![]() |
رواية بين الردي والهدي الفصل السادس بقلم نوري
كنت فارد جسمي على السرير في أوضتي، لأول مرة أحس إنه بيسيعني، وإن الحيطان دي مش خنقاني، غمضت عيني وأنا بحاول أهدى، محتاج أنام وأفصل عقلي عن كل اللي حصل، بس الصور كانت بتطاردني ورا جفوني، وش ليلى، دموع أمي، ولهفة أدهم
سمعت خروشة خفيفة عند الباب وبعدها صوت تكة المقبض وهو بيتفتح بحذر، مكنتش محتاج أفتح عيني عشان أعرف إنه أدهم، ريحته وخطواته اللي حافظها من وإحنا عيال صغيرة عرفتني بيه، حسيت بالسرير بيميل تحت وزنه وهو بيقعد على طرفه جمبي، فضلت مغمض عيني ثواني، كنت خايف أفتحها الاقيه لسه زعلان أو ألاقي في عينه نظرة الخزي اللي كنت بشوفها زمان، بس سكوته طال ف فتحت عيني ابصله، فضل ساكت كأنه بيدور على كلام يبدأ بيه، وفي الآخر مد إيده وطبطب على كتفي وقال
نورت بيتك يا سيف، والله ما مصدق انك رجعت، انا فرحان بجد إنك بقيت وسطينا
خدت نفس طويل وخرجته وانا بقوم اقعد قدامه وقولت
* الحمد لله
سكت شوية وكان متردد يتكلم، حسيت أنه خايف يجرحني ف طمنته
* قول اللي جواك، مش هزعل منك
بصلي بدهشة إني كشفت أمره، سكت شوية برتب كلامه وبعدين قال
هو .. هو انت فعلاً مش هترجع للطريق دة تاني
* أيوا، مش هرجع ليه تاني، انا فوقت يا ادهم، فوقت بجد، والمرة دي مش زي كل مرة كنت بوعدكم فيها وأنا كداب، أنا شوفت سواد الدنيا اللي كنت غرقان فيها، ولولا ستر ربنا ودعاء أمي أنا مكنتش هبقى قدامك دلوقتي
سكت شوية وحسيت بغصة في حلقي وأنا بكمل
* انا مش بس مش هعمل كدة تاني، أنا بقيت خايف من نفسي القديمة أكتر منكم، كل اللي بتمناه دلوقتي إن ربنا يسامحني، ويقدرني أصلح القرف اللي عملته فيكم وفي ليلى وفي نفسي، تفتكر ربنا هيقبلني بعد كل ده يا أدهم؟
قرب مني أكتر وقال
ربنا غفور رحيم يا سيف، وان شاء الله هيقبل رجوعك، المهم دلوقتي إنك ترجع سيف اللي إحنا عارفينه
قام وقف وهو بيمسح على شعري بحنان مكنتش متخيله وكأنه هو الكبير مش انا، ابتسم ابتسامة خفيفة كانت غايبة عنه بقالها كتير وقال
هسيبك ترتاح شوية وتفرد ضهرك، الوقت لسه بدري على السحور غمض عينك ونام وأنت مطمن إنك في بيتك، ولما ييجي وقت السحور هصحيك عشان نتجمع كلنا على سفرة واحدة زي زمان
هزيتله راسي بامتنان ف خرج وقفل الباب وراه بعدوء، رجعت نمت مكاني تاني، بس المرة دي وأنا حاسس إن السرير مريح بجد، وإن السواد اللي كان مغطي عيني بدأ يتسحب ويحل محله نور خفيف .. نور البداية الجديدة
على قرب الفجر، المطبخ كان مليان بريحة الأكل الشهي اللي بقاله مدة غايب عن البيت، كريمة كانت واقفة قدام البوتاجاز كأنها استردت عشر سنين من عمرها في ليلة واحدة، بتتحرك بخفة غريبة و الهم اللي كان راسم خطوط وتجاعيد على وشها اختفى وحل محله ابتسامة وهدوء وهي بتردد بصوت واطي مع راديو المطبخ اللي كان شغال بتواشيح الفجر
