رواية حتي يجمعنا القدر الفصل السابع 7 بقلم رشا رومية


رواية حتي يجمعنا القدر الفصل السابع بقلم رشا رومية 

« بصيرة متأخرة ... »


أتعلم أن الراحة لا تأتي من أن تحكي وآخر يسمعك، بل أن تحكي وتجد من يفهمك، حتى لو كانت بمجرد نظرة عين، فليس كل ما يُصدق من حلو الحديث، بل إن التصرفات أصوات ناطقة تُعبر عنها ولا تخطئ أبدًا، ربما أستحق فرصة بأن يُغيِّر الآخرون خططهم لأجلي، ربما أخطأت لكن يأتي الغفران لم تاب وأصلح، فإن فتحت عيناي ورأيت بعين قلبي ما لم أدركه من قبل، وتناثر الضجيج بداخلي نفسي، فإنني أنتظر من بعيد ترتيب هذا الضجيج، فاليوم أنيرت بصيرتي، فإنني أستحق فرصة من جديد حتى وإن كانت بصيرة متأخرة ...


رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


السويس شقة فرح الصعيدي ...

مع إنتصاف الليل ووقوف عقارب الساعة تتجه برؤوسها نحو الأعلى بإستقامة، كانت تنكسر العيون متهدلة بحزن وتعاسة نفس ...


تلك العيون و القلوب التي كانت تتمنى اليوم أن تَسعَد بفرحتها ليوم تتوقت له الأنفُس، جلست "فرح" بهدوء تعيس فوق أحد مقاعد طاولة الطعام وهي تسند وجنتيها لكفيها بصمت ...


شعور جديد دب بالأفق لم تمر به من قبل؛ إنه الخزلان، شعور مؤذي للنفس موجع للقلب، مطفئ لبريق العينين بشكل مفزع ...

بقلم رشا روميه 

إنطفاء توهجها وصمتها الحزين كان ما أشعل فتيل النيران بقلب والدتها لتخرج عن هذا الصمت قاطعة إياه:

- إنتِ زعلانة ليه؟! هو إنتِ قليلة!! ولا تفكري فيه ولا تعبريه تاني! ده ميستاهلكيش.


تهدج صدر "فرح" بأنفاسه المضطربة وبداية بكائها بعد فترة من الصمت، وقد قلبت شفتيها بحزن رغم تحشرج كلماتها إلا أنها أجابت والدتها بنبرة مختنقة:

- يعني إيه يا ماما! يعني إيه ميجيش؟!! ولا حتى يتكلم في التليفون يعتذر، إحنا بقينا نص الليل ومحدش جه، ليه يعمل فيا كدة؟!!


ليتها تعطيها من خبرتها بالحياة لتُدرك صدق النوايا، لكن تلك التجارب لا تؤلم بدروسها إلا بعد المرور بها، ليتها كانت مجرد كلمات تُلقى، بل تجارب قاسية تكسبنا الخبرات على مر السنوات والعمر، ويجب علينا المرور بها والتعلم من أزماتها ...


إنه لأمر مؤلم أن ترى إبنتها تعاني من درسها الأول، لكن عليها مساعدتها في تجاوزه دون خسارة، هتفت بها "مديحة" لعلها تمد لها يد العون بكلماتها هذه المرة:

- إللي يستهون بيكِ ولا تعبريه أصلًا، أوعي تفكري فيه تاني، أوعي تطاوعي قلبك تاني.


إرتعشت شفتيها بحزن وهي تتلفظ كلماتها بصعوبة وسط عبراتها التي أخذت تتوالى، فكم أصابها خنجر خزلانه مباشرة بقلبها: 

- قلبي! أنا كنت بعدي حاجات كتير أوي وبقول كفاية أنه بيحبني، بس ليه ؟ ليه يعمل فيا كدة ؟! ليه يقول لي جاي وميجيش، ليــــــه ؟؟؟؟!!!!


لن تتشمت بها وتخبرها بأنها قد حذرتها كثيرًا، فهذا وقت لا يليق به سوى المؤازرة لا اللوم، وضعت رأس إبنتها برفق داخل أحضانها مسندة إياه فوق كتفها وهي تربت برفق على ظهرها، هدوء لا يناسب تلك العواصف من الغضب التي هبت بداخلها تجاه تصرف هذا الأحمق المدعو "هاني"، لتكمل بهدوء نفس:

- دة بس عشان ربنا بيحبك فبيكشفه قدامك، ولا تفكري فيه لأنه ميستاهلكيش أبدًا يا "فرح".


ضمت الشقية المجروحة شفتيها المرتعشتان بتأثر وإلتزمت الصمت لفترة من الوقت حتى تهدأ قليلًا.


لم تجد بُد من بقائها فإصطنعت النعاس لتتجه نحو غرفتها لتقضي أطول ليلة مرت عليها منذ وفاة والدها، إحساس متعاظم بالإهانة والدونية بفعل "هاني" الذي لم يفعله، فيا ليته لم يخبرها بموعد من الأساس، لكن ما فعله حطمها وأحزن قلبها المنكسر.


ليلة طويلة حاولت بها صاحبة القلب النقي الطيب إيجاد عذر لهذا المتخاذل محدثة نفسها:

- (ده حتى متصلش يقول لي أنه مش حيقدر ييجي، طب متصلش ليه؟!! للدرجة دي أنا قليلة عنده!!!

لتستكمل مجيبة تساؤلها ببحثها عن عذر لما فعله:

-(أكيد فيه حاجة حصلت، يمكن تعب أو حصل عندهم أى ظرف ومقدرش يكلمني، أيوة لازم كدة، "هاني" بيحبني.)


دفعت الدموع عن عينيها بقوة وهي تسحب هاتفها من فوق الكومود بسرعة لتكتب رسالة لـ"هاني"، فلن تنتظر حتى الصباح:

- [ إنت فين يا "هاني"، مجتش ليه أنت وأهلك زي ما قولت لي؟!، أنا إستنيتك كتير، إنت كويس ؟؟!! طمني. )


ما يجبرك المنطق على تركه، يجب عليك ألا تعود له بالعاطفة، ذلك قانون الكرامة، ليس من الكرامة أن تحط من نفسك، فأنت أسمى وأعلى، لست فرصة ثانية أو خطة إحتياطية، تلك المبادئ تهزم بقلب مهتز متشبث محب، لكن عليك إختيار من يستحق هذا الحب، أفق من وهم تعيش به حتى وإن جاءت البصيرة متأخرة.


