![]() |
رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الثامن بقلم رشا رومية
«حقوق مسلوبة ....»
تميل النفوس وتتخبط، يغلُبها شيطانها فتخطئ، كان عليك التراجع ومخالفة نفسك حتى لا تنزلق قدمك، لكن لا يقدر على جهاد النفس سوى الأقوياء، تتزاحم الأفكار بداخل رأسك، الجيد منها والردئ وعليك أن تختار بينها، بعض الأوقات تضعف نفسك وتهوى بمنعطف خطر وحين تدرك ذلك تتغاضي وتخدع نفسك بأنك قد إضطررت لذلك وسلبت الحق بغير عمد، ليبقى سؤالًا واحدًا يبقى بذهنك، أي جزء تغاضيت عنه بالقصة هو الحقيقة؟، لكن إن أدركت الصواب فيجب عليك إعادة الحقوق المسلوبة لأصحابها.
رشا روميه
❈-❈-❈ــ
مستشفى الهلال المركزي...
وقفت "سوزان" بإرتباك لتلك النظرات الحادة من الطبيب وهو يشير تجاه كيس الدم الفارغ المعلق بالحامل الحديدي منذ الأمس، تهدج صدرها بإضطراب وهي تستمع لأمر الطبيب بإعادة فحص فصيلة الدم الخاصة بـ"عزت" وكيس الدم الذي وضعته، لكنها إبتلعت ريقها بتخوف قائلة:
- والله يا دكتور أنا متأكده من الفصيله، بجد أنا مركزه كويس، ده أنا إللي مركباه بنفسي.
عقاب سينالها إن كانت أخطأت لهذا أخذت "سوزان" تدافع عن نفسها بكل السُبل حتى لا يوقع عليها أي عقاب، لهذا أسرعت لتخلع كيس الدم من الحامل، ثم سحبت عينة لتحليلها من "عزت" وهي تؤكد على الطبيب الذي ينتظر تحركها:
- خلاص أهو يا دكتور، أخدت العينات، عشر دقايق والنتيجه تكون عند حضرتك، بس والله أنا متأكده من الفصيله كويس.
رمقها الطبيب بطرف عينيه قبل أن يردف أثناء مغادرته الغرفة:
- لما نشوف، ما هو المضاعفات دي مش طبيعيه، ده أكيد مضاعفات مضاده، وكويس إننا لحقناه وإلا كانت حتبقى مسؤوليه تودي في داهيه مش هزار، غلطه واحده تساوي حياته.
تمتمت "سوزان" أثناء مغادرتها الغرفة خلف الطبيب:
- ربنا يستر.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
البقاء إختيار وليس فرض، فالبعض يختلق الأعذار ليرحل، والآخرون يختلقوا الوهم ليبقوا، أمل وربما حُلم سيغير حياتنا وعلينا التشبث به، تكرار الأذى ليس صبرًا وتحمل، فمن تلقى صفعة لم يتعلم منها يستحقها مجددًا.
رشا روميه
بيت عائلة مكاوي..
مسحت "زهرة" جبهتها المتعرقة بظهر يدها وهي تلتقط أنفاسها المتهدجة قبل أن تردف بصوت مهتز وأعين متعبة:
- أنا نشرت الغسيل كله يا ماما "فردوس"، حطلع فوق أنشر غسيلي أنا كمان، ولما أخلص حنزل لكم تاني عشان نخلص الغدا.
تطلعت بها "فردوس" بإشفاق فيبدو أنها متعبة للغاية، حتى وجهها أصبح شاحبًا بشكل ملحوظ:
- بالراحة على نفسك يا بنتي، من الصبح طالعه نازله من تحت لفوق، كدة غلط، طب إفرضي ربنا كان كرمك وحملتي، مينفعش المجهود ده كله.
بقلم رشا روميه
طأطأت "زهرة" رأسها بخجل من ذِكر أمر الحمل:
- متخافيش يا ماما، أنا بيتهيألي مفيش حاجه لسه.
تفحصت "فردوس" وجه "زهرة" الشاحب قبل أن تبتسم إبتسامتها الخفيفة تبث ظنونها بداخل نفس تلك التي تعلق نفسها بأمل جديد:
- وعرفتي منين!! ده إنتِ حتى شكلك مرهق وطول الوقت دايخه الكام يوم اللي فاتوا دول، على فكره شكلك حامل وإنتِ مش عارفه.
رفعت "زهرة" حاجبيها بإندهاش فهي بالفعل تشعر بالدوار والإرهاق غير المعتاد، فغرت فاها للحظة قبل أن تتسائل بإستفسار:
- بجد!! تفتكري يا ماما "فردوس"؟ أنا أصلي معرفش.
ضحكت "فردوس" بخفة مجيبة زوجة ولدها الذي تأمل بأن يصلح هذا الأمر ولدها وتستقر حياته:
- شكلك كدة، وأما نشوف، مش يمكن بصحيح.
زاغت عينا "زهرة" متفكرة بهذا الأمر فلعلها تحمل طفلًا يغنيها عن كل العالم ويكون سببًا لسعادتها، إبتلعت إبتسامتها وهي تستأذن للصعود لشقتها تخفي إحساس متخبط بداخلها:
- يا دوب أطلع أنشُر يا ماما، بعدين نشوف الحكايه دي.
- ربنا يراضيكِ يا بنتي، وتجيبى لنا الواد اللي يشيل إسم العيله بقى ويفرحنا كلنا.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
إن العيون نواطق وإن ساد الصمت، فمهما حاولت إخفاء ذلك سيظهر لا محالة بداخل تلك العيون التي لا تكذب.
رشا روميه
وضعت "ليلى" علامة فوق أحد الأسماء لتطلب من أحد المرضى بالإستعداد للدخول للطبيب، لترفع رأسها عن دفترها تجاه الممر، كمن تشعر بأن هناك نداء خفي جعلها تنظر للأمام، رؤيتها لـ"سوزان" تقترب منها بأعين مضطربة جعلها تقلق على والدها لتقف بتخوف قائلة:
- خير يا "سوزان"، إيه اللي جابك؟ بابا جرى له حاجه؟!!!