دخل أدهم المطبخ وقف على الباب وهو مربع إيده وباصصلها بذهول ممزوج بابتسامة واسعة، قعد يتفرج عليها ثواني وهي بتقطع الطماطم والخيار وبترصهم كأنهم لوحة فنية وبعدين نطق بهزار
إيه يا ست الكل؟ إيه كل النشاط ده مرة واحدة؟ ده إحنا بقالنا شهر بنطلع السحور بالعافية، منين جه العزم ده كله؟
لفت وشها ليه وابتسامتها واصلة لعينها وملامحها بتنطق بفرحة وهي بتقول
من دلوقتي يا قلب أمك، جه لما الروح ردت في البيت، تعالى ساعدني يلا
ضحك ودخل المطبخ وهو يبص على الأصناف اللي مالية الرخامة
لا إله إلا الله، إيه يا أمي كل ده؟ فول بالسمنة، وبيض، وجبنة، وزبادي بيتي وخضار، ده سحور ده ولا عزومة أول يوم رمضان؟ طب سيبي أصناف للفطار يا ست الكل، كدة مش هنلاقي حاجة نعملها بكره
ضحكت برقة وقالت بثقة
خير ربنا كتير يا ابني، ده أنا إن شاء الله نويت أعملكم أحلى فطار بكره، هعمل كل اللي بتحبوه، كله عشان خاطر عيون سيف، عشان يحس إنه رجع لبيته ولعزه
قرب منها ومسك إيدها وباسها وقال
ربنا يخليكي لينا يا أمي، ويقدرنا نعوضك عن كل ليلة سهرتيها شايلة همنا، أنا والله ما مصدق إني شايفك بتضحكي كدة، كأني بحلم
طبطبت على كتفه وعينها لمعت بدموع الفرحة
وأنا كمان يا حبيبي، أنا كمان مبسوطة اوي، قولي، اخوك لسة نايم؟
أيوا، دخلت بصيت عليه تاني لقيته لسة نايم
اتنهدت براحة وبعدين سلمته قشارة البطاطس وقالتله بلهجة آمرة بس فيها حب
طيب امسك بقى البطاطس دي قشرها وخرطها عشان نقليها، مفيش وقت، الفجر قرب وعايزة كل حاجة تكون جاهزة وتفتح النفس قبل ما نصحيه
شمر كمامه وضحك وهو بيقول
من عينيا يا ست الكل، أحلى بطاطس محمرة لأحلى أم في الدنيا، ولعيون سيف الغالي
في شقة ليلى، كانت بتتحرك في المطبخ وكأنها فراشة لقت طريقها للنور بعد تيهة طويلة، واقفة بتجهز اطباق السحور بنظام وهدوء و إيدها بتسبق تفكيرها من الحماس، وشها اللي كان دبلان طول الشهور اللي فاتت النهاردة كان فيه ردّة غريبة، بشرتها نورت وعينيها اللي كانت مطفية من كتر السهر والانتظار بقى فيها لمعة حية، لمعة حد لقى حاجة غالية كانت ضايعة منه
كانت بتغرف الفول وبتحط عليه الليمون والكمون بدقة، وبترص الخضار في الأطباق وهي بتدندن بصوت واطي جداً نغمات مبهجة مكنتش بتطلع منها إلا وهي مرتاحة البال، وكأن رجوع سيف مسح كل السواد اللي كان مرسوم تحت عينيها
على باب المطبخ، كان مصطفى واقف ساند بضهره على الحيطة ومربع إيده وعينه مراقبة كل حركة بتعملها، شايف الفرحة اللي بتنط من عينيها و النشاط اللي رجع لجسمها فجأة، وبدل ما يحس بالراحة حس بـ نغزة في قلبه، فضل يراقبها وهو ساكت، بيشوف إزاي رمت كل وجعها ورا ضهرها بمجرد ما شافت سيف راجع، وازاي كانت مستنية إشارة واحدة عشان تفتح أبواب قلبها للأمل من تاني
لفت ناحية التلاجة ف شافته واقف بيراقبها، ضحكت بكسوف وقالت بصوت رقيق