وضعت "فرح" الهاتف إلى جانبها تدعي النوم الذي هرب من جفونها طيلة الليل، فهي تطالع شاشة هاتفها كل دقيقة فربما أرسل لها "هاني" ردًا على رسالتها دون أن تنتبه أو تستمع لصوت الرسالة.

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


لقد أسرفت كثيرًا على الكتمان لكن الصبر قد فاض به الكيل، لقد بت أخشى أن أستهلك وأنا أقاوم وحدي، فلكل شيء طاقة، ولكل طاقة نفاذ.


بيت عائلة مكاوي (شقة محمود مكاوي) ...

لم تنته الليلة بعد بتلك النفوس المضطربة، بعد عودة من متجر العلافة بوقت متأخر وتناول الطعام مع الحاج "زاهر" و"فردوس" وبناتهم الصغار، صعد "محمود" و"جميلة" لشقتهم كالمعتاد.


كان "محمود" يتمنى بداخله أن تمر تلك الليلة بهدوء، فلا طاقة له بـ"جميلة" وأفكارها التي لا تنتهي.


ليتها لطيفة المعشر، لبقة الحديث، بل حادة الطباع منفلتة الأعصاب، وأنانية مستفزة على الدوام.

رشا روميه 


ليت كل ما يتمناه المرء يدركه، فبلحظة دخولهم لشقتهم كانت كإشارة البداية لـ"جميلة" لبدء حديث جديد يثير حنق "محمود" الذي تيقن أن الليلة لن تمر بهدوء الكرام.


بعد ما يقرب من الساعة من الثرثرة المثيرة للأعصاب تحمل بها "محمود" نفسه ألا تنفلت أعصابه ويثور عليها منفعلًا، وقف بوجه يشتعل حمرة محتقن بشكل يوحي بأنه على وشك الإنفجار غضبًا، لكنه إكتفى بضرب كفيه بعضهما ببعض وهو يهتف بها بصوته الأجش يحمل نبرته الغاضبة رغم تحكمه بنفسه:

- أستغفر الله العظيم، أنا مش عارف أنا عملت إيه في دنيتي عشان كل شوية تقرفيني كدة يا "جميلة" ؟!!


ليتها كانت هادئة متقبلة لإنتقاد زوجها، تحتوي غضبه بلحظة إنفعاله، أو تتهاون بحديثها الحاد ونبرتها اللاذعة، عقدت أنفها بقوة وهي تميل فمها بسخرية من معارضتها:

- بقى كدة برضة يا "محمود"، دة جزاتي إني عايزة مصلحتنا!!


أوسع عيناه بإندهاش مردفًا بتعجب مما تخدع به نفسها، وتخدعه به أيضًا:

- مصلحتنا، مصلحتنا إيه في إللي إنتِ بتقوليه دة؟!!


لملمت حدتها لتهتف بنبرة رغم كونها معارضة إلا أنها يشوبها الإنكسار والإنهزام:

- ما إنت عارف إني خلاص مش حقدر أخلف تاني بعد العملية، ومش حعرف أجيب لك الواد إللي يسندك ويسند إسم عيلتكم ويبقى وريث عيلة مكاوي.


كيف لا يرضى بقضاء الله، كيف يعارض مشيئته بهذا التفكير الرجعي الغريب، إنه مؤمن بما قسم الله له ولا إعتراض لديه مثلها، إنها دومًا غير راضية، لم تكن قنوعة بما قُسم لها، متطلعة لأكثر مما ينبغي، وأكثر مما تستحق.

مسح وجهه بكفه مسيطرًا ألا ينساق خلف إنفعاله من حديثها الذي لا ضرورة له:

- واد إيه وكلام فارغ إيه ؟!، ومن إمتى أنا بفكر بالرجعية دي !! ربنا يخلي لنا البنات، أنا مش عايز غيرهم يملوا علينا البيت.


أنهى عبارته ببعض اللين فهو لن يُشعرها أنه ينقصها شيء، فلا ذنب لها بمرض أنهى قدرتها على الإنجاب مرة أخرى، بينما إحتدت "جميلة" بدون تقبل لإستسلامه وحنانه الذي تراه مصطنع كاذب:

- إنت بتكدب عليا ولا على نفسك!!، طب والفلوس والمحلات والأرض، كل ده يروح لمين؟!!


ألم تكتفي ولن تكتفي من طمعها، أمر جعله ينظر لها بتقزز من تفكيرها بالمال والميراث فقط:

- يا شيخة !!!!، فال الله ولا فالك، إنتِ حتموتينا ليه ؟!!!!، وهو إنتِ ناقصك إيه يا "جميلة" عشان تفكري بالشكل ده؟!!


عقدت ذراعيها أمام صدرها وهي تميل رأسها محاولة إقناعه بالمنطق الذي تراه صوابًا بلا شك:

- مش كله لعيالنا في المستقبل، أهو إللي بقولك عليه ده، هو إللي حيكون ضمان وأمان ليهم ..


سحب "محمود" نفسًا مطولًا وهو يزفره بقوة دفعة واحدة قبل أن يجيبها بالرفض القاطع، فعليه أن يكون حازمًا خاصة بما يخص العائلة:

- أنا مقدرش أقف قدام أبويا و أطلب منه حاجة زي دي!!


قضمت شفتيها بغيظ من هدوئه وضعفه كما ترى، لتهتف به بإشمئزاز كما لو أنها تراه حقيرًا ضعيفًا لا يستحقها ولا يستحق قوتها:

- حتفضل طول عمرك خيبه كدة، أنا إللي حقوله.


إهانة لا يمكنه تقبلها، سواء بما تلفظت به أو بما تريد فعله، أمر جعله يصرخ بها بغضب، وقد نفرت أوداجه وإشتد وجهه حُمرة ليصيح بها ..

- "جميــــــــــــلة"، لمي لسانك، إنتِ إتهبلتِ ولا إيه!!!!


تراجعت "جميلة" قليلًا عن حدتها، لكنها أكملت بضيق بالغ من رفضه المستمر:

- ما أهو أنا مش حقعد أتفرج والدنيا كلها بتتسحب من تحت رجلي، أقله ناخد المخزن دة نوضبه ونشغله، حيجرى إيه يعني.


