجبيها في استغراب مما تسمعه بينما أكمل كلامه...

"كان يقول أنك قتلتي أمك بتهورك وعدم استجابتك لتحذيرها وأنت تركضين خلف كرتك في منتصف الطريق غير عابنة بصراخها فدهستها سيارة مجهولة وهي تحاول إبعادك عن الخطر والدك كان يعلم جيدا أن لا ذنب لك، فقد كنتما مستهدفتان من طرف أعدائه وموت إحداكما أو كلاكما مسألة حتمية بسبب تعنته . "

اندهشت مما سمعت وما كادت تنطق بحرف حتى سمعته مجددا...

مع ذلك ابتزك عاطفيا حتى تنصاعي الأوامره وتكوني طيعة ولينة كالعجين، لأن رجل يمثل مكانته ومسؤولياته لن يكون متفرغا للتعامل مع طباع ابنته المتمردة.. ويبدو أن هذه الطريقة نجحت لحد ما "

اتسعت عيناها الدامعتان كيف عرف هذا وهي لم تذكره حتى لأقرب الناس إليها...

"كيف عرفت كل هذا؟"

انت ملكي، وأملاكي لها سجلات ووثائق، أعرف عنك كل شيء، فصيلة دمك، وزنك وطولك حتى مقاس نهديك وخصرك لكنني لست والدك ولن أعاقبك بذنب لم ترتكبيه كوالدك، فالجزاء

من جنس العمل يا صغيرتي "

مد يده إليها، وبعد تردد قررت أمساكها والاستعانة بها في الوقوف على قدميها، ومواجهته علها تعرف مصدر معلوماته عن أبيها وما كادت تفعل حتى شهقت من منظره العاري على السرير إلا

من منشفة تحيط خصره.

خطف جسمه المثالي أنفاسها وجعل حمرة الخجل تكتسح وجنتيها من جديد، فنسيت ما كانت

تريد السؤال عنه في عمرة تلك المشاعر الفريكة.

نهض وأطفأ سيجاره قائلا يبرود متجاهلا حمرة خجلها ...

عقابی سيكون بأن تمضى هذه الليلة معى وعلى هذا السرير"

مشيرا إليه بيده..

سحبت يدها بتوتر وغضب......

"أنت تحلم، لن أشاركك فراشك اللعين هذا إلا وأنا جثة هامدة، إن كنت أنت الزعيم فلا تنسى من أكون، ولا تجعلني أذكرك بالذي مضى أنت تحتجزني هنا بلا جدوى، فأنا لن أنصاع لك يمان

اوزينش .. إلا.."

ترددت في الإفصاح عما يجول في فكرها، من سوءه ترفض تخيله حتى، بينما أعاد هو ذراعيه للوراء متكنا عليهما ويميل رأسه جانبا في استمتاع بنبرة التحدي خاصتها وامعة عينيها

المتقدتين غضبا...

" الا ماذاك

لماذا يجب أن تبقى في موقف دفاع طوال الوقت؟ لماذا تغضب وتنفعل بسهولة وهو يستمتع بالتلاعب بها بينما لا تحزك فيه شعرة واحدة مهما فعلت؟ تسألت مع نفسها وهي لازالت تحاول العلمة فوضى الكلمات في عقلها المشتت بسبب منظره المثير... لا حل مع هذا الرجل سوى أن

تهجم بكل ما تملكه من أسلحة... فالدفاع لا يزيدها إلا ضعفا أمامه....

" إلا إذا أرغمتني بالقوة، حينها تكون أسطورة الرجل الذي لا يقاوم ولا يحتاج إلى أكثر من إشارة من اصبعه لتتهاوى النساء تحت قديمه، قد تحطمت وذهبت أدراج الرياح، لا جاهك، لا نفوذك ولا

وسامتك "

ابتلعت ريقها بصعوبة وعيناها تتوهان في تفاصيل صدره العريض وعضلات بطنه القوية مكملة كلامها وهي تتقهقر للخلف مع وقوفه واقترابه منها.....

"ولا عضلاتك يمكن أن يحركو شعرة مني رفضي لك يثير جنونك ويحطم كبرياءك وغرورك لذلك أنت تعاقبني بسجني في قصرك، تعاقبني بلا ذنب رغم أنك اخبرتني أننا تعادلنا، أنا طعنتك وأنت أطلقت النار على لا أحد منا مدين للآخر، فلماذا تحتجزني هنا؟"

في كل خطوة يخطوها باتجاهها كانت هي تتراجع إلى الخلف ترفض أن يقتحم مساحتها الخاصة وهو بهذه الفتنة وبتيرته المثيرة...

هل حقا لا أحرك شعرة فيك؟ لا أثيرك..؟ ما حصل بيننا آخر مرة يؤكد العكس يا قطتي، كنت في حضني تصدرين تأوهات خافتة بين أنفاسك المتقطعة، لماذا كان جسدك يرتعش وهو في حضني "

استمر بالتقدم بخطوات ثقيلة وهي تتراجع لا تدري أين المفر وقلبها يخفق بشدة لكنها مازالت تملك شجاعة المقاتل المنهزم ليموت في ميدان المعركة بعد أن حوصر من كل الاتجاهات... ارتطم ظهرها بباب الغرفة ليقف هو أمامها بجسده وعيونه المظلمة تتفحص صدرها الذي يعلو

ويهبط فابتلعت ريقها بصعوبة لتنطق بضعف...

"أنت واهم ...

"حقا!؟... دعيني اتأكد أن كنت واهما أم لا"

حاصرها بذراعيه يحبط أي محاولة لتملصها بينما ركز بصره على تفتيها يصبو للنهل من معينهما وفجأة سمع طرقا على الباب ثم يليه صوت رستم...

"المعذرة أيها الزعيم، لقد وصل ضيوفك وهم بالحديقة الآن."

زفر الزعيم لاعنا تحت أنفاسه رستم وضيوف الحديقة وكل سكان الأرض، لينزل ذراعيه ويبتعد لامحاً بارقة أمل في عيونها كأنها غزال شارد أفلت من قبضة الأسد بمعجزة.

توجه إلى غرفة الملابس فالتقطت فاليريا المذعورة أنفاسها محاولة تمالك أعصابها المرهقة وهي تشكر السماء على إرسالها رستم في اللحظة المناسبة...

بعد دقائق خرج إليها بكامل أناقته وهيبته وعطره الاسر انتشر في الأجواء ليزيد من إرهاقها. وقبل أن يخرج من الغرفة قال ببرود ودون أن يلتفت إليها ...

