رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل التاسع 9 بقلم دنيا ال شملول


 رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل التاسع 


ذهب ثلاثتهم إلى الكافتيريا وجلسن بهدوء يحتسون بعض النسكافيه معًا ... 

وجد بابتسامة موجهه حديثها لساره :
- شوفي يا ست البنات .. هو أنا بدون قصد الحقيقة قدرت أفهم سبب صوتك العالي مع صحبتك في الممر .. فأنا عايزة أعتب عليكي مرتين . 

ساره بانتباه :
- ليه ؟ 

وجد بابتسامة :
- هو انتوا ملاحظين إني لسه معرفتش أسماءكم ولا إيه؟ 

ساره بسرعه :
- أنا ساره عبد السلام .. وهي ميار فارس . 

وجد بابتسامة :
- اتشرفت بيكم يا حلوين .. طيب بداية كده يا ساره .. أنا بعتب عليكي لسببين .. السبب الأول هو صوتك العالي في الكلام .. لازم ننتبه طول ما احنا في مكان عام وفيه رجال يبقى صوتنا هادي وواطي لإن بعيدًا بقا عن إنهم بيقولوا صوت المرأة عوره والجو ده .. إلا إنه من صفات الأنثى إنها تكون هاديه في تصرفاتها وإن صوتها يكون واطي بحيث ميلفتش الانتباه ليها .. 
طيب دي حاجة .. الحاجة التانية بقا هي أسلوبك في إبداء النصيحة .. بمعنى .. انتي ما شاء الله عليكي شايفة لبسك محتشم بشكل كويس واللي فهمته من كلامك مع زميلتك إن المشكلة في لبسها .. طب يا ساره .. أنا كواحده عايزه لصحبتي الخير .. وبنصحها لفعل الخير .. مش أختار طريقة وأسلوب أتكلم بيهم بحيث إنها تتقبل مني كلامي ؟!.. أو على الأقل لو متقبلتوش تبلعه ؟! 

ساره وهي تنكس رأسها أرضًا :
- أنا مقصدتش أزعق والله يا دكتور ولا قصدت أتكلم بأسلوب مش كويس .. بس أنا عرفت إن اللبس بالشكل ده حرام وإن حجابنا ده مش حجاب وإننا أبعد ما يكون عن تعاليم الدين .. حاولت أخدها معايا لطريقي بس هي رافضه .. وأنا والله بحبها جدا وربنا يعلم وعشان كده عيزاها معايا .. ولو مبحبهاش صدقيني مش هتفرق معايا ولا هتعب نفسي في الكلام معاها . 

وجد بابتسامة :
- أولا إسمي وجد .. ارفعي اللقب لإن اللي بينا مش كتير وأنا هنا مش في محاضرة .. إحنا أصحاب .. ده لو معندكوش مانع طبعًا . 

ميار وساره معًا :
- ده شرف لينا طبعًا . 

وجد بابتسامة :
- حلو أوي .. دلوقتي يا ساره ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم قال إيه ؟.. قال :
" وأمر بالمعروف وأنهى عن المنكر  ".. 
طب هل هنا الآية فيما معناها إني لما أشوف منكر أأمر فاعله بإنه يبعد عنه ؟.. أو لما أشوف معروف أأمر شخص معين بإنه يقوم بيه؟.. لا .. المقصود بالأمر هنا هو الدعوه .. ادع للمعروف وانهى عن المنكر .

طيب جه بعد كده رسولنا الكريم قال إيه ؟.. قال :
 " من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان ".. 
طيب دي دعوه صريحه من نبينا المختار بإننا نغير من اللي حوالينا للأفضل .. 

طبعا اسعدني جدا فكرة انك بتحاولي تصلحي من صحبتك للأحسن .. لكن تعالوا نتفق سوا إن النصيحة ليها آداب ولازم نلتزم بيها .. لسببين .. أولهم إنك متحرجيش اللي قدامك .. وكمان عشان يتقبل كلامك بصدر رحب .. ويا يعمل بيه يا يتلاشاه بدون ما يتأثر بأسلوبك .

