رواية المصيدة الكاملة الفصل الاول
" تم العثور علي حقيبة سوداء بها مبلغ كبير من المال ، و علي صاحبها الاتصال برقم 010..... لأستلامها "
الإعلان كان بسيطاً …
لكن ما لم يُكتب بالأعلان …
هو أن من يعثر عليها، لن تعود حياته كما كانت !!
خرج بلال ذلك الصباح كأي يوم عادي…
يوم لا يحمل أي وعود جديدة او أمنيات منتظرة .
ركب الميكروباص، وجلس يتابع هاتفهه كعادته…
وبمرور الوقت، نزل بعض الركاب واحدًا تلو الآخر.
حين التفت أخيراً إلى جواره…تجمّد ساكناً للحظات !!
حقيبة سوداء !!
حقيبة لم يراها من قبل !!
لكنها كانت موجودة،
قريبة أكثر مما ينبغي.
مد يده ببطء وتردد !!
فتحها…
وفي لحظة، انقبض صدره !!
مال !!
كثير من المال !! أكثر مما يجب أن يترك هكذا بلا صاحب !!
أغلقها سريعًا،
نبضات قلبه تتسارع .. وشعور غريب بدأ يتسلل إليه !!
شعور وكأن تلك الحقيبة هي من كانت تبحث عنه !!
أغلقها سريعاً خشية أن يراها أحدهم،
أفكار سريعة تتبادر إلي ذهنه ،
فكر أن يسلمها للسائق… لكن الفكرة نفسها أخافته !!
ليس بالضرورة أن يكون السائق أميناً مثله !!
ظل متردداً حتي نزل من الميكروباص وهو يشعر بأن الحقيبة ثقيلة !! كانت أثقل مما يجب !!
ليس بسبب المال، بل بسبب ذلك الإحساس الغامض الذي بدأ يضغط على صدره.
دخل إلى مقر عمله محاولًا أن يبدو طبيعياً ،
ألقى تحية الصباح على زملائه كالمعتاد،
جلس في مكانه،
ووضع الحقيبة إلي جواره ،
لكنه لم يستطع أن يبعد عينيه عنها.
كانت هناك ، صامتة !!
لكنها تفرض حضورها بقوة .
مرّ الوقت بطيئاً ، ثقيلاً ، يكاد لا يحتمل.
أنتظر حتي بقي وحيداً ،
فتح الحقيبة بتردد وقلق ،
وبدأ يحصي ما بها من مال .
المبلغ كان كبيراً !!
٧٠٠ ألف جنية تقريباً !!
لم يعطي نفسه مهلة ليتردد أكثر من اللازم ،
يريد أن يزيح ما يضغط علي صدره بعيداً !!
فتح هاتفه… وكتب ذلك المنشور الصغير .
ثم تردد للحظة واحدة قبل أن يضعط علي زر " نشر "
لم يهدأ هاتفه طوال اليوم،
مكالمات لبعض المجهولين ،
جميعهم يحاولون إقناعه بشئٍ لم يستطيعون إثباته !!
لم يستطيع أحدهم ذكر قيمة المبلغ الموجود بالحقيبة أو مواصفاته!!
قبل نهاية اليوم بقليل جاء اتصال أخر جديد .
نظر بلال إلى هذا الرقم الغريب قليلًا، ثم أجاب: ألو .
جاء من الطرف الأخر صوت رجل مسن، هادئ وبسيط :
السلام عليكم يا ابني… أنا شوفت الإعلان بتاعك، والحقيبة دي بتاعتي .
بلال : وعليكم السلام… أيوه يا فندم، الحقيبة عندي، ممكن تديني مواصفاتها ومواصفات اللي فيها ؟
ثم بدأ الرجل في وصف الحقيبة وما بها من أموال بدقة .
شعور بالطمأنينة تسرب إلي بلال أخيراً بعد يوم طويل من التوتر والأضطراب .
فأجاب بلال : الشنطة تحت أمرك يا حاج، تحب تستلمها فين؟
الرجل : لو مفيش تعب عليك… ممكن تيجيلي البيت، أصل أنا كبير في السن ياابني ومش بقدر أتحرك كتير.
بلال : تمام يا فندم، ابعتلي العنوان.
