رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل الثامن 8 بقلم دنيا ال شملول


 رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل الثامن 

تحركت من منزلها بعدما ارتدت ثيابها الخاصة بالجامعة واتجهت إلى حيث ستستقل أول مواصلاتها .. 

خرجت من البوابة الكبيرة ليستوقفها نداء تعرف صاحبه جيدًا ..

بشير بعدما وصل إليها :
- رايحة فين يا قلبي ؟

وجد بابتسامة هادئة :
- الجامعة .. في امتحانات ميدترم النهاردة .

بشير بهدوء :
- طب تعالي يلا هوصلك .

وجد :
- لا لا .. روح انت شغلك مع أبوك .. أنا هروح مواصلات عادي .

بشير بجانب عينه :
- من امته الاحترام ده !.. يعني مش هتعملي عليا بلطجية وتيجي تكبي في قفايا ميه وأنا نايم وتقولي اصحى قوم وديني الجامعة .. او تهدديني إنك تبوظي كاوتشات العربية لو منزلتش أوديكي ؟

وجد بابتسامة حزينة :
- ولا هروح لبابا وأقوله حفيدك مش راضي يوصلني وهو يطلع يجيبك من قفاك . 

التمعت العبرات في عينيهما معًا ليضمها بشير إلى صدره وهو يدسها داخل أحضانه كأنه يعدها بالحماية والسند ..

تشبثت هي بثيابه وأخذت تفرك برأسها في تجاويف عنقه كقطة أليفة .. بينما تعبث بأصابعها في خصلاته من الخلف .. تلك العادة التي لازمتها منذ الصغر لكونها كانت تعبث بخصلات والدها التي أصبح لا يقصها لكونها تحبه طويلًا ناعمًا .. 
لطالما ورث بشير جمال خصلات جده وروحه التي تبعث الطمأنينة بالمكان الذي يتواجد به .

بشير بابتسامة هادئة :
- علميًا إنتي عمتي .. عمليًا إنتي بنتي وأختي وحبيبتي كمان .. إوعي تحتاجي حاجه يا وجد ومتطلبيهاش .. وإوعي تكوني محتاجة حضني وتبعدي .. مش هسامحك يا وجد .

قرصت وجنته بحب وهي تتمتم بمزاح :
- مش عارفه آخد عليك وانت عاقل .. طول عمري حساك مجنون وعبيط كده في نفسك .. وهتفضل كده مهما حاولت تعقل بردو .

كز أسنانه بغيظ ودفعها بعيدًا عنه متمتمًا في حنق :
- طب والله انتي ما بينفع معاكي الأدب .

ضحكت بخفة وهي توليه ظهرها فظن أنها ستذهب مواصلات .. لكنه تفاجأ بها تقف عند باب السياره وتعبث بحاجبيها متمتمة :
- يلا يا بن أخويا أخرتني على جامعتي .

زفر بغيظ وهو يتجه إلى السيارة متوعدًا لها .. تلك المشاكسة .

       🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

دلفت حيث اللواء سامي السلام والذي أثنى كثيرًا على عملها .. لكنها تفاجأت حينما دلف عمار دون أن يطرق الباب ووقف مقابل اللواء بابتسامة واسعة وهو يتحدث بلباقة :
- ولا أقدر في يوم مشرفكش .

ابتسم سامي برضا وهو يربت على كتفه بفخر تام متحدثًا بثقة :
طول عمرك مشرفني يا عمار .. والحقيقة .. انتوا الاتنين شرفتوني المرادي .. بس طبعًا مش هتناسى فكرة سلاحكوا اللي خرج وسط الحرم الجامعي .. واللي كان ممكن يعرضنا لمشكلة خطيرة لو واحد من تجار المخدرات دول فكر ولو لثانية إنه يستغل حد من حرم الجامعة ويهدد بيه .. عشان كده ديما أقلكوا اعملوا قواعد لأنفسكم وامشوا عليها .. المُرتب في أفكاره .. ناجح في خطواته .

غادة بحذر :
- العدد اللي كان بيدخل عربية الإسعاف على أساس تبرع .. كلهم يعرفوا بأمر المخدرات ؟.. يعني كلهم بيتعاطوها ؟

سامي بتنهيدة :
- عربية الإسعاف وموضوع التبرع ما هو إلا تمويه .. بيبيعوا المخدرات جوا العربية للناس اللي تبعهم واللي يعرفوا سر العربية دي .. ولو جالهم وجه غريب يقولوا اكتفينا .. والدعم بييجي من خلال السيارات اللي بتدخل الحرم الجامعي بكارنيهات تمريض مضروبة .. تسلم بضاعة على إنها أدوات طبية مطلوبة .. في حين إنها عينات مخدرة مطلوبة .. وكله بحسابه طبعًا .