"حضري نفسك، وانتظري عودتي، فعملي معك سيطول إلى بزوغ الفجر."

أغلق الباب خلفها وهي تصيح به كالمجنونة...

دعنى أخرج أيها المختل.."

كانت سارة تراقب دخول الزعيم إلى المصعد لتقترب وتقف أمام جناحه الموحد وعلى بابه حارسان لعينان بحجم الأعمدة الرومانية، لا يتزحزحان قيد أنملة كأنهما يحرسان سر الخلود.

تكلم أحدهما بحدة....

ممنوع الوقوف هنا يا الستي... غادري فورا"

الترد وهي تقترب من الباب...

"أريد رؤية الزعيم"...

من الحارس يده ليمنعها ....

"الزعيم غير موجود، غادري حالا

ثواني كانت كافية لتلتقط أذنها صوت صراخ فناة وتكسير داخل الجناح، لتتراجع عائدة من

حيث أنت بعد أن تأكدت من صحة كلام ضيا...

من تكون تلك الفتاة ولماذا يحتجزها في جناحه كل هذا الوقت، ويضع حراسا عليها .. سحقا"

كادت تموت غيضا وحرقة وهي التي تشقلبت كالسعدان للفت انتباهه بلا جدوى...

بعد خروجه، وجدت فاليريا نفسها سجينة على وشك أن ينفذ فيها حكم الإعدام....

ماذا يعني بأن عمله معي سيطول إلى بزوغ الفجرة كلا وألف كلا، لن أكون إحدى عاهراته حتى

لو كلفني حياتي "

تلاعبت كلماته بخيوط عقلها لتنسج داخله سيناريوهات مرعبة فيكت بيأس فاقدة كل أمل أن ينقدها أحد ويخرجها من هنا، حتى أنها أضعف من أن تنهي حياتها بيدها وترتاح.

تسللت أصوات الضيوف وأهل القصر من شرفة غرفته المغلقة، كلما اقتربت منها زاد وضوح تلك الأصوات وارتفاعها حتى تمتمت تحدث نفسها كالمجنون...

"أنهم في الحديقة أمام الشرفة مباشرة، لابد أنهم ضيوف مهمون حتى خرج إليهم بكامل أناقته مؤجلا استمناعة بالاعيبه القذرة معي "

لمعت عيدها حين راودتها فكرة جنونية فابتسمت كمختل يحمل عود كبريت على وشك إشعاله الحرق العالم....

" لأستفز ذلك الوحش بداخلك يمان أوزيتش وعلى وعلى أعدائي."

هزت رأسها بحماس الفكرة وهي تنظر إلى وجهها الشاحب وعيونها المحمرة والمنتفخة من كثرة البكاء وأغمضت عينيها تصارع افكارها المتلاحظة بحثا عن مخرج لمازقها، فخلعت فستانها المبلل وسارت نحو رف الأقمصة الخاصة به أحدث واحدا وتوجهت للمرأة لترتديه وتقفل أزراره

ما عدا العلوية قائلة بيأس...

"سوف أفضحه بين ضيوفه وأهل قصره، حتى أخرج شياطينه الكامنة داخله، ليقتلني وينتهي هذا الكابوس للأبد، لا بد من الخلاص، نعم، سوف افعلها لأنال الخلاص "

رتبت شعرها وتقدمت نحو الشرقة الخدة نفسا عميقا لتفتح الشرفة وتخطو أولى خطواتها في طريق هلاكها المحتوم... لمس شعاع الشمس جلدها الناعم لأول مرة منذ أن جيء بها إلى القصر وداعبت النسمات الخفيفة شعرها الكستنائي كان أجمل شعور يغمر حواسها ويستحق أن تجازف الأجله

فضل أولئك الضيوف المهمون الجلوس في الحديقة لإعجابهم بتصميمها الفريد، حديقة غناء تزينها أجمل وأندر الزهور والأشجار بمختلف أشكالها وأحجامها، حديقة تأسر الأعين بجمالها كأنها قطعة من الجنة حتى أولئك الضيوف رغم مراكزهم المرموقة ونفوذهم القوي لا يملكون حديقة كهذه...

كانت العائلة حاضرة لاستقبالهم للأهمية التي يولونها لأولئك الشخصيات النافذة، حتى والدة. الزعيم كانت حاضرة بطلب من ابنها.

تكلم أخيرا أحدهم وهو يشغل منصب مدير مكتب وزير الداخلية شخصيا، معربا عن أسفه لوفاة كبير العائلة وأنه كان شخصا محافظا على وعوده والتزاماته تجاه ممثلي السلطة في البلاد... أدرك الزعيم أنه يحثه بشكل غير مباشر على نهج والده والوفاء بالعهود التي قطعها، لم يعجبه ذلك فلا أحد يملي عليه شروطا حتى لو كان رأس السلطة نفسها، ليقاطعه بكل لياقة وذوق مغلفان بالتعالي والغرور...

" عذرا لمقاطعتك سيدي المستشار أعرف أن للمرحوم التزامات معكم، وأنا كممثل للعائلة وابن له، التزم باتمام ما يقي عائقا، لكن ما سيأتي لاحقا سيكون وفق منهج جديد ورؤية مختلفة"

أخد نفسا من سيجاره الكوبي الفاخر لينتره في الهواء بابتسامة باردة...

"رؤية شبابية تواكب مستجدات وانتظارات هذا العصر.. الأحداث الإقليمية والعالمية لا يكاد المرو يلتقط أنفاسه من تسارعها وتغيرها، وأنا أيضا اتطلع البداية جديدة معكم..."

ليرد أحدهم بلهجة أكثر ليونة يلطف الأجواء التي بدأت تحتقن بسبب برود الزعيم وعدم

انصياعه على غير انتظاراتهم.....

طبعا .. طبعا، أن تختلف أبدا بالنهاية الإتفاق بيننا يصب في المصلحة العليا للبلد وهذا أهم شيء"

اقترب أونور من الزعيم وانحنى ليهمس في أذنه...

"انظر إلى شرفة غرفتك، واعلمني إن كنت تريد مني التدخل ؟"

رفع الزعيم رأسه لينظر إلى شرفة غرفته المقابلة له ولبعض من أفراد العائلة في حين أن

الضيوف يجلسون فولين ضهورهم لذلك المنظر العجيب.