كما لو كان يصارع جدار صلب، لا يفهم ولا يشعر، أمر متكرر معتاد، وما الذي سيتغير وصاحبة الشأن لها نفس العقلية والتفكير والطمع، لن يهنأ ولن تصمت، ليفضل إنهاء هذا الجدال الذي لا نهاية له، إلتف بإمتعاض وهو يردف محتقنًا بفراغ صبر:

- أنا داخل أنام، دي بقت عيشة تطهق، تصبحِ على خير.


لم تكترث لرفضه وإعتراضه، حتى أنها لم تجيب عليه، لتردف بإصرار وتحكم مستفز:

- ولو، أنا بكرة حكلم عمي يدينا المخزن ده.


دلف "محمود" للغرفة متأففًا من هذه المخلوقة المستفزة:

- أووف، بني آدمه مستفزة وطماعة، الرحمة يا رب.


الهروب من بقائه معها هو الأمر الوحيد الذي سيجعله يحجم إنفعاله حتى لا يخرج عن شعوره وربما وقتها لن يتمالك نفسه ويؤذيها، وهو ليس بهذا الكائن الذي يهين ويغضب ويؤذي، إنه قادر على التحكم بنفسه فأخلاقه أسمى من كل ذلك، وعليه التحلي بالحلم والهدوء الذي يتسم به، والذي تحاول "جميلة" بكل مرة أن تدفعه للتخلي عنهما ...

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


ليت الحلم ومكارم الأخلاق تضم كل أهل هذا البيت، فإن إشتدت حُجتك فإنها تُهزم بالتهذيب، لكن الأخلاق كما الأرزاق هبة من الله لا تأتي الجميع ...

رشا روميه 


شقة أنور وزهرة ...

لم يغلبها النعاس اليوم بل كانت متيقظة تمامًا، لكنها ممددة بفراشها بهدوء، توجس وخيفة أصبحا يلازمانها طيلة الوقت خوفًا من بطش "أنور" الذي لا حدود له، ليته واعي ومسؤول عن تصرفاته لكان الأمر هينًا، لكنه يتصرف برعونة وغير إدراك، وهذا وحده أمر مخيف مفزع للنفس.


لحظات قبل أن تستمع لصوت الباب يغلق بنفس القوة والعنف لتدرك وصول "أنور"، صوت خطواته التي كانت تتمنى أن تتوق لسماعها أصبحت مصدر خوفها، تبدل الأمان بالإضطراب والقلق.


مع إقتراب خطواته تصنعت النوم حتى لا تستفزه بالحديث مرة أخرى، فلقد تعلمت الدرس، لكنه هو من دنا منها بمفرده، قُرب دب بنفسها الفزع وهي تستمع لصوته المتحشرج وكلماته المثقلة تهتف بها بتقزز:

- قومي حضري لي أكل، جعــــــــان.


فتحت "زهرة" عينيها وهي تومئ بإستسلام دون النظر مباشرة لعينيه اللاتي تحدق بها:

- حاضر.


ألقى "أنور" جسده بإهمال فوق الأريكة دون حتى تبديل ملابسه الغير مهندمة يتابع "زهرة" وهي تحضر له الطعام.


بالكاد تناول البعض مما وضعته ليتابع حديثه المشمئز منها وهو يطالعها بمقلتيه الغير ثابتتين:

- قومي شيلي ده من هنا، وتعاليلي، أنا مستنيكِ جوه في الأوضة.


تهدج صدرها بقوة وقد إضطربت أنفاسها لإدراكها سبب طلبه للحاق به، أمر أصبح مُكرهًا على نفسها، فكيف تعطي زوجها حقه الشرعي وهي لا تتقبله ولا تتقبل وجوده، كيف ستتحمل لمساته وأنفاسه، لكنها بالنهاية عليها أن تنصاع لأوامر زوجها مكرهة، فلن تغضب الله وتعزف عنه وتمنع نفسها لتلعنها الملائكة.


إبتلعت ريقها بغصة لتحمل الأطباق مرة أخرى نحو المطبخ لتعود لغرفة نومها وهي تغلق عينيها مع إغلاق بابها لتتحمل رغمًا عنها ما يطلبه منها دون مشاعر، دون محبة، دون تقبُل.


مع مرور الوقت وإقتراب الفجر، لم تهنأ تلك العيون بنعاس وراحة، بل إستقرت تناظر زوجها الغافي بتعاسة تملكت من قلبها.


ليتك تستطيع أن ترى كيف أنظر إليك، لتدرك كيف أراك بداخلي، فما لا يمكننا إصلاحه علينا فقط تحمله.

رشا روميه 


لم تجد "زهرة" ملاذًا يهدئ من روحها الحزينة إلا الصلاة، لتقترب وتتضرع لله عز وجل بهذا الوقت خاصة، دعاء من القلب فلا ملجأ لها سواه، لتهمس بخشوع:

- يــــا رب، أنت العالم بحالي، إفرجها عليا من عندك يــا رب، أنا تعبت ونفسي أفرح وأرتاح، يـــا رب إرحمني فأنت أرحم الراحمين.

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


أشرقت شمس صباح جديد لم يحمل الراحة تلك المرة، فقد إنتظرت تلك الساهرة بزوغ الشمس لتتهيأ بعجالة لزيارة والدها.


فتلك الساعات الماضية لم تستطع أن تسميها نومًا على الإطلاق، فكانت غافية مستيقظة شاردة الذهن قلقة القلب، فقد علقت راحتها بهذا القابع وحده بالمستشفى.


لن تقوى على ترك مناوبتها لكنها على الأقل ستذهب مبكرًا للبقاء برفقته بعض الوقت قبل بدء عملها.


على الفور توجهت لغرفة والدها بالمستشفى طرقت الباب بخفة قبل أن تطل من خلفِه بإبتسامتها الهادئة، سقطت عينيها على هذا النائم بفراشه بهدوء لتمد عنقها تتفرس سبب هذه السكينة فربما مازال نائمًا، دلفت لداخل الغرفة وقد تلاشت ابتسامتها حين إنتابها القلق عليه.


تقدمت نحوه بخطواتها الرزينة التي تتميز بها، خطوات محفوظة جعلته يفتح عينيه بإعياء فجسده متألم ويشعر بدوار لا يمكنه من الإستيقاظ.


لكنه رغم ذلك تحامل على نفسه محاولًا رفع جسده للأعلى حين أدرك أن "ليلى" هي من دلفت للتو.


رؤيته على قيد الحياة كانت كل ما تتمنى لتعود ابتسامتها لشفتيها وهي تلقي تحية الصباح بنبرة مبتهجة عما إعتادت معه من قبل:

- صباح الخير يا بابا، حمد الله على سلامتك.


