رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل السابع
خرجت من المعمل وهي تزفر بحنق وتتفوه بكلمات غير مفهومة وكأنها تسب أحدهم ..
استنشقت شهيقًا قويًا تنقي به رئتيها التي تتذمر على هواء المعامل .. وقبل أن يخرج زفيرها أتاها صوته الساخر من خلفها يتمتم بابتسامة صفراء :
- اللي اتعود على هوا التدريبات اللي كله عفار ودعفلة .. صعب يتعود على هوا المعامل المليان بالتجارب .
التفتت برأسها إليه لترى ابتسامته فبادلته بأخرى تشبهها وهي تتمتم من بين أسنانها في ثبات :
- كنت بتحلم حضرتك وجاي تقولي الحلم ده ولا إيه !
عمار وقد ارتفعت زاوية شفته اليسرى بسخرية :
- لا أنا مبحلمش أحلام هادية كده .
غادة وقد شعرت أنه يعلم شيئًا ما لا يجب عليه معرفته :
- بعد إذنك .
تحركت خطوتين قبل أن تتيبس قدماها أرضًا وهي تستمع لحديثه الساخر :
- سلاحك بيظهر لما بتقعدي .. ياريت تلبسي حاجة طويلة تداريه .. أو سلميه واطلعي من لعبة أكبر منك .
التفتت إليه ودحجته بنظرات لم يفهم معناها .. لتتمتم بهدوء :
- سلاح إيه اللي بتتكلم عنه ؟.. وانت مالك ومال لبسي أصلًا .. أنا ألبس اللي يعجبني في المكان اللي يعجبني .
اعتدل عمار في وقفته واقترب خطوة منها وهو يضع يده في جيب بنطاله ويرفع رأسه للأعلى كأنه يرتب لكلمات يريدها أن تصيب هدفًا .. وأخيرًا تشدقت نبرته بتعالٍ وهو يهمس :
- مش لوحدك اللي زكية هنا .. ومينفعش كل ما تحسي بحركة مريبة إيدك تجري على سلاحك .. انتي كده بتكشفي نفسك .. واحتمال تتاخدي في الرجلين .. ولا انتي متعلمتيش في التدريب معنى التخفي !
ناظرته بذهول ممزوج بتوتر .. من أين له أن يعرف عنها ذلك ؟!.. كيف !!
نظفت حلقها وتحدثت بنبرة حاولت أن تبدو ثابته :
- أنا مش فاهمه بتتكلم عن إيه .. بعد إذنك .
عمار بسرعة :
- اتفضلي يا .. يا غادة .
تحركت وهي تزدرد ريقها بحلق جاف .. كيف عرف اسمها ؟!.. كيف علم أنها متخفية في زي طالبة جامعية ؟!!.. ماذا يعرف عنها أيضًا !!
بينما بقي هو ينظر في أثرها ولا يزال واضعًا يديه داخل جيب بنطاله وابتسامته لا تزال تعلُ فوق محياه .. ترى هل فهمت مغزى كلماته ؟!.. بماذا تفكر الآن ؟
ألقى بجميع الأسئلة التي يجب أن تشغله خلف ظهره وغادر المكان بابتسامة انتصار لكونه استطاع رؤية ارتباكها جيدًا وهو يُعري ما تحاول إخفاؤه ..
وللمرة الثانية هي غامضة لكن ليس عليه هو .
(🌸ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدر له🌸)
تجلس بالقرب من والدتها التي تحيك أحد الترينجات الخاصة بجاد ابن أخيها وتنظر لها بحزن دفين ..
الآن فقط ظهرت علامات تقدم العمر على وجهها الملائكي .. لطالما كان مشرقًا منيرًا كالبدر في ليلة تمامه .. لطالما كانت البسمة لا تفارقه ..
الآن فقط أصبحت لا تقدر على التحرك والوقوف لفترة طويلة ..
الآن فقط باتت عجوز ..