إبتعلت "سوزان" ريقها وهي تحاول التهرب من أعين "ليلى" السوداء التي تراودها هنا وهناك تريد إستشفاف الأمر، لكنها بالنهاية أجابتها دون إيضاح:
- مفيش حاجه، بس دكتور "محمد" عايزك تروحي له المكتب، هو مستنيكِ هناك، روحي له على طول وأنا حكمل مكانك.
تطلعت بها "ليلى" لوهلة وقد زاد قلقها، فيبدو أن "سوزان" تخفي أمر ما عنها، أمر جعلها تترك قلمها متجهة بخطواتها المسرعة تجاه مكتب الطبيب لرؤيته والإطمئنان على حال والدها.
وقفت أمام مكتب الطبيب وقد ترددت بالدخول، ليحتل سؤالًا واحدًا عقلها، تُرى ماذا حل بوالدها ليطلب منها الطبيب المختص بحالته لرؤيتها بهذا الإستعجال، تمالكت شجاعتها لتطرق الباب وهي تسمع كلمات الطبيب التي تسمح لها بالدخول.
رؤيتها له جالسًا بهذا التأهب أيقنت "ليلى" على الفور أن مكروهًا ما أصاب والدها، فحتى نظراته نحوها تحمل جدية وشفقة بمزيج يدعو للقلق.
أخرجت "ليلى" كلماتها بصعوبة:
- خير يا دكتور! حضرتك طلبتني؟
أشار الطبيب تجاه المقعد أولًا:
- أقعدي يا "ليلى" عاوزك.
جلست بتوتر وبطء فوجه الطبيب قال ما لم يقوله صمته، تعمقت بملامحه فربما تدرك ما سيتفوه به ليطمئن قلبها، إنتظرت لبرهة بثباتها المتعارف تنتظر أن يبدأ هو حديثه، لكنها أسرعت بسؤالها:
- بابا كويس يا دكتور؟ أنا كدة قلقت أوي.
رفع بصره تجاهها وهو يخلع نظارته الطبية قائلًا بدون إيضاح:
- متقلقيش.
بقلم رشا روميه
رغم نطقه بالكلمة إلا أن إيضاحه لم يكن كافيًا لها لفهم ما حدث، لتعيد تساؤلها:
- مقلقش إزاي بس! ده حضرتك وشك بيقول كلام تاني خالص!
لم يجد بُد من أن يحاول شرح حالة والدها لها بالتفصيل:
- بصي يا "ليلى"، إنتِ عارفه قد إيه المستشفى هنا بتدقق في كل حاجه، والرقابه علينا وعليكم عامله إزاي؟
- أكيد طبعًا.
عملها معهم بالمستشفى كان له جانب قوي يستند عليه لإيضاح عدم التقصير أو الإهمال بحالة والدها، أمر دفعه لإستكمال توضيحه:
- كويس أوي، والدك لما دخل العمليات ولأنه مريض سكر، كان لازم طبعًا نعوض الدم اللي فقده وإضطرينا ننقل له دم، ودي حاجة بديهيه يعني.
مقدماته الطويلة بالشرح جعلت "ليلى" تشعر بالتوجس لتجيبه بتشتت:
- أكيد.
- من شوية وأنا بمر عليه حصل له شوية مضاعفات وتشنجات غريبه، وبعدها أُغمى عليه، أنا طبعًا بخبرتي توقعت إن التشنجات دي سببها إن الدم ممكن يكون من فصيله مختلفه، لكن اااا ....
كل ما يخبرها به لا يطمئنها بالمرة، لتهتف بقلق:
- لكن إيه يا دكتور، إيه اللي حصل لبابا؟
أكمل بضيق بالغ لما سيخبرها به:
- لما اخدنا عينه من والدك وعينه من كيس الدم، إتضح إن الفصيله تمام ومفيهاش تغيير، لكن للأسف لما حللنا كيس الدم لقينا الدم كله ملوث بفيروس سي، بنسبة عالية جدًا، ولما دخلت جسم والدك الفيروس هاجمه بشكل كبير لأنه كمان مريض سكر، المضاعفات اللي حصلت دي كانت نتيجه لهجوم الفيروس بشراسه لجسمه.
فغرت "ليلى" فاها بعدم إدراك لوهلة لما يتفوه به الطبيب، فهل يتحدث عن والدها؟ أهو من أصيب بهذا الفيروس وبتلك القوة أيضًا؟!
رغم تلك الحالة التي إنتابتها من عدم الإدراك اللحظي إلا أنها رفضت ذلك قائلة:
- إزاي يا دكتور، إحنا عندنا رقابه رهيبه على الدم بالذات، مفيش في المستشفى دم ملوث أبدًا، أنا متأكده.
- للأسف ملهاش حل منطقي إلا كده، إحنا كمان حللنا لوالدك وإتضح لنا إصابته بالفيروس فعلًا، وبدرجه عاليه كمان.
زاغت عيناها لوهلة قبل أن تستفسر مرة أخرى:
- هو علاجه صعب مش كدة؟
أومأ الطبيب بخفة إيجابًا ليردف موضحًا:
- للأسف، الدم الملوث دخل جسمه بشكل كبير ومفاجئ جسمه مستحملهوش، فإحنا بنتعامل مع درجه عاليه من الفيروس كأنه مريض من سنين، لازم نبدأ علاج فوري ومفيش حاجه بعيد عن ربنا، عشان كده لازم إنتِ تكوني قويه عشانه.
- ونعم بالله.
لملمت "ليلى" أعصابها المُتلفة وحزنها الداخلي لتغادر غرفة الطبيب ببعض التخبط، فهل ستخسر والدها بسبب هذا الفيروس القاتل؟ الآن فقط بعد أن أدركت قيمته بحياتها ستخسره؟!! إن لها الحق به وبشعورها المتأخر بحنانه ووجوده، إن حقها بقلبه سُلب منها وعليها إستعادته مرة أخرى بوجودها إلى جواره.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
بيت مروة الشيمي....
قد ترى الدنيا بشكل مختلف حين تصبح أضعف، أقل قوة وهيمنة، سكينتك وسكونك يشعرك بأنك ضئيل للغاية تتمنى رحمة الله وأن يتولاك ولا يتركك لنفسك طرفة عين.
رشا روميه
بتلك الغرفة المشتركة بين "مروة" وأختها "رباب" تدثرت بإحكام بغطائها فهي تشعر أنها ليست على ما يرام.
