رواية نبضات قاتلة الفصل التاسع 9 بقلم زينب محروس


  رواية نبضات قاتلة الفصل التاسع 

اندفع إلى غرفته كالثور الهائج دون دق الباب و تشدق مردما بنبرة حازمة لا تقبل النقاش.

تقدري تمشي دلوقت يا دكتورة.

تعجبت «منى» من حالته، فكانت عروقه بارزة عينيه يتطاير منهما الشرر غضبا، وقد اختنق الاحمرار في وجهه وكأنه جمر مشتعل.

عندما رأها ثابتة في موضعها، صرخ بصوت مرتفع

سمعنى قولت ايه ؟؟

انتفضت «منى» و اعتراها الخوف، فأشارت إليها «غرام» بعينيها تحتها على المغادرة، فتنحضت «منى»، لتحرك قدميها بخطى

متكاسلة تخشى على «غرام» من بطش «مالك المتوحش.

لم تمر ثانية على خروجها من الغرفة، حتى كان «مالك» قايضا على عنق غرام، لينهرها قائلا:

ايه اللي بيطلعك عند «أحمد» ؟ مش حذرتك أكثر من مرة متقربيش من سطح البيت ؟ حصل ولا لاء

كانت يده تشتد على عنقها، وبالرغم من محاولاتها في إزاحة يده إلا أنها فشلت، و ما زاد الأمر سوءا هو إدراكها بمعرفته للأمر، مما

جعلها ملجا لخوف عارم، قد ملأ قلبها و شل حواسها.

مرت عليها لحظات ثقيلة، قبل أن تدرك أنها على وشك الهبوط في محطتها الأخيرة، لترتفع بانضمامها نسبة الوفاة. فعادت تضرب ساعده بيدها الرقيقة، وأغرورقت عينيها بالدموع، لترمقه بنظرات متوسلة، فدفعها للوراء مبتعدا عنها.

وقف يلتقط أنفاسه المتهدجة وكأنه يسابق الغضب، ويحدجها بنظراته الحادة، بينما هي كانت تسعل بشدة، و ارتفع معدل التنفس لديها، انتصبت على قدميها واقتربت منه لتبرر فعلتها قائلة بنيرة متقطعة:

أنا عملت كدا عشان كنت خايفة عليك.

افتر ثغره عن ابتسامة ساخرة. وأردف مستنكرا

دا على أساس ايه بقى؟ فاكرة نفسك بتكلمي عيل صغيرا

صرخ في جملته الأخيرة، فحركت رأسها رفضا وتحدثت من بين شهقاتها:

لاء أنت مش صغير بس صدقني أنا يحبك ويثق فيك والدليل على كذا إني مسألتش مين الشخص اللي فوق ده و لا انت حابسه ليه، عارف ليه؟ عشان انا بثق فيك و عارفة إن عمرك ما تعمل حاجة غلط، بس كمان لما عرفت إنك يتأكله كل ثلث ايام مرة، خوفت يموت أو يحصله حاجة بسبب قلة الاكل و ساعتها أنت هتبقى في مشكلة، أنا ميهمنيش الشاب ده. بس أنت تهمني وخايفة عليك

اقتنع بحديثها بعض الشيء و لكن ليس كليا، فكان يطالعها بنظرات من الشك. فأكملت «غرام» و هي تمسك بيده:

مالك» أنت عارف إلى بحبك بلاش تخلي سوء التفاهم ده يعمل بينا مشكلة يا مالك» ، أنا بحبك و الله.

أبعدها عنه بعنفوان و خرجت كلماته بصرامة

الأهم من إنك تحبيني هو إنك تسمعي كلامي المرة دي هكتفي بحبسك هنا في الأوضة كعقاب ليكي و شغلك اللي كان مفروض

تنزليه من بكرا دا تنسيه.

مسحت خديها بظهر كفيها، وأومأت قائلة بحنو و ندم

معنديش مشكلة يا «مالك» - أهم حاجة إنك تسامحني يا حبيبي، أنا متقبلة أي عقاب يا حبيبي.

أغلق عليها الباب واحتفظ بالمفتاح في وحدة إدراج تستقر بين الغرف، وتوجه إلى «أحمد» ليصب عليه ما تبقى من غضبه، فجعل يضربه بحزامه الجلدي بقصب وعنف، دون أن يحفل بألامه و جسده الذي أصبح لوحة يرسم عليها بفرشة التعذيب. اكتفى من جلده عندما أصابه الألم في ذراعه، فألقى الحزام من يده، وجلس أمامه يلتقط أنفاسه، قبل أن يرمقه بنظرة تقيمية من رأسه إلى أخمص قدميه، ثم هدر يغضب تتخلله الغيرة:

نفسي أعرف بيحبوك على ايه؟ فيك ايه مميز عني عشان يبقوا كويسين معاك كدا؟ دا أنت لا جمال و لا حتى ذكاء، فيك ايه يتحب علي ؟؟1

كان «أحمد» صامتا في البكاء، فاسترسل «مالك» صراخه قائلا:

رد على بيحبوك على ليه ؟؟

تراخت نبرته وتغيرت تماما، ليتحول من فهد مفترس إلى حمل وديع.

بس أنت المفروض تشكرني يا «أحمد» ، عارف ليه؟

أشار بيده إلى مصدر الضوء قائلا:

لأن لو أنا يتفرج على كاميرا المراقبة كل يوم مكنتش أنت هتعرف تأكل أكل حلو، ولا كنت لاقيت حد يودك أو يعبرك غير «سميرة»

اللي كشفت مكرك ورغبتك إنك تسرق مني مراتي.