من ذاك الذي يظن أن العجوز هي من تقدم بها العمر !.. العجوز بحق هي تلك التي فقدت من كان لها الروح، العجوز هي من فقدت الحياة وهي على قيدها، العجوز هي من امتلكت قلب رجل لم يشعرها يومًا سوى بالسمو والرفعة وفجأة ذهب وهو بين أحضانها، ذهب دون عودة ..
اقتربت من والدتها ووضعت يدها فوق فخذها لتنتفض مريم فجأة لتدرك وجد أنها كانت شاردة وبفعلتها البسيطة تلك قد أعادتها للواقع الأليم مجددًا .. أعادتها لواقع لم يعد يحمل صوت ذاك الذي امتلك كيانها .. أعادتها لحياة لا ترغب بها لطالما فارقتها أسباب الحياة .. لو لم يكن إيمانها بالله موثقًا بحبال القوة والمتانة لأنهت حياتها منذ أن انتهى هو من الحياة .. إنها تحيى الآن في انتظار لحظة مفارقتها لعالم لا يوجد به الروح ..
وجد بغصة وحلق جاف :
- آسفة يا حبيبتي .. مكنتش أعرف إنك سرحانة .
مريم بابتسامة طفيفة :
- ولا يهمك يا حبيبتي .. عايزة حاجه ؟
وجد بتنهيدة :
- كنت عايزة أسألك تحبي تاكلي كيك بالشاي معايا ؟
مريم بابتسامة باهتة :
- ياريت يا وجد .. بس جبيلي أنا بسكوت ساده من العلبة اللي في أوضتي .
أماءت وجد بهدوء وتحركت إلى المطبخ لتتنهد مريم بقوة وهي تترك ما بيدها لتمحو تلك العبرة الخائنة التي تمردت على البقاء حبيسة جفنيها .. لقد أقسمت ألا تبكي حتى لا تعذبه .. لقد كان عذابه بكاؤها .. تعلم أنه يشعر بها إلى الآن .. لطالما كان يشعر بها دومًا .
تحركت إلى الغرفة وحملت ذاك الصندوق الصغير الملئ بالرسائل الورقية الملونة والمكتوب بمنتصفها بخط يده أبيات شعرية يهديها إياها عند كل صباح ومساء ..
تلمسته بحنين قبل أن تضعه جانبًا وتذهب لخزانته .. أخرجت ثيابه وبدأت تستنشق عبقها الأخاذ والذي يشعرها كونه قريب منها .. أجل سيبقى قريب منها .. كيف لا وهو القلب والروح !..
بدأت في ترتيب الثياب في حقائب متفرقة .. تاركة أحد قمصانه البيضاء المخططة فقط .. ومن ثم خرجت من الغرفة بهدوء لتقابلها وجد التي تحمل بيدها الشاي .
وجد بتساؤل :
- إيه دول يا أمي ؟
مريم بابتسامة حزينة :
- دول هدوم بابا .. ناديلي بشير من فوق يا وجد عشان عيزاه .
أماءت وجد بهدوء وفعلت ما طلبته والدتها .. وفي أقل من دقائق كان بشير أمامها ..
مريم بهدوء وهي تزدرد ريقها :
- حبيبي هديك عناوين لناس تاخدلهم الحاجة دي .. بس بشرط .. الموضوع ده يكون بعد صلاة المغرب كده .. وتحط الحاجه قدام الباب وتمشي بدون ما حد يلاحظ .. اتفقنا ؟
بشير عاقدًا حاجبيه :
- حاضر يا تيتا عنيا .
أهدته إحدى ابتساماتها الجميلة قبل أن تكتب فوق كل ورقة عبارة ما وتطويها جيدًا وتضعها داخل الحقيبة .
وبالفعل .. أدى بشير صلاة المغرب وتحرك حيث أخبرته جدته .. وبدأ في وضع كل حقيبة حيث المنزل المسجل لديه بورقة خارجيه تحمل عنوانه .. ويطرق الباب ويترك الحقيبة ويذهب ..
خرجت إحدى السيدات والتي كانت قريبة من الباب حينما طرقه بشير .. ففتحته قبل أن يتحرك ..