فاليريا تقف على الشرفة وهي لا ترتدي سوى قميص رجالي بالكاد يواري ارداقها، فتتمايل بسيقانها المرمرية الرفيعة بينما النسيم العليل يتلاعب بخصلات شعرها الكستنائي المنسدل على ضهرها وكتفيها، تقف هناك مستعرضة مقاتتها، لا تبالي بأحد وعلى ملامحها ابتسامة تحد. وسخرية وهي توجه نظراتها الدائرة إليه كأنها حورية طفت على وجه الماء فجأة واعائلت الصخور لتنعم بدفء الشمس في مرأى من الصيادين المأخوذين بجمالها الفاتن...

ماذا تحاول هذه القطة فعله الآن؟ تسأل مع نفسه الهائجة معتصرا السيجار بين أصابعه وهو يسحب دخاله إلى رئتيه بشراهة لتعريد شفه في دمه كما تعريد هي بقلبه وروحه.. ورجولته. لقد أدمن سياط فتنتها على فؤاده المصلوب كما أدمن دخان سيجاره، فلا يدري على يد من سيكون هلاكه على يد قطته أم سيجاره الكوبي الفاخرة

تمتم لاعنا تحت أنفاسه ونار الرغبة تستعر في بدنه وهو يحدق في قميصه الخاص على جسدها الرشيق، مجرد تخيل ما تحته سيجعله يشتغل في مكانه، لكنه يجيد إخفاء تاره وطمس علاماتها ...

"لا أحد يدخل جناحي"

أمراً أونور.. هكذا فقط وهو يتأملها من بعيد بعيونه الحادة كالصقر، يعرف جيدا أنها تتحداه وتستفزه لغرض في نفسها المتمردة...

اثارت اطلالتها المفاجئة ارتباك هاندا، لتفرك جبينها بحرج وتتمتم بحرص...

رباد سوف تفضحنا تلك المجنونة "

الترد متار هامسة.

"ارجوا الا ينتبهوا لوجودها ...

بينما كانت انستازيا تراقب ملامح ابنها الباردة عن كتب وكأن هذا العرض الملفت لا يعنيه، لكن ذلك الظلام الكامن في نظرته لها تعرفه جيدا، واختبرته في صباها مذكرا إياها بهوس هارون بها.

أجل وحتها واقع في غرام تلك الفتاة والتي بالتأكيد تكون ابنة القاضي، إذ اكتفى رستم بإخبارها أن الزعيم عفا عنها وسكت عن بقية الخبر وهو أنها هنا في قصر العائلة ولا أحد عرف بوجودها أو على الأقل عرف هويتها، لكن هي تعرف هويتها لأنها شاهدت ملفا به معلومات عنها

مرفوقا بصورة لها ....

Ella es la hija del juez..." Con todo mi corazón, deseo que no se haya"

"obsesionado con ella

إذن هذه ابنة القاضي.. أرجوا من كل قلبي ألا يكون مهووسا بها)

بدأ الوضع يسوء ويخرج عن السيطرة حين التيه الحراس إليها، وهي تتمايل بإغراء لافت متكنة على الدرابزين وتلعب بشعرها المنسدل على الجانب وحده الله يعلم كم تمكن منها الرعب وبدأت الشجاعة تخونها حين استدار أحد الضيوف يرسل نحوها نظرات إعجاب في مرأى من

الزعيم ليقوم من مكانه منهيا واجب العزاء...

"شكراً على تعازيكم الحارة ودعمكم لنا وأتمنى أن تلتقي في مناسبات أفضل"

ليقوم الجميع مودعين فصافح الزعيم ذلك الضيف واقترب منه يهمس له...

"لولا أنك ضيفي لاقتلعت أعين حراسك لقلة أدبهم . "

أدرك الضيف أنه المقصود من التهديد ليهز رأسه معتذرا وابتسامة صفراء تعلو محياه في حرج ليبادله الأخير ابتسامة فجة وتركه متوجها بخطوات ثقيلة وثابثة إلى داخل القصر تارك مهمة مرافقة الضيوف إلى الخارج ليلتشن وأمه....

أغلقت فاليريا الغرفة وفرائسها ترتعد من القادم، أرادت من هذا التصرف المتهور أن تستفز شياطينه وتحته على قتلها وانهاء عذابها، أو على الأقل أن تثنيه عما كان يلفح له قبل ذهابه للقاء ضيوفه، لقد رمت حجرا في بركة هادئة لتحركها ولكنها لا تعرف أن ذلك الحجر قد أحدث

موجات تسونامي بقوة مدمرة.

هي أعلنت عن وجودها وقدمت نفسها للجميع كأنها عشيقة زعيمهم والأصح لعبته الجنسية بمظهر فاضح وحركات رخيصة على الشرفة تحت أنظار عدد من الرجال بين ضيوف وحراس وخدم... فقط هذا ما فعلته ببساطة وعادت لتجلس على طرف السرير مستسلمة المصيرها

وتنتظر نهايتها بشجاعة وهي تدعو لنفسها بالرحمة...

كان الزعيم باردا بشكل مخيف وهو يتوجه إلى جناحه لتلحق به والدته انستازيا بخطوات سريعة ...

"بني أريد التحدث معك "

رد دون أن يلتفت إليها...

" فيما بعد.."

فاعترضت طريقه قائلة بحزم وإصرار...

"يجب أن تسمعني أولا ثم افعل ما تشاء بعدها .."

مرت نصف ساعة ولم يدخل بعد رغم انقضاض جلسة التعزية تلك، ذلك الانتظار عصف بما تبقى من أعصابها وهي تترقب بعيون فارغة دوران مقبض الباب ثم دخوله، حتى نقد صبرها لتقوم وتجوب الغرفة ذهابا وإيابا.

فجأة فتح الزعيم الباب كأنه عاصفة هو جاء رجت لها جدران الغرفة ورج لها قلبها المضطرب، لم باترك لها مجالا لتستوعب هذا الاقتحام العنيف فلم تشعر به إلا وكله الغليضة تهوى بكل تقلها وصلابتها على خدها مخلفا ألما لا يحتمل واختلالا في التوازن، وقبل أن تقع كان قد أمسكها بقبضته الأخرى من شعرها ليقتحم ألم فروة رأسها خلايا دماغها وهو يجزها ويلقي بها في

السرير كخرقة بالية مزمجرا في وجهها...

من تحسبين نفسك لتخرجي بمظهر العاهرات أمام ضيوفي ؟ ما كان يدور في عقلك الأخرق هذا لتجعلي لعاب الحراس يسيل على ساقيك العاريتين، هل تريدين إثارة جنوني ؟ كنت على وشك إخراج مسدسي وقتل كل من نظر إليك لأنهم رأوا ما هو ملكي ويخصني، رأوا ما لا يجب أن يطلع عليه أحد غيري بحق الجحيم أخبريني ماذا كنت تريدين تكلمي "

كانت تخفي وجهها بكفيها فالنظر لعينيه المظلمتين أصعب بكثير من تلقي تلك الصفعة القوية. وهي تنتظر أن يجهز عليها حتى اعتلاها مزيحا يديها عن وجهها ...