ميار ببعض الخجل من نفسها :
- بصراحة .. هي سارة كلمتني كتير أوي ونصحتني كتير وأنا .. 

أخذت شهيقًا طويلًا أخرجته بثقل وهي تتابع :
- وأنا كنت بسمعلها يوم وأرجع تاني . 

وجد وهي تمسك بيدها :
- كلنا معرضين للغلط يا ميار .. بس الشاطر فينا واللي هيكسب فينا هو اللي يتوب بسرعة ويعقد النية إنه ميرجعش للغلط تاني .. ولو حس إنه هيرجعله يجري على سجادة الصلاه .. صدقيني ركعتين لله هيخلوكي تبعدي عن الغلط اللي كنتي ناويه توقعي نفسك فيه . 

ساره بفضول :
- احم .. طب معلش يا دكتور .. اا .. قصدي يا وجد .. هو ممكن تكملي حوار أداب النصيحة ؟ 

وجد بابتسامة :
- أكيد طبعًا .. شوفوا يا حبايب قلبي .. النصيحه عشان تقدميها لازم يبقى نيتك من جواكي إنها لله سبحانه وتعالى .. يعني ميكونش الغرض من نصيحتك دي هو إنك تظهِري نفسك .. أو إنك تطلعي اللي قدامك غلطان أو إنك تجرحيه بالكلام .. 
دي حاجه .. الحاجة التانيه هي إن أسلوبك في النصح يكون بأدب ولين وسهل عشان اللي قدامك يقبل نصيحتك برحابة صدر .. ومعايا دليل على كده من آية في القرآن الكريم بتقول 
" ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " 
(النحل: ١٢٥) .. 
وايه تاني ؟.. هقولك إنه من آداب النصح كمان إن نصيحتك للمنصوح تكون على انفراد .. يعني متنصحيهوش في علانية أو قدام حد .. 
تعالي أجيبلك بقا بيت شعر بيتكلم عن النقطة دي . 

ضحكت ساره وميار وشاركتهم وجد قبل أن تتابع :
- أنا ديما بحب أستشهد بالقرآن والسنه في الأمور دي .. بس لو في أمر نقدر ندخل فيه مثلا اقتباس من رواية أو اقتباس من كتاب أو بيت من قصيدة .. فإيه المانع !.. المهم .. 
بيت القصيدة ده للشافعي .. كان بيقول فيه :
" تغمَّدني بنُصحِك في انفرادٍ   
                  وجنِّبنِي النَّصيحَة في الجمَاعَهْ
فإنَّ النصح بين النَّاس نوعٌ       
                   من التَّوبيخ لا أرضَى استمَاعَهْ" 

طب وإيه تاني كمان .. هقولك إن الناصح يكون بيعمل بالنصيحة اللي بيقدمها دي عشان ميكونش من الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم زي ما ورد في قول الله تعالى  على لسان شعيب عليه السلام :
" وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ" 
(هود: ٨٨)

بالإضافة كمان إن اللي بينصح حد يراعي مشاعر الشخص اللي بينصحه .. وإنه يكون عنده درايه كامله بالحاجة اللي هيتكلم عنها وكمان بظروف الشخص اللي هينصحه عشان تبقى النصيحة في محلها ووقتها زي ما بيقولوا .. 

نضيف كمان إنك لما تنصحي حد تبقي معاكي دليل عشان كلامك يكون مسنود وقوي بالأدله .. وزي ما قلت قبل كده .. الأدلة القرآنية والسنيه مفيش أقوى منها . 

آخر حاجه تقريبًا إن الناصح يكون عنده استعداد يتحمل رد فعل المنصوح .. ويكون مستعد للصبر على الأذى اللي ممكن ينوله من ورا نصيحته .. وإلا مكنش لقمان عليه السلام قال لابنه في القرآن الكريم :
" يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ"
(لقمان: ١٧) 

بس كدهون بقا .. ها فهمتوا حاجه ولا أنا بتكلم كتير ولا زهقتوا مني ولا عايزين تضربوني ولا انتوا إيه مالكوا كده ! 