ابتسم بتوتر وهو يتمتم بهدوء :
- آسف للإزعاج .. اتفضلي .
مد يده بالحقيبة لتحملها السيدة عنه بابتسامة رضا وامتنان وهي تتمتم بتساؤل :
- إنت ابنه ؟
بشير بعدم فهم :
- ابن مين ؟
السيدة ولا تزال ابتسامتها تزين ثغرها :
- الملاك اللي بنتظر كل جمعه لحظة مرور ريحته مع نسمات الهوا .. وخبطة الباب البسيطة اللي بخرج ألاقي خيره على بابي وهو مش موجود .
غص حلقه وتجمعت العبرات في جوف عينه وبح صوته وهو يزدرد ريقه بصعوبة مستئذنًا بصوت ضعيف :
- بعد إذنك .
غادر المكان لتتساقط عبراته بغزارة دون توقف .. لقد كان يفعلها جده كل جمعة من كل أسبوع .. والآن تُكمل جدته مسيرته في الحياة .. حتى وهي في أوج حزنها لم تنسَ عادته وفعلته ..
لقد أحسن جده اختيار شريكة حياته .. وشريكة عبادته وأفعاله كذلك .
بينما نظرت المرأة في أثره ببعض التعجب المصحوب بغصة أصابت قلبها .. لما رائحة ذاك الملاك لا تزال بالمكان لطالما ذهب ابنه ؟
ولجت للمنزل وأخرجت ما بالحقيبة لتفاجأ ببعض التيشيرتات والقمصان الرجالية .. لفت انتباهها تلك الورقة المطوية التي وقعت إلى المقعد وهي تُخرج آخر قميص من الحقيبة ..
لا تعلم سببًا واضحًا لرعشة يديها وهي تقوم بفتح طية الورقة لتقرأ ما أثلج قلبها وجعل العبرات تتسارع حزنًا وألمًا ..
قرأت ما دوُّن بها من جديد بصوت مهزوز حزين " أتمنى من الله أن تكونوا بخير حال .. وأرجو من طيب قلبكم وصفاء سريرتكم الدعاء لصاحب هذه الثياب بالرحمة والمغفرة ."
الآن فقط علمت لماذا لم يأتِها الجمعة الماضية ..
بكت كأنها تبكي عزيزًا بين ثنايا القلب مسكنه .. بكت كأنها تعرفه منذ زمن .. بكت وكأنها استطاعت حتى رؤيته ولو لمره .. سنوات مرت وهو يقدم على فعلته من تقديم الصدقة لمنزلهم دون أن يراه أحدهم .. دون أن تلمحه هي .. فقط تعرف به من رائحته .. تذكر رؤيتها لظهره العريض فقط ذات مرة .. لكنها لم ترى وجهه أبدًا ..
والآن .. لقد رحل ..
تحركت من مكانها وتوضأت وتقربت لله تضرعًا أن يجعل أهله من الصابرين على فراقه .. وأن يرحمه برحمته الواسعة ويُسكنه فسيح جناته ..
وهكذا يبقى الطيب الذي قدمته هو كل ما يتداول على ألسنة من طايبتهم وأجبرت خواطرهم وكنت سببًا في سعادتهم .. هكذا تبقى سيرتك الحسنة بين خلق الله ..
يموت الجسد ويدفن أسفل الأرض .. وتحيى الروح وتصعد إلى أعلى السماء .. وأفعالك هي ما تبقى وتتداول بين من هم عالقين بين الأرض والسماء .
(🌸لا يدخل الجنة قاطع رحم 🌸)
تحرك من غرفته بعدما ارتدى ثيابه استعدادًا لبداية العلاج الذي عليه أن يتلقاه من الآن فصاعدًا ..
عاد بناظريه للغرفة يرى كل ركن بها .. يتذكر هناك في ذاك الركن المواجه للباب تمامًا .. لقد كان يسهر الليالي يفكر في سندس وكيف سينتشلها من العالم بما فيه لتكون له وحده ..
