رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل السادس 6 بقلم دنيا ال شملول


 رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل السادس 

بقيت عينيهما معلقة ببعضها .. ريان بلا مشاعر وديالا برجاء أن ينكر .. 

ظن ريان لوهلة أنها ربما لم تفهم ما يوجد بداخل الأوراق وتنتظر تفسيره .. 

تحمحم ينظف حلقه وهو يتمتم بهدوء :
- ده .. اا .. تحليل الأنيميا بتاعي .. بس الحمد لله كويس يعني هي حداشر والدكتور طمني . 

ديالا وهي تتحرك تجاهه وتمسك بوجنته بين يديها وانسالت عبراتها وهي تنظر داخل عينيه :
- امته جبت التحاليل دي ؟ 

تابع ريان في كذبته بصوت مبحوح :
- النهاردة . 

ديالا وهي تبتسم بتذبذب :
- الدكتور قالك إيه بالظبط ؟.. حميد صح ؟.. حميد وهيتعالج بسرعة صح ؟ 

نظر لها ريان بإدراك لكونها تعلم ما يحتوي عليه الظرف ومن ثم رمش عدة مرات محاولًا الهرب من عينيها ... لكنها لم تسمح له بذلك حينما ثبتت عينيها داخل عينيه تطالبه بالإجابة .. 

نفى مرارًا وهو يُنكِّس رأسه شاعرًا بتلك الوخزات التي أصابت قلبه وهو يرى ملامحها الفزعة وعينيها التي لا تتوقف عن ذرف الدموع ويدها التي ارتخت إلى جانبها في صدمة وعدم تصديق .. طفلها ليس مريض بالسرطان .. لا ليس كذلك .. هناك خطأ ما .. بالتأكيد هناك خطأ ما .. 

ابتلعت غصتها وحاولت التحدث في ثبات لكنها فشلت فشلًا زريعًا حينما خرجت نبرتها مهزوزة ضعيفة وهي تؤكد له أنهما سيذهبان في الغد لإجراء تحاليل جديدة .. 

ولت ظهرها له وهي تحاول التقاط أنفاسها وتقدمت خطوتين قبل أن تخونها قدمها وينسحب النور عن عينيها لتسقط إلى الأرض بقوة مغشيًا عليها .. 

ركض إليها حينما رآها تترنح ليمسك برأسها قبل أن تصل للأرض وهو يضرب وجنتها بفزع وينادي بخوف حقيقي :
- ماما .. ماما لا .. ماما ..  ماماااااااااا .

خرج نداءه الأخير بصوته كله فأتى على إثره مراد الذي جحظت عيناه وهو يراها مسطحة إلى الأرضية بين أحضان ابنهما .. 

ركض تجاههما وهو يجس نبضها بخوف ويتساءل بهلع :
- في إيه ؟.. إيه اللي حصل ؟! 

لم يجبه ريان الذي غرق في عالم الخوف خاصته وهرب بعقله إلى الظلام الحالك الذي يبتلعه دون رحمة .. 

حملها مراد ووضعها فوق الفراش وركض ليجلب إحدى زجاجات العطر وبدأ بمحاولة إيقاظها حتى رمشت وهي تئن بألم ليتنفس مراد الصعداء وهو يمسد ما بين حاجبيه بتعب متمتمًا بالحمد .. 

ديالا بضعف :
- ابني .. ريان .. ابني . 

رمش مراد عدة مرات وهو يجبها بهدوء :
- حاضر يا حبيبتي .. انتي كويسة دلوقتي ؟؟ 

ديالا وقد بدأت من جديد في وصلة البكاء والنحيب وتعالت شهقاتها وهي تتشبث بثياب مراد دافنة وجهها في صدره تنتحب بقوة مما أفزع مراد الذي حاول إبعادها ليستفسر منها عن سبب حالتها هذه .. 

نظر إلى الأرض ليرى ريان لا يزال على حاله من الشرود دون أن يتحرك .. 

مراد بقلق حقيقي تفاقم حتى وصل لذروته :
- ريان .. ريان مالك يا بابا ؟.. في إيه ؟.. قاعد كده ليه !.. تعالى .. تعالى شوف ماما فاقت أهي وعيزاك . 