عمار :
- مش عارف ناويين يودونا لحد فين تاني .. حتى عربية التبرعات مرحموهاش .

غادة بتساؤل :
- هو ليه حضرتك مبلغتنيش إني مش لوحدي في العملية دي يا سامي بيه ؟ 

سامي بابتسامة هادئة :
- دي أول مهمة ليكي يا غادة .. مكنش ينفع أخاطر بيكي .

غادة بضيق :
- أنا مدخلتش المخابرات عشان حد يحميني جواها .. أنا دخلتها عشان بحبها وبحب شغلي فيها .. فلو سمحت سيبني أتعامل .. عارفة إن عمتي وجوزها موصيين عليا .. وجامد كمان .. لكن ده مش هيخليني أثبت نفسي في حاجة .. ده هيضرني مش هينفعني .. وحضرتك أكيد مترضاليش الضرر . 

عمار متدخلًا في الحوار :
- كل ما يظهر أمر مريب قصادك في لحظة إيدك بتجري على سلاحك .. سلاحك خرج في قلب الحرم الجامعي وضربتي بيه وكان من الممكن جدا عربية ولا حد معدي وايدك اتخبطت انحدر تصويب سلاحك دخل في دماغ طالب مات فيها .. إظهار شكك في العربية واللي فيها لما رحتي تطلبي تتبرعي بكل سذاجة .. ضيفي عليهم إنك اتقفشتي منهم أصلا وقت مداهمتك اللي مفكرتيش لثواني في عواقبها أو حددتي ليها وقت ... كل دي أخطاء كانت هتوديكي ورا الشمس يا سيادة الملازم .. فلما الكبار يتكلموا ويقولوا ده صح وده غلط .. ياريت نسمع الكلام .. دي مش لعبة ولا هي ساندوتش كبدة هنتعامل معاه .. دي مهمة كانت ممكن تكلفك يا حياتك يا حياة حد من الطلبة زي ما قال سيادة اللوا . 

غادة وهي تجز أسنانها بغيظ :
- أنا موجهتلكش كلام على فكرة .. أنا ... 

قاطعهما سامي بصرامة :
هتتخانقوا قدامي ولا إيه ؟!!.. دي مهمة وانتهت .. عرفنا الأخطاء الوارد نقع فيها وهنتجنبها مستقبلًا .. نركز في شغلنا بقا ولا هنفضل نتكلم كتير . 

غادة محاولة كتم غيظها :
- بعتذر يا فندم . 

سامي بهدوء :
- غادة .. أنا حاليًا شغال على قضية مهمة وموتراني جدًا .. عشان كده كان لازم يبقى معاكي حد يسد مكاني لو حصلك حاجة .. وعلى كل حال استعدي بقا عشان في عمليه هتاخديها بالكامل لوحدك .

عمار بفضول وحذر :
- عملية إيه ؟؟ 

سامي وهو يلتقط إحدى الملفات من فوق الطاولة :
مخدرات برضو .. بس على أتقل شوية .. كل المعلومات اللي هتحتاجيها في الملف ده . 

أماء عمار بشك لتتمتم غادة بهدوء :
- شكرًا يا فندم بجد على الثقة دي .

سامي بتنهيدة :
-ربنا يوفقك . 

غادرت غادة تاركة من خلفها ذاك الذي شعر لوهلة بنغزة في صدره لا يعلم سببها أو مصدرها .. جل ما يعرفه أنه يخشى طيشها اللامحدود .. وهذا .. هذا أمر مزعج .. أو هكذا يظن . 

سامي بتساؤل :
- رحت لحد فين؟ 

عمار بتنهيدة :
- بفكر .. إزاي تبقى بالثقة دي فيها وانت عارف إنها طايشة . 