وفي ذاك الركن المجاور .. لم يكن يستوعب ما يستذكره من دروسه إلا هناك ..
وفي ذاك الثالث .. لقد كان شاهدًا على آلامه وأحزانه التي لم تتجاوز شفتيه إطلاقًا وبقيت حبيسة قلبه وجفنيه دون فضفضة أو بكاء ..
ضحك على نفسه وهو يلقي نظرة على الركن الرابع القابع خلف باب غرفته .. هذا الركن بلا فائدة .. لم يقدم له شيء كي يذكره به .. سيحرص على الاستفادة منه إن عاد مجددًا ..
إن عاد مجددًا !!!!.. هل حقًا ستكون النهاية ؟.. يشعر بها ويكذبها في كل حين .. لكنه لن يخاطر بتلك التي عشقها بكل كيانه .
أغلق الباب ونظر تجاه والديه اللذان يناظرانه بحزن عميق مدفون ..
تحرك الجميع تجاه المكان المنشود لتلقي جرعة العلاج خاصته .. تلك التي لم يكن يعلم أنها ستكون بمثابة نيران ستحرق خلاياه .. لقد كان ألمه نفسيًا .. والآن أصبح نفسيًا وجسديًا .
(🌸بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاه 🌸)
طرقات خفيفة على باب الغرفة تلاها دلوف سندس التي فكرت لمئة مرة قبل القدوم إليها ..
زهرة بتساؤل :
- تعالي يا سندس . عايزه حاجه يا حبيبتي؟
سندس بهدوء :
- معلش يا ماما كنت عيزاكي في حاجة كده .
زهرة :
تعالي يا حبيبتي .. عايزة إيه ؟
سندس بتردد :
- بصراحة هو .. يعني .. اا .. ر .. ريان بقالوا فترة كده مظهرش في الجامعة و .. وأنا قلقانة بس يكون فيه حاجه .
زهرة بابتسامة هادئة ونظرة ماكرة :
- فترة طويلة مظهرش !.. اممم .. ما يمكن جدول محاضراته اتغير مثلا ولا حاجه .
سندس بتنهيدة :
- ماما معلش كلمي طنط ديالا وشوفي في إيه .
زهرة :
- أكلم ديالا أقولها ريان مبيروحش الجامعة ليه أصل سندس قلقانة ؟
سندس بنفاذ صبر :
- ما تكلميها ويكأنك بتطمني عليها يا ماما .
زهرة بضحكة :
- ويكأني !!.. حاضر يا سندس .. هاتي الفون من ع التسريحة أما أكلمها .
أحضرت سندس الهاتف وجلست بجانب والدتها تنتظر معرفة سبب غياب ريان المفاجئ هذا .. ولكن ما لم تحسبان له حسابًا هو أن يأتيهما الرد بأن الهاتف المطلوب غير متاح في الوقت الحالي .
سندس بإحباط :
- طب وطنط ديالا تقفل فونها ليه طيب !
زهرة وهي تربت على كتف سندس براحة يدها :
- سندس يا حبيبتي عايزة أقولك حاجه .
سندس بانتباه :
- إيه ؟.. تعرفي عنهم حاجة ؟
زهرة بهدوء :
- لا يا سندس معرفش حاجه .. ما هو قدامك أهو التليفون مقفول .. وبعدين عيزاكي متكونيش مندفعة كده .. كلنا عارفين إنك متعلقه بريان من صغرك وإنه كمان متعلق بيكي .. بس يا حبيبتي لازم تعرفي إن مينفعش أبدًا الوضع ده يستمر كده .
سندس بعدم فهم :
- يعني إيه ؟.. وضع إيه اللي مينفعش يستمر ؟!
زهرة بتنهيدة :
- مينفعش تفضلي متعلقة بيه كده يا سندس .. ريان غاب فترة من الجامعه وانتي لاحظتي ده .. ده معناه إنك ديما مراقبه كل تحركاته في الجامعة لدرجة إنه لما يغيب عنها فترة تاخدي بالك منها !..