ابتعدت ديالا عن أحضانه والتفتت برأسها تبحث عن فلذة كبدها .. وحينما رأته على حالته تلك ركضت إليه وجلست أمامه وأمسكت بوجهه بين يديها وهي تحادثه بابتسامة ملتاعة من بين عبراتها :
- متخافش يا حبيبي .. متخافش أبدًا .. كل حاجه هتبقى كويسة . 

جذبته إلى أحضانها وهي تردد :
- كل حاجة هتبقى كويسة .. كل حاجة هتبقى كويسة . 

تحرك مراد إليهما وجلس إلى جوارهما يحاول فهم ما يحدث .. وقعت عينيه على تلك الأوراق المبعثرة أرضًا بجانب الفراش .. 

حملها بين يديه لتكون الصدمة من نصيبه هو الآخر هذه المرة .. 

انتفض من مكانه وهو يحملق في الأوراق بين يديه بفزع ونظر تجاه ابنه الساكن بين أحضان والدته المنتحبة .. 

أعلن هاتفه عن اتصال ليخرجه بيدين مرتعشتين ونظر لشاشة الهاتف وضغط زر إنهاء الاتصال .. ولكن قبل أن يعاود وضعه بجيبه عاد الهاتف للرنين من جديد .. 

أجاب مراد دون أن ينطق بحرف .. لكنه تسمر محله وهو يستمع لما يقوله ناجي من الجهة الأخرى . 

مراد بصوت مبحوح ضعيف :
- لا إله إلا الله .. امته ده حصل ؟ 

انتظر إجابة ناجي ومن ثم تحدث بهدوء :
- مسافة الطريق .. مع السلامة . 

وضع الهاتف في جيبه وعاد بنظره لزوجته التي رفعت ريان عن الأرض والذي تحرك معها في صمت إلى الفراش وسطحته .. ومن ثم تسطحت إلى جانبه وأخذته بين أحضانها .. 

هز رأسه نافيًا قبل أن يلملم جميع الأوراق ويخرج من الغرفة هائمًا .. 

(🌸 اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار🌸) 

تجلس إلى أرجوحة الحديقة تنظر للفراغ بشرود .. عقلها لا يريد استيعاب كونها فقدته .. وقلبها يصارع كي يتوقف عن العمل .. 
يتوقف عن العمل !!!.. لقد توقف بالفعل .. 
ألم تحلق روحه إلى السماء !!.. روحه التي لطالما كانت لها الدفء .. 
ألن يكون أول من ترى مع إشراقة الصباح ؟.. ألن يكون آخر من ترى مع إسدال الليل ستائره وإسدال العين لجفنيها .. ألن يوقظها ليصليان الفجر معًا ؟.. ألن يهاتفها بعد صلاة الظهر ليخبرها كونه قد اشتاق لها مع هذه السويعات القليلة ؟.. ألن يهاتفها قُبيل المغرب ليخبرها بعودته ؟.. ألن يطبع قبلاته الحانية فوق كتفها حينما يراها تصنع الفطور مع كل صباح ؟.. ألن يغمزها كي تتسلل من بين أبنائها حيث يجمعهما الحب والعشق والوله ؟.. ألن يكتب لها أبيات شعرية في وريقات ملونة ويتركها لها فوق وسادتهما قبل مغادرته إن اضطر للمغادرة باكرًا ؟.. ألن تنظر بعينيه مجددًا وترى بهما ذاتها ؟.. ألن يطالبها بأن تطعمه كنوع من الدلال ؟.. ألن يتشاجر مع وليد لأنه يحتضنها بتملك وهو الذي يغار حتى من ثيابها ؟.. ألن يحملها على حين غرة حينما يود مفاجأتها بإحدى هداياه التي لم تنتهي حتى يوم أمس ؟.. هل ذهب حقًا دون عودة !! 

كانت تلك الأفكار والذكريات تتوافد على عقلها دون أن تدري باهتزاز قدميها وسيلان عبراتها وشهقاتها التي بدأت في التعالي حتى أصبحت نحيبًا .. لقد فارقتها الروح بمفارقته إياها .. وداعًا يا رفيق الدرب .. وداعًا يا مالك القلب .

اقترب وليد ودثرها بين أحضانه محاولًا التماسك  أمامها وبث الأمان بقلبها المُثلج الذي ولأول مرة يشعر بالبرودة ..

بقيت تنتحب فوق صدره لوقت لا يعلمان مداه حتى سمعا صوت مروان الذي تحمحم بضعف ووتحدث بخفوت :
- وليد .