صدحت ضحكات سامي في الغرفة قبل أن يوضح بهدوء :
- أعيد عليك تاني .. غادة متوصي عليها .. ولو وقعت تحت إيد اللوا أمجد حرفيًا مش هيرحمها مهمات .. وزي ما انت قلت كده .. هي طايشة شويتين .. بس ذكية .. أول مهمه كانت هتخفق فيها .. بس الاستفزاز اللي انت استفزيته ليها ده هيخليها متقعش في الغلط مرتين .. وبعدين مش غريبة انك تسأل على إني إزاي أديها الثقة دي وهي طايشة ... رغم إني سبق وخدت رصاصة قبل كده عشان أحميك من طيشك في لحظة غضب منك ؟ 

عمار وهو يفرك مقدمة أنفه :
- اتعلمنا بقا خلاص . 
لؤي بضحكة :
- وهي كمان محتاجة فرصتها . 

بقيا يتحدثان في عديد من الأمور الخاصة بالعمل واندمج معه عمار متناسيًا أمر غادة .. أو هكذا حاول إقناع ذاته . 

   🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

دخلت إلى حيث ستبدأ عملها بثبات ظاهري وثقة تُحسد عليها بين جموع من خريجي الإعلام الباحثين عن أماكن شاغرة تسعهم لكسب لقمة العيش .. وربما لتحقيق أهداف سامية تم التخطيط لها مسبقًا .. ذاك الأخير الذي هو تحديدًا ما أتت من أجله اليوم .. 

تفوهت بالسلام ليردد من خلفها هذين الجالسين إلى أحد المكاتب المخصصة لإتمام مثل تلك المقابلات .. 

تلفَّظ أحدهما بابتسامة هادئة :
- أهلًا وسهلًا يا آنسة بدور .. اتفضلي حضرتك . 

زاد ثباتها ظاهريًا وبدأت تثبت داخليًا وهي ترى هذا الكم من الهدوء المطمئن في الجو المحيط بالغرفة .. كما نبرة ذاك الشاب الدالة على رفعة خلقه .. لا تعلم لماذا أهدته هذا الوصف دون أن تتعامل معه حتى .. لكن هكذا شعرت تجاهه .. 
وقد يصدق حدسنا تجاه أحدهم .. وربما يخدعنا هذا الحدس فَيُفقدنا الثقة في جميع مَن حولنا .  

تقدمت بخطوات رزينة بزيها الفضفاض الذي جذب انتباه وإعجاب ذاك الذي دعاها للجلوس .. 

علي بهدوء وابتسامة لم تفارق محياه :
- نورتينا يا آنسة بدور .. إسمي علي شفيع الهجرسي .. وأنا المسئول عن اللقاءات الخاصة بالعمل في جريدتنا المتواضعة .. مستعدة ؟ 

أخذت شهيقًا عميقًا أخرجته ببطء مع ردها المحدود : 
- إن شاء الله . 

أماء بهدوء قبل أن يتفوه بنبرة بدا فيها الإعجاب :
- تبارك الله .. شهاداتك في سنوات دراستك تقديراتها ممتازة .. غير شهاداتك الخارجية .. وأسلوب الـ CV مميز جدًا .. واضح إننا هنتعامل مع صحفية مميزة . 

افترَّت شفتاها عن ابتسامة مطمئنة وهي تستمع لثنائه هذا .. 
يبدو أن الأمر أبسط مما تظن .. 

بدأ يطرح عليها بعض الأسئلة التي أجابتها بثبات ورزينة دون أن تحيد عن مقصده من سؤاله .. 
في حين يتابعهما ذاك الآخر الجالس إلى جوار علي وكأنه يدرس شيء ما يخصها .. 
ليست هي تحديدًا .. بل هذا ما يفعله مع الجميع .. 

انتهت المقابلة على خير لتغادر بدور بعدما أخبرها علي أنها ستتلقى اتصالًا في القريب العاجل لإخبارها بنتيجة هذا اللقاء .. 

لا تعلم لما ساقتها قدماها إلى منزل خالها مالك .. ربما لأنها اشتاقت له .. ذاك عديم الإحساس وقليل الذوق ..  تقسم أنها أغبى من خُلق !.. كيف لحمقاء أقسمت على نسيان بني آدم وتخطيه .. أن تذهب لرؤيته بنفسها !.. تكاد تضرب رأسها بإحدى الجدران كي يفيق عقلها الأحمق ويعنف قلبها الأبله كي يفيق من حلمه الوردي مع شخص لا يستحقه .. أجل لا يستحقه .. فعمار ليس بالشخص المناسب لفتاة مثلها .. 