الرجل : متشكر أوي يا ابني ، متقلقش، أنا مقدّر أمانتك جدًا.
أغلق بلال الهاتف…
وشعر بشيء من الراحة.
وكأن الموضوع انتهى ببساطة، ولكنه لم يكن يعلم أن تلك هي البداية !!
خرج بعدها من عمله مع الحقيبة التي صارت أخف ، وذهب إلي العنوان الذي أخبره به الرجل .
وقف أمام عمارة فاخرة كبيرة ،
صعد بالمصعد ليقف عند باب الشقة المذكورة بالعنوان .
وقف أمام الباب و ضغط زر الجرس لتفتح له فتاة بارعة الجمال !!
أخبرها بأنه جاء لمقابلة والدها لتسليمه حقيبته المفقودة.
أبتسمت الفتاة ورحبت به و طلبت منه الدخول .
يبدو من مظهر الشقة الواسعة وأثاثها الفاخر أنها لأسرة ثرية بالفعل .
دخلت الفتاة خلف بلال وأجلسته في الريسبشن .
ثم أبتسمت له قائلة : ثواني وأرجعلك .
جلس بلال وحده و عيناه تتفحص هذا المنزل الفاخر .
كان يفكر في المكافأة الكبيرة التي سيعرضها عليه صاحب الحقيبة بالتأكيد ،
فالمبلغ كبير والأسرة تبدو ثرية .
حتي أتي إليه رجل مسن بخطي بطيئة نسبياً ،
يبدو من هيئة الرجل أنه في الستينات من العمر .
أبتسم قائلاً : أهلاً وسهلاً يا أستاذ بلال ، أنا أسف أني تعبتك معايا .
بلال : لأ يا فندم مفيش تعب ولا حاجة ، أهلاً بحضرتك .
الرجل : أنا أسف بجد ، لولا أني مريض قلب وضغط وسكر كنت جيتلك لحد عندك علشان أشكرك بنفسي .
بلال : ولا يهمك .
الرجل : أنت أكيد عارف المرض بيعمل ايه، خصوصاً بالنسبة للي في سني ، يلا حُسن الختام .
بلال مبتسماً : ربنا يعطيك الصحة والعافية وطول العمر .
ينظر بلال ليجد الفتاة الجميلة تعود ومعها ثلاثة كؤوس من العصير ووضعتهم أمامهم وقالت للرجل بإبتسامة : متقولش كده يا جلال ، ربنا يطول في عمرك يارب .
نظر بلال نحوها بدهشة ثم أعطي الرجل الحقيبة ،
أخذها الرجل " جلال " وفتحها أمامه وظل يفحص محتويات الحقيبة بعناية وأهتمام .
أنتهي جلال من فحص حقيبته ثم قال : أتفضل أشرب العصير يا أستاذ بلال .
أبتسم بلال و بدأ يحتسي من كأسه العصير ،
الرجل : دي فرصة سعيدة جداً أننا نتعرف بشاب محترم وأمين زيك .
بلال : أنا أسعد يا فندم .
جلال : أنت متعرفش قد أيه الفلوس دي كانت مهمة بالنسبالي .
بلال : الحمد لله أنها موقعتش في أيد حد طماع كان ممكن يطمع فيها.
جلال : فعلاً ، بصراحة الشباب اللي زيك وفي أمانتك قليلين جداً الأيام دي.
بلال: الدنيا لسه بخير يا فندم ، وولاد الحلال كتير .
أخرج جلال ظرفاً من جيبه ووضع فيه ورقة نقدية فئة 200 جنية ، وقبل أن يمد يده، أسرعت الفتاة و أمسكت بيده وقالت له : هات يا جلال ، أنا هتصرف.
ثم أخذت الفتاة منه الظرف ووضعته بجانبها !!
أصابت الدهشة بلال !!
ظل يفكر هل يريد حقاً هذا الرجل " جلال " مكافأته بهذا المبلغ الزهيد ؟!!
لم يكن يتخيل ذلك أبداً !!
جلال بأمتنان : مش عارف أشكرك أزاي يا أستاذ بلال علي أمانتك .
بلال : يا فندم مفيش أي داعي للشكر .