ضحكت ميار وساره لتبادر ساره بإعجاب :
- بجد حضرتك جميلة أوي .. حقيقي يعني مبهجة جدا وحاجة كده اللهم بارك يعني . 

ابتسمت لها وجد بخفة قبل أن تتلفظ بتنهيدة ارتياح :
- ربنا يباركلكوا في بعض ويحميكم لبعض .. حافظوا على بعض وحبوا بعض .. بلاش صوتكم يبقى عالي في أي مكان .. الصداقة دي حاجة جميلة أوي وبقت نادرة جدًا .. فكروا بعض ديما بالخير واتسابقوا عليه ولو واحده مالت عن الطريق التانيه تجري تلحقها .. دي الصداقة اللي بجد .. إنك تاخدي بإيد صديقتك كل ما يغويها الشيطان وتضعف .. اتفقنا ؟ 

أماءت الفتاتان بابتسامة لتعتذر وجد للمغادرة .. وبالفعل غادرت المكان تاركة خلفها صديقتين تناظران بعضهما بعضًا بعيون دامعة .. 
وقفت الفتاتان واحتضنتا بعضهما فجأة لتنبئ ميار سريعًا بما قررت فعله :
- إنتي صح .. أنا لازم أرضي ربنا في لبسي وكلامي وشكلي .. خليكي جنبي يا ساره وخدي بإيدي ديما . 

ساره بابتسامة واسعة :
- وانتي كمان يا صديقتي . 

(🌸من حلف بغير الله فقد أشرك🌸) 

طرقات على باب المنزل تحركت على إثرها شهد التي ابتسمت بترحاب لبهجة أيامها وهي تستقبله بحب كالعادة :
- تعالى يا حبيبي .. وحشتني يا واد يا عمار .. متغيبش الغيبة دي كتير يا واد تاني .

عمار وهو يقبل مقدمة رأسها بحب :
- خلاص يا غالية مبقتش هغيب كتير تاني .

شهد بانتباه :
- إيه ؟.. في جديد ؟

عمار بتنهيدة وهو يلقي بجسده إلى المقعد :
- يعني .. مهمتي في الجامعة خلصت الحمد لله .

شهد بابتسامة وهي تمسد صدره وظهره بكفيها :
- ربنا يحرسك يا حبيبي يارب .. استنى بقا أنا عامله شوية محشي ورق عنب إنما إيه هتاكل صوابعك وراهم .

عمار وهو يمسك بيدها :
- لا لا تعالي أقعدي معايا .. أنا مش جعان دلوقتي .

شهد وهي تجلس بجانبه :
- مالَك يا ابن مالِك ؟.. في كلام كتير باين عليك .

عمار بضحكة خفيفة :
- انتي مخلوقة من إيه يا دودو !

شهد بابتسامة :
- من ضلع جدك مروان .

عمار بغمزة :
- يا دودو يا جامد .. فينك يا جدي تسمع تيتا بتقول حاجات حلوه أهي .

شهد بخجل :
- بس يا واد بقا .

تابعت بجدية :
- قول يلا عايز تقول إيه ؟

عمار بتنهيدة :
- ما المشكلة إن أنا أصلا مش عارف أقول إيه .

شهد :
- اعتبر نفسك بتفكر وخلي صوتك ينطق بكلام عقلك .

دس يده في جيب بنطاله وأخرج علبة سجائره وقداحته .. 

أمسكت شهد بيده وتحدثت بنبرة أقرب للجدية منها إلى الرجاء :
- بلاش . 

عمار بتنهيدة :
- قولتيلي أعتبر نفسي بفكر وانطق باللي بفكر فيه .. وأنا مبعرفش أفكر من غير ما أشرب سجاير . 

سحبت شهد يدها بهدوء وأماءت لتأذن له بإشعال إحداها .. وقد فعل .. 