رفع وجهه المستدير تجاهها بإعياء لكنه أيضًا شعر بإحساس إفتقده لسنوات، لقد إشتاق بالفعل لإبنته كما لو كان غائبًا عنها لسنوات طويلة، أجابها بأعين متلهفة لرؤيتها:

- "ليلى"، صباح الخير يا "ليلى"، تعالي.


- عامل إيه النهاردة يا بابا؟


الآلام متفرقة وإحساس بالإعياء وعدم الإتزان لا يدرك أسبابه، لكنه أجاب بنبرة راضية بشكل تعجب له "عزت" بنفسه:

- الحمد لله على كل حال.


توتر وإرتباك لهذا الود المستحدث بينهم جعل "ليلى" تشعر بالتخبط بحديثها وهي تحاول إظهار مشاعرها المتخوفة عليه منذ الأمس، فهي ولأول مرة تفتح قلبها وتبوح بمشاعرها تجاهه، كما لو كان بينهم حاجز يفصل بين عالم كل منهما على حدة والاقوال اليوم فقط، ليرى كل منهما الآخر بشكل مغاير تمامًا.


إبتلعت ريقها المضطرب قائلة:

- أنا، أنا كنت خايفة عليك أوي يا بابا، كنت خايفة يجرى لك حاجة بعد الشر، البيت كمان وحش أوي من غيرك.


كمن أزيلت الغشاوة عن عينيه وأبصر ببصيرة متأخرة، تطلع "عزت" بإبنته متعمقًا بها بقوة يتفحص رد فعلها وملامحها كما لو كان يراها لأول مرة بالفعل، أيعقل أنه لم يعرفها قبل الآن، ألهذه الدرجة غريبة عنه وغريب عنها!!


لم يعقب على حديثها بل توسطت ملامحه الباهتة إبتسامة إدراك متأخرة قائلًا ببعض الإندهاش:

- تصدقي إنك شبه مامتك أوي يا "ليلى".


تلاشت إبتسامتها الخفيفة لتفاجئها بما تفوه له والدها للتو، لقد أتى على ذِكر والدتها، أمر يحدث لأول مرة، فوالدتها إسم مجهول لا تعرف عنه شيئًا منذ ولادتها، حتى هو لم يحاول ولو لمرة إجابة أي تساؤل قد تساءلت به يومًا عنها.


رددت "ليلى" بدهشة:

- ماما!!! دي أول مرة تتكلم معايا عن ماما، دة حتى مفيش ليها ولا صورة في البيت، ولا عمري عرفت شكلها إيه؟؟


أكمل "عزت" محدقًا بوجهها بنظرة لم تفهمها "ليلى" جيدًا:

- شكلها، إنتِ بس تبصي في المرايا تشوفيها على طول، نفس عنيكِ وملامحك وجمالك الهادي، نفس القوة إللي ماليه روحك، نفس الحنية المكتومة جواكِ.

بقلم رشا روميه 

جلست "ليلى" بطرف الفراش تطالع والدها بعتاب، فكم إشتاقت لوالدتها التي لا تعرفها، كم تمنت رؤية ولو صورة واحدة لها، كل ما يخصها والذي أخفاه والدها تمامًا عنها:

- ليه يا بابا !!! ليه عُمرك ما كلمتني عنها، كان نفسي أعرف أي حاجة، شكلها حياتها، كانت بتحب إيه، بتكره إيه، طول عمري بتخيلها وأنا معنديش ليها حتى صورة، ده كل إللي إنت كنت بتقوله لي أنها ماتت وهي بتولدني؟؟!


وارى "عزت" دمعة حزينة بعينيه الباهتتين بعيدًا عن مرآى "ليلى"، كمحاولة فاشلة منه لنسيان هذا اليوم:

- أنا مبحبش أتكلم أبدًا عن اليوم دة، ومش قادر أخلي صورة واحدة ليها قدامي، مش قادر أتخيل إنها خلاص مش في الدنيا وسابتني وماتت.


تملك الفضول من "ليلى"، خاصة وقد إنفلتت الأقفال التي أوصدها والدها خلف أبواب قلبه لينفرج متحدثًا عما أخفاه بأغواره:

- بس أنا نفسي أعرف بجد، أنا خلاص مبقتش صغيرة يا بابا، نفسي أعرف كل حاجة عن ماما الله يرحمها.


تنهد "عزت" وقد عاد ينظر لـ"ليلى" مرة أخرى تاركًا الحرية لقلبه بالإستفاضة عن مشاعره التي حكم عليها بالبخل طيلة أعوام طويلة يمنعها من الظهور:

- أمك دي مكنش فيه زيها في الدنيا، بس يوم ولادتك أنا كنت بعيد، بعيد أوي عنها، ولما عرفت ورحت لها لقيتها تعبانة أوي، وولادتها كانت صعبة ومتعسرة جدًا، وللأسف ملحقتش أعمل لها حاجة، ولا لحقت حتى أودعها.


حدث مؤلم شعر بقسوته كما لو أنه قد وقع اليوم، ولم يمر عليه عُمر كامل، ألم مختنق بداخل النفس مُنع من الظهور بحرية، حُبست مشاعر حزنه بداخله حتى أطلق لها العنان الآن.


بكى من يُظَن ألا قلب له، بكاء أجبره على التوقف، فما أقسى إحساس الفقد الذي يقطع أنفاسنا ويمنعنا من إكمال كلماتنا ويجبرنا على التوقف.


بكاء إهتز له كيان "ليلى" لترى ضعفه وقلة حيلته وتعاسته التي تكتشفها به، لم تكن تدري بكم الحزن والتعاسة اللاتي يضج بها قلبه.


تمالك "عزت" نفسه مستكملًا بنبرة مختنقة متألمة:

- موتها كان أكبر من أي حاجة في الدنيا، كنوز الدنيا كلها ساعتها مكانتش تساوي حاجة طالما معرفتش أنقذها بيها، أي متعة ولذة في الدنيا ولا ليها طعم ولا عاوزها طالما هي راحت خلاص.


هنا جاء تساؤل مؤلم طالما سألته "ليلى" لنفسها، لتردف بتحسر:

- طب وأنا، مكنتش أستاهل!! مكنتش حاجة حلوة تفرحك في يوم من الأيام؟!!