ملتزمة مثلها يجب أن تتمناه تقيٌ قريبٌ من ربه .. يخشى المحرمات .. بارٌ بأهله .. يأخذ بيدها للجنة .. في حين أن عمار أقل بكثير من كل ذلك .. بل هو لا يملك أي من كل هذا .. الصلاة بالكاد يؤديها وقد يفوته فرض وربما الخمس حتى .. 
ربما هذا ما يُدعى بالحب العقيم !!..

لم تدري بنفسها إلا وهي تطرق باب منزل جدتها التي استقبلتها بحفاوة كبيرة متمتمة بفرحة :
- حبيبة قلبي . 

       🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

إنتهت جرعته العلاجية لهذا اليوم ..
لم يكن يدرك حقيقة كون العلاج ألم بذاته .. 
ألمه من السرطان لم يؤذه بقدر ألمه من علاجه .. 
كيف لدواء أن يكون أصعب ألمًا من الداء !!.. عادة ما يكون الدواء ذات طعم لاذع يجعلنا ننفر منه .. لكن أن يكون الألم مما هو وسيلة للشفاء .. فهذا ما يصعب تحمله .. 

وفي حالة كحالته هو تحديدًا .. فإنه أصعب ألف مرة عليه من مريض عادي  .. 

استلقى فوق الفراش ينظر لسقف الغرفة المظلمة من حوله بشرود لم يستطع السيطرة عليه .. تُرى كيف حالها الآن ؟.. ألا تزال تحمل من الورود جيئة وذهابًا ؟.. ألا تزال تخرج من الجامعة قاصدة مطاعم الكشري المصري كعادتها مع رفيقتيها اللاتي لا تخلُ حركتها منهما ؟.. أتتذكره ؟!!.. 

تذكر تلك الليلة التي قامت بمهاتفة والدته بها .. لقد طلب من والدته حينما أخبرته بهوية المتصل ألا تتحدث عن أي شئ وألا تُشعرها بشئ غريب .. هل تدور الأسئلة حول أسباب اختفائه داخل ذهنها أم أنها نسيت أمره ؟.. هل تشتاق إليه كما حاله الآن !.. نعم يعترف .. إنه مشتاق .. يشتاق لنظرتها المليئة بالبهجة .. يشتاق لرؤية فساتينها ذات الألوان المبهجة والتي تبعث في نفسه هدوءًا لا يعرف سببه .. يشتاق لضحكتها الصافية والمفعمة بالحياة .. يشتاق لمشاغباتها ولتهورها في بعض الأحيان .. يشتاق لعفويتها وتلقائيتها اللامحدوده .. 
يعترف أنه مشتاق .. 
وما كان مرحب بالاشتياق يومًا .

أعاده لواقعه صوت صرير الباب وانبعاث شعاع الضوء من فتحته والتي استكانت إلى جانبه ليحول نظره بترقب يرى من القادم .. 

يشعر كونه في حلم .. هل هي أمامه الآن في تلك اللحظة !!.. هل هي جنية كي تخرج من أفكاره وتتمثل في شخصيتها لتقف أمامه الآن ؟!! 
بالتأكيد سقط في النوم وعقله الباطن الذي لا يكف عن التفكير فيها هو من جسدها أمامه الآن .. 

خرج صوتها المكسور مهزوزًا متوترًا خائفًا ليصل إلى قلبه سهامًا تؤلمه أيما إيلام وهو يستمع لحديثها الباكي :
- عامل إيه دلوقتي ؟.. حاسس بحاجة ؟ 

ريان محاولًا الحفاظ على استيقاظه قدر استطاعته :
- انـ .. انتي هنا بجد ؟ 

هرع إصبعها لإزالة عبرتها الخائنة التي هربت بضعف من محبسها وهي تستنشق ما بأنفها متمتمة ببحة تظهر كونها بكت لوقت طويل :
- ليه خبيت عني ؟.. أنا كنت هتجنن الفترة اللي فاتت عشان أعرف عنك حاجة واتطمن عليك . 