تحدث بنبرة متحشرجة بعض الشيء أثر سعاله بعد سحبه لشهيق طويل منها :
- كانت مهمة عادية وأقل من العادية .. مجرد بلاغ اتقدم في الجامعة بإن فيها تجارة ممنوعات على خفيف .. البياعين مدسوسين في الجامعه واللي بيشتروا هما طلبة الجامعه نفسهم .. فكان لازم يتزرع حد جوه الجامعه على إنه طالب بحيث يقدر يوصل لطلبه بتشتري ويصاحبهم فيعرف منين بيشتروا حاجتهم دي .. أو يوصل للناس نفسها .

أخذ شهيقًا آخر من سيجارته قبل أن يتابع وهو يزفرها بقوة :
- مش أنا اللي استلمت المهمة دي .. استلمتها بنت لسه متخرجه جديد .. وده عشان إنها غير ما هي جديدة إلا إن شكلها يدي على طالبه في أولى جامعه .. شكلها صغير يعني .. أنا مهمتي كانت إني أحميها وأتابع تحركاتها .. 

وده اللي حصل .. مكنتش أعرف إنها ممكن تشغلني أكتر من الكام ساعه بتوع وجودنا جوا الجامعه .. اكتشفت انها شاغله تفكيري حتى وأنا بره .. فيها حاجه كده غريبه تشدك ليها بدون مقاومة .. غبيه آه بس عفوية جدا .. شرسة .. شخصيتها قويه بس مرحه وبتضحك كتير .. اتصاحبت على سندس بنت عمي ناجي صاحب بابا .. ومعاهم كام صاحبه كده وبدأت تخرج معاهم وتاكل معاهم في مطاعم الكشري بعد الجامعه .. تخيلي بتضرب طبقين كشري حجم متوسط .. بلاعه يا تيتا بلاعه .. ومبيبانش عليها الأكل .. رغم اني تقريبا كل مره اشوفها بتبقى بتاكل .. دي بتاكل أكتر ما بتتنفس ... 

تنهيدة قوية خرجت عنه وهو يُطفئ سيجارته قبل أن يتابع بصوت بدى مهزوزًا لسبب لا يعلمه .. أو أنه لا يريد الاعتراف به :
- خلصت المهمه على خير رغم الغلط اللي وقعِت فيه بس استلمت مهمه جديده ولوحدها المرادي .

نظر لجدته التي تنصت لما يتفوه به باهتمام وألم يضرب صدرها وقلبها بعنف من هذا الزمن المخذي .. لقد وقع في فتاة لا تشعر به كما حاله تمامًا .. فهناك من وقعت به دون أن يشعر هو بها . 

عمار بتعجب من صمتها :
- تيتا !!.. انتي كويسه ؟.. مالك؟ 

شهد بتنهيدة وصوت أصابته بحة خفيفة :
- مليش يا حبيبي أنا كويسة أهو .. بس بسمعك . 

عمار وهو يضم حاجبيه بتعجب :
- أنا ساكت من بدري .  

شهد بمراوغة :
- كبرت وحبيت يا واد يا عمار ! 

رمش عمار عدة مرات وصدى الكلمة يضرب في عقله  " حبيت .. حبيت .. حبيت " .. ماذا تعني هذه الكلمة ؟!!

شهد مقاطعه شروده :
- احكيلي عنها أكتر . 

عمار رافعًا كتفيه بقلة حيله :
- مفيش أكتر من كده .. ثم إني محبتهاش ولا حاجه ..  ده أنا بحكيلك اللي حصل معايا الفتره اللي فاتت بس . 

شهد وهي تضرب كتفها بكتفه :
- بس انت محكتش غير عنها هي .. اتصاحبت على مين ومشيت مع مين واكلت إيه وشخصيتها إيه ومسكت مهمه جديدة .. غير إنها شغلت تفكيرك .

عمار بانتباه :
- يا تيتا لا .. صدقيني الحوار كله إنها اتحدتني عشان كده شغلتني مش أكتر . 

شهد بابتسامة هادئة :
- يبقى أقوم أجهزلنا لقمه سوا بقا عما جدك يوصل . 