جلال : أنا بعتذر ، مضطر أسيبك دلوقتي لأني فعلاً تعبان ومش قادر اقعد أكتر من كده ، لكن أعمل حسابك دي مش أخر مرة أشوفك فيها .
بلال بأبتسامة : أكيد .
جلال : فعلاً لازم نتقابل تاني يا بلال ، أنت من النهاردة هتكون صديق العيلة، وصديق مقرب جداً كمان .
نهض بلال أيضاً من مكانه قائلاً : ده شرف ليا يا فندم ، أنا كمان مضطر أستأذن.
جلال : لا لا ، خليك قاعد مع روان ، البيت بيتك .
بلال : ميصحش يا فندم .
جلال : يا بلال بقولك أقعد البيت بيتك ، متعملش فرق ، أنت من النهاردة مش حد غريب ، أحنا نتشرف بشاب أمين زيك يكون واحد مننا.
بلال : لكننن ...
قاطعته روان : مفيش لكن يا أستاذ بلال ، ياريت تتفضل تقعد ، ولا أنت عايزني أزعل منك ؟!
جلال : شوفت يا بلال ، أهي روان هتزعل منك !! ينفع كده ؟!
أبتسم بلال في حيرة قائلاً : لأ طبعاً ، مقدرش علي زعل الأنسة روان .
جلال " ضاحكاً " : أنسة !! علفكرة يا بلال روان تبقي مراتي .
وقعت عليه الكلمة كالصاعقة !!!
شعر بالخجل حتي أنه كان يريد أن يختفي فجأة من هذا المشهد !!
فقال له بخجل وأرتباك : أاااا...أنا أسف .
جلال : مفيش داعي للأسف يا بلال ، كل اللي بيشوفونا وميعرفوناش بيغلطوا زيك كده ، بيفتكروا إن روان بنتي .
روان : ربنا يخليك ليا يا حبيبي ، أنت جوزي وأبويا وكل حاجة ليا في الدنيا .
تركهم جلال و دخل غرفته ،
بينما كان بلال لازال يعاني من دهشته أو بالأدق صدمته !!
جلست روان وقالت : أتفضل أقعد يا أستاذ بلال ، هتفضل واقف كده ؟!!
ابتسم بلال وجلس في خجل و حيرة !!
تضحك روان : أنت لسه مصدوم لما عرفت أني مراته ؟؟
بلال : علفكرة أنا أسف بجد ، أنا ...
قاطعته روان : أيوه كنت فاكرني بنته.. زي ما جلال قالك ، كل اللي بيشوفوني مع جلال بيفتكروني بنته ،
ثم سكتت لحظة ..
وبعدها قالت : وعارفة كمان السؤال اللي بيدور في ذهنك دلوقتي .
بلال في دهشة : سؤال إيه ؟
روان : عايز تسألني ليه أتجوزت جلال رغم فارق السن الكبير بينا .
بلال : أسمحيلي ، فعلاً الفارق بينكم كبير أوي، مش أقل من ٣٠ سنة !!!
روان : ٣٥ سنة ... الفرق بيني وبين جلال ٣٥ سنة بالظبط ، أنا عمري ٢٦ سنة وجلال عمره ٦١ سنة .
بلال : أكيد دي حاجة تخلي أي حد يسأل عن السبب !!
روان : مش مهم السبب ، المهم إني عايشة سعيدة .
بلال : ربنا يسعدك كمان وكمان .
روان : ويسعدك أنت كمان .
ثم نظرت روان إلي يده و سألته : مش شايفة في أيدك دبلة جواز أو خطوبة !! معقول لسه متجوزتش أو حتي خطبت ؟!!
بلال : أيوه لسه .
روان : أنت عندك كام سنة يا بلال ؟
بلال : ٣٢ سنة .
روان : معقول ٣٢ سنة و متجوزتش لحد دلوقتي ؟! تبقي أكيد مرتبط ؟
بلال ضاحكاً : لسه برضو .
ضحكت روان : معقول !! ليه يا بلال ؟ ليه رافض الجواز أو حتي الأرتباط ؟
ضحك بلال : مش مسألة رفض ، لكن تقدري تقولي لسه مقابلتش الانسانة المناسبة .
روان : ٣٢ سنة ولسه مش لاقي المواصفات اللي في خيالك !! دي أكيد مواصفات صعبة