"انظري كيف جعلتي شياطيني تخرج عليك، أنظري لنتيجة غبائك"

نظرت إلى عينيه المستعرانان بدار الغضب، وجهه المحتقن وعروق رقبته البارزة فتذكرت يوم طعنته، إنها نفس الملامح، نفس الألم، كأنه يقاوم شما آخر يسري في جسده، وما لا تعرفه هو أنه يقاوم رغبته الشديدة في اقتحام كل ذرة فيها، يقاوم حاجته الإنتزاع روحها ليرتاح من معداتها المتتالية لكل شيء لعين هو عليه.

نظر إلى شفتها الكرزية قد أدمتها تلك الصفعة وأفسد لون الدم القاني نقاء الزهري فيهما

وسرعان ما شعر بغصة مرة ليزفر بحنق لافحا وجهها من شدة قربه ثم ابتعد عنها قائلا...

غادري غرفتي حالا، قبل أن أفعل شيئاً تهتز له السموات السبع ".

لحسن الحظ لم تخذلها قدماها للنهوض من سريره والركض نحو غرفتها للمرة الثانية لكن هذه المرة محملة بألم ناتج عن صفعة غاشمة وليس قبلة أئمة كالمرة الأولى.

أغلقت عليها بابها غير مصدقة أنه تركها وتخلى عما كان ينوي فعله، فسمعته يغادر هو الآخر مغلقا باب الجناح بقوة، وقبل أن ترمي جسدها المتهالك على سريرها الذي افتقدته مزقت أزرار قميصه الذي كانت ترتديه بقلة صبر واشمئزاز وخلعته رامية به بعيدا وكم كانت تلعن نفسها ألف مرة لأنها غادرت غرفتها.

جلس باسترخاء معبدا رأسه للوراء سامحا لأنامل ناعمة ومحترفة بمداعبة صدره من خلال قميصه لتبدأ بفتح ازراره واحدا تلو والآخر قبل أن تعبت بحزام بنطاله مال برأسه إليها بالزعاج موقفا اناها عما تفعله.

يبرود وعزوف غريب أمرها ...

"اخرجي"

ودون أن تقول شيئا أحنت رأسها بإذعان ملتقطة معطفها وخرجت بهدوء من غرفته بالنادي الليلي في الواحدة بعد منتصف الليل.

كانت أول مرة ينفر فيها من إحدى عشيقاته اللواتي لا يلمسهن غيره، أجمل النساء وأرقهن.

خاضعات لرغباته مهفتهن هي إسعاده وتخفيف الضغط عليه.

كان لا يزال يشعر بالغضب من مشهد الشرفة ومن نظرات الرجال إليها، وغاضب لأنه لم يبرد ناره باقتلاع أعينهم، فهو لا يحب أن يترك غضبه حبيسا داخله، حتى مع تلك القطة لم يفعل ما كانت

شياطينه تتعطش إليه، فلولا أمه لكان تهور معها، وربما كان قتلها.

عادت به الذاكرة للحوار الذي دار بينه وبين والدته قبل أن يدخل إلى تلك المتمردة ويعلمها الأدب...

.. إنها ابنة القاضي التي من أجلها استعطفتك حتى لا تقتلها، كنت أشعر بالأسى كلما تذكرت مصيرها الأسود ويالي المفاجأة! إنها حية ترزق وفي جناحك الخاص !! ماذا يعني هذا يمان ؟ هي حاولت قتلك وأنت في هذا لا تتساهل ولا ترحم، ومع ذلك سامحتها، مالذي جعلها استثناءا بالنسبة لك؟ نظرتك لها في الحديقة تقول الكثير "

اقتربت منه تتفحص ملامحه الغاضية.

" قل أنك مغرم بها، أفضل بكثير من أن تكون مهووسا بها، لا أريد أن تنكر قصة هوس هارون بأنستازيا."

زفر بعمق كأنه يريد إزالة النقل من على صدره، وهو يتحرك نحو واجهته الزجاجية المطلة على مرقص النادي الذي يضح بالموسيقى الصاخبة وبالزبائن الهائمين على وجوههم...

كانت إيلا ووالدها يتناولان افطارهما ذلك الصباح حتى سمعا جرس الباب يرن، فتسألا

باستغراب من جاء في مثل هذا الوقت المبكر؟

أرادت إيلا أن تفتح الباب فمنعها سيمون قائلا وهو يمسح فمه بالمنديل...

" أنا سأفتح .."

قام لفتح الباب إذ بها فتاة ذات شعر طويل وعيون سوداء يبدو من مظهرها الأنيق أنها غنية

جدا، بابتسامة عريضة مدت يدها للمصافحة...

"مرحبا، أنت عم فاليريا صحيح ؟ رد بحماس لسماعه اسم ابنة أخيه...

"نعم، أنا عمها. من حضرتك ؟"

لترد بتكبر...

"لا يهم من أكون... المهم ما جئت لأجله"

استغرب سيمون كلامها لكنه سرعان ما تدارك الموقف قائلا...

تفضلي إلى الداخل ولا تبقي واقفة عند الباب ابنتي في الداخل أيضا"

رفضت بلباقة وهي تتلقفت من حولها بعدم راحة...

لا داعي لذلك، أنا فقط أريد إخبارك أن إبنة أخيك حية ترزق وهي محتجزة لدى رجل الأعمال المعروف يمان أوزيتش، وقد يقتلها إن لم تتدخل لانقادها، وحتى أسهل عليك الوصول إليها، قابل الزعيم في مقر شركته وتحدث إليه على يستمع إليك "

أخرجت بطاقه اليكترونية لتسلمها له قائلة...

"هذه بطاقة العضوية تستطيع الدخول بها إلى المقر الرئيسي أين يتواجد بكثرة دون أن يمنعك أحد.

ساورة الشك من كلامها ليسألها باستنكار...

وهل المفروض أن أصدق كلامك ؟....

هزت كتفيها بأسف مصطنع ...