- إيه يا بابا واقف كدة ليه؟ السحور خلاص جهز أهو، والله ريحة الفول تجوع، ثواني وهحط كل حاجة على الطبلية
ابتسم ابتسامة هادية بس عينه مكنتش بتضحك بنفس الدرجة، قرب منها وبص للأطباق اللي شكلها يفتح النفس وقال
تسلم إيدك، بقالك كتير مكنتيش بتدخلي المطبخ بالهمة دي، باين عليكي الفرحة
وشها احمر ونزلت عينيها في الأرض وقالت بصدق
- الحمد لله، الواحد حس إن فيه هم انزاح عن صدره، طنط كريمة غالية علينا وفرحتها من فرحتنا، والحمد لله إن ربنا جبر بخاطرها ورجعلها سيف
اتنهد تنهيدة طويلة لما حس بالخوف اللمعة اللي في عينيها، خايف تكون بنت أحلام كبيرة أوي على مجرد نظرة ندم شافتها في عين سيف، كان نفسه يقولها ان لسة الطريق طويل، بس مكنش عايز يطفي النور اللي بدأ يرجع لوشها ف اكتفى بانه طبطب على كتفها بحنان وقال
با رب يا بنتي يكون رجوعه دة بجد ويقدرنا جميعاً على اللي جاي. يلا يا حبيبتي، هاتي الأكل واندهي لأمك، الفجر خلاص على وشك
شالت الصينية بحماس وهي بتقول
- حاضر يا بابا، من عينيا
خرجت من المطبخ بخطوات خفيفة و وقف مصطفى مكانه بيبص لطيفها بحزن
أحلى طبق فول بالسمنة
قالتها كريمة وهي بتحط اخر طبق على السفرة اللي اتجمعوا عليها من تاني، سيف كان قاعد في النص على الكرسي الكبير وادهم وكريمة على الجانبين، قرب منه ادهم وقال
أمك مخلتش صنف في المطبخ إلا وعملته، شكلي هطلع من رمضان ده وزني زايد بسببك
ابتسم ابتسامة هادية، ولسه هيمد إيده عشان ياكل سبقته كريمة واكلته بأيديها
كل يا قلب أمك، والله ما كان للأكل طعم وأنت بعيد
بص لإيديها وحس بغصة من الحنان اللي غمره فجأة، فتح بقه وأخد منها تاني وهو بيحاول يداري دموعه اللي كانت هتنزل
* تسلم إيدك يا أمي، ربنا ما يحرمني منك
ولا من لمتكم حواليا يا حبيبي
طبطبت على كتفه ومسحت بصباعها طرف بقه وكأنه لسه طفل صغير، ضحك أدهم وقال
ايوة يا ست الكل، دلعي سيف وانسيني أنا، ماشي يا عم سيف، مفيش حد قدك النهاردة
خرجت الضحكة من قلب سيف بجد المرة دي وبصله وقال
* حقك عليا يا سيدي، أنا اللي هخدمكم المرة الجاية
في اللحظة دي، صوت تواشيح الفجر بدأت تعلى من الجامع اللي في آخر الحارة، غمض عينه واستشعر جمال اللحظة، نومة هنية، سحور ولمة مع أهله، واطمئنان حقيقي اتسرسب جواه بعد خوف طويل، حس إن دي الجنة المصغرة اللي كان بيفر منها، وإن مفيش في الدنيا كلها أغلى من لقمة بتتاكل بحب وتحت عين أم راضية
نزل من باب الشقة ووراه أدهم، كانت المرة الأولى اللي يدوس فيها على سلاليم العمارة في الوقت دة وهو فايق، مش تايه ولا هربان من عيون الجيران، أدهم كان ماشي جنبه مالي كتفه بيه وكأنه بيعلن للحارة كلها إن أمانه وسنده رجع