ابتسم لها عمار قبل أن تغادره لينظر أمامه من جديد بتفكير فيما قالته جدته .. 
لكنه نفض رأسه سريعًا .. فأي حب هذا الذي سينشب بداخله لفتاة متعجرفة حمقاء مثلها !.. كما قال لجدته ... تحدته فشغلت أفكاره لا أكثر .. 
حالته كمن يُقال عنه  " كذب الكذبة وصدقها " . 

    
(🌸إن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل 🌸) 

خرجت من غرفتها وهي تتثاءب بكسل .. اتجهت من فورها لدورة المياه لكن أوقفها صوت أختها التي تصغرها وهي تناديها بصوت عال فالتفتت إليها بتساؤل لتعرب فردوس عن رغبتها في أخذ بعض التطبيقات من هاتف سندس التي قامت بوضع الرقم السري لهاتفها وأعطتها إياه ومن ثم دلفت لدورة المياه .. 

أنهت طقوسها سريعًا وخرجت تستعد ليوم حافل بالمذاكرة من أجل اختباراتها التي أوشكت على خوضها في نهاية الشهر .. 

صنعت لنفسها كوبًا من النسكافيه الدافئ وجلست بجانب فردوس التي تمتمت دون أن تنظر لها :
- طنط ديالا اتصلت بيكي وانتي في الحمام وقالت أقولك تكلميها بعد ما تخلصي . 

انتبهت سندس على الفور وجذبت الهاتف تطلب ديالا بلهفة حتى أتاها صوتها المتعب ونبرتها المتألمة .. 

سندس بقلق وقلب منفطر :
- طنط ديالا في إيه ؟؟.. حضرتك طلبتيني ! 

ديالا بنبرة متوترة ضعيفة :
- لو تقدري .. لو تقدري تيجي على العنوان اللي هبعتهولك في ماسيدج تعالي يا سندس .. ريان محتاجك يا بنتي . 

انتفضت سندس على الفور وقلبها يضرب قفصها الصدري بعنف ووخزات في أطرافها كادت تُسقطها من فرط التوتر والقلق .. تمتمت بصوت بالكاد استطاعت ديالا سماعه :
- ماله ريان ؟.. في إيه ؟ 
 
ديالا بتنهيدة قوية معبئة بالمتاعب والآلام :
- لما تيجي يا بنتي هقولك .

أماءت سندس كأنها تراها وأغلقت الهاتف قبل أن تركض لغرفتها وبدأت تبدل ثيابها في عجلة من أمرها .. 

جذبت حقيبتها اليدوية وهاتفها النقال وذهبت حيث المطبخ لتخبر والدتها أنها سترى صديقة قريبة منها كي تستعير أحد الكتب المهمة .. وما إن أهدتها والدتها الموافقة حتى ركضت حيث العنوان الذي وجدته في رسالة من والدة ريان .. 

(🌸لا تُكثروا الكلام بغير ذِكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذِكر الله قسوة للقلب🌸) 

كان يجلس أمام شرفة غرفته ينظر حيث الأشجار المتراصة أمامه في نظام خلاب .. والعصافير الرصاصية التي تتطاير هنا وهناك عازفة مقطوعات موسيقية عذبة بزقزقتها المنتشرة بالمكان .. لا يود التفكير في أي شيء .. فقط يريد للوقت أن يمضي سريعًا كي ينتهي من علاجه أو ينتهي من الحياة .. أيهما أقرب .. 

تناهى إلى سمعه صوت طرقات خفيفة على باب الغرفة أخرجته من تأملاته بالخارج ليلتفت بهدوء كي يرى هوية القادم .. وهو على علم مسبق أن لا أحد سيأتيه سوى والده أو والدته أو ربما الطبيب وقد تكون الممرضة .. ولا شخص آخر .. 

لكن خابت ظنونه فيهم جميعًا .. فمن تطرق الباب هي آخر شخص قد تخطر بباله .. وقد كان ليكذب أي شخص قد يخبره كونها هنا . 