انت حر في التصديق من عدمه، لكن لتطمئن أكثر، أنا من الاشخاص الذين لا يريدون وجود ابنة أخيك إلى جانب الزعيم "

ارتدت نظاراتها وغادرت في سيارتها الفارهة تاركة سيمون في حيرة من أمره حتى سمع صوت ابنته من خلفه تقر بمقابلتها لاوتور الذراع اليمنى لذلك الرجل بسبب شكها بالموضوع، والان صارت متاكدة أن فاليريا محتجزة عنده بعد قدوم سارة بنفسها فهي تعرفها من المجلات. والصحف..

عادت الأيام لرتابتها وصمتها فتوقفت فاليريا عن عدها التشابهها واختلاط الليل بالنهار عليها داخل غرفتها، لا شيء كان يجعلها تقترب من الباب وتضع أذنها عليه سوى الألحان العذبة المتبعثة من يهو الجناح، تارة حزينة وتارة مخيفة لا تجيد أصابعه البهجة أبدا.

بقيت على هذه الحال إلى أن دخلن عليها ثلاث خادمات يحملن مجموعة من الغلب فبادرت احداهن بلطف بالغ ...

الستي عليك أن تتجهزي للعشاء مع الزعيم هذه الليلة... نحن هنا لنقدم لك المساعدة التي

تحتاجين."

كانت تتارجح على كرسي معلق بالشقف بأشرطة قماشية وهي تتخذ وضعية مقلوبة وشعرها يتدلى ملامسا أرضية الغرفة جيئة واياباً غير مبالية بكلام الخادمة فقط اكتفت يتتبع خطواتهن وكأنهن يسرن في السقف بالمقلوب، فنحن العلب ليخرجن منها فستانا أسودا مرصعا بالألماس وحداءا أسودا ذا كعب عال ومجوهرات ماسية، عدلت وضعيتها ودون اعتراض فعلت كل ما طلب منها بهدوء ويرود كأنها بلا روح، لم يعد يخيفها ذكر اسمه ولا رؤيته، ما أذاقه اياها جعلها تصل بمشاعرها إلى أقصى درجة من التبلد واللامبالاة بعد أن جعلها تختبر الخوف و الكره. الاذلال الخجل والضعف، ماذا يمكن أن يحدث أكثر، وماذا سيذيقها بعد ....

وصل سيمون أخيراً إلى مكتب الزعيم في الطابق العلوي للمبنى الشاهق بعد أن آثار شكوك و حفيظة رجال الأمن لكونه وجها غير مألوف لديهم ولكثرة أسئلته وارتباكه، ولولا البطاقة التي بحوزته لحفل على أربع وألقي به في الشارع.

وجد سكرتيرة مكتبة منكبة على عملها ليبادر سائلا..

لو سمحتي انستي، هل هذا مكتب يمان أوزيتش؟"

نظرت الهيأته البسيطة ثم قالت ببرود...

هل لديك موعد مسبق"...

فقال وهو يمسح العرق عن جبينه...

"لا لكن إن أخبرته من أكون سوف يستقبلني"

فردت بأسف....

"عذرا منك.. لا استطيع ادخالك دون موعد مسبق حتى لو كان يعرفك... إنزل إلى مكتب

الاستقبال واعطهم بياناتك ليحددوا موعدا لك "

تردد في المغادرة وهو ينظر إلى باب مكتبه الفخم فقرر أن يدخل عنوة وإلا أن يستطيع مقابلته مجدداً.

فاندفع في غفلة من الحارس الذي كان ينتظر أن يغادر فورا، ليجد نفسه في مكتب فخم وكبير فرفع الزعيم رأسه بملامح فارغة وترك ما بيده من أوراق رامقا السكرتيرة والحارس بنظرة تقول انتها ميتان لا محالة...

نظراته لا تحتاج من سيمون الكثير من الفهم ليدرك أن اقتحامه للمكتب سيسبب المتاعب

للموظفين فأسرع بشرح الواقعة معزفا عن نفسه....

"أنا عم فاليريا مانشافارياني لقد دخلت عدوة ولا ذنب لهما في ذلك"

أشار له الزعيم بالصمت؟ وقال موجها كلامه للموظفين...

"انتما مطرودان "

ليحنيا رأسيهما ويغادرا دون أدنى كلمة، كانت تواني قليلة لكنها كفيلة بأن تجعل سيمون

يستشعر هيبة ورهبة هذا الرجل الذي أمره بالجلوس ففعل فوراً من التعب الذي تكبده للوصول

إلى مكتبه...

"بماذا يمكنني أن أخدمك يا عم فاليريا ما تشافارياني ؟ "

استشف نبرة سخرية واستصغار من كلامه، فرد مخفیا استياءه..

" أنا أدعى سيمون يا سيدي "

لكنك عرفتني على أساس قرابتك بغاليريا، وبالتالي إسمك لا يهم، هات ما لديك فكل دقيقة من وقتي تكلفني راتب عشرة موظفين من أمثالك "

ابتلع تلك الإهانة ليركز على ما جاء من أجله...

"لقد علمت مؤخرا أن إبنة أخي محتجزة لديك، فأتيت إليك وكلي رجاء أن تسامحها وتطلق سراحها فهي صغيرة وطائشة ولا تعرف عواقب أفعالها ."

أعاد الزعيم ضهره مستندا على الكرسي الفخم...

"لا أدري من أوصل لك هذه المعلومة على طبق من ذهب، لأنك لم تسعى إليها أصلا، لكنني سأعرف فيما بعد، أما بخصوص إبنة أخيك فقد صارت لي أعاقبها.. أعيد تربيتها... اقتلها أو أيقى

على حياتها .. هذا شأني أنا، والان غادر مكتبي فوراً"

هنا فقط تخلى العم عن صبره وتعقل لينتفض بغضب.....

"نحن لسنا في الغاب حتى تحكم بقانونها .. هي بمثابة ابنتي ولن أفرط فيها وسأسعى لإتقادها بشتى الطرق القانونية"

قاطعة الزعيم بحدة ...

أين كنت طوال السبعة أشهر أين كنت حين سافرت وحدها ولم تعرف إن هي وصلت إلى خالتها بألمانيا أم لا؟ أين كنت حين تحالفت مع مافيا اجرامية خطيرة ضدي ؟ أين كنت حين دخلت عالما مظلما ملينا بالخطر الآن فقط جنت تطالب بها، كان الأجدر بك محاسبة نفسك على تقصيرك وإهمالك تم تعال لتحاسيني على قانون الغاب والان غادر قبل أن يبعثر حراسي ما تبقى من كرامتك على اسفلت الشارع"

كان وقع كلماته كالسياط على ضهره بشكل ما هو محق فيما قاله...