أول ما وصلوا قدام باب المسجد وقف سيف لحظة، كان خايف من المواجهة، خايف من نظرات الناس اللي كانت بتبصله زمان بشفقة أو بضيق، لكن أدهم حط إيده على ضهره وضغط عليه ضغطة خفيفة يشجعه بيها، دخل وهو حاسس بالخجل من نظرات اهل حتته اللي اتوجهت ليه، بص على الركن البعيد اللي كان بيقعد فيه دايماً بيدور على شخص معين لحد ما لقاه، عم منصور، الراجل العجوز اللي بيقعد دايمًا ورا الإمام، أول ما شاف سيف عينه لمعت و وقف بصعوبة وهو بيسند على عكازه وبيقرب منه، نزل راسه في الأرض لكن منصور مسك إيده وضغط عليها بحب
مش مصدق نفسي .. سيف؟
مكنش قادر ينطق، رد أدهم بداله بأبتسامة عريضة وقال
ايوا سيف يا عم منصور
شده لحضنه وهو مش مصدق شوفته قدامه
ياه، أخيراً، والله الكل كان مستني طلتك دي، حمد لله على السلامة يا ابني
خرج من حضنه و وطى باس إيده وقال والدموع في عينيه
* الله يسلمك يا عمي
بدأت الوجوه تقرب منهم، شباب الحارة اللي كانوا بيسلموا عليه بحرارة، ترحيب مفيهوش عتاب ولا ملامة، كأنهم اتفقوا كلهم إنهم يفتحوله صفحة بيضا، اللي يطبطب على كتفه، واللي يبتسمله ابتسامة صافية
مكنش متخيل إن الرجوع هيكون حلو كدة، كان فاكر إنه هيتحاكم، بس لقى حضن كبير بيحتويه
طلعت شمس يوم جديد كله طاقة للتغيير .. وأمل للوفاء بالوعد
المحل كان ريحته مختلفة، أو يمكن ليلى هي اللي شايفة الدنيا كلها بقت ريحتها ورد، كانت واقفة بتشيل الشوك من وردة چوري حمراء وإيدها بتتحرك بخفة ونشاط، الشمس كانت داخلة من واجهة المحل الازاز وعاكسة أشعتها على وشها، وكأنها هي كمان وردة فتحت فجأة بعد شتا طويل
نرجس، كانت قاعدة ورا المكتب الصغير بتراقبها من تحت لتحت بابتسامة، حبت تنكشها ف قالت
بالراحة على الورد، مش حمل كل الفرحة اللي في عينيكي دي
لفت والضحكة مالية وشها، حطت الوردة في الفازة وقربت من نرجس وهي بتمسح إيدها في المريلة
- مش قادرة أخبيها، والله يا طنط رجع، سيف رجع بجد، شوفته النهاردة الفجر وهو رايح الجامع مع أدهم، كان واحد تاني خالص، وشه فيه راحة ونور مكنتش بشوفهم غير زمان
سابت نرجس القلم من إيدها وبصتلها بصدق
والله قلبي فرح لك، أنا كنت بشوفك الأيام اللي فاتت دبلانة وخايفة، وكنت بدعيلك ربنا يبرد نار قلبك، الحمد لله إن رجوعه كان بالهداية
قعدت على الكرسي اللي قدامها وعينيها لمعت بدموع الفرحة
- عارفة، صوته وهو بيكلم مامته وبيعتذرلها كان صادق أوي، أنا كنت حاسة إن ربنا مش هيضيع دعواتي، بس اللحظة لما بتيجي بتبقى أكبر من أي توقع، أنا دلوقتي حاسة إني قادرة أتنفس بجد
مدت نرجس إيدها ومسكت إيد ليلى وضغطت عليها بحنان
يا حبيبتي، ربنا يثبته على اللي هو فيه، يا رب يفضل ثابت على النور ده وتكون دي البداية اللي بجد، وعارفة؟ أنا عندي إحساس إن ربنا هيكافئك على صبرك ده والموضوع هيتم على خير وهشوفك أحلى عروسة لسيف وفي أقرب وقت كمان، ربنا يجمعكم في الحلال ويجعل بيتكم كله ورد زي المحل بتاعنا ده
غطت وشها بإيديها بكسوف وقلبها كان بيدق بسرعة
- يا رب يا طنط، أنا مش عايزة غير إنه يفضل بخير ويبعد عن طريق السوء، والباقي كله رزق من عند ربنا