إنتفض جسدها بقوة لتلك الحُمى التي أصابتها وجعلتها تشعر برجفة قوية، أغمضت عينيها بألم فربما سيساعدها النوم على أن تتعافى قليلًا.
أين ذهبت قوتها وحِدتها!! لتبقى ضعيفة مستكينة مستسلمة للمرض، دلفت والدتها لتطمئن عليها فمنذ عودتها من المستشفى وهي متعبة.
دنت من الفراش تحاول إيقاظها لتناول الطعام:
- "مروة"، يلا يا "مروة" قومي عشان تاكلي لقمه، كده حتتعبي أكتر.
لم تزح "مروة" الغطاء عن وجهها لما تشعر به من قشعريرة باردة تسري بجسدها، لكنها أجابتها بإعياء:
- مش قادره، حنام شويه يمكن أبقى كويسه.
بتقبل مضطر أومأت والدتها قائلة:
- طيب يا "مروة"، بس حروح أجيب لك حباية مسكن خديها ونامي، وإن شاء الله تقومي كويسه.
أحضرت لها والدتها بعض الحبوب المسكنة لتتناولها "مروة" محاولة الإستغراق بالنوم، فيبدو أنها متعبة ومرهقة أيضًا وعليها الراحة لبعض الوقت.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
بيت عائلة مكاوي....
من حقك الإستمتاع بحريتك كما تظن، لكن ليس من حقك مصادرة حق الغير وحريته، ما أُخذ بالقوة لا يعد حقًا، بل هو تعدي وسلب حقوق ليست لك، فما لا ترضاه لنفسك لا تؤذي به غيرك.
رشا روميه
عاد "زاهر" مبكرًا من تجارته بأسواق العلافة خاصته ككل يوم، فهو لا يقدر على البقاء طيلة اليوم بالعمل، بل يترك مسؤولية العمل فوق عاتق ولده الأكبر "محمود" ويعود هو ليرتاح من تلك المشقة لما يعانيه من بعض أمراض الكِبر، دلف "زاهر" بهدوء ليجد زوجته "فردوس" تجلس بغرفة المعيشة ليرافقها بجلسته الهادئة إلى جوارها.
طبع محب هادئ يجمع بينهما لسنوات طويلة كانت زاخرة بعقبات وسعادة جمعت بينهما لتتضافر المودة بين قلوبهم، بجملة معتادة تحدث "زاهر" وهو يتخذ جلسة مريحة له:
- إزيك يا "فردوس"، أمال فين الولاد؟
إعتدلت "فردوس" تنظر تجاه زوجها وهي تجيبه بوجهها البشوش سعيدة بعودته:
- "زهرة" طلعت شقتها تنشر الغسيل، و"جميلة" في المطبخ بتخلص الغدا، والبنات في الأوضه اللي جوا بيلعبوا، أجيب لك حاجه تاكلها؟
حرك "زاهر" رأسه نافيًا وقد إمتعض وجهه قليلًا:
- لأ لأ، حستنى ناكل كلنا سوا، هو "أنور" فين، خرج برضه؟!!
زفرت "فردوس" بحزن ثم أجابته:
- أيوه، مش عارفه إشمعنى هو اللي طالع كده، ده أنا قولت لما يتجوز ربنا حيهديه.
- أدينا بندعي له، و"زهرة" كمان بنت حلال، ربنا يجعل هدايته على إيديها.
- يا رب.
أريحية شديدة وكلمات بصوت مسموع بينهما جعل "جميلة" تنتبه لعودة عمها بمفرده، خرجت من المطبخ وقد إتسعت إبتسامتها على غير العادة لتشاركهم جلستهم، إقتحمت حديثهم لتقطعه بكلماتها التي جذبت إنتباههم على الفور:
- حمد الله على السلامه يا عمي، إنت إتأخرت شويه النهارده، دي البنات من بدري بتسأل عليك.
بقلم رشا روميه
كلمات تحفزت بها مشاعر المحبة كجد عطوف تمتلك الصغيرتين بها قلبه، عناء ينتهي لحظة رؤيتهن ليجيبها "زاهر" على الفور:
- بجد، هم فين؟ ناديهم لي أسلم عليهم.
أعلت "جميلة" من صوتها منادية بناتها ومازال وجهها مشرقًا بشوشًا على غير العادة:
- يا "إسراء"، يا "إسراء" تعالي سلمي على جدو، أهو جه أهو.
ثم إستدارت "جميلة" نحو عمها:
- أصل أختها نامت من شوية.
أقبلت الصغيرة تركض تجاه جدها بسعادة ليحملها بهدوء ويضعها فوق ساقيه بحنان:
- حبيبة جدو.
إلتفت "جميلة" بمقلتيها، فها هي قد أتت الفرصة التي تنتهزها، كما لو أنها تقايض عنها على لقاء حفيدته:
- بصراحه يا عمي، أنا عايزه أطلب منك طلب؟
أجابها "زاهر" أثناء مداعبته للصغيرة دون النظر لأمها:
- اطلبي يا "جميلة".
- المخزن بتاع عمارة السكه الحديد، عايزه أعمل فيه مشروع ليا وللبنات، حاجه كده للمستقبل يعني.
ترك الصغيرة وقد تبدلت ملامحه المبتهجة لعبوس مفاجئ من طلبها، ليتسائل بضيق بالغ:
- ليكِ وللبنات !!، قصدك إيه؟! بتقسمي يا "جميلة"؟!!
طلب في غير محله، فكل ما يمتلكه لهم جميعًا دون تخصيص لأحد منهم، كل ما يمتلكه يعد ملكًا للجميع دون تفضيل أحدهم عن الآخر، لم ترد فكرة تقسيم أملاكه مطلقًا سواء له أو لعائلته من قبل، الجميع ينعم بكل الخير دون أن يكون لأحد منهم ملكية مستقلة، لهذا كان إندهاش "زاهر" صادم للغاية.
لحقته "جميلة" بمرواغتها بالحديث لتصل لغايتها:
- وهو أنا أقدر يا عمي، أنا بس عايزه أشتغل فيه ويبقى ليا حاجه بتدخل لنا دخل، تقدر تقول كده، أمان يعني ليا وللبنات.