نفض رأسه محاولًا الخروج من حلمه برؤيتها هنا .. لكن لا فائدة .. إنها أمامه .. تنظر إليه بعينين غارقتين بدموع يعلم جيدًا سببها .. أو هكذا كان يظن .. 
ترتعش أطرافها بشكل بيِّن لعينيه المثبته عليها في جمود تام .. لا يعلم أهذا جمود حقًا أم أنه انهيار داخلي يرفض الظهور !! 

ولجت إلى غرفته وأغلقت الباب من خلفها .. ثم جلست مقابله وهي تمحو عبراتها المنسالة فوق وجنتها بطرف إصبعها .. وابتسامة رائعة ارتسمت فوق ثغرها قبل أن يصل إلى مسامعه صوتها المبحوح والبادي في نبرته التوتر :
- عامل إيه يا ريان ؟ 

أماء دون أن ينطق بحرف واحد .. كما لم ترمش عيناه منذ دخولها .. من يراه يظن أنه لا يتنفس حتى .. تمثال دون حركة .

ازدردت ريقها وهي تمحو دمعة وهمية عن وجنتها قبل أن تتابع :
- هتعدي منها بسلام .. وهتقوم بالسلامة ان شاء الله .. انت قدها وأقوى من ألف سرطان .. اوعى تخلي حاجه تغلبك وتغلب قوتك أبدًا . 

للمرة الثانية يومئ دون إجابة وعينيه مثبتة فقط على أصابعها التي تهرس بعضها بعضًا من فرط التوتر .. وجسدها الغير مستقر على المقعد الذي تجلس فوقه .. كما عيناها اللتان تهربان منه دون أن تناظرانه .. 
لا يحتاج سواهما في الوقت الراهن .. فقط نظرة منها إلى داخل عينيها .. لا يريد شيء آخر .. فقط يود رؤية الحياة بعينيها .. يود رؤية خوفها عليه .. يود رؤية وعد منها له بأن تبقى بجانبه .. لماذا تركض عيناها في كل مكان عدا المكان الذي يجلس به ؟! 

تحركت من فوق المقعد ولا تزال تتلاعب أصابعها ببعضها بعضًا .. ونطقت بآخر كلماتها قبل أن تخرج من الغرفة بهدوء كما دلفتها بهدوء .. 

- خلي بالك من نفسك . 

"خلي بالك من نفسك !.. خلي بالك من نفسك ! .. خلي بالك من نفسك ! " 

بقيت عبارتها تتردد في أذنه كصدى الصوت تمامًا ..  ماذا تعني بأن ينتبه إلى نفسه ؟.. 
هل قالت " لا تخف .. أنا معك؟ " ..
أم قالت " هذا ابتلاء .. والصبر علاجه .. والفرج نهايته .. وأنا إلى جوارك حتى نصل إلى بر الأمان سويًا ؟ " 
ماذا تعني بأن ينتبه إلى نفسه ؟!!! 
لم يكن هذا ما ينتظره منها !!.. لقد أتته في الحلم بلهفة وعتاب على غيابه عنها .. لقد أتته في حلمه بالشعور الذي أراد أن يشعر به منها في الحقيقة .. لكن لماذا الحقيقة مُرَّة الآن ؟.. هل يهذي من أثر العلاج ؟.. هل أتت من الأساس أم أنها سراب ؟ 

قاطع سيل أفكاره وتساؤلاته يد والدته التي جلست القرفصاء أمامه وهي تمسك بيده بين يديها وابتسامة هادئة تزين ثغرها .. 

ريان بعدما وجد صوته أخيرًا :
- مين قال لسندس ؟ 

ابتلعت ديالا ابتسامتها وهي تتمتم بتردد وحذر :
- اا .. أنـ .. أنا كلمتها .  