ريان بتنهيدة خرجت معبئة بكمٍ لا بأس به من الألم الكامن داخل صدره والمتألم لعبراتها التي لا يمتلك أدنى حق في أن يمحوها بنفسه .. والمؤلم أكثر أنه هو السبب فيها :
- ليه العياط دلوقتي ؟.. أنا مش عايزك تتعبي معايا يا سندس .. شوفي حياتك .. كملي في طريقك .. الدنيا مستنياكي وفاتحالك دراعتها .. اوعي يا سندس تندمي على حاجه .. اتأكدي إن كل اللي بيحصل في حياتك خير ليكي .. وإن المكان اللي ظنيتي إنك هتكوني سعيدة فيه وربنا مش ناوله ليكي .. فهو مخبيلك مكان أجمل وبسعادة أكبر وراحة أعظم .. متبطليش تقطفي ورد .. ومتبطليش تزرعي ورد .. متخليش الضحكة تفارقك .. ولا تسمحي لحد يجرحك أبدًا .. فهماني يا سندس ؟ 

سندس وعبراتها تنسال بغزارة أكبر :
- انت ليه بتقول الكلام ده ؟.. ريان .. انت هتبقى بخير .. هتقوملي بالسلامة .. هتجبلي ورد عشان أزرعه وهتقطفلي الورد بنفسك .. هتكون انت سبب ضحكتي .. ومش هتسمح لحد يجرحني أبدًا .. هتسندني وتقويني .. لازم ترجعلي يا ريان . 

كان على وشك أن يُجيبها لكن يد امتدت إلى كتفه كي توقظه من نومته الخاطئة منعته من الرد عليها .. أعادته للواقع الذي لا يريده .. 

ليست هنا !!.. لم تأتي !!.. لم تتحدث إليه !!.. لم تخبره كونها تنتظره !!.. لقد كان يحلم .

ديالا بحنان :
- حبيبي معلش صحيتك ... بس نام كويس رقبتك هتوجعك كده . 

أهداها إحدى ابتساماته التي جعلت قلبها يضرب بعنف .. هل يمكن أن يأتي هذا اليوم الذي تُحرم فيه من هذه الابتسامة ؟!!.. يا الله .. لن تحتمل شئ كهذا .. لا يمكنها تحمل حتى الفكرة ذاتها .

لم تدري بنفسها إلا وهي تجذبه إليها لتحتضنه بكل ما أوتيت من قوة .. 
شعر هو لأول مرة بأحضانها التي احتوته وانتشلته من آلام عقله الذي لا يكف عن ضخ الأفكار إليه .. 
شعر لأول مرة بحاجته لهذه الضمة ..

شدد هو الآخر من احتضانها لتتمتم بابتسامة :
- كل حاجة هتبقى كويسة يا حتة مني . 

ريان بهدوء متسائل :
- ولو مبقتش ؟ 

ديالا نافية برأسها :
- إوعى تقول كده .. رحمة ربنا واسعة .. إلجأ لربنا بدعاك .. قرب منه وقول يارب .. إوعى تخاف من حاجة ربنا كتبها عليك .. كل اللي بيحصل في حياتنا خير لينا .. ده اختبار لصبرك ويا عالم هتخرج من الاختبار ده بإيه .. بس خليك واثق إن ربنا مبيعملش حاجة هباءً .. وكل حاجه وليها حكمة . 

لم يعلق ريان .. لكنه يدرك من داخله أنها تتحدث بالصواب .. 

ذهب في سباته العميق من جديد في غضون دقائق فقط .. فآلامه لن تنتهي إلا بالموت المؤقت .. 
نعمة غالية من رب العباد أن يكون النوم موت مؤقت لا نشعر من خلاله بالآلام التي تبرح أجسادنا بلا هوادة .. 

ناظرته ديالا بحزن وهي تنظر فوق وسادته لتحمل بيدها تلك الخصلات التي علقت بالوسادة .. 
بكاؤها صامت كدعائها .. وضربات قلبها تصل إلى نهاية الكون من شدتها وعنفها .. 

لا تدري لماذا خطرت سندس ببالها عند هذه اللحظة .. ربما تكون داعمًا نفسيًا قويًا من أجله .. 

اتخذت قرارها وأخيرًا بأن تهاتف سندس في الصباح .. وليحدث ما يحدث . 

   
  🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

تجلس بإحدى حدائق الجامعة التي تتميز بهدوئها ومظهرها البديع من خضرة وورود تزينها .. تقرأ في إحدى الكتب التي لا تخلو حقيبتها منهم وهي ترتشف كوبًا من النسكافيه الذي ابتاعته توًا .. 

نظرات مِن حولها جعلت التوتر يزحف إليها رويدًا رويدًا ..

إحداهما تجلس إلى جانب ما بعيد بعض الشيء وتشير عليها كأنها تتحدث عنها مع صديقتها .. وأخرى التفتت سريعًا تنظر في مكان آخر حينما ناظرتها وجد .. 