حبيبتي .. ريان راجل .. وممكن أوي يكون تعلقه بيكي ده تعلق أخوه مثلا .. عشان من صغركوا مع بعض فاتعود على وجودك .. اتعود إنه يلعب معاكي ويذاكر معاكي .. لكن دلوقتي إنتوا كبرتوا يا سندس .. مبقيتوش الأطفال الصغيرة اللي ممكن نسيبكم عادي مع بعض لإنكوا مجرد أطفال بتلعب .. كل واحد فيكوا دلوقتي ليه حياته .. عارفه وضع ريان وعارفه إنه مبيحبش الاختلاط بالناس .. وده لازم يخليكي تفوقي لنفسك وحياتك .. ريان انعزاليته عن الناس هتوجعك إنتي فيما بعد .. لانك هتختاري العزلة معاه .. ودي مش شخصيتك .. انتي شخصية اجتماعية وبتحبي التعارف والتجديد في كل حاجه .. ده لو بنتكلم على أساس إن ريان عايزك تكملي معاه .. إحنا منعلمش حتى بحاجة زي دي .
سندس وهي تزدرد ريقها بتوتر :
- لا .. لا هو .. هو أكيد عايزني وأنا هكمل معاه أكيد كمان لإنه .. لإنه بيظهر اهتمامه ليا ديمًا .. مبيمشيش من الجامعة غير لما يتطمن عليا إني خرجت وخلصت .. ديما نظرته ليا مختلفة .. هو .. هو اه انطوائي بس ممكن أغيَّر منه .. كلنا محتاجين لحد ياخد بإيدينا .
زهرة :
- وأنا مقولتش تتخلي عنه يا سندس .. ريان لو طلبك تكملي حياتك معاه مش هلاقي راجل أفضل منه .. على الأقل هو من الناس اللي قال عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ترضونه دينًا وخُلقًا " .. بس كلامي دلوقتي عن التعلق يا سندس .. التعلق ده غلط .. ومش هيدمر حد غيرك إنتي .. لازم تعملي حدود في كل علاقاتك .. ولازم تكوني مستعدة لخسارة أي شخص في حياتك وفي أي وقت .
سندس وهي تهم بالذهاب :
- إن شاء الله يا ماما .. يلا أنا هروح أنام .. تصبحي على خير .
غادرت سندس الغرفة وعقلها يعمل بشكل جعل الصداع يداهمها وبقوة .. ترى هل ما تقوله والدتها صحيح ؟.. هل تعلقه بها تعلق أخوه؟.. هل ما تراه في نظراته غير صحيح ؟!!
نفضت عقلها فورًا وهي تتمتم في نفسها :
- لا لا مستحيل .. هو أكيد في حاجة كبيرة منعته عني .. ريان بيحبني زي ما أنا بحبه وأكتر كمان .
أقنعت ذاتها بهذه الفكرة حتى ذهبت في سبات عميق ..
(🌸لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة 🌸)
انتهت أخيرًا من ارتداء آخر قطعة من ثيابها التي أعدتها منذ الأمس لهذه المقابلة الخاصة بالعمل ..
لقد اتخذت قرارها وأخيرًا .. ستعمل وتشغل بعض من وقتها .. وإلى أن يحين زواجها ستنظر في الأمر وترى ما يمكنها فعله ..
لا تعلم لماذا أتى ببالها في هذه اللحظة كي يشغل صفو تفكيرها المنحصر على مقابلتها اليوم .. ترى هل يمكن أن يأتي هذا اليوم الذي يشعر بها فيه ؟.. هل سيبادلها شعورها هذا ذات يوم ؟.. هل ستحيى قصة حب من طرف واحد وتضطر للتعايش مع فتاة أخرى ستأخذ محلها من حياته ؟!..
لماذا تفكر به الآن ذاك الأبله متبلد المشاعر والمغرور .. ألم تعاهد ذاتها على نسيانه ومحوه من ذاكرتها وقلبها !!.. لما لا تفعل ذلك الآن ؟.. هي الخاسر الوحيد في هذه اللعبة ..