لم يكن "زاهر" محدود التفكير، فهو تاجر إبن تاجر ويستطيع فهم مقصد كل من يتحاور معه بسهولة، فعلى الرغم من إحساسه بالضيق الذي إعتراه إلا أنه قدر خوفها من ألا تتحصل على ميراث مناسب بعد وفاته لأنها رزقت بفتاتين ولم يرزقها الله بالولد، حساسية زائدة منذ مرضها الأخير والذي أجزم بإستحالة إنجابها مرة أخرى.
بقلم رشا روميه
لم ينفعل لتفكيرها بل أراد طمئنتها بأنه لا يفكر مثلما تفكر، فهو لا ينتظر الوريث كغيره، بل إن محبته لبنات ولده "محمود" أعظم من أي تفكير رجعي متوارث بمحبتهم للبنين عن البنات، فلكل إنسان رزق ونصيب سيسعى إليه دون جهد منه.
ومع تجهم ملامحه لطلبها إلا أنه أجابها بالموافقة:
- ماشي يا "جميلة"، أنا موافق، من النهاردة إعتبري المخزن بتاعك، بس قوليلي، حتعملي فيه إيه؟
لوت "جميلة" شفتيها بإبتهاج وهي تقضمهما بسعادة قبل أن تجيبه:
- حفتح بيوتي سنتر، شغال اوي اليومين دول.
- أنا مفهمش فيه، بس طالما إنتِ شايفه كده، خلاص زي ما تحبي.
- ربنا يخليك ليا يا عمي.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
مستشفى الهلال المركزي..
وقفت "ليلى" تنظر تجاه والدها الغائب عن الوعي بأعين متحسرة لإصابته بهذا الفيروس الذي هاجمه بشراسه نتيجة نقل الدم الملوث له، دلفت بخطوات بطيئة حتى إقتربت منه لتجلس برفق فوق المقعد المجاور وقد علت مقلتيها نظرات مشفقة على حاله ومرضه.
لم يحدث أمر مشابه بالمستشفى من قبل، فهي تعمل هنا وتعلم جيدًا حرصهم على سلامة الأدوية والدم المنقول، فكيف حدث هذا؟ كيف تلوث الدم بهذا الفيروس؟
تنهدت بضيق حزين وهي تتلمس بأصابعها الطويلة كف يده التي لا تشعر بها، فالطبيب أخبرها أن غيابه عن الوعي أمر طبيعي لمهاجمة الفيروس لجسده الذي زادت حدته لإصابته بمرض السكري.
همست بتقبل لهذا الإختبار من الله عز وجل فليس لديها سوى الرضا على البلاء:
- لله الأمر من قبل ومن بعد، ربنا قادر يشفيك يا بابا وترجع لي بالسلامه.
نكست رأسها مسندة إياها على حافة الفراش فلن تترك والدها الليلة وستبقى إلى جواره حتى يستفيق وتطمئن عليه.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
بيت فرح الصعيدي...
بشوشة متفائلة تضج الكون بروحها العذبة لكن مع أول إختبار وقعت بمتاهة الإحباط وضيق النفس، جميعنا على اليابسة نعطي النصائح الجيدة عن كيفية النجاة من الغرق، وحينما إنزلقت الأقدام تصارعنا من الأمواج وإستسلمنا للغرق.
عادتا "مديحة" و"فرح" للتو من الخارج بعدما حل المساء، حاولت كلاهما قضاء وقت ممتع لتناسي ما فعله "هاني" والخروج من حالة الحزن التي أصابت "فرح".
بإبتسامة مصطنعة إستطاعت "فرح" أن تشعر والدتها بأن لا شئ يؤثر بها، وأنها لا تكترث لخذلانها من هذا الأناني، قناع مؤقت ذاب تمامًا حين أغلقت "فرح" باب غرفتها لتعود ملامحها التعيسة للظهور.
تنهدت بتحسر مُحدثة نفسها:
- ( بقى بعد كل إللي كان بينا تسيبني وتتخلى عنى بالصوره دي يا "هاني" ! بقى هو ده جزاتي على حبى لك من جوه قلبي، لكن لأ، أنا مش ضعيفه، أنا لازم أفكر في مستقبلي، من بكرة حروح أقدم على دراسات عليا وحبقى أعلى من أي حد، عشان ولا إنت ولا غيرك يستقل بيا تاني)
قرار ستتناسى به إرتباط آخر وستلتفت لما هو أهم، مستقبلها وتحقيق ذاتها دون الحاجة لأحد، فلا داعي لأن تنساق خلف عاطفة تحط من قدرها، فلن تسمح لقلبها بخوض معركة أخرى فلا أحد يستحق، فالجميع (هاني الخماري).
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
بيت عائلة مكاوي..
(شقة محمود مكاوي)..
قادرة بكل مرة أن تخرجه عن شعوره وتمالك أعصابه، قادرة أن تستفزه بتصرفاتها الطائشة التي لا تنتهي، تزداد حدة أفعالها كل مرة عن سابقيها، لكن اليوم يبدو أنها فاقت كل ما فعلته من قبل.
وقف "محمود" بجسد متشنج وإنفعال ثائر يصرخ بزوجته بصدمة:
- عملتي برضه اللي في دماغك، روحتي تطلبي من أبويا المخزن، مش قولت لك ملكيش في الحكاية دي ومتفتحيش بوقك أبدًا!!
أجابته "جميلة" بأعصاب باردة فقد توصلت لما تريده فلا داعي لأن تنفعل فكل ما تفكر به أصبح واقعًا وعلى الجميع تقبل ذلك بما فيهم "محمود":
- جرى إيه يا "محمود"!! ده بدل ما تفرح إني بحافظ على حق البنات.. !!
ضرب كفيه بعضهما ببعض من برودها رغم إدراكها جيدًا بأنهم لا يقسمون أملاكهم، وأن ما يمتلكونه يخص الجميع لا أحد بعينه.
تهدج صدره بإنفعال وهو يكز فوق أسنانه غيظًا منها محاولًا خفض صوته حتى لا ينتبه والديه لمشادتهم:
- عايزه تورثينا بالحيا؟!!! أبويا وأمي يقولوا إيه دلوقتِ!!! بتعملي فيا كدة ليه، ناقصك إيه يا بنت الناس، أنا بجد تعبت منك ومن أفكارك وتصرفاتك من ورا ضهري!!!