هل الندم نوع من التوبة وصحوة العقل؟ لحظة يتمنى بها العودة إلى الوراء لنطق كلمة واحدة فقط -أسف- لكن ترى هل فات زمانها؟!!


إنكسرت نظرته وهو يرى تلك التعاسة واللوم بعينيها فلقد أخطأ، لقد غفل عن بسمة زينت حياته لسنوات مضت وعاش حبيس الماضي وذكراه، طأطأ "عزت" رأسه نادمًا قائلًا بصدق:

- سامحيني يا بنتي، أنا ظلمتك معايا، لما "فاطمة" ماتت وهي بتولدك مبقتش شايف غير حاجة واحدة، إنك إنتِ السبب في موتها، كل ما أشوفك بتكبري وتكوني صورة منها أفتكر خسارتي ليها، وبدأ ما أعوض خسارتها بيكِ، بعدت عنك أكتر، و النهاردة بس أخدت بالي إنها مشيت وسابت لي أحلى حاجة فيا دنيتي، لما حسيت إني كنت حموت مبقتش أفكر غير فيكِ وتقصيري معاكِ، حسيت قد إيه خايف مسددش ديني إللي في رقبتي، خوفت أموت يا "ليلى" وأنا كدة.


دمعت عيناه تأثرًا بإحساسه بالذنب تجاهها وقد إضطربت أنفاسها لشعورها بإشتراكها بذات الندم، فهي نفسها كانت تتهرب منه كما يتهرب منها، كانت تتجنبه لتتسع الفجوة بينهما أكثر وأكثر، أشفقت على إحساسه بالفقد حتى تخبط وتخلى عن قُربه من الجميع وليس منها وحدها، ربما كان يحتاج يد عون لم يجدها، كما كانت هي تمامًا تحتاج إليه.


لكن قوتها نبعت من داخلها، إرث لم تكن تدرك أنه من والدتها سوى الآن، فهي الأقوى بالتحكم بنفسها ومشاعرها ولا تنساق خلف هزة نفسية أو أزمة كما ضعف والدها بوفاة والدتها من قبل، لتسحب زفيرًا رفعت له هامتها بقوة مستطردة:

- خلاص بقى، مش لازم نزعل تاني، أنا معاك وأنت معايا، نعوض بعض عن إللى شوفناه ومفيش داعي نفتكر إللي فات.


تقوس حاجبيه بتأثر بالغ حين رآها بصورة طبق الأصل من "فاطمة"، ليردف بإندهاش:

- ياااه، قلبك طيب أوي زيها بالضبط، وكأني أول مرة بشوفك يا بنتي، سامحيني يا "ليلى"، أنا كان لازم الدرس دة ييجي عشان يفوقني، ويعرفني قد إيه عندي جوهرة غالية زيك.


وقفت "ليلى" بزهو وربما بسعادة جديدة كليًا عليها لهذا القرب المفاجئ بينهما، لتعقب بإبتسامة خفيفة:

- إيه يا بابا، قلبناها مأساويات ليه كدة، أنا حسيبك ترتاح شوية عشان كمان شكلك تعبان أوي وعايز ترتاح، وأنا أروح أكمل شغل عشان المناوبة بتاعتي إبتدت، و حاجي لك في الراحة بتاعتي.


أومأ "عزت" برضا مناظرًا لـ"ليلى" بسكينة وهو يتابع مغادرتها للغرفة ليعود محاولًا الإستلقاء فهو متعب بشكل غير عادي.


إتجهت "ليلى" بخطواتها المتعجلة لغرفة التمريض لتأخرها عن موعدها لتبديل ملابسها، تفاجئت بوجود "مروة" دون زي التمريض خاصتها لتعقد جبهتها بتعجب:

- "مروة" !! صباح الخير.


أجابتها "مروة" بتشتت كمن تفاجئت بوجود "ليلى":

- هاااه، "ليلى"، صباح الخير.


- شكلك تعبان أوي؟!!


تنهدت "مروة" بإرهاق:

- إمبارح الشغل زاد والدكتور طلبني في مناوبة بالليل، تعبانة أوي وعايزة أروح أرتاح، أنا كمان طلبت تغيير معاد المناوبة بتاعتي الشهر ده.


- خسارة، يعني شهر بحاله مش حعرف أشوفك!!


أغمضت"مروة" عيناها لوهلة بإرهاق لتجيب صديقتها بإستياء:

- شوفتي بقى، أصل أنا تعبت من تغيير الوقت كل شوية، وطلبت كدة من دكتور "عبد الغفار"، وكمان حكمل شغل مع دكتور "مصطفى" بتاع المخ والأعصاب عشان "رقية" خدت أجازة وضع.


حتى وإن أعدنا ترتيب حياتنا، تأتى الأقدار بترتيب آخر، تقبلت "ليلى" غياب صديقتها مرغمة لتردف بضيق:

- إن شاء الله، طيب أبقى طمنيني عليكِ.


وقفت "مروة" تحمل حقيبتها فوق كتفها للمغادرة وهي تربت بخفة فوق ذراع "ليلى" مودعة إياها:

- وإنتِ كمان، سلام أنا بقى يا دوب أروح أنام.

ثم إنتبهت فجأة لتسألها:

- عم "عزت" عامل إيه دلوقتِ؟!!


- الحمد لله، لسه جايه من عنده.


- الحمد لله.

إكتفت "مروة" بكلماتها البسيطة لتنهي حديثها مع "ليلى" لتغادر المستشفى على الفور، وتبدأ "ليلى" مناوبة جديدة بالمستشفى.

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


في بعض الأحيان التسامح لا يفيد، فحتى التسامح له أُناس، أنت لم تطلب الكثير لتبقى، لكنك طلبت من الشخص الخطأ.

رشا روميه 


غفوة لم تدرك بها "فرح" متى قامت بها لكنها إستيقظت منها فزعة حين سمعت صوت نغمة رسالة واردة، تمامًا كصوت يُحيي القلب المنفطر، أمل تتوق له منذ ليلة الأمس، مدت يدها تسحب هاتفها وهي تعتدل بجلستها، مسحت فوق خصلات شعرها بتوتر فهي لا تدري متى غفت وهي تنتظر هذا الرد.

همست "فرح" حين رأت إسم "هاني" بهاتفها هو صاحب الرسالة:

- أخيرًا رديت!!