لعبة!!!
أجل .. لعبة .. الحب ما هو إلا لعبة .. قد تأتيك على هيئة هدية لطيفة لتبقى ملك لك وحدك دون أن يشاركك أحدهم ..
وقد تجدها هكذا صدفة .. قد تصبح لك بعد هذه الصدفة .. وقد يصدمك كونها مِلكٌ لآخر وقد طالب بها وحصل عليها .. ليجعلك تستعيد وحدتك دونها من جديد وتحيى على ذكراها .
أخرجها صوته الحنون من شرودها متمتمًا بحب :
- الجميل سرحان في إيه ؟
بدور بتوتر :
- متوترة أوي يا بابا من مقابلة النهاردة .
سفيان بابتسامة وهو يحتضن وجنتيها بكفيه :
- حبيبة قلبي واثقة من نفسها ومن خطاها .. إوعي حاجة تهز ثقتك في نفسك أو توترك .. اللي انتي رايحة تقابليه ده ما هو إلا إنسان عادي زيي وزيك .. درس واجتهد عشان يوصل لمكانته دي .. وانتي ما شاء الله عليكي درستي واجتهدتي وبعلمك وأخلاقك ورسم أهدافك تقدري توصلي للي تتمنيه بسهولة .. حتى لو هتقابلك عقبات .. هتتخطيها .. لأنك ببساطة مخططة لمستقبلك وعندك عزيمة وإرادة .. مفيش يأس في قاموس المؤمن .. واستعيني بالله ديما في كل كبيرة وصغيرة في حياتك .. ربنا سبحانه بيقول :
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" (البقرة: ١٥٣)
أهدته إحدى ابتساماتها المميزة والممتنة لكونه دائمًا ما يهبها القوة دون مجهود يُذكر .. دائمًا ما يذكرها بضرورة التقرب من الله في جميع أمور الحياة .. فما خاب عبد على الله اتكل .. وما تاه عبدٌ على طريق الله سار .
قبلة حانية طُبعت فوق جبينها أعادت لها ثقتها وأمانها ..
سفيان بابتسامة :
- ربنا يوفقك يا حبيبة بابا .
(🌸لا تلعن الريح فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئًا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه🌸)
بقيت تتابع حركة السير حول سيارة التبرعات التي أصبحت موضع شك بالنسبة لها .. وفي الواقع .. لم تكن وحدها التي تمتلك ذاك الشك الذي أصبح يقينًا اليوم ..
في لمح البصر كانت تركض من موضعها بعدما سحبت سلاحها موجهه إياه حيث عجلة السيارة التي تستعد للتحرك من جانب سيارة التبرعات .. طلقة واثنتين ومن بعدها تيبست السيارة أرضًا لتركض من الجهة الأخرى قبل خروج سائق السيارة .. وبحركة سريعة كانت قد أمسكت بعنق ذاك الأحمق الذي أخبرها سابقًا كونهم اكتفوا من التبرعات لذاك اليوم .. أشهرت سلاحها في رأسه وابتعدت بضعة خطوات للخلف وهي تتحدث بلهاث :
- أي حركة هفجر دماغه ..
ثم وجهت حديثها لسائق السيارة الذي يشهر سلاحه تجاهها هو الآخر :
- ارمي سلاحك .
كان من تمسكه يرفع يديه باستسلام .. لكن عيناه التي تناظران السائق لم تنم أبدًا عن الاستسلام .. وبحركة سريعة قام برفع رأسه التي ارتطمت بين عينيها بعنف جعلتها تترنح للخلف دون أن تفلته .. لكنه قام بلوي ذراعها الذي تحمل به سلاحها ليتزامن الأمر مع الإمساك به من جديد من قِبَل قبضة قوية لا يعلم من أين أتته ..
نفضت رأسها محاولة استعادة توازنها لترى عمار الذي يناظرها بابتسامة ساخرة داحجًا إياها من أعلاها لأخمص قدمها مما جعل الدماء تتدفق في عروقها غضبًا وغيظًا ..