متقلقيش عليه، ويلا بقى يا ست ليلى شوفي الزبون اللي داخل ده، و ورينا همتك في تنسيق بوكيه يكون وش السعد زي يومك النهاردة
- دة من عيوني
قامت بابتسامة واستقبلت الزبون وهي حاسة إن العالم كله بيضحكلها
دخلت باب الشركة والخطوات كانت تقيلة على قلبي، لكن جوايا كان فيه عزم أول مرة أحس بيه، لبست أنضف قميص عندي وحاولت أرتب شكلي على قد ما أقدر عشان أمحي صورة سيف الضايع اللي سيبتها عندهم، أول ما دخلت العيون كلها جت عليا وسمعت همسات الموظفين لكن كملت طريقي لمكتبي وأنا باصص قدامي
قبل ما أوصل، خرج المدير من مكتبه، أول ما عينه جت في عيني وشه اتغير وبقى لونه أحمر من الغضب، وقف في نص الصالة وصوته هز المكان كله
أنت ليك عين تيجي تاني؟ أنت مفكر الشركة دي لوكاندة تدخل وتخرج منها بمزاجك؟
قربت منه وأنا بحاول أحافظ على هدوئي وصوتي وقولت
* أستاذ رأفت، أنا عارف إني غلطت، بس والله كان عندي ظروف صعبة أوي، وأنا جيت النهاردة عشان أعتذر وأثبتلك إني..
تثبتلي إيه؟
قطع كلامي بزعيق وهو بيخبط على المكتب اللي جنبه
أنا حذرتك مية مرة وقولتلك دي آخر فرصة ليك وأنت ولا كأنك هنا، غياب بالأيام وتليفون مقفول واستهتار، أنت فاكر نفسك مين؟
الموظفين كلهم كانوا بيتفرجوا، وفي وسطهم شفت وليد ومازن واقفين بعيد وعلى وشهم نظرات غريبة كانت مزيج بين الشماتة والاستغراب، بلعت ريقي وقولت بصوت فيه رجاء
* أنا هلتزم من النهاردة يا فندم، والله مش هغيب تاني وهعوض كل الشغل اللي فاتني، بس اديني فرصة أخيرة
فرصك خلصت ومعدتش تلزمني، روح دلوقتي قدم استقالتك لشؤون الموظفين، ومش عايز أشوف وشك هنا تاني .. يلا
بصتله بصدمة من كلامه، الدنيا اسودت في وشي لحظتها وانا شايف الفرصة. اللي ياما حلمت بيها بتضيع قدام عينيا، فكرت ادخل أكلمه تاني، لكن لقيتني مش هستحمل كلامه ليا تاني بالشكل دة قدام الكل، لفيت ضهري وخرجت من المكتب وأنا حاسس بكسرة نفس و إني بجني ثمار اللي عملته في نفسي، وأنا نازل على السلم سمعت خطوات سريعة ورايا وصوت وليد وهو بينادي
سيف .. يا سيف، استنى يا عم
وقفت مكاني ف جيه وقف قدامي
إيه يا عم كنت فين؟ خضتنا عليك
مردتش عليه وكملت طريقي للشارع، بس هو لحقني وشدني من ايدي
جرى إيه يا سيف؟ يا عم اللي حصل جوه ده ولا حاجة، أنت مكنتش بتعمل جريمة يعني ده غياب يومين، فكها كدة، اقولك، تعالى نسهر النهاردة سهرة حلوة ننسى فيها الهم ده كله، والشباب كلهم مستنيينك
بصتله ولأول مرة أشوفه على حقيقته، شوفت في عينه السواد اللي كان هيسحبني معاه، شديت ايدي منه وقولتله بلهجة حاسمة
* مش عايز يا وليد، ولا النهاردة ولا بعده
رفع حاجبه باستنكار وقال
خلاص يا سيدي، بلاش النهاردة، نخليها مرة تانية لما تروق
قربت منه خطوة وقولت بصوت طالع من قهر قلبي قوتي الجديدة
* لا في تانية ولا تالتة يا وليد، انا مش هعمل كدة تاني ولا هقابلكم تاني، أنا ما صدقت فوقت، ومش مستعد أرمي نفسي في النار بإيدي مرة تانية