رفعت مقلتيها للأعلى بإستهزاء وهي تلوي بشفتيها جانبيًا قبل أن تجيبه بلا مبالاة:
- ولا حيقولوا ولا حيعيدوا، هو يعني المخزن راح لحد غريب.
حملق بها لبعض الوقت بغيظ من أفعالها، فهي لن تتغير ولن تكتفي، وما سيناله سوى ضيق نفس وربما يثور عليها، سيراعي ضبط نفسه وأنها ليست زوجته فحسب، بل هي إبنة عمه أيضًا، سيتحمل تبعات القدر ويتقبل حياته الخانقة ويُكمل بدربه، فإن تقبل الأمر فسيكون لأن والده وافق على ذلك وهو لن يرفض له أمر.
رمقها بإشمئزاز قائلًا:
-الكلام معاكِ ضايع، أنا جبت أخري منك، إنتِ إنسانه طماعه كل اللي يهمك الفلوس، بس حقول إيه، قدري ولازم أعيشه، مفيش منك رجا، أنا داخل أتخمد.
تركها وهو يتحمل وجودها مجبرًا، فقد أصبح الصبر عليها مرهقًا للغاية، لكنها زوجته وأم أبنائه وإبنة عمه، ولن يختار نفسه ويتملص منها، لهذا سيأثر إستقرار هذا البيت على نفسه ويتقبلها على مضض.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
صفحات متكررة بكتاب حياتك، فربما تأتيك صفحات قاسية مرة بعد مرة، لكن لعلها تمهيد لأجمل صفحات حياتك.
رشا روميه
بالدور العلوي حيث شقة أنور وزهرة، تصنعت "زهرة" النوم تتجنب أي مواجهة اليوم مع "أنور" فإرهاقها الشديد جعلها متعبة حتى عن الجدال والحديث، فلا طاقة لها اليوم به.
خيال جمح بظن والدة زوجها بأن سبب إرهاقها وتعبها يمكن أن تكون أعراض للحمل، فهل يمكن أن تفوز من تلك الزيجة بطفل يصبح أنيسها وونيسها، أن تكون بعد قسوة تلك الأيام بهجة قادمة.
إرتسمت بسمة سعادة فوق ثغرها وهي تتخيل طفلها الصغير بين ذراعيها، كم هو شعور لطيف تتمنى بالفعل الإحساس به.
لكن تذكرها لزوجها جعلها تقلق وتضطرب لتتسائل بتوجس:
- ( هو ممكن يطلع زي أبوه؟!! لأ لأ، أنا أربيه كويس وآخد بالي منه، بس ....!!! مش يمكن أنا مش حامل، أنا لازم أتأكد الأول وأعمل تحليل عشان أعرف).
قطع أفكارها صوت إغلاق باب الشقة القوي معلنًا عودة "أنور" لتغطي رأسها على الفور مدعية النوم تجنبًا له.
رشا روميه
رهبة وإرتجاف دبا بقلبها وهي تستمع لقُرب خطواته نحو الغرفة، تتخيل تحركاته الغير متزنة حتى ألقى بجسده فوق التخت لتتباطئ أنفاسه بإستقرار معلنة الإستغراق بالنوم لهذا الغائب عن الوجود، وراحة سكنت قلب تلك المضطربة إلى جواره.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
ما هي إلا ساعات قليلة تمر ليأتي الصباح وبداية يوم جديد، عادات روتينية مرت ببيت عائلة مكاوي حتى مغادرة "محمود" ووالده نحو أسواق العلافة خاصتهم لتبقى سيدات المنزل متجمعات بحديث ودود بعد خروج أزواجهن بخلاف "أنور" الذي بعد نوم لوقت متأخر إستيقظ مغادرًا المنزل لملاقاة أصدقائه ككل يوم.
وجهت "فردوس" حديثها لـ"زهرة" تسألها بحنان أم:
- لسه تعبانه زي ما قولتي لي يا "زهرة"؟
- أيوه يا ماما.
تهلل وجه "فردوس" بتلك البشرى لتهتف بتمني:
- يا رب تكون بُشرة خير يا رب.
قضبت "جميلة" حاجبيها بتعجب معقبة:
- تفتكري ما مرات عمي؟ معقول تكون "زهرة" حامل، دي يا دوب مبقلهاش شهرين متجوزه؟!!
لم يثني سؤال "جميلة" الإستنكاري عن إبتهاجها لتؤكد "فردوس" ذلك بشكل قاطع:
- وليه لأ، بنات كتير بيحملو في أول جوازهم، وهي بقالها كام يوم تعبانه أهي.
قبل أن تجادل "جميلة" بشكها بأمر حمل "زهرة" من عدمه قاطعتهم تلك الهادئة بنبرتها الناعمة:
-أنا بفكر أروح النهارده أعمل تحليل عشان نتأكد.
قرار موفق لتحثها "فردوس" على ذلك بحماس:
- أيوه أيوه، يا ريت والله.
زمت "جميلة" شفتيها جانبيًا من تسرع "فردوس" بلا سبب، ثم قالت بنبرتها الخشنة:
-يا ستي أصبري شويه، لما تحس بأي حاجه، مش على طول كده!
تعقيب سبب لـ"زهرة" بعض الإرتباك والتخبط، فهي لا تدري ما هو التصرف الصحيح، ليت لها أم أو أخت تستشيرها، وحيدة حتى بأفكارها وقراراتها، كِبر قبل الموعد وحياة قاتمة عليها تحمل مسؤوليتها منذ طفولتها، لا تعود بقراراتها لأحد فلا أحد يهتم.
بقلم رشا روميه
نظرت تجاه "جميلة" متسائلة بحيرة تتمنى رأي أخت توجهها بنصائحها:
- بجد يا "جميلة"! يعني أستنى شويه؟
تلاشت إبتسامة "فردوس" لتهتف به بحزم لطيف:
- وهو إحنا خسرانين إيه، روحي يا "زهرة" إعملي التحليل، إتأكدنا خير وبركه، مفيش حمل خلاص، نبقى عرفنا وإرتحنا.
إستقامت "جميلة" بلا إكتراث لما ستفعلانه لتردف بلا مبالاة:
- على راحتكم، أنا حاخد البنات وأطلع فوق أغير لهم هدومهم وأرتب الشقة فوق.