"لن أنكر أنني تهاونت في واجبي تجاهها بسبب خوفي على أولادي ولن أرد اهانتك عني، لكن لي سؤالا أخيرا، وأتمنى أن تصنع هذا المعروف لي وتخبرني الحقيقة، هل أنت من قتل أخي حقا؟"

لمح الزعيم نظرة الانكسار والأسى في عيون سيمون ليرد بيرود

"لا، لست الفاعل "

إجابته المقتضية كانت كافية من شخص كالزعيم لا يهاب أحدا حتى القانون، ليقف سيمون خارجا من المكان لكنه توقف واستدار عائدا إليه ليضع البطاقة على المكتب

"لم أعد بحاجة إليها أعدها لصاحبتها وبلغها تحياتي"

كانت إيلا تنتظر والدها في السيارة حين لمحت أونور في الجهة المقابلة للشارع يقف بمحاداة سيارات فاخرة وهو يتكلم في الهاتف لتنزل من سيارة والدها وتقطع الشارع نحوه مسرعة ...

"هيه أنت."

لوحت له بيدها غير منتبهة للسيارة القادمة في الإتجاه المقابل وقبل أن يحدث لها مكروه سحبها اونور بحركة سريعة مبعدا إياها عن الخطر فارتطمت بصدره مطبقها عليها بإحكام.

شعرت بالتوتر وهو ملتصق بها فأبعدته عنها صارخة في وجهه...

"ماذا تحسب نفسك فاعلا؟"

لبرد بضيق...

"هذا جزائي لأنني أنقدتك من سيارة كانت ستدهسك وأنت كالبلهاء تركضين نحوي" "كنت أريد اخبارك أن أبي في مكتب زعيمك ذاك ليسأله ترك فاليريا وشأنها "

مقطبا حاجبيه في استغراب...

"كيف استطاع الدخول أساسا حتى يقابل الزعيم"

فاخبرته ايلا بالذي حصل ليبدي دهشته من جرأة سارة، لكنه حث إيلا على عدم الخوض في الموضوع وأن ينسوا قريبتهم لأن الزعيم لن يتركها بسهولة وقبل أن ينهي كلامه صاحت إيلا...

"أبي قد خرج من المبني، سوف أذهب"

قبل أن ترحل اوقفها ووضع رقم هاتفه في يدها...

اتصلي بي قبل أن تقدموا على خطوة تندمون عليها لاحقا"

تم واصل بسخرية قبل أن يترك يدها ...

"هل أساعدك في تجاوز الشارع

فردت بغضب...

حل المساء وديت حركة غير اعتيادية في جناح الزعيم بينما كانت فاليريا تقف أمام المرأة كأنها عروس في ليلة زفافها والمزينات بتحلقن حولها لتجهيزها وتقديمها لعريسها، الفرق أن الفستان كان أسودا فخما ومرصعا بالألماس ليتماهي مع السواد الذي يغلف الغنى والترف في حياة الزعيم، الفرق أن العروس تكون مبتسمة وقلبها يرفرف سعادة وحيا، أما هي فملامحها فارغة وقلبها ميت مليئ بالكره نحوه رغم الكآبة والحزن إلا أن جمالها الأسر لم يخبو، رغم الألم لم يذبل، بل كانت أجمل من أي وقت مثيرة وسالبة للعقول.

بعد أن اكتملت طلتها البهية بقرطين من الألماس طرق أحد الخدم الباب ليدخل مشيراً إليها بأن ترافقه، من صوته الوقور عرفت أنه نفس الشخص الذي تحدث إلى يمان أوزيتش من خلف الباب يخبره بوصول الضيوف كان هذا رستم تراه للمرة الثانية بعد أن رأته سابقا في جناح هارون.

فعلت ما طلب منها بدون مقاومة أو طرح الأسئلة وتوجهت بخطوات ثقيلة عبر تلك الردهة الطويلة تتبع الرجل إلى مصيرها المحتوم مستسلمة خاضعة ومكسورة، لتجد الزعيم بانتظارها وكالعادة لا يكف عن إبهارها بطلته الأنيقة وهيبته المرعبة.

تأمل جمالها كأنه لوحة فنية لسماء مرصعة بالنجوم أنها أول مرة يراها بمظهر متألق مثل نجمات هوليود لكنه اكتفى بالصمت ولم يمدح جمالها أو يعبر عن إعجابه كما يفعل أي رجل يخرج للعشاء مع إمرأة.

من ذراعه لها لتتابعها وهما يخرجان من الجناح، كان قلبها يخفق حماسا إنها أول مرة ستخرج فيها من هذا القصر اللعين ولو لساعة من الزمن.

هبوطها في المصعد ورؤية مدخل القصر وشكله الفخم من الخارج أبهرها حقا، هذا جعلها تتسأل لماذا جاء بقاتلته إلى معقله وبيت عائلته ؟

فتح لها الحارس باب السيارة الخلفي كأنها أميرة، فركبت بجانبه بصمت فرضه بهاء الموقف. كأنها تعيش حلما جميلا.

انطلقت السيارة ضمن موكب أمني جعلها تشعر بأهمية هذا الرجل الجالس بجانبها ببرود مخيف ويضألتها أمامه لا تدري هل يجب أن تفتر أم تخاف؟

مع كل هذا ظل الصمت ثالثهما، كان خيارها منذ يوم الشرفة المشؤوم أما هو فقد ناسيه هذا الصمت..

وصلا إلى مطعم فاخر يطل على بحر البوسفور، كان خاليا إلا من موظفيه فقد حجزه بالكامل لهما فقط.....

جالس على طاولة عشاء طويلة بها مقعدان من الجهتين ومليئة بأجود أصناف الطعام الراقي بعد أن جلست هي أولا بتوجيه ومساعدة من النادل تتحاشى النظر إليه بينما يزيل الخادم. الغطاء على الطبق الأول أمامها.

"شهية طيبة لكما "

ثم غادر المكان، ليصبحا وحدهما وجها لوجه، كم كان الأمر صعبا عليها وهي تستشعر نظراته المتفحصة لها بجمود...

تناولي عشاءك يا قطتي "

هكذا أمرا بنبرة غريبة، ففعلت دون أن ترفع بصرها إليه بينما كان مكتفيا بالتهامها بعينيه في صمت ثقيل، استصعيت الأمر في البداية بسبب تشنج معدتها لكنها أرغمت نفسها على إطاعة الأمر شيئا فشيئا عاد الهدوء إلى قلبها العاصف لتنتظم دقاته حين توقف عقلها عن التكهن بما يدور برأس ذلك المتوحش القابع أمامها في سكون مخيف ...