ضحك باستهزاء وقال
ودا من امتى بقى إن شاء الله؟ فجأة كدة فوقت؟
بصتله بثبات مكنتش أعرف إني أملكه
* من دلوقتي .. من اللحظة اللي عرفت فيها إني كنت بضيع أهلي وبضيع نفسي عشان شوية وهم، ابعد عن سكتي يا وليد، مش عايز اشوفك تاني
سيبته واقف مكانه ومشيت وأنا مش عارف هروح فين، بس كنت حاسس بخفة غريبة في قلبي رغم إن الشغل ضاع، كنت حاسس إني قفلت باب كبير للشر، وإن ربنا أكيد هيفتحلي باب غيره
دخلت الشقة لقيت أمي قاعدة في الصالة، كانت ماسكة سبحتها في إيدها وأول ما شافتني عينيها لمعت بالفرحة، بس الفرحة دي مكملتش ثواني وأول ما قربت منها لقطت الهم اللي حاولت أداريه ورا ابتسامة باهتة
مالك؟ وشك مخطوف ليه يا ضنايا؟
سألتني وهي بتطبطب على الكنبة عشان أقعد جمبها، قعدت وحسيت إني صخرة تقيلة اترمت على الأرض، سكت شوية وأنا بفرك إيدي في بعضها مش عارف أبدأ منين، خايف أكسر فرحتها بتاعة الصبح، بصتلها وقولت بتردد
* أمي .. أنا روحت الشركة النهاردة
سكتت ف كملت بصوت واطي وأنا باصص للأرض
* المدير مرضيش يديني فرصة تانية، زعق فيا قدام الناس كلها وقالي مش عايز يشوف وشي، وقالي أقدم استقالتي وأمشي فوراً
رفعت عيني شوفت ملامحها اللي اتغيرت وظهر فيها الحزن، مدت إيدها ومسكت إيدي، وقالتلي بهدوء استغرابه
ولا تزعل نفسك، الباب اللي اتقفل دة ربنا هيفتحلك قصاده عشرة، الشغلانة دي كان فيها شر كبير ليك، و ربنا بعدك عنها عشان يطهرك من الذنوب اللي طالتك فيها
بصيتلها باستغراب
* مش زعلانة يا أمي؟ ده أنا كنت معتمد على ربنا على المرتب ده عشان البيت، حاسس إني رجعت عالة عليكي
ضحكت ضحكة صافية فيها رضا وطبطبت عليا
عالة إيه يا عبيط، أنت رجوعك لينا بالدنيا وما فيها، اللقمة اللي كنا بناكلها وإحنا شايلين همك كانت ب تقف في زورنا، واللقمة اللي هناكلها وإحنا مطمنين عليك بالهداية دي هتبقى شهد حتى لو كانت بعيش وملح، وبعدين يا سيف ربنا مبيسيبش حد اشترى رضاه، أنت سيبت الحرام والضياع عشان تروح لربنا، تفتكر هو هيضيعك؟
كلامها كان بينزل على قلبي زي الماية الساقعة بتطفي النار اللي كانت قايدة فيه، خدت نفس طويل وحسيت إن الحمل خف فعلاً
* انا راضي يا أمي، والكسرة اللي انكسرتها قدام الموظفين محتسبها عند ربنا، أنا بس خايف من بكرة، خايف أدهم يحتاج حاجة معرفش اديهاله ف يضايق
أدهم أخوك وسندك، وعمره ما هيزعل إنك بدأت تنضف حياتك
قالتها وهي بتقوم تقف بحماس كأنها عايزة تشغلني عن التفكير
قوم اتوضى وصلي ركعتين شكر إن ربنا نجاك من مكان كان ممكن يرجعك لورا، وأنا هدخل أحضرلك لقمة ترم عضمك على الفطار، الرزق بييجي بالسعي، وأنت بدأت تسعى في طريق النور، والرزاق موجود
* ونعم بالله
سابتني ودخلت المطبخ، وانا دخلت أوضتي وأنا حاسس إن أمي دي هي الجنة اللي بتمشي على الأرض، كلامها خلاني أشوف الرفد من الشغل مش مصيبة، لكنه شهادة ميلاد جديدة، قعدت على السرير وقولت في سري