- على راحتك.
قالتها "فردوس" بعجالة لتستكمل حديثها مع "زهرة" فيما غادرت "جميلة" شقة والدا زوجها لتصعد نحو شقتها.
لوت "فردوس" شفتيها بإمتعاض من طريقة "جميلة" المستنكرة قبل أن تتمتم بضيق:
- ربنا يهديكِ يا "جميلة"
تابعت "زهرة" مغادرة "جميلة" بأعين متسائلة عن سبب ضيقها الظاهر على ملامحها:
- هي "جميلة" مخنوقه من حاجه ولا أنا بيتهيألي؟
تطلعت "فردوس" تجاه الباب أولًا تتأكد بأن "جميلة" لا تستمع إليهم، ثم همست تجاه "زهرة":
- أصل "جميلة" من ساعة ما عملت العمليه بعد ولادة البنت الصغيره، والدكتور قالها إنها صعب تخلف تاني وهي نفسيتها تعبانه أوي من الموضوع ده، هي فاكره إننا نفسنا في الولد عشان الورث وكده، بس والله الكلام ده ما هو في بالنا خالص، ده مفيش أحلى من البنات.
تأثرت "زهرة" بشكل بالغ ليتقوس حاجبيها بإشفاق مرددة:
- معقول، والله صعبت عليا أوي يا ماما.
أخذت "فردوس" تقسم لها بصفاء نية:
- والله إللي يعز ويذل عمرنا ما كلمناها في خِلفه وغيره، عمرنا ما فكرنا في حكاية الولد دي، هي بس إللي حساسه زياده عن اللزوم.
قلب من ماس وعقل كجواهر متلألئة، صفاء ونقاء غمرت به "زهرة" والدة زوجها وهي تدعو لـ"جميلة" بصدق:
- يا رب يشفيها ويحقق مرادها ويديها كل إللي هي نفسها فيه.
- آمين يا رب، قومي إنتِ بقى غيري هدومك وروحي إعملي التحليل، أنا مش قادره أستنى.
تلهف شديد لا تدري "فردوس" هل هي متشوقة لحفيد يأتي إليها، أم سبب ليتراجع "أنور" عن ميله بهذا المنحدر المظلم، لكنها تعلم أن الله يخبئ لهم الخير بالتأكيد.
بقلم رشا روميه
تبحث عن الثقة وأين ستجدها سوى بصديقتها ورفيقة دربها الوحيدة "ليلى"، فهي الوحيدة التي تأتمنها على مساعدتها:
- حروح لواحده صاحبتي، هي ممرضه بس شاطره أوي، ممكن تساعدني فى الموضوع ده، أصل أنا مبعرفش حاجه في مواضيع الدكاتره والتحاليل دي.
- ربنا يجبرك يا بنتي يا رب، ويهديك يا "أنور" يا إبني ويجعل الحكايه دي نور لبصيرتك وتفوق لنفسك وصحتك وبيتك يا رب.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
مستشفى الهلال المركزي..
لو عُرضت الأقدار على الإنسان لإختار قدره الذي كتبه الله له، لكن علينا تقبل أقدارنا، فكلها خير وإن أحزنتنا، فإن تركت بقلوبنا خدوش فالله قادر على أن يداويها.
رشا روميه
بأعين متعبة إثر النوم المتقطع إلى جوار والدها طيلة الليل، أخذت "ليلى" تحتسي فنجان قهوة مُرة كما تحبها حتى تستطيع المواصلة.
بغرفة التمريض والتي أجبرتها رفيقتها "نهى" على ترك والدها حتى يستفيق وهي أيضًا ترتاح قليلًا، جلست "ليلى" بأعين متعبة وجسد مرهق.
طرقات دقت باب الغرفة لتنتبه لها تلك المتعبة قائلة بإنهاك:
- إدخل، الباب مفتوح.
بالوقت المناسب تمامًا كما لو أنها تشعر بما يصيبها، طلت "زهرة" بابتسامتها الرقيقة من خلف الباب لتسارع "ليلى" بانتفاضة نحوها، فهي حقًا تحتاجها.
هتفت "ليلى" بترحاب لرؤيتها:
- "زوزو"، تعالى وحشاني أوي أوي.
لقاء محب بين صديقتين حميمتين تشعر كل منهما بالسكينة بوجود الأخرى، أجابتها "زهرة" بتلقائية:
- إنتِ كمان وحشاني أوي، مالك شكلك مرهق أوي ليه كدة؟
سحبتها "ليلى" برفق لتشاركها جلستها وهي تضم شفتيها بضيق:
- بابا عمل حادثة وجابوه هنا في المستشفى، أقعدي وأنا ححكي لك كل حاجة.
ثم إنتبهت "ليلى" لقدوم "زهرة" للمستشفى لتسألها بقلق:
- صحيح، جايه هنا ليه، إوعي تكوني تعبانه ولا حاجه؟
- لا أبدًا، كنت جايه لك عشان أعمل تحليل، أهي حِجه أشوفك بيها.
تنهدت "ليلى" تزيح عن قلبها هذا الثقل الذي جثى فوقه:
- طول عمرك حاسه بيا، عندي كلام كتير أوى عايزه أقولهولك.
ضحكت "زهرة" بخفة تمازح رفيقتها:
- إعمليلي التحليل الأول عندكم وأنا أسمعك الصبح.
إقتضبت ملامح "ليلى" قليلًا لتسألها مستفسرة:
- تحليل إيه؟!
-تحليل حمل.
بلحظة تناست "ليلى" حزنها وإرهاقها ليشرق وجهها بإبتسامة مبتهجة فرحة لصديقتها:
- إنتِ بتتكلمي جد!!!
رفعت "زهرة" كتفها ببسمة خجل ثم أهدلته مرة أخرى:
- مش عارفه، نتأكد الأول.
على الفور أسرعت "ليلى" بإصطحاب "زهرة" معها لتتجها نحو المعمل الخاص بالمستشفى لعمل هذا التحليل ثم عادتا مرة أخرى للإستراحة لتتجاذبا أطراف الحديث، فبداخل كل منهما الكثير والكثير تحتاجان للبوح به.