أسرعت تقرأ محتواها بتلهف:

-[ شوفي يا "فرح"، عشان متعشميش نفسك أوي، أنا وإنتِ مننفعش لبعض، ولا ظروفك هي ظروفي، ولا حياتي شبه حياتك، أنا عايز واحدة شبهي، وإنتِ كمان إتجوزي واحد شبهك من طبقتك، أنا لو كملت معاكِ حبقى ظلمت نفسي، كمان مقدرش أزعل أهلي، هم كمان رافضين موضوع جوازنا، ويا ريت متبعتليش تاني ]


تحشرجت أنفاسها من مجرد كلمات مكتوبة، تمامًا كما لو أنها ترجف أذنيها بصوته، ألا يدري أن تلك الكلمات جارحة كالخناجر تطعن بقلبها الرقيق، متخاذل قاسٍ عليها وعلى قلبها، حاولت سحب بعض الهواء الذي شعرت بإنعدامه بتلك اللحظة، غصة موجعة جعلتها ترتجف وتعلو شهقاتها الباكية، فمشهد تخليه عنها لم تتخيله مطلقًا من قبل، صدمة لم تحسب لها حساب.


دهشة نفور واستنكار وهي تلوم نفسها أولًا:

- بقى هو دة إللي أنا حبيته!!! هو دة إللي وقفت قدام ماما وصممت إني لازم أرتبط بيه!!! معقول يبيعني بالسهولة دي، للدرجة دي أنا رخيصة عنده، وأبقى في الآخر أنا من طبقة وهو من طبقة!!!


شهقاتها العالية دبت بقلب "مديحة" بألم حين وصلت إلى أسماعها، دلفت على الفور لغرفة إبنتها وهي تتسائل بقلق:

- "فرح"، مالك يا حبيبتي، إيه إللي زعلك أوي كدة؟!! 


ألقت "فرح" برأسها فوق صدر والدتها مستكملة نحيبها على فراق قلبها وإحساسه، إهتزت نبرتها وهي تجيبها:

- "هاني" يا ماما، "هاني"!!


لوت "مديحة" فمها بإمتعاض وعدم تحمل لسماع إسمه:

- عمل إيه إللي ما يتسمى دة تاني؟!!

بقلم رشا روميه 

أجمل ما يربط بينهما تلك العلاقة الواضحة كصديقتين وليس كأم وابنتها، أمر جعلها بدون تفكير تمد يدها بالهاتف تجاه والدتها لتقرأ رسالته، والتي ما أن بدأت تقرأ كلماتها وإشتد وجهها بحمرة إنفعال لتنتفض قائلة بحدة:

- وإنتِ بتعيطي على واحد زي ده!! واحد من أول إختبار إتخلى عنك، واحد شايف إننا أأقل منه ومش من مستواه، (ثم رفعت "مديحة" عنقها للأعلى وهي تسحب وجه إبنتها المنكسر معها بطرف أصابعها تهتف بها بقوة) قومي يا "فرح" إغسلي وشك، وإياك أشوفك بتعيطي على واحد حقير وميستاهلش زى دة، إن مكانش إللى يحبك دة يحطك على رأسه من فوق ميلزمناش، كرامتك أهم من كل شئ.


وإن كانت هي جيشها الوحيد فذلك يُغنيها عن بقية العالم، يكفيها أنها إبنة تلك السيدة وفخورة بذلك، رفعت "فرح" من هامتها وهي تمسح دموعها التي أغرقت وجنتيها مرددة تقوي نفسها بتلك الكلمات المحفزة:

- أيوة، أيوة، أنا مش قليلة أوي كدة، بس وجعني أوي يا ماما.


تأرجح ما بين التحفز للقوة وإحساسها بالخذلان، لكن والدتها أكملت بذات القوة تبثها بها فلا داعي للإحساس بالدونية التي حاول هذا الوضيع أن يشعرها به ..

- ولا يأثر فيكِ، إنتِ قوية مش ضعيفة، ومش لازم يحس إنك ضعيفة، ولا حتموتي من بَعده.


-أيوة ...


إستغلت "مديحة" تلك الحالة المتحفزة لإبنتها لتكمل:

- وبكره ربنا يبعتلك إللي أحسن منه مية مرة.


إلى هنا وتوقف حلمها بالقوة، بل توقف كل شعور قد يجتاح قلبها يومًا، لن تربط سعادتها بوجود رجل بحياتها، بل عليها المضي قدمًا لتحقيق ذاتها ونفسها، أن تتغاضى عن فكرة الزواج بالمرة، مطت "فرح" فكيها بغيظ مكتوم ثم هتفت بإنفعال رافض:

- لأ، مش حيحصل، ومش عاوزة، أنا لا عايزاه ولا عايزة غيره، أنا حكمل دراسات عُليا، وموضوع الجواز دة إتقفل خالص من حياتي.


خُفضت نظرات عيون "مديحة" القوية، فهي كل ما تتمناه هو رؤية إبنتها عروس بفستان زفافها، أن تطمئن عليها بتكوين أسرة محبة وزوج يكون لها العون والسند، لكن ما تنوي عليه "فرح" يهدم كل ذلك بلحظة إنفعال، لانت نبرتها وهي تحاول أن تحيدها عن قرارها المنفعل:

- ليه يعني يا "فرح"، هو يعني إللي خلقـــ.......


قاطعتها "فرح" بعناد تام، فقلبها المهشم لن يقبل من يقل منه مرة أخرى، لن تقبل أن ينظر أحدهم لها بتلك النظرة الدونية التي نظر بها "هاني" لها ولأمها، يجب أن تكون أقوى ومستقلة:

- لا يا ماما، لأ، أنا لازم أبقى حاجة كبيرة، حاجة محدش يقدر يوصل لها، لازم "هاني" يندم على إللي عمله معايا.


الضغط على الجروح النازفة لا يفيد إلا الألم، لهذا فضلت "مديحة" الصبر حتى تلتئم جراحها التي سببها لها هذا المعتوه:

- عمومًا الأيام لسه حتداوي كتير، قومي يلا إغسلِ وشك وتعالي معايا نخرج ونتفسح ونتغدى بره كمان.


أومأت "فرح" برأسها عدة مرات لكن من داخلها أخذت وعد على نفسها بأنها لن تكون ضعيفة، ستكون القوية التي لا تنكسر أمام "هاني" أو غيره، ستغلق باب زواجها تمامًا وعليها فقط تحقيق ذاتها ونجاحها.

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


وجودك بمكان لا يستحقك هو بالتأكيد أكثر ما يؤذي الروح، فبعض أفعالهم لها صوت أعلى من الكلمات، فقط لو ننتبه.