ريان وقد تأكد الآن أنها لم تكن سرابًا ... بل وأنها لم تعده بالبقاء معه فتحدث بلهجة معاتبة :
- ليه ؟.. ليه كلمتيها ؟ 

ديالا وهي تزدرد ريقها وتبتعد خطوة للخلف .. ومن ثم جذبت المقعد وجلست أمامه مباشرة وعادت لتمسك بيده :
- حبيبي .. أنا عارفة إنك بتحب سندس .. أنا حاسه بيك يا ريان .. والبني آدم مننا يا بني بيبقى أقوى لما بيكون الشخص اللي بيحبه جنبه ومعاه .. بيستقوى بيه .. سندس بنوته طيبة وجدعه .. أول ما اتصلت بيها جت جري لما عرفت إن الموضوع يخصك ..  وقبل كده اتصلت عشان تتطمن عليك وانت عارف إنها اتصلت بيا عشان كده .. فقلت يعني إنـ ... 

ريان مقاطعًا بنبرة خرجت غريبة بعض الشيء على مسامع والدته :
- كان المفروض تسأليني .. كان المفروض تعرفي أنا عايزها هنا ولا لأ .. انتي معملتيش أكتر من إنك خلتيها تشوفني وأنا في أكتر أوقاتي ضعف وانهزام .. انتي حطتيني في موقف إني حتى لو قمت من الحاله دي مش هحاول حتى إني أشوفها تاني .. لإن أي كلمه أو أي فعل منها هاخده على إنه شفقة .. شفقة وبس .. وهتبقى زيها زي باقي البشر اللي بيعاملني شفقة على حالة السكوت اللي أنا عايشها .. الكل بيستغربني عشان بفضَّل الوحده لكن محدش أبدًا فكر يعرف السبب .. كلكوا عايزيني أخرج من قوقعة الصمت والانعزال عشان أواجه عالم قذر .. ناسُه مبيفكروش غير في نفسهم .. كل إنسان فيه بيقول يلا نفسي ..  عالم مفهوش رحمة ولا إنسانية .. المريض بيتعاملوا معاه شفقه .. والفقير بيتعاملوا معاه بدونية .. والغني بينضربله تعظيم سلام .. الناجح بيتحسد وبيترمي بالطوب .. والفاشل بيتعمله ألف حساب بالوسطة .. اللي بيعامل ضميره بيفتروا عليه .. واللي بيشخط وينطر ويزعق ويبين عضلاته بيتعمله ألف حساب وحساب .. الصاحب النهارده بيسحب من صاحبه بهجته وروحه ويشاورله من بعيد ويمشي .. والاخوات بياكلوا في بعض زي الكلاب عشان ألف جنيه .. الأهل أكبر وسيلة لتدمير عيالهم لما يقارنوهم بفلان وعلان .. والجيران مبقوش يحبوا الخير لبعض .. الحبيب عادي يتخلى عن حبيبه لمجرد إنه يلاقي شخص أفضل منه .. ممكن ماديًا وممكن شكليًا .. هو ده العالم اللي بتحاولوا تخرجوني ليه ؟؟.. هي دي الدنيا اللي عايزيني أواجهها بالكلام والمعاملة ؟.. هي دي الحياة اللي عايزيني أعيشها بضحكة حلوه ؟؟.. هي دي !!! 

لم تكف عينا ديالا عن ذرف الدموع من بداية حديثه إلى نهايته ... إنه صادق في كل كلمة .. إنه يحمل في قلبه الكثير دون أن يشعر به أحد .. إنه يعاني من وحدته لكنه يفضلها عن عالم البشر المخذي . 

تحرك من مكانه بصعوبة وتمدد إلى فراشه موليًا إياها ظهره ووضع الوسادة فوق أذنه معلنًا عن عدم رغبته في سماع أي حديث قد يُقال .

تحركت من غرفته بصمت تام دون أن تحدث أي صوت كاتمة شهقاتها بكفها الذي يغطي فمها ويستقبل عبراتها التي تتسابق فوق وجنتيها بتعب وإرهاق . 

هذه هي الحياة ببساطة .. دمار في دمار .. الجميع يظنون أنفسهم أبرياء .. الجميع ضحايا المجتمع ؟.. الجميع يلعن الزمان .. رغم أن الزمان بريء منهم كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب .. الجميع هم الجلادون .. يجلدون أنفسهم وغيرهم .. وفي النهاية .. لا يظلم ربك أحدًا . 

    
تعليقات