"هل انت عذراء ؟ "

بنبرته المميتة سألها وهو يبتسم بمكر كأنه لا يريد العاصفة قليها أن تهدأ ولا الرباطة جأتها أن تعود، كأنه يجد متعته في استشعار ذبذبات الخوف المنبعثة منها.

خسرت اللقمة في حلقها بعد أن نزل عليها سؤاله كالصاعقة، لدرجة أنها كانت تختنق فشريت الماء لتبتلع تلك اللقمة ومعها تلك الصدمة ...

"كم وغدا ضاجعك؟ لأن وقوفك في شرفتي نصف عارية لا زال ينير في نفسي رغبة كبيرة

بقتلك "

اختنقت فيها العبرات وهي تحاول ألا تنهار وتبكي أمامه، اللعين رغم مرور أيام على الواقعة

لازال يشتاط غضبا منها ...

"ما هذه إن كنت عذراء أم لا؟ الهذه الدرجة وصل هوسه بي ؟"

هكذا قالت مع نفسها، لكنها لم تستطع إبقاء تساؤلات الاستهجان حبيسة داخلها ...

"وما شأنك بعذريتي ؟ فهي شأن خاص بي أفقدها مع من أشاء، لا أحسبك ستعاقبني على شيء مضى وكان الأمر يعنيك "

لعنت تحت أنفاسها إنجرارها وراء لعبته القدرة، فعادت للصمت لينهض عن مقعده ويقترب منها إلى أن وقف خلف مقعدها واتحلى إلى رقبتها يشم عطرها المثير وخوفها اللذيذ..

"أنين العذراء وهي تقتض يطرب المسامع، إنها متعة ما بعدها متعة، وأعرف أنك عذراء لم يلمسك وعد قبلي فأنا أميز البكر من مشيتها، طريقة كلامها، وحمرة خجلها، وأعرف ما الذي جعلك تقدمين على تلك الفعلة الغبية" ...

لنرد بهدوء مصطنع...

"يبدو أنك تعرف الكثير، لكن ما لا تعرفه هو أنني أفضل افتضاض عذريتي بيدي على أن أمنحك اياها..

"فابتسم بمكر وهو يمرر أصابعه بین خصلات شعرها ...

تكولين قد فوتي على نفسك شرف أن أفعلها بالشكل الصحيح "

المتمت بحنق ...

" وكأنك لن تفعلها "

سمعها لكنه فضل ألا يجيبها لتسأله ...

بمناسبة الفعلة الغبية هي ليست أكثر غباءا من ردة فعلك، هل أنت نادم عليها لذلك دعوتني العشاء.. صحيح ؟.

رد ببرود غیر عابی

"أنا لا أندم على أفعالي يا قطتي"

ثم أمسك يدها لتنهض من مقعدها ويسير بها نحو البيانو الموجود بالقرب من طاولتهما.

لن أكون بخيلا مثلك واحرمك سماع عزفي الذي أطربك وجعلك تقفين على قدم واحدة رغم الألم"

رفع الغطاء عن البيانو وشرع في العزف بمهارة تثير الدهشة، إنها أول مرة تراه يعرف عن قرب بل أول مرة ترى فيها عازف بيانو يراقص بأنامله المفاتيح البيضاء والسوداء برشاقة كأنها ليست تلك اليد التي صفعتها وشدتها من شعرها لا تلك اليد التي تطلق النار بلا رحمة، ولا كأنها تلك اليد التي تطبق بقسوة وجبروت، وقفت أسيرة حيرتها وافتتانها بتلك الأنامل ومأخودة بلحن

معزوفته الرقيقة.

لم تمنع نفسها من النظر إلى وجهه وهو يركز على عزفه مشيحا بنظره عنها، فشعرت برغبة في حفظ ملامحه لسبب ما لا تعرفه، فمن يرى وسامته المفرطة ورجولته الطاغية لن يلوم تلك المسكينة.

سرعان ما باغتها سؤال يفسد متعنها ويجعلها تقلق ومعدتها تضطرب وهو ماذا بعد هذا الفستان الباهض والعشاء الفاخر وهذه المعزوفة المميزة، ماذا بعد ذلك الحديث المربك عن العذرية ؟ حقا لا تريد التكهن ولا التفكير حتى، لكنها لن تقف مكتوفة اليدين، حتى وإن بدت هادئة ومستسلمة لكنها على استعداد لقتل نفسها أن استدعى الأمر فهي لا تريد أن ينتهى بها المطاف تسلية جنسية الأحد...

ما إن أنهى معزوفته حتى بادرت بالاستئذان للذهاب إلى الحمام فأذن لها وعلى محياه شبحابتسامة غربية ....

دخلت الحمام لتلتقط أنفاسها من جنون الفكرة التي ساورتها، فقد قررت الهرب لأنها لن تجد أفضل من هذه الفرصة، خلعت كعبها العالي ورفعت فستانها كما ارتفع الادرينالين في دمها بسبب جنون المغامرة التي ستقدم عليها، تعرف جيدا أن المطعم محروس وكل المنافذ مراقبة لكنها

تفضل المحاولة على أن تتأكلها الحسرة.

جرت عبر ردهات ذلك المطعم حتى عبرت المطبخ إلى السلالم الخلفية الخاصة بالعمال، وقلبها

يخفق بشدة كلما اقتربت من المخرج.

وجدت نفسها في زقاق خلفي مظلم تظهر إضاءة الشارع الرئيسي عند نهايته، فركضت بأقصى ما تملك وهي لا تستوعب فرحتها الشديدة بالخلاص أخيراً.

وقفت عند المنعطف الأخير وارتدت حذاءها ورتبت فستانها وشعرها لتصعق بسيارة الزعيم تكبح فراملها عند قدميها والاخرى تباغتها من الخلف بضوءها الكاشف...

سحقا سيقتلني هذه المرة"

غمغمت بقلة حيلة وهي تركب السيارة بعد أن حاصرها حارسان ضخمان وهما يشيران لها بكل

لياقة بالركوب.

التفتت إلى الزعيم الجالس بهدوء في المقعد الخلفي، تريد الكلام ليرفع يده مشيراً لها بالصمت.

التمضي السيارة في طريقها نحو القصر.....

لكنها توقفت على جانب جسر البوسفور لينزل منها السائق ويغلق الباب مبتعدا وموليا ضهره لهما، فتحدث هو منهيا حالة الترقب والتوجس لديها....

"لا أحد يخرج من عالمي أو يهرب منه إلا إن أذنت له، وأغلب من خرجوا كان مصيرهم الموت.