أخذت "ليلى" تقص على "زهرة" ما حدث من تقارب بينها وبين والدها بالأمس، وما أصابه من مرض بسبب نقل الدم الملوث، لتتأثر "زهرة" بحزن عما أصابه:
- معقول يا "ليلى"، حاجه زي كدة تحصل، دي المستشفى عندكوا كبيره أوي، ودقيقه أوي.
- أنا بجد مستغربه، بس المهم دلوقتِ بابا، مش عارفه علاجه حيكون إزاي، الدكتور مش مطمني خالص.
وضعت "زهرة" كفها فوق كف "ليلى" تؤازرها بما أصاب والدها:
- بإذن الله ربنا يشفيه.
- يا رب.
تطلعت "ليلى" بساعتها قبل أن تخبر "زهرة" بأن عليها بدء العمل:
- معلش يا "زوزو" يا دوب أروح أطمن على بابا وأبدأ المناوبة.
- وأنا كمان إتأخرت، عمومًا أنا جايه بكره آخد نتيجة التحليل، وأكيد حشوفك.
بإيمائة خفيفة أجابتها بيقين تام:
- ده لازم إن شاء الله، وأبارك لك بنفسي كمان.
كانت تلك كلماتهم المودعة قبل أن تتجه كل منهما لصوب، إحداهما غادرت والأخرى غاصت بأعماق المستشفى لتعود لغرفة والدها بعد هذا الإغماء الطويل وغيابه عن الوعي منذ الأمس.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
مستشفى الهلال المركزي (غرفة عزت)...
لك حق في خوفي وقلقي، ولي حق بوجودك وحمايتك، فلن أتنازل عن حقي وحقك، لكن هناك حقوق أخرى لم تكن بالحسبان، إنها حقوق مسلوبة ولا يمكن سدادها.
رشا روميه
تلاشت كل الكلمات الداعمة التي كانت ستخبر بها والدها وتطمئنه، تحركت بقلب منقبض لغرفة والدها تبحث عن كلمة واحدة تخفف بها وطأة معرفة هذا المرض الذي هاجمه بضراوة بصورة مفاجئة لخطأ جسيم ولا يمكن إصلاحه.
دلفت لغرفة والدها وهي تراه مستفيقًا مستندًا بظهره للخلف وقد أُجفلت عيناه بإعياء ظاهر، لكن رؤيته واعيًا كان أمر مبهج لروحها بالفعل.
بتحية صباح هادئة بدأت "ليلى" حديثها:
- صباح الخير يا بابا، قلقتني عليك أوي.
برغم جفاء مشاعره تجاهها لسنوات إلا أنه أجابها بما يخفف أوجاعها وقلقها، فجميع كلماتها المؤازرة والحنان تلخصت بفعل واحد فقط تجمعت به كل المعاني، فتح "عزت" ذراعيه لـ"ليلى" بوسعهما لتلقي بنفسها بأحضانه ليحتويها للمرة الأولى، فكم كان هذه المساحة الضيقة بإتساع الكون كله.
هل هكذا يكون الحنان؟ شعور غير مألوف بينهما لكنه مريح للغاية، وموجع بذات الوقت، كما لو أن كل مشاعرها المختبئة بداخل صدرها خرجت الآن دفعة واحدة، بكاء لا تدري من أين أتى ولم لا تستطيع التوقف.
عيون متوهجة وشهقات متتالية تبعها حديثه الراضي بقضاء الله:
- متزعليش يا بنتي، ده قدر ربنا وأنا عارف وراضى بيه، حد يقول للقدر لأ، أنا عارف أن ده عقابي ومؤمن بكده.
رفعت "ليلى" رأسها تنفي عنه تلك الفكرة، فهي لم ولن تتمنى له الأذى مطلقًا مهما كان يعاملها من قبل:
- متقولش كدة يا بابا، إنت معملتش معايا حاجه تستاهل ده كله، أنا عمري ما أزعل منك أبداً، ده إنت بابا.
إرتعشت شفتيه بتأثر قبل أن يجيبها وقد أكله الندم على ما إقترفه، أخطاء لا يمكن إصلاحها، ليردف بنبرة مرتجفة:
- أنا حاسس إن عقاب ربنا ليا مش بس بسببك، فيه غلطه عملتها ومش قادر اصلحها، وأكيد ده بسببها.
قضبت حاجبيها بعدم فهم لتسأله مستفسره:
- قصدك إيه يا بابا؟!! أنا مش فاهمه حاجه؟
طالت نظرته التي لم تفهمها "ليلى"، فيبدو أن بداخله سر كبير يخفيه عنها، تهرب واضح من نظراتها نحوه ليستكمل حديثه بنبرة مهتزة نادمة للغاية:
- أنا إترددت كتير أوي إني أقولك، بس بما إني خلاص حاسس إن أجلي قرب، فقولت لازم أقولك عشان تلبي لي طلبي الأخير قبل ما أقابل وجه كريم يمكن ربنا يسامحني ويغفر لي.
- بابا إنت بتقول إيه؟! أنا مش فاهمه حاجه خالص!!!!
سحب "عزت" شهيقًا طويلًا ليستعد للبوح بما يخفيه منذ سنوات:
- أنا حقولك كل حاجه، بس الأول لازم توعدينى إنك تنفذي طلبي أو وصيتي بمعنى أصح عشان أموت وأنا ضميري مرتاح.
- أوعدك يا بابا، وضح لي بقى أحسن إنت قلقتني أوي!!!
ها قد أتت ساعة الحسم، وعليه الإعتراف بخطيئته، لكن عليه قص لها قصته من البداية، لعلها تعذره فيما فعل، ولكن كيف وهو بنفسه يشعر ألا عذر له.