اعتدلت مريم على الفور ونظرت إليه في وهن وشفتيها ترتجف وعينيها متورمة وحالها أصعب من أن يوصف بالكلمات ..

نفض رأسه سريعًا ليتحرك وليد وقام باحتضان عمه الذي ما إن شعر بذراعي وليد حوله حتى انهارت حصونه الذي بقي لوقت طويل يحاول التحصن بها كي يبقى قويًا من أجل أسرة أخيه .. ومع اشتمامه لرائحة أخيه في ابنه قام بضمه إليه بقوة وأخذ يبكي بصمت تام وهو يدفن رأسه في عنق وليد الذي كان يبادله البكاء في صمت هو الآخر لتتحرك مريم إلى الداخل تاركة لهما المجال للتعبير عن حزنهم ..

تحول منزل البهجة والسرور لمنزل لا حياة فيه .

بدأ الجميع في الاستعداد لإقامة العزاء وتمت مراسم الدفن بوجود جميع الأصدقاء والعائلة من جميع الأطراف .. وتشارك الجميع الحزن على رجل عاش كريمًا رحيمًا طيب القلب وصافي السريرة .. والآن لقد رحل بجسده إلى أسفل الأرض وبروحه إلى السماء .. لكنه سيبقى في القلوب بما قدمه .. سيُذكر بسيرته الحسنة .

هذه هي الحياة .. فراق دون موعد يُدمي القلوب ويُثلج الصدور .. لقاء دون موعد يُعيد لنا الحياة ويُطيب بخواطرنا .. لقاء وفراق وما بين الكلمتين كثير من الحكايا . 

(🌸 اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك🌸)  

مر أسبوع والحال على ما هو عليه .. الصمت يخيم على أرجاء المنزل رغم زيادة عدد الأفراد به .. الجميع جنبًا إلى جنب ..

مريم تجلس في ركن غرفتها تقرأ في كتاب الله وتحاول جاهدة ألا تبكي وتشاركنها سيدات وفتيات العائلة في القراءة بعذوبة ..

مروان يجلس بحديقة المنزل ومن حوله أبنائه وأصدقائهم يرتلون القرآن ..

صدح صوت آذان المغرب يُعلن عن انقضاء يوم آخر ليبدأ الجمع في التفرق كلٌ إلى بيته ..

بينما هنا في إحدى مستشفى الأورام يجلس مراد واضعًا رأسه بين يديه منتظرًا إذن بالدخول إلى الطبيب المعالج لابنه ..

وأخيرًا سُمح له ..

مراد بهدوء :
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الطبيب بترحاب :
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. اتفضل حضرتك .

جلس مراد والتوتر بادٍ عليه ولا يعلم من أين عليه البدء حتى تحدث الطبيب بروتينية بعد أن خلع نظارته الطبيه :
- نفس النتيجة يا دكتور مراد .. للأسف إحنا حتى اكتشفنا الورم في مرحلة متأخرة .. ابنك كان بيعاني كتير جدًا ومجاليش غير لما فاض بيه .

مراد وهو يزدرد ريقه بحلق جاف :
- عـ علاجه .. عـ علاجه إيه ؟ وامته ؟

الطبيب بتنهيدة آسفة :
- كيماوي .. علاجه كيماوي وهنبدأ من النهاردة في كل الإجراءات بحيث نبدأ مرحلة العلاج في أسرع وقت .. حالته أنا عاينتها كويس .. هيبدأ بنظام غذائي معين .. دورة علاجه هتكون أسبوعية .. ويقدر يمارس حياته بشكل طبيعي .. وطبعًا مش محتاج أوصيك يا دكتور مراد على إن الحالة النفسية عامل أساسي وكبير جدًا .. بالإضافة لقبوله الشخصي للعلاج ده وتحمله لآلامه بهدف ورغبة في الشفاء .. الكيماوي مش أكيد يقضي على المرض لكن أنا في حالة ريان علاج الكيماوي ليه هيقلص من الورم وبعدها نعمل للورم إزاله بعملية جراحيه أو إشعاع .. وده هيبقى بناءً بردو على استجابته للعلاج وتمسكه بالحياه .. حضرتك فاهمني ؟ 

أماء مراد بألم يقتلع خلايا قلبه المُعذب لما آلت إليه الأمور .. ابنه سيصارع السرطان .. وبحكم كونه وحيدًا دون أنيس أو صديق ففكرة تحسن نفسيته تكاد تكون غير ممكنه ..