فلا أحد يلوي ذراعي أو يفرض ارادته على أنا فقط من يملك رقاب من حولي ويمسك الجامهم ولن يأتي من يكسر هذه القاعدة حتى أموت، وإن قررت إخراجك من عالمي فليس لأنك تريدين

ذلك، بل لأنني أنا من يريد ذلك رأفة بك ورحمة ....

هل ستقتلني هذا بأن تلقني من الجسر؟"

سالته بیاس..

فأنزل زجاج النافذة الموالية لها إذ بها فاغرة فاهها ومصدومة ترى بعينيها الجاحظتين أفراد

عائلتها يقفون بعيدا وينتظرونها بلهفة كبيرة.

رفع الزجاج من جديد لتلتفت إليه والدموع تشق حديها بلا هوادة لا تصدق أنه سيحررها بإراداله أخيراً، نظر إليها بملامحه الصارمة والباردة كالجليد...

اهربي وابتعدي قدر الإمكان، لا تريني وجهك مجدداً لأنني أن أكون متحكما في نفسي المرة المقبلة".

دون أن تنطق بحرف همت يفتح الباب لكنه كان مغلقا لتسمعه يقول بنبرته المثيرة حد الجنون...

" أين قبلة الوداع يا قطتي الصغيرة ؟" ...

رمقته بنظرة رافضة فهم مغزاها ليؤكد لها أرادته النافذة...

لن تخرجي من هذه السيارة قبل أن تقبليني "

طبعا هو يعني ما يقول وهي تعرف أنه لا يمزح فقررت أن تجبر نفسها وتفعلها إنها مجرد قبلة وينتهي كابوسها الرهيب وتتحرر منه.

اربكتها نظراته إليها لتقترب منه وتطبع قبلة سريعة على شفتيه والتراجع للخلف، كأنها تخشى

عدوى من نوع ما.

انطلقت منه زقرة ساخطة...

نبيا.. حتى أنك لا تجيدين التقبيل، ما هذا يحق الجحيم يا قطتي، أهكذا تكون قبلة الوداع ؟"

الترد بغيض مكتوم وأعصابها بدأت بالذوبان من الاعيبه...

" وكيف تكون الام"

مديده يداعب شعرها الكستنائي ويطالعها بعيون لم تستطع تفسيرها ...

قبليني بكل ما تملكين من حقد وبغض تجاهي، قبليني وكأنك تريدين قتلي، أفرغي جنونك وألمك، وانتقمي لكرامتك التي بعثرتها، أطلقي أنوتتك المتوحشة لتدمي شفتي كما أدميت

خاصتك "..

طوقت كلماته الملتهبة عقلها واخترقت روحها المتخبطة، لا مفر مما يطلبه بل ما يأمر به فأخذت نفسا عميقا واقتربت منه كان كلامه ساير أهواءها المنفلتة فأغمضت عينيها وعضت على شفتيه

بینما کا مستسلما لا يبدي أي ردة فعل مما أربكها وجعلها تفقد الثقة.

أرادت التراجع لكن شيئا ما جذبها إليه وجعلها ترغب في قضمها والتهامها بوحشية كما يفعل بها.

كانت خائفة من نقده اللاذع بعد القبلة هي على صغر سنها وانعدام تجاربها لن ترضي كتلة الرجولة والفخامة هذه، بكل تاريخه الحافل في إذابة قلوب النساء، لكنها لن تتقبل أن ينتقص

من أنوثتها فاستمرت حتى لو كانت تفعل ما تفعله بشكل خاطئ.

فجأة وضع يده تحت فخدها ورفعها إليه ليجلسها في حجره واضعا يده الأخرى على رقبتها ليحكم السيطرة عليها هامسا قرب شفتيها بينما يرسل رعشة العمودها الفقري وعطره القوي

يحذر عقلها ..

خان دوري قطتي، أريد أن أعلمك كيف تكون قبلة الوداع"...

أخدها أحد عاشق جبار ومتسلط... لتتن من عنفوان شفتيه والتهيت انفاسهما من تلك القبلة الحامية وجسدها يرتجف في حضنه ويعلن استسلامه وتواطؤه المخزي، حتى كادت تفقد وعيها من أكسير اللذة والألم ليبتعد عنها لاعنا تحت أنفاسه ما تثيره فيه من مشاعر مدمرة.

عادت إلى مقعدها بأنفاس هائجة ودقات قلب متسارعة مبعثرة محطمة ومحاطة بجو خالق

وثقيل داخل السيارة جراء ذلك الإتصال الجسدي المحموم...

لم تجرؤ على النظر إليه بعد ذلك وكان آخر ما سمعته منه كان.....

"وداعا قطتي الصغيرة"

ففتحت الباب لتترجل عن السيارة وساقيها لا يقويان على المسير فباغت الهواء البارد جلدها الدافي، وبالكاد تملك القوة للوصول إلى عائلتها مدفوعة بالأمل والفرح للخلاص أخيراً.

انزل زجاج نافذته يلقي عليها نظرة الوداع الأخيرة وهو يتذكر كلام أنستازيا...

"أنت اخترت أن تكون الزعيم لكن لا تنشيه بوالدك، فيما يخص قلبك لا تحطمه بامتلاك من لا تبادلك نفس المشاعر رغما عنها، ستدفع ثمن هذا طوال حياتك كما حصل مع والدك الذي تزوجتي غصبا عني واحتجزني في قصره الفخم، لأنه كان يعتبرني ملكية خاصة به، زينة يتباهى بها بين الناس، لم يحاول أن يكسب قلبي والنتيجة كانت أن هريث بعيداً وظل هو يتجرع حسرته طوال العمر لا تكرر غلطة أبيك وتحطم قلبك، فكسر القلب لا يجبر يا بني، إن كنت تحبها امنحها حرية الإختيار، دعها تقرر البقاء أو الرحيل، حتى لو ألمك ذلك لكنه أهون من أن تبقيها رغما عنها ولا ترى في عينيها سوى الكره والاحتقار، أنت لا تستحق ذلك، ولا هي .."

فلا قيدها لم يكن تمنه بخصا أو سهلا، لقد كلفها ثمنا باهضا جدا، بل لا يقدر بثمن، لقد دفعت قلبها لقاء حرية جسدها.

التفت إليه تلقي نظرتها الأخيرة عليه لكنه لم يسمح بذلك مغلقا زجاج النافذة لينطلق موكبه مخلفا وراءه دخانا وبقايا انثى مبعثرة ...


تعليقات