بقلم رشا روميه
بدأ "عزت" قائلًا:
- إحنا عيلتنا كانت كبيرة أوي، وكان عندنا شركه كبيره و أغنياء جدًا، أنا كنت الكبير وماسك كل شغل الشركه بدل والدي عشان كان بدأ يتعب، وقتها جدك "ذو الفقار" كان عاملي توكيل بكل حاجه عشان مرضه، وكل حاجه كانت ماشيه كويس أوي، حبيت والدتك و إتجوزتها وكنا مبسوطين مع بعض، لحد ما جه عمك "عادل" وجدك الله يرحمه بقى وحاولوا يفرقوا بينا ويهددوها من ورايا، لحد ما فجأه سابتني من غير ما أعرف راحت فين، دورت عليها كتير وملقتهاش، بقيت مش عارف إيه اللي خلاها تسيبني كده وتمشي من غير سبب، ومكنتش أعرف باللي عملوه معاها، ويوم ولادتك لقيتها بتتصل بيا وبتقولي على اللي حصل، وانها بتولد وحالتها صعبه جدًا ومحتاجاني، جريت على المستشفى بس للأسف ملحقتهاش، كانت ماتت!! ماتت وسابتني وسابتك ليا.
قهر وظلم وقسوة قلب، قد سببت تلك الأشياء التي نخفيها ولا نبوح بها، ليست مجرد لحظات عابرة بل تغيرنا وتبدل ما ظنناه حلو بنا، ليخرج أسوء ما فينا، ليت القاسي والظالم يدرك ما يسببه بالمظلوم، فهو إما يحوله لظالم مثله يسعى للإنتقام من العالم أجمع، أو يدفع به للجنون.
حين تذكر "عزت" ما حدث ترقرقت دمعه حارة بعينيه، فقد تذكر فقدان أحب إنسانه إلى قلبه، رحلت من جعلت لدنياه طعم ومعنى، غابت للأبد ودون وداع.
لحظة أشفقت بها "ليلى" على والدها، ليتها تفهمت ما يشعر به لأصبحت ملاذًا لحزنه، تعوضه بوجودها عن فقدانه لوالدتها، بعد صمت دام للحظات حثته "ليلى" على أن يكمل قصته:
- وبعدين؟
تماسك "عزت" مستكملًا حديثه:
- الدنيا بعدها إسودت في وشي، مبقتش عارف أعمل إيه، روحت لجدك وعمك وسألتهم عملوا كدة ليه، قالوا لي انها أكيد كانت طمعانه في فلوسي، زعلت منهم أوي، حسيت إنهم هم السبب في بعدي عنها وحرماني منها، إتخانقت معاهم خناقه كبيره، ومن زعلي الشديد بيعت كل حاجه لنفسي بالتوكيل إللي معايا، وقولت زي ما حرموني من أكتر حاجه بحبها، ححرمهم من اكتر حاجه بيحبوها وفرقوا بيني وبينها، أخدتك و إختفيت عنهم عشان ميعرفوش يوصلوا لي، كنت دة فاكر إني بعاقبهم عشان إللي عملوه معايا ومع أمك وحرموني منها عشان الفلوس، بعدها عرفت إن جدك مات بحسرته بعد اللي أنا عملته، ورغم كل ده وبقيت أملك كل حاجه لكن محستش بقيمتها، برضه مبردتش ناري على فراق "فاطمة"، الفلوس دي كلها منفعتنيش ورجعتهالي بعد ما راحت مني خلاص، كل الفلوس دي ملهاش لازمه ولا قيمة، ولا أي متعة تانيه في الدنيا ليها طعم بعد "فاطمة".
إتسعت عينا "ليلى" بصدمة لا تصدق ما تسمعه أذنيها، هل نهب حق أخيه وكان سببًا بموت جدها بحسرته، لماذا هذا الظلم، كيف حاد عن طريق الصواب!!
تجهمت ملامحها وهي تعقب بملامة:
- ليه يا بابا؟! ظلمتهم ليه؟ حتى محاولتش ترجع لهم حقهم، مكنتش أعرف إنك ظالم أوي كدة؟!!!
يميل بنا الشيطان لتتبع أهوائه، وضعيف الإيمان هو من يتخذ طريقه سبيلا، طأطأ "عزت" رأسه بخزي معترفًا بظلمه لهم وخطيئته بالسطو على ما لا يستحق، نادم متأخرًا يتمنى أن يعيد الحقوق المسلوبة لأصحابها:
- غلبني الشيطان وندمت ورجعت لربنا، حرمت على نفسي وعليكِ كل قرش من الفلوس دي.
تعلمت ألا تخشى الحق، ألا تحيد عن طريق الإستقامة مهما كانت الظروف، لترفع رأسها بشموخ تصوب ما ظنه والدها أنه حق وتصفه بما يستحق أن يوصف به، إنه باطل.
بنبرة جادة قوية أردفت:
- عُمر حرمانك لينا من الفلوس دي يديك الحق يا بابا إنك تقول إنك كدة ندمت، الحق كان لازم يرجع لأصحابه، ده دين في رقبتنا ليوم القيامة، أكلنا مال الورث وكان غيرنا أحق بيه.
بفرصة أخيرة حاول "عزت" تبرئه نفسه من هذا الإثم الكبير:
- والله لما رجعت لعقلي روحت أدور على "عادل" أخويا ملقتهوش، لقيته عزل، ومعرفتلهوش عنوان.
- ولو، الحق لازم يرجع لأصحابه.
أقرب مخلوقة إليه وأقامت حدها عليه، تري ماذا سيفعل به الغرباء، نكس رأسه يطالبها بمساعدته:
- ساعديني أرجع الفلوس لعمك وولاده.
مزيج من المشاعر المتضاربة ما بين الإشفاق عليه والغضب منه، لكنها أكملت بملامة قوية:
- ليه بس تعمل فيا وفيك كدة يا بابا، حتى لو وافقتك ألاقي فين عمي وولاده، أنا ولا عمري أعرف إن ليا عم ولا قرايب، حتى شكله معرفهوش، حوصل له إزاي بس!!!!!
- سامحينى يا بنتي.
أغمضت عينيها لوهلة ثم أجابته بنفس ضائقة:
- إنت أبويا ولازم أسامحك، بس عمي وولاده يا ترى حيسامحوك؟!!
أسقط عچينيه للأسفل فكم يشعر بالعار مما إقترفه وإبنته هي من تصحح له أفعاله، بينما زفرت "ليلى" بقوة من حمل جديد أثقل فوق كتفيها، لتضطر لسؤاله عن طريقه للوصول لعمها وأبنائه:
- طيب قولي حاجه أوصل بيها لعمي، عنوان؟ إسم؟ أي حاجه!!!!
- إسم عيلتنا معروف أوي، دوري على عمك بإسم العيلة، عمك إسمه.................