وبحركة سريعة قفزت من مكانها بعدما خلعت عنها تلك الكوفية لتلفها سريعًا حول معصمها وتدفع بها تجاه ذاك الآتي من خلف عمار منتويًا ضربه على مؤخرة رأسه ليسقط أرضًا .. وبحركة سريعة قامت بضربه بنهاية سلاحها في مؤخرة رأسه مما جعله يفقد الوعي في الحال .. بينما صدحت أصوات بعض الرجال من حولهم وبدأوا سحب الأناس المتواجدين داخل سيارة التبرعات ..
أزالت غادة حبيبات العرق عن جبينها وهي تحرك عنقها للجانبين مصدرة طرقعة تعبر عن راحتها الآن بانتهاء مهمتها هنا .. بل في الجامعة بأكملها ..
أحد الضباط بابتسامة :
- مبارك نجاحك يا غادة .. أثبتي كفاءتك .
عمار من خلفهم :
- كفاءه آه .. دي مضروبه بين عينيها .. المنطقة المشهورة بإنها محل لتقبيل السيدات هي مضروبة فيها .
اعتصرت أسنانها في بعضهما وهي تناظره بضيق .. هل حقًا كانت معجبة بذاك الوقح ؟!!.. لا تصدق !
الضابط برسمية :
- عاش يا شباب بجد .. دلوقتي تقدروا ترجعوا الجهاز .. سامي باشا بانتظاركوا .
غادة بعدم فهم :
- حضرتك بتجمع ليه ؟.. يعني إيه روحوا الجهاز ؟
الضابط برسمية :
- أقدملك يا آنسة غادة .. النقيب عمار السيوفي .
نظرت له ببعض الضيق .. أهذا نقيب !.. يا لغروره !
تحرك الضابط بعدما طلبه أحدهم لترتسم ابتسامة عمار الجانبية وهو يتمتم بكبريائه المعهود :
- ليه مبشوفش على ملامحك أي علامات اندهاش ؟.. حاولي انفعالاتك تظهريها وقتي .. عشان الكتمان والاختباء ورا قناع البرود بيعمل سكتة قلبيه .. فرصة سعيدة يا .. غادة .
تحرك ليذهب لكنه عاد خطوته من جديد وتحدث بنبرة تهكمية أقرب منها للساخرة :
- يا ملازم أول غادة .. سلاحك يتخفى كويس في المهمات السرية عشان المجرمين ليهم عيون في كل مكان .. ومجرد ما حد هيلمحك ..
ابتسم بسخرية وهو يتابع :
- هيمرجحك .
ألقى كلماته وغادر تاركًا إياها تحاول فهم كم الاستفزاز الذي يحمله في نبرته التهكمية وكم التكبر البادي جليًا على تقاسيم وجهه .. ذاك المغرور الأبله .. ماذا يظن نفسه ؟!
التفتت على صوت صديقاتها اللاتي اقتربن منها بين مصدومة وأخرى مندهشة وثالثة تحاول استيعاب ما رأت للتو ..
غادة بتنهيدة :
- أنا .. أنا بجد آسفة يا بنات إني خبيت عليكم .. بس .. بس طبعا ده شغل وملوش علاقة بالعلاقات الشخصية .. أنا فعلا اتشرفت بمعرفتكم وفرحت بصحبتكم أوي كمان .
هند ولا تزال آثار الصدمة تحتل تقاسيم وجهها :
- انتي ظابط شرطة ؟
غادة بتصحيح :
- مخابرات .
سندس :
- يعني انتي مش معانا في الجامعة ؟.. وكده مهمتك خلصت فهتمشي خالص ؟
غادة وقد التمعت العبرات بمقلتيها :
- ده حقيقي فعلا .. بس طبعًا ده ميمنعش أبدًا إننا هنفضل على تواصل .. ولا إيه ؟
تولين بتأكيد وتنهيدة ارتياح :
- أيوه طبعًا .. ودي عايزة كلام .