انتصب «مالك» على قدميه واقفا، فظهرت قامتها القارعة، وتحرك ليقف مباشرة أسفل الضوء، ثم شرع برأسه ناظرا لأعلى بأعين ضائقة:

محدش واخد باله إن دلاية النور فيها كاميرا مراقبة بتصور كل حاجة ٣٦٠ درجة وبالصوت كمان، يعنى دية النملة عندك هنا متسجلة.

منع عنها الخروج من غرفتها وسلبها هاتفها الخلوي، وأكد على «عبير» أن تكتفى بعملها في المطبخ، فأصبحت «غرام» تحت

مسؤولية «سميرة» التي تذهب إليها بالطعام يومياً إن لم يتواجد «مالك» في البيت.

قلة من الأيام و لم تستطع «غرام» البقاء على هذا الوضع، فأوقفت «سميرة» ذات مرة، بينما كانت تحضر إليها الطعام، و قالة

برجاء أجادت تصنعه

ممكن اطلب منك طلب يا «سميرة» بعد اذنك ؟

طبقا يا دكتورة. اتفضلي.

عايزة أشوف عبير ينفع تخليها تيجي تقعد معايا شوية؟

ضيفت «سميرة» حاجبيها و قالت باستغراب

عبيرا

اومات «غرام» برأسها و أكدت

ايوه عبير عشان خاطري يا «سميرة»، أوعدك هما خمس دقايق بس.

اعترضت «سميرة» قائلة:

بس أستاذ «مالك» مانعها تطلع هنا، وماكد على محدش يقابلك غيري.

خمس دقايق بس يا «سميرة» والله، و كدا كدا لو أنتي مقولتيش ل «مالك» هو مش هيعرف.

تنهدت «سميرة» و قالت:

حاضر يا دكتورة هنزل و ابعتها

ابتسمت غرام، و قالت:

طيب عايزة مساعدتك في حاجة كمان.

ايه ؟

عيد ميلاد «مالك كمان يومين عايزاكي تساعديني أعمل عشا رومانسي هنا في الأوضة.

ردت عليها «سميرة» بترحاب

مفيش مشكلة شومي انتي حابة نحضر ايه و أنا معاكي.

صفقت «غرام» بيديها و رددت بحماس زائف

حيث كدا بقى لما تبقى فاضية عرفيني اكتبلك شوية طلبات تحبيهم أو تخلي حد من الشباب يروح يجيبهم.

و أخيرا وبعد طول انتظار، قد أتى اليوم الفاصل، إنه نقطة الجسم والتحول في حياة أحدهم، رغبتها في القضاء على استبداده و

سيطرته التي أصبحت حق مكتسب بالنسبة اليه جعلتها تلقى بحياتها ومستقبلها على حافة الهاوية.

صنعت ديكورا لطيفا بالورود الحمراء، وأضافت إليها طابع رومانسي باستخدام شموع بيضاء تنتشر في الغرفة، و تجهزت «غرام» بارتدائها فستانا ذهبي اللون، قد لاق كثيرًا مع بشرتها الداكنة ونسفت مع فستانها القصير زوج من الأقراط الفضية المشابهة

القلادة عانقت عنقها في رقة و جمال .

طالعت انعكاسها في المرأة، وحاولت بث الشجاعة في نفسها هامسة

انتي قدها يا غرام هانت و الكابوس دا ينتهي، انتي قدها.

استغنت عن الإثارة الكهربائية، كما تخلت عن خجلها وخوفها و فضلت ضوء الشموع اللامع، سمعت طقطقة خفيفة صادرة من

الباب، فأدركت أنه قد وصل أخيرا من عمله.

تزامنت أولى خطواته مع استخدمها أنبوب المفرقعات الورقية و هنأته قائلة بحبور

Happy birthday, baby

ألقت تلك الأنبوب الورقية من يدها، واحتضنتها بين ذراعيها، قبل أن تبتعد عنه قائلة بدلال لا يليق بسواها.

ربنا يخليك ليا يا «مالك» . يارب العمر كله مع بعض يا حبيبي .

تأكدت «عبير» من دخول «مالك إلى غرفته، ثم تحركت مباشرة إلى المطبخ لتحمل صينية متوسطة الحجم. تعددت عليها أنواع

العصائر و انطلقت لتعطى ما بحوزتها لرجال الحرس المنتشرين حول المنزل، و لم تغفل عن إعطائهم قطع من الكيك، لتخبرهم أنه يقدم اليهم بناءا على طلب من «مالك» ، ليحتفلوا معه بعيد ميلاده.

بينما يتردد في عقلها صوت «غرام» التي أكدت عليها قائلة بجدية

لازم الكل ياكل الكيك أو يشرب من العصير يا عبير.

ساعدته في نزع الجاكت الخاص ببدته، ثم سحبته من يده قائلة:

خلينا نتعشى الأول، أنا طلبت من «سميرة» تعمل الأكل اللي انت بتحبه.

كان لديه شيء من النرجسية والغرور، يخبره بأنها تأكيدا لن تعجب بذلك الشاب الزن، وبالفعل هو فقط من تهيم به عشقا، فها

هي لم تعترض على عقابه، وإنما تحاول إرضائه بشتى الطرق.

بدأ يتناول طعامه، و هو يسترق النظرات إليها، فكانت تتحدث إليه بسعادة و حب عارم أجادت تصنعهما.

و كان عاصفة من النوم قد هبت على عاملي البيت بمن فيهم «عبير» و «سميرة»، فقد سقطوا في أماكنهم ذاهبين في ثبات عميق.

غافلين عن وصول أربعة من السيارات السوداء، وقد ترجل منهم ما يزيد عن عشرة رحال.

كانت ملابسهم شديدة السواد، وقد أخفيت وجوههم أسفل قناع قماشي أسود، لم يظهر سوى أعينهم.


تعليقات