ارتشفت المتبقي من النسكافيه قبل أن تستعد للذهاب من المكان .. 
تعلم هذه النظرات جيدًا .. إنها نظرات التعجب مما ترتديه فتاة في مثل عمرها .. 

هذا ما تتعرض له جميع الفتيات اللاتي يلتزمن بزيهن داخل الحرم الجامعي الأشبه بالملهى الليلي ربما .. أو هكذا تظن بريئة مثلها أن هذا ما يرتدونه في الملاهي الليلية . 

خرجت من الحديقة وهي تحدق بساعة معصمها ترى كم من الوقت متبقي كي تذهب لمحاضرتها التالية .. ولحسن حظها لم يتبقى سوى خمسة عشر دقيقة .. 

دلفت إلى المبنى ومنه إلى المدرج المخصص لهذه المحاضرة .. 

وقفت أمام أحد النوافذ تنتظر خروج المحاضر الموجود بالداخل .. 

راعى انتباهها مشاجرة ناشبة على بُعدٍ منها بين فتاتين .. إحداهما بزي شرعي والأخرى بحجاب بالكاد يغطي خصلاتها بل وبعض من خصلاتها يظهر من المقدمة .. كما زيها الذي لا يعرف عن الاحتشام شيئًا .. ببنطال جينز ضيق وتيشرت نهايته بعد الخصر بقليل بأكمام ترفعها إلى المرفقين ..

نفت برأسها في أسف مما تبدو عليه فتيات هذه الأيام .. لكن ما جعل أسفها يزداد هو طريقة المحتشمة في النصح .. لا .. هي لا تنصحها بتاتًا .. إنها تعنفها .. والنصيحة إن لم تنبع بالحب والهدوء والتعقُّل والاستشهاد بالقرآن والسنة فلن تفلح أبدًا ..

ساقتها قدماها إليهما وتحدثت بنبرة هادئة وهي تضع يديها على كتفيهما :
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أولًا .. وثانيًا بقا ينفع بنوتات قمرات صوتهم يبقى عالي في الممرات كده وفي شباب مترشقين زي كور البينج في المنطقة ؟

لاحظت تعبيرات الذهول على وجهيهما والتساؤل عن هويتها .. كما لم يخفى عنها تلك الابتسامة العابرة التي ظهرت عليهما حينما وصفت الشباب بكور البينج ..

إحداهما وتُدعى ساره :
- انتي مين ؟

وجد بابتسامة :
- أقولك ولا تزعليش ؟

ساره بفضول وتعجب :
- وإيه هيزعلني ؟!

ضحكت عليها وهي تتمتم بهدوء :
- قولولي بس الأول انتوا فرقة كام ولا إيه وظيفتكوا هنا بالظبط؟

تحدثت أخيرًا الفتاة الأخرى متمتمة بتعجب :
- هو أنا ليه حساكي بتتعاملي مع بنات أختك؟

وجد بابتسامة :
- مش يمكن يطلع عمري أكبر من عمركوا فعلًا ولو اتجوزت بدري كنت خلفت بنات قدكم ؟

ميار بتعجب :
- لا لا انتي شكلك صغننه أصلا .. انتي فرقة كام؟

انتبهت وجد لباب المدرج الذي خرج منه دكتور الماده لتعود بناظريها إليهما متمتمة بابتسامة هادئة :
- أنا المفروض فرقة تالته هنا .

ساره بابتسامة شغوفة لا تدري سببها :
- واحنا كمان فرقة تالته .

وجد :
- يبقى يلا بينا على المحاضرة ولما نخلص المحاضرة نتكلم شوية .

أماءت الفتاتان وذهبتا معها وكأنهما تحت منوم مغناطيسي أو مسحورتان من أسلوب وجد الباعث في النفس بهجة وشغف غير طبيعي .

جلست الفتاتان في المدرجات الأولى بينما صعدت وجد إلى البروجكتور بابتسامة .. تعجبت الفتاتان وهما تناظرانها في تساؤل عن سبب ذهابها إلى هناك !