ابتسمت لهن غادة قبل أن توجه سؤالها لسندس :
- سندس .. ليه مقلتيش إن عمار نقيب في المخابرات ؟
سندس عاقدة حاجبيها :
- عمار مش ظابط مخابرات ! .. هو درس آه شرطة باين .. بس خرج منها تقريبًا أو حاجة زي كده ؟.. وقدم هنا في علوم معانا .
أماءت غادة بتفهم لعدم إدراك سندس شيئًا عن الأمر .. لكنها انتبهت لذاك الواقف على بعد منهم يناظرهم .. وخاصة سندس .
اقتربت من سندس قليلا وتمتمت بهدوء :
- في ناس وقعت في الغرام هنا .. خلي بالك ها .
سندس بعدم فهم :
- إيه ؟!!
أَشارت غادة بعينها تجاه ذاك الواقف على بعد منهم وعينيه تتابع سندس باهتمام ..
حولت سندس نظراتها تجاهه لترى ابتسامته التي زينت ثغره في الحال .. هل عليه أن يكون وسيمًا إلى هذا الحد المُهلك لقلبها المراهق .. ما خطب قلبها بالأمر !.. إنه مشغول بآخر .. لماذا أتت على ذكر قلبها مع امرء غير من ملكه .. إنها تهذي ..
انتبهت لنظراتهما المعلقة ببعضهما لتتحمحم سريعًا وهي تحاول الخروج من الموقف بسرعة :
- يدوب كده .. أنا هروح .
ضحكت غادة عليها لتتمتم هند بابتسامة جانبية :
- والله وقدرتي على اللي مقدرش عليه بنات جيلك كلهم يا دودو .
سندس :
- لا انتوا مش هتستلموني .. يلا مشونا من هنا .
تحركت الفتيات من المكان ومن بينهن من اختطفت جزءًا لا بأس به من قلب ذاك الذي لا يعلم ماذا دهاه .
(🌸إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب🌸)
لم يكن يدري أن الأمر سيكون بهذه الصعوبة .. لم يكن يعلم أن الألم سيصبح بهذه الحده .. لقد ظن أن ألمه النفسي من العالم حوله لا يُضاهيه ألم .. الآن فقط يُدرك معنى الألم بحق وهو يشعر بذاك السائل العابر عبر أوردته يكويها كيًا .. الآن فقط يقسم أنه لم يحيى ألمًا قبله .. وإن بقي لوقت أطول من العمر فلن يحيى ألمًا بعده .. اللعنة وكل اللعنة على السرطان وألم علاجه الذي لا يُضاهيه ألم .
كانت صرخاته المكتومة هي كل ما تسمعه خلاياه دون آذان من حوله .. اصطكاك أسنانه ببعضها حتى كادت تتهشم هي كل ما يشعر به في الوقت الراهن ..
قبضته التي لم ترتخِ منذ أن دلف لهذه الغرفة والتي تبرز عروق ذراعه بوضوح هي كل ما تُرى ..
سندس !!..
عليه أن يفكر بها حتى يتخلص من هذا الألم .. لكن بماذا يفكر ؟.. ألم يتخذ قرار الفراق والبعد حتى لا يؤلمها معه .. لقد كان على أتم الاستعداد للتواصل مع مجتمع يكرهه لأجلها .. لكنه ليس مستعدًا أبدًا كي يراها مُتعبة بجانبه بسبب ما هو فيه .. هو حتى لا يملك ضمانًا لحياته .. في آية لحظة قد يفارقها ..
هكذا كانت أفكاره تتخبط هنا وهناك في محاولة يائسة منه لتناسي ألم الكيماوي الكاوي لخلاياه ..
بينما في الخارج ..
تجلس ديالا والدته باكية في أحضان مراد الذي يضمها إليه بقوة يحاول بثها الأمان وطمأنتها .. هو أشد الناس احتياجًا لهذا الأمان في الواقع .. لكنه يثق بقدرة الله وعظمته .. سينجيه .. سينجيه لأن هذا هو حسن ظنه بالله .