خرج من العيادة وتفكيره محاصر على طريقة يخبر بها زوجته بما هم مقبلين عليه في الفترة القادمة .. إنها مريضة منذ أن علمت بمرض ابنهما وتكافح حتى لا تُظهر له ذلك .. وريان لا يُظهر اهتمامه أو حتى مرضه ولا يزال يصب تركيزه على المذاكرة للانتهاء من العام الدراسي هذا ..

تنهيدة قوية خرجت عنه قبل أن يزعن لقضاء الله وقدره .

وصل إلى منزله وكما توقع .. ركضت ديالا إليه تناظره بلهفة عاكفة عن التحدث .. تنتظر نفيه لما علما به لكنه تحدث بما لا تود سماعه ..

جلست إلى أقرب مقعد واضعة رأسها بين يديها بتعب حقيقي ..

مراد وهو يضع يده فوق كتفها بحنو :
- ديالا .. ريان محتاجنا جنبه .. هو هيستمد القوة منين لو مش مني ومنك ؟.. لازم تضحكي في وشه وتعرفيه إن السرطان ده مش هينهيه أبدًا وإنه أقوى منه .. لازم نسانده وندعمه ونبقى في ضهره .. الدكتور قال العامل النفسي أهم حاجة في العلاج .

أماءت ديالا عدة مرات وهي تحاول ألا تبكي .. ليقاطعهما طرقات الباب التي علما من خلالها بهوية الطارق .. فتنفست ديالا بعمق وقامت بترتيب ثيابها ورسمت ابتسامة هادئة فوق ثغرها قبل أن تتقدم من الباب لتفتحه ..

ريان بهدوء :
- السلام عليكم .

مراد وديالا معًا :
- وعليكم السلام يا حبيبي .. ها اتعشيت ولا أجهزلك مع بابا ؟

ريان بنفي :
- لا لا اتعشيت الحمد لله مع الشباب .. كنا عاملين ختمة النهارده .

ديالا بتنهيدة حزينة :
- ربنا يرحمه ويحسن إليه يارب .

دلف ريان لغرفته دون أن يتحدث في المزيد .. لقد هاتف الطبيب وعلم منه بما يجب عليه فعله .. الآن عليه أن يُنسي سندس وجود شخص يُدعى ريان بحياتها .. لن يجعلها تتعلق بميت ينتظر خروج الروح عنه .

  (🌸وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ 🌸) 

دلف إلى الجامعة بدراجته النارية كعادة كل مرة يأتي إليها وقام بصفها بالقرب من عربة التبرعات التي شك بأمرها ..

قام بطرقعة رقبته ومن ثم اتجه إلى الكافتيريا كي يجلب بعض الصودا استعدادًا لما انتوى فعله ..

بينما على جانب آخر وتحديدًا في الحديقة الخلفية للمكان الذي ترك به دراجته تجلس هي متابعة للآتي والغادي بترقب وأعين ثاقبة .. فهي على هذا الحال منذ ذاك اليوم الذي تسلل فيه الشك إلى قلبها ..

رأته وهو يصف دراجته ويغادر ولا تعلم سببًا لهذه الابتسامة البلهاء التي ارتسمت فوق محياها ما إن رأته .. لكنها نفضت رأسها بعنف تطرد هذه الأفكار الغبية وعادت للتركيز فيما يحدث من حولها ..

وفجأة ودون سابق إنذار تحركت من محلها وهي تتحرك بخِفية حينما حدث ما انتظرته طوال هذه المدة .. ليتحول بطء حركتها للركض .. 

بينما عاد عمار من الكافتيريا وبيده الصودا التي ابتاعها توًا وعيناه ترتكز على تلك التي تتحرك بتخفي حتى وصلت للرصيف ومن ثم ركضت تجاه العربة .. ولا يعلم لماذا شعر بحركة أكثر ريبة من سابقتها ..

دقت إنذارات الخطر في عقله وهو يلاحظ امتداد يد الفتاة إلى خصر بنطالها الأسود الواسع وفي حركة سريعة انتبه للسيارة التي كانت بجانب عربة التبرعات تُسرع بالخروج من المكان ليركض عمار بعد أن ألقى بما في يده وامتدت يده إلى خلف ظهره لكنه استعاد ثباته وتوقف عن الركض وأبعد يده عن خصره حينما اصطدم بغادة التي كانت على وشك السقوط أرضًا فامتدت يده لا إراديًا ممسكا بذراعها وأعاد لها توازنها .. 