وجد بحمحمة وهي تمسك بالمايك الذي أعطاه إياها الأمن الخاص بالمدرجات :
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا شباب ويا بنات .. طبعًا في الغالب دي أول مره تشوفوني .. أنا لسه في الحقيقة معيدة في بداية الطريق .. الدكتور حازم عنده ظروف طارئة وحاليًا أنا اللي هكمل مكانه لحد ما يرجع بالسلامه .. إسمي وجد السيوفي .. وإن شاء الله أكون خفيفة عليكم .. مبدأيا كده قبل المحاضرة ما تبدأ .. أنا هتلاقوني كيوت جدا وبتكلم بكل هدوء واحترام .. لكن ده مع الناس المحترمة واللي جاية عشان تحضر محاضرة وتستفاد .. لكن لو أي حد موجود في المدرج لأي غرض غير الاستماع والاستفادة يتفضل من دلوقتي عشان اللي هيطلع عندي هنا مش هتعامل معاه بشكل كويس .. معاكم خمس دقايق وباب المدرج هيتقفل .

أنهت حديثها وهي تخرج زجاجة المياه من حقيبتها وجلست إلى مقعدها بهدوء تنتظر انتهاء الخمس دقائق الذين مروا سريعًا ومن ثم بدأت في شرح المحاضرة بشكل ميسر وهادئ .

مر الوقت سريعًا وبدأت في لملمة أغراضها بعدما أذنت للجميع بالخروج .. 

تقدمت ساره وميار منها وهما تناظرانها ببعض التعجب والخجل .. 

وجد بضحكة خفيفة :
- انتوا مالكوا زي ما يكون بيبيهات وأذنبتوا وجايين منتظرين عقاب ماما ليه كده ؟ 

ساره وهي ترفع اصبع السبابه بمزاح :
- وربنا لو أعرف ما كنت فتحت بوقي . 

وجد بعدم فهم :
- فتحتي بوقك في ايه بالظبط ؟! 

ساره بتوتر :
- يعني عشان .. عشان قلت شكلك صغيرة وكده يعني . 

وجد وهي تقرص وجنتها بهدوء :
- وهو أنا طلعت عندي خمسين سنه !.. ما أنا صغيرة فعلًا أهو . 

ميار بهدوء :
- طب نستأذن بقا عشان لو عندك محاضرات يا دكتور .. وحقيقي ربنا يوفقك بجد .. أسلوبك في الشرح جميل جدا وفهمت جدا في المحاضرة النهارده . 

وجد بابتسامة :
- ده شيء يسعدني جدا .. بس لو انتوا مش مشغولين أنا حابه إننا نتكلم شوية في الكافتيريا واحنا بنشرب حاجه ع السريع كده . 

ساره بشغف :
- أكيد طبعًا يا دكتور .. ده .. ده شرف لينا بجد . 

وجد :
يبقى يلا بينا . 

وبالفعل ذهب ثلاثتهم إلى الكافتيريا وجلسن بهدوء يحتسون بعض النسكافيه معًا .. 

وجد بابتسامة موجهه حديثها لساره :
- شوفي يا ست البنات .. هو أنا بدون قصد الحقيقة قدرت أفهم سبب صوتك العالي مع صحبتك في الممر .. فأنا عايزة أعتب عليكي مرتين . 

ساره بانتباه :
- ليه ؟ 

وجد بابتسامة :
- هو انتوا ملاحظين إني لسه معرفتش أسماءكم ولا إيه؟ 

ساره بسرعه :
- أنا ساره عبد السلام .. وهي ميار فارس . 

وجد بابتسامة :
- اتشرفت بيكم يا حلوين .. طيب بداية كده يا ساره .. أنا بعتب عليكي لسببين .. السبب الأول هو صوتك العالي في الكلام .. لازم ننتبه طول ما احنا في مكان عام وفيه رجال يبقى صوتنا هادي وواطي لإن بعيدًا بقا عن إنهم بيقولوا صوت المرأة عوره والجو ده .. إلا إنه من صفات الأنثى إنها تكون هاديه في تصرفاتها وإن صوتها يكون واطي بحيث ميلفتش الانتباه ليها .. 
طيب دي حاجة .. الحاجة التانية بقا هي أسلوبك في إبداء النصيحة .. بمعنى .. انتي ما شاء الله عليكي شايفة لبسك محتشم بشكل كويس واللي فهمته من كلامك مع زميلتك إن المشكلة في لبسها .. طب يا ساره .. أنا كواحده عايزه لصحبتي الخير .. وبنصحها لفعل الخير .. مش أختار طريقة وأسلوب أتكلم بيهم بحيث إنها تتقبل مني كلامي ؟!.. أو على الأقل لو متقبلتهوش تبلعه ؟! 

تعليقات