رشا روميه 


بمستشفى الأمل جلس "نور" بالإستراحة يحاول الحصول على بعض دقائق للراحة قبل البدء من جديد، أغمض عيناه لوهلة يصفي ذهنه فيكفيه كونه مثقل بالافكار المشتتة طيلة الوقت.


مع دقات هاتفه التي صدحت صداها فتح "نور" عينيه ينظر تجاهه قبل أن يجفل بعينيه بتملل حين شاهد إسم "نسرين" يتوسط شاشته، ليس من الصائب تقبل ما ترفضه نفسك ويرهق روحك، لكن بعض الأذى يأتي من أنفسنا.


سحب "نور" نفسًا عميقًا قبل إجابته على "نسرين" يجبر روحه على الإستمرار:

- السلام عليكم.


لم تتواني بملامتها له منذ كلماتها الأولى:

- وعليكم السلام، جرى إيه يا "نور"، إنت فين؟!! هو إنت لا يمكن تكلمني من نفسك، لازم أنا إللي أكلمك!!!


- معلش يا "نسرين" مشغول شوية في المستشفى.

بقلم رشا روميه 

لا يدري إن كانت تلك هي الحقيقة أم إنه يتهرب منها ومن لقاء يجمعه بها على الدوام، لتجيبه "نسرين" بلا إكتراث، فما تريده الآن لهو أهم من لوم وعتاب بينهم:

- طيب أنا كنت عايزة أشوفك، فيه موضوع مهم أوي ميتأجلش عايزة أكلمك فيه، حتبقى فاضي إمتى عشان نتقابل؟


حتى وإن كان لديه الوقت الكافي إلا أنه سيستمر بالتهرب تجنبًا لمواجهة أخرى تثير غضبه منها، ليجيبها "نور" مدعيًا الإنشغال.

- أعذريني يا "نسرين" النهاردة عندي شغل كتير أوي، خليها بكره ولا حاجه.


تنهدت "نسرين" بملل مستكملة:

- طيب ماشي، أشوفك بكره بعد المغرب بقى.


تحديدها أمر ثقيل على نفسه لكنه لا يملك التهرب بعد ذلك ليضطر للقبول مرغمًا:

- مفيش مشكلة، بكره يا "نسرين".


أنهى تلك المكالمة بضيق من نفسه قبل أن يكون ضيقًا منها، فلولا مسؤوليته تجاهها التي حملها له والده لكان الأمر أصبح مختلفًا، لكنه لن يتملص من وعده، إحساس خانق بعلاقته بـ"نسرين"، يحاول قدر الإمكان تجنب رؤيتها، كم يتمنى أن يشعر بما يترائى لسمعه عن شوق المحبين وحديثهم، فحتى أحاديثها التافهة يمقتها للغاية، ليته يشعر بأي شئ على الإطلاق تجاهها فوجودها مثل عدمه تمامًا.

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


مستشفى الهلال المركزي...

للمهارة ضريبة أيضًا، فليس كل ما يأتي من النحل عسل، بل لها لدغات مؤلمة بذات الوقت، بقي "سامح" بالمستشفى يرتب أوضاع المرضى المتابعين معه، فبداية من الغد سيتولى عمله بالمستشفى الأهلية مناصفة مع مستشفى الهلال، فقد طلب ذلك بنفسه، تركيزه الشديد بعمله جعل له مهارة تمكنه من مساعدة مرضى العيون ذوي الحاجات الخاصة للعلاج، وبطبعه المتفاني أراد أن يساعد الكثير من المرضى بما يقدر عليه.

بقلم رشا روميه 


دلفت لغرفته إحدى الممرضات الجدد مما سبب له الإرتباك الشديد وتوهج وجهه بحمرة خجل مبالغ فيها، فقط لرؤية فتاة ذات وجه جديد عليه بالمستشفى.


أمر جعله يضطر للخروج من غرفته مدعيًا المرور بالمرضى، لكن بداخله ضيق من هذا الخجل الذي يمنعه من مجرد التفكير بإحدى الفتيات، فكيف سيتسنى له الحب والزواج، أمر معقد لن يقدر على تجاوزه، فهل سيظل إلى الأبد لا يتخذ خطوة بطريق حياته ومستقبله وإستقراره، ألن يحظى بزوجة وأسرة محبة بسبب خجله الزائد!

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


هو عمرك تُفنِيه فيما أردت، لكن لا تنسى أنك ستُسأل عنه، حاذر من أن تكون ممن ضَل سعيهم في الدنيا، لكن بالنهاية هناك مرضىٰ القلوب يزيدهم الله مرضا، هؤلاء من ضلوا وسيضلوا طريقهم إلى أن يشاء الله.

رشا روميه 


بأحد المقاهي جلس الرفيقين "منصور" و"رضا" يحرقان أرواحهم ما بين لفافة وأخرى، ينفثان دخان سجائرهم بالهواء كمن يتخالون بها.


مط "منصور" شفتيه قليلًا ليسأل رفيقه:

- وعملت اللي أنا قولت لك عليه بالضبط؟


-أيوة، متقلقش، كله تمام.


أخذ "منصور" يعبث بخاتمة العريض ذو الفص الأزرق بغرور مستكملًا:

- كويس أوي، طيب وأخبار الشيخه "سارة" إيه؟ لسه منشفه دماغها!


إمتعض وجه "رضا" حين جاء "منصور" بذكر "سارة" متذمرًا من رفضها الدائم:

- مش راضيه تهاودني، أنا خايف أحسن تعمل حاجه! دي ممكن تبلغ عننا.


رفع "منصور" ساقه فوق الأخرى بذات الغرور، ليردف بثقة متناهية وضحكة مالت بثغره قليلًا:

- متبقاش جبان للدرجه دي، هي مفيش في ايديها حاجه، متنساش إن إحنا اللي معانا التسجيل بتاعها، بس تفكر بس، مجرد تفكير إنها تتلاوع بينا، هي اللي حتجني على نفسها، دي هي اللي المفروض تخاف مننا.


- تفتكر؟!


رفع "منصور" حاجبيه وأهدلهما واثقًا مما يتفوه به:

- طبعًا يا إبني، "ساره" دي ولا تحطها في دماغك، فكر بس إزاي نخلي الدنيا تمشي يا صاحبي.