* يا رب، أنت الرزاق، وأنا وكلت أمري ليك
مكتب مصطفى في الشغل كان هادي تماماً، ريحة الورق القديم والقهوة كانت مالية المكان، كان قاعد على مكتبه ساند ضهره ومغمض عينيه في محاولة للهروب من التفكير اللي مش ملاحق عليه، ملامحه حزينة والكسرة اللي في عينيه مكنتش بسبب تعب الشغل، كانت بسبب ليلى .. بنته وحتة من قلبه اللي مغلباه معاها وقلقاه عليها، مش عارف ازاي يشيل سيف من قلبها، المشاعر غالبة عليها ومش مخلياها تفكر كويس، تضمن منين أن ندمه دة حقيقي، أو أنه مش هيرجع تاني وهيثبت .. تضمن منين أنه لسة عايزها، ياربي، اعمل اية بس معاها
قطع حبل أفكاره خبطة على الباب، دخل يحيى بابتسامته الهادية المعتادة وهو ماسك في إيده ملف وخطوته فيها ثقة تليق بشاب متربي ومؤدب زيه
استاذ مصطفى، دي العقود اللي كنا مستنيينها، محتاجة إمضاء حضرتك عشان نخلص إجراءات المخزن
قرب وحط الورق قدام مصطفى اللي مسك الورق ببطء وبصله بشرود غريب، عينه بتبص على السطور بس عقله في حتة تانية تماماً
لاحظ يحيى حالته ف سأله بصوت واطي
حضرتك كويس؟ تحب تروح ترتاح؟
رفع راسه وبصله بنظرة طويلة، نظرة خلت يحيى يسكت ويستنى، اتنهد تنهيدة طويلة وحط الورق على المكتب وبصله بجدية وقال
يحيى .. أنت عارف معزتك عندي، وعارف إني مش هلاقي حد أآمنه على بنتي زيك
قلب يحيى بدأ يدق بسرعة وهو بيسمع الكلمة اللي استناها شهور، كمل مصطفى بصوت رزين لكن فيه نبرة وجع
انا فتحت الموضوع مع ليلى يا ابني زي ما وعدتك .. والبنت وافقت
في ثانية وش يحيى اتغير تماماً، الفرحة رسمت ملامحه بطريقة مكنش قادر يخبيها، عينيه لمعت ببريق النصر وضحكة واسعة طلعت من قلبه وهو مش مصدق
بجد يا استاذ مصطفى؟ وافقت بجد؟ والله العظيم أنا مش عارف أقول لحضرتك إيه، أنا هحطها في عيني، والله ما هزعلها يوم، ده أنا كنت بدعي ربنا باللحظة دي في كل صلاة
كان بيتكلم بحماس كبير والكلمات كانت بتخرج منه بلهفة
طيب والميعاد؟ أنا جاهز من دلوقتي، الشبكة والبيت وكل حاجة، إيه رأيك نيجي الخميس الجاي نقرأ الفاتحة ونحدد الخطوبة؟ ولا حضرتك تحب ننتظر شوية؟ أنا مش عايز أضيع وقت، أنا ما صدقت إنها وافقت
كان باصص لفرحته وحاسس بتقل الجبال فوق كتافه، شايف قدامه شاب كامل مفيش فيه غلطة، بس في نفس الوقت كان شايف صورة ليلى وهي بتدبل، بلع ريقه وحاول يبتسم ابتسامة باهتة وقال
الخميس الجاي يا ابني، اللي فيه الخير يقدمه ربنا، هبلغ والدتها ترتب البيت، ونستناك أنت وأهلك
مكنش قادر يشيل الضحكة من على وشه، قعد يشكر فيه وباس إيده بامتنان وخرج من المكتب وهو بيمشي بخطوات سريعة كأنه طاير من الفرحة عشان يلحق يبلغ أهله
أول ما الباب اتقفل، حط مصطفى راسه بين إيديه و همس لنفسه بصوت مبحوح وهو متوقع رد فعلها وشايل همه
يا رب مكنش ظلمتها .. يا رب مكنش جنيت عليكي يا بنتي ب خوفي عليكي