لكن الغريب أنها لم تهتم لذلك .. وعيناها لا تزال تتابع تلك السيارة التي ذهبت ..

عمار بحمحمة :
- انتي كويسة ؟

نظرت له غادة وجذبت يدها بعنف وهي تكز أسنانها متحدثة من بين أسنانها في تهديد صريح :
- قسمًا بالله لو ما اختفيت من وشي لارتكب فيك جناية حالًا .

جحظ بعينيه وهو ينظر لها من أسفل نظارته ومن ثم تخصر وابتسم بعصبية وهو يدور بنصفه العلوي يمينًا ويسارًا قبل أن يقترب برأسه منها متحدثًا بنبرة أجفلتها وجعلتها تعود للخلف خطوة :
- وقسمًا بالله لولا إنك بنت كنت عرفتك مقامك كويس وعرفتك إزاي تتكلمي مع البشر بأسلوب كويس يا متهورة . 

غادة بغيظ :
- أنا متهورة يا همجي انت ! 

كز أسنانه محدثًا صوتًا دب القشعريرة بجسدها .. وقبل أن يتحدث تناهى لمسامعه صوت ينادي باسمه :
- عمار ! 

رفع عينيه لتلك الواقفة خلف المتهورة كما أسماها ليرى سندس وصديقاتها .. 

سندس :
- في حاجة ولا إيه ؟.. انتوا تعرفوا بعض . 

عمار وغادة في نفس الصوت :
- ما اتشرفش . 

كتمت الفتيات ضحكاتهن لينظر كلاهما لبعضهما قبل أن يعدل عمار من ياقة قميصه وتحدث وهو يهم بالمغادرة :
- ابقي سلميلي على عمي ناجي لحد ما أبقى أشوفه . 

غادر المكان لتنظر غادة في أثره بغيظ وهي تتحدث بضيق :
- انتي تعرفي التِّنِك ده ؟ 

سندس بضحكة خفيفة : 
- اه .. باباه يبقى صديق بابايا بس . 

غادة وهي تتحرك من المكان :
- بارد ورزل ومستفز ... وهمجي كمان . 

ضحكت الفتيات عليها قبل أن يتحركن من المكان ... 

بينما ابتسم عمار بخبث لما أحرزه اليوم .. إنها فتاة غامضة .. لكن ليس عليه هو . 

(🌸رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ🌸) 

تجلس في شرفة غرفتها ترتشف من كوب الليمون الدافئ الذي أعدته لها أريج منذ قليل وتشرد في البعيد ..
تبتسم أحيانًا وتنكمش ملامحها بألم في أحيان أخرى .. تتنهد أحيانًا وتضغط أسنانها معًا حتى لا تتساقط عبراتها ..

محصورة داخل ذكرياتها مع والدها الذي لم يُشعرها يومًا سوى كونها أميرة متوجة على عرش الأميرات أجمع ..

تتذكر كيف كان يعاقب بشير إن تعرض لها على سبيل المزاح حتى .. تذكر كم مرة أمسكه من تلابيب ثيابه متلبسًا بجريمة إغاظتها .. ولم ينجُ وليد أخيها من هذا أيضًا .. لم يكن ليسمح لأحدهم بأن يُغضبها .. تعشق ملامحها التي تشبه كثيرًا والدتها .. فهي قد حظت بعشقه تقاسمًا معها .. لم يكن أبًا وحسب .. لقد كان الأب والأم والحبيب والصديق .. لم يبخل عليها بشئ مطلقًا .. لم يجعلها تشعر يومًا بالاحتياج لشئ ما .. علمها من العلم والدين ما يجعلها مميزة عن باقي فتيات جيلها تدينًا وقربًا من رب العباد .. سعى لأن يجعلها نسخة مصغرة من والدتها وطباعها الحنون الطيبة والمرشدة بكل صدر رحب .. كما سعى لذرع النية والاعتزام والإصرار والأمل .. تلك الصفات التي يمتلكها .. لقد أصبحت مزيجًا مختلطًا من والديها ..