بإستسلام لتفكير قائده إنصاع "رضا" ضعيف الشخصية خلف قدوته:

- أهو بحاول يا صاحبي، بس يلا وهات لنا بنات جديدة، صحيح، مفيش أخبار عن البنت اللي قولت لي عليها؟


- أصبر شويه، دي بقى لها ترتيب تــــــاني خالص، متستعجلش، هي اللي حتيجي لحد عندي وتحت رجليا كمان.


بإعجاب شديد لما يفعله "منصور" وطريقته بالإيقاع بتلك الفتيات:

- واثق من نفسك أوي يا "منصور"؟


إلتف "منصور" تجاه "رضا" وهو يجيبه بجدية أربكت "رضا":

- طبعًا واثق من نفسي، هي أول مرة، بكره تشوف ونكسب من وراها دهب.


زاغت عينا "رضا" يحاول معرفة بما يدور برأس هذا المذهل معقد التفكير ليتسائل بجهل تام:

- وحتصورها فيديو برضه؟


- أكيد، ودي فيها كلام، دة هو دة الضامن لكل اللي أنا عاوزه، ساعتها مش حتقدر ترفض لي أي طلب أطلبه منها.


ضحكة ممازحة تغلف هذا الإحساس الجاد بداخله أطلقها "رضا":

- والله أنا ساعات بخاف منك.


جفل "منصور" بزرقاوتيه المخيفتين لوهلة يريد بث هذا الإحساس برفيقه أيضًا:

- وهو المطلوب.

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


مستشفى الهلال المركزي...

عليك البقاء قويًا فمازالت قصتك لم تنتهي بعد، بعض الديون يجب سدادها فتحلى بالبأس لتستطيع ذلك.

رشا روميه 


دلفت الممرضة المناوبة "سوزان" غرفة "عزت" لإعطائه جرعة المسكن كما هو مدون بدفتر الحالات خاصتها، مجرد أمر روتيني معتاد خاصة بحالة "عزت" فما به ليس سوى مجرد كسور وكدمات إثر الحادث كما هو متعارف على حالته.


إقتربت من فراشه حيث تمدد بسكون لتضع ما تحمله بيدها من أدوية فوق الكومود الصغير إلى جوار الفراش، فيبدو أن "عزت" خلد للنوم مرة أخرى وعليها إفاقته أولًا.


رفعت أصابعها بخفة وقبل أن تلمس جسد "عزت" لإيقاظه؛ أخذ ينتفض بتشنجات قوية كاد لها جسده أن يقفز مرات متتالية للأعلى وغياب وعي كامل له.


فزعت "سوزان" لتشنجات جسده لتعود بتفاجئ نحو الخلف بأنفاس متعالية، فيبدو أن أمرًا غير منطقيًا وغريبًا يحدث لهذا الرجل.


أسرعت بضغط زر الإستدعاء ليعاونها أحدهم للسيطرة على حالة "عزت"، دلفت إثرها إحدى زميلاتها متسائلة:

- خير يا "سوزان" فيه إيه؟!


إلتفت "سوزان" بتخوف محدثة رفيقتها بعجالة:

- بسرعه يا "نهى" نادي دكتور "محمد" أوام، مش عارفه الحالة مالها!!!


- حاضر، حاضر، على طول أهو.


كحالة طارئة لم يتأخر عنها الطبيب ليأتي مسرعًا لغرفة "عزت" والتي مازالت التشنجات المفاجئة تعصف به بلا سبب، فتح باب الغرفة ليدلف للداخل مباشرة وهو يسأل "سوزان" بتجهم:

- إيه اللي حصل يا "سوزان"؟ إنتِ إديتيه إيه؟!


أسرعت تنفى عن نفسها هذا الخطأ الجسيم:

- والله ما اديته حاجه، أنا لسه داخله بالدوا لقيته عمال يتشنج كدة!!


أسرع الطبيب بإلقاء نظرة متفحصة على أعين "عزت" ومؤشراته الأولية سريعًا، ثم رفع عيناه تجاه "سوزان" قائلًا:

- قيسي لي السكر والضغط حالًا.


أخرجت "سوزان" جهازي الضغط والسكري لقياسهما بمهارة ثم إمتعضت قليلًا قائلة:

- السكر عالي أوي يا دكتور، أعمل إيه؟


زاغت عينا الطبيب قليلًا لتسقط عيناه على كيس الدم الفارغ المعلق بالحامل الحديدي، تفكر قليلًا كطبيب متمرس ليهتف بها:

- هاتي حقنة إنسولين الأول (حقن بها "عزت" على الفور ليسائل بنبرة محتدة) مين اللي علق له الدم إمبارح؟


إستقامت "سوزان" بتخوف:

- أنا يا دكتور، ليه فيه حاجه ولا إيه؟!!


بدأ جسد "عزت" بالسكون قليلًا ومازال غائبًا عن الوعي، ثم أكمل الطبيب بضيق:

- "عزت" جاتله كومة سكر، وإحنا عارفين إنه مريض سكر وواخد جرعة الدوا، وأنا بنفسي فحصت النسبة إمبارح، التشنج اللي حصله ده سببه إرتفاع السكر عنده، وده ممكن يكون بسبب نقل دم لفصيلة غير فصيلته، عشان كدة بسألك على كيس الدم.


أجابته "سوزان" بحرفية عالية:

- طبعًا يا دكتور، وأنا بنفسي مركبه له كيس دم نفس الفصيلة وأنا متأكدة كويس.


لم يجد الطبيب بُد من إجراء للتأكد من ذلك بنفسه:

- مش يمكن الملصق فيه حاجه غلط، إتفضلي خدي عينه من كيس الدم وإفحصيها والنتيجة تيجي لي مكتبي فورًا، كمان خدي عينة من "عزت" وإعملي لها صورة كاملة وهاتيهالي، لازم أعرف سبب اللي حصل ده إيه.


إبتلعت "سوزان" ريقها بتخوف قائلة:

-...............ـ


ترى هل سيتجاوب محمود لأطماع زوجته؟

وهل سترضى زهرة بحياتها مع أنور رغم عدم تقبلها له؟

نور وسامح هل ستظل حياتهما بتلك الرتابة؟ وما الأمر الهام الذي تريده نسرين من نور؟

تري ماذا أصاب عزت، وما كان يحمل كيس الدم؟


كلها تساؤلات ستجيب عنها الأحداث القادمة، فيبقى للأحداث بقية،،،

الفصل الثامن من هنا

stories
stories
تعليقات