قاطع دوامة شرودها طرقات هادئة على باب غرفتها تلتها دلوف إيلاف التي ابتسمت بهدوء لتبادلها وجد الابتسامة بصفاء وهي ترحب بها وتدعوها للجلوس بجانبها كي تشاركها استنشاق الهواء النقي والمعبء برائحة والدها الذي أقمست على إحياء سيرته ما حيت ..

إيلاف بهدوء وحذر :
- عاملة إيه النهارده يا وجد ؟

وجد بتنهيدة :
- لو بشكل عام .. فهو الحمد لله على كل حال .. وأنا في خير ونعمة من ربنا واسعة جدًا .. أما لو بشكل شخصي .. فأنا بحاول افضل قوية عشان بابا الله يرحمه علمني ديمًا إني أفضل قوية مهما عدا عليا من صعاب .. وأنا وعدته بكده .. ومظنش هيبقى فيه أصعب من فراقه .. عشان كده بوفي بوعدي ليه قصاد أصعب الصعاب اللي ممكن تمر بيها أي بنت في حياتها .

إيلاف بنبرة حزينة :
- ربنا يصبر قلبك على فراقه ويسكنه فسيح جناته يارب .. انا فعلًا بحييكي على قوتك دي بجد وعلى موقفك ومدى صبرك على البلاء .

ابتسمت لها وجد بهدوء لتبادلها إيلاف إياها قبل أن تمد يدها لتحتضن وجد التي شعرت لوهلة أنها حقًا بحاجة لمن يفعل ذلك لتنهمر عبراتها في صمت .. ليس اعتراضًا على قضاء الله ولكن اشتياقًا لمن توفاه الله .

أجفلهما طرقات الباب التي تبعتها دلوف بشير بحماس :
- دودو .. عملنا الـ ... 

قطع كلماته وعاد للخارج مجددًا بعدما أخفض بصره سريعًا وهو يعتذر :
- آسف .. بعتذر جدًا مكنتش أعرف إن في حد معاكي .

وجد :
- تعالى يا بشير .. حصل خير .. قولي عملتوا إيه . 

بشير بابتسامة هادئة :
- عملنا اللي اتفقنا عليه كله .. ركبنا الكولديرات اللي اتفقنا على أماكنها وكل اللي اتكلمنا فيه .. لسه حالًا مخلصين . 

وجد بابتسامة هادئة :
- طب الحمد لله .. ربنا يتقبل يارب . 

بشير :
- طب هروح أريح شوية .. بعد إذنكم . 

أماءت وجد بامتنان ليخرج بشير بهدوء ويقف عند الباب لثوان يزفر بقوة وضربات قلبه تتصارع داخل قفصه الصدري .. هذا كثير .. كثير للغاية .

(🌸رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا🌸) 

خرجت من مبنى الجامعة بترقب .. وكالعادة غير موجود .. 
تقسم أنه لم يعد يحبها ..  لقد مل .. إنه يفعل الأمر ذاته لسنوات .. لقد مل واكتفى .. 

غادة وهي تتعلق بذراعها :
- الحلوة إيه مزعلها ؟ 

سندس :
- مفيش حاجة أنا كويسة . 

غادة بإصرار :
- مش عيب عليكي الكلام ده .. أنا آه أعرفك من أيام بس أنا بعتبرك صحبتي .. ولا انتي مش بتعتبريني صحبتك بقا . 

سندس بتنهيدة :
- مش كده خالص بجد بس .. بس مش هتفهميني . 

غادة وهي تضم شفتيها للأمام :
- ليه بتحكمي عليا .. جربيني طيب وبعدين احكمي . 

سندس وهي تلقي نظرة أخرى حزينة حيث مكانه الفارغ منه :
- بعدين يا غادة .. تعالي نتصل بالبنات عشان نشوف هنروح نتغدى ولا هنروح ولا إيه . 

غادة بهدوء وغموض :
- مع نفسكم النهارده بقا .. عندي معمل متأخر . 

قاطعهم خروج الفتيات .. ومن ثم ذهبن تاركين غادة التي زفرت بحنق قبل أن تتحرك لداخل المبنى .

بينما لدى الفتيات .. 
تحدثت هند وهي تقترب برأسها من سندس هامسة :
- بت يا سندس .. بصي كده وسيم عيونه منزلتش من عليكي من وقت ما خرجنا من الباب .

التفتت سندس حيث تشير هند بعينيها لتراه يناظرها بنظرة غريبة .. نظرة لا تراها سوى بعينين اشتاقت لرؤياهما .. لكن صاحبهما ليس هنا ..

أدارت وجهها بعيدًا عنه وهي تتحدث بتوتر :
- يلا يا بنات امشوا .

تحركن من المكان ليبتسم وسيم وهو ينظر في أثرها متمتمًا في نفسه :
- تقيلة يا سندس .. بس قمر بردو .

(🌸رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ🌸) 

خرجت من المعمل وهي تزفر بحنق وتتفوه بكلمات غير مفهومة وكأنها تسب أحدهم .. 

استنشقت شهيقًا قويًا تنقي به رئتيها التي تتذمر على هواء المعامل .. وقبل أن يخرج زفيرها أتاها صوته الساخر من خلفها يتفوه بابتسامة صفراء :
- اللي اتعود على هوا التدريبات اللي كله عفار ودعفلة .. صعب يتعود على هوا المعامل المليان بالتجارب . 

التفتت برأسها إليه لترى ابتسامته فبادلته بأخرى تشبهها وهي تسأله من بين أسنانها في ثبات ظاهري :
- كنت بتحلم حضرتك وجاي تقولي الحلم ده ولا إيه ! 

عمار وقد ارتفعت زاوية شفته اليسرى بسخرية :
- لا أنا مبحلمش أحلام هادية كده .

غادة وقد شعرت أنه يعلم شيئًا ما لا يجب عليه معرفته :
- بعد إذنك . 

تحركت خطوتين قبل أن تتيبس قدماها أرضًا وهي تستمع لحديثه الساخر :
- سلاحك بيظهر لما بتقعدي .. ياريت تلبسي حاجة طويلة تداريه .. أو سلميه واطلعي من لعبة أكبر منك . 

(🌸رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).

تجلس في غرفتها تقلب الهاتف في يدها بضيق وقلق يساور قلبها المتلهف لمعرفة سبب اختفائه هكذا دون مقدمات .. وما يجعلها تكاد تضرب رأسها بالحائط هو خوفها من أن يكون قد مل منها ..

زفرت بحده بعدما اتخذت قرارها وقامت بطلب العديد من الأرقام العشوائية قبل أن تضع الهاتف فوق أذنها تنتظر إجابة الطرف الثاني ..
لم يمر سوى ثوان وأتاها صوت والدة ريان البادي عليه البكاء :
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. إزيك يا سندس يا حبيبتي عامله إيه ؟

سندس بارتباك :
- اا الـ الحمد لله يا طنط .. إزي حضرتك ؟.. صوتك تعبان !

ديالا وهي تستنشق ما بأنفها :
- لا يا حبيبتي لاتعب ولا حاجه أنا كويسة .. دول شوية برد كده ميستاهلوش .

سندس بهدوء :
- ربنا يتم شفاكي على خير يا ست الكل يارب .

ديالا بابتسامة ظهرت في صوتها :
- تسلمي يا حبيبتي .. ماما عامله إيه وفردوس ؟

سندس :
- كلنا بخير الحمد لله ...

تحمحمت قبل أن تتابع :
- أنا قلت أتطمن عليكم .. عمو مراد عامل إيه وأنس و .. و ريان .

ديالا بغصة في حلقها :
- كلنا بخير يا بنتي الحمد لله .

سندس :
- الحمد لله .. طيب أسيبك بقا يا طنط .. خلي بالك من نفسك .

ديالا :
- وانتي كمان يا حبيبتي .. مع السلامة .

أغلقت معها وألقت بالهاتف فوق الفراش وهي تزفر في ضجر .. لم تستطع معرفة شئ عنه أيضًا .. ماذا تفعل الآن لترى ما حل به أو تعلم سبب عدم مجيئه !!

بينما في الجهة الأخرى .. فقد التفتت ديالا تنظر إلى ريان الجالس إلى الفراش دون أي تعبير لتفصح بصوت هامس :
- كانت متصلة تسأل عليك .

ريان بدون تعبير :
- سألت عليها العافية .

ازدردت ديالا ريقها بصعوبة وهي تحاول ألا تبكي ..
تحركت من الغرفة بهدوء لتتركه ينظر لنقطة ما بالفراغ وهو يتساءل " إلى متى سيتمكن من الهرب ؟ "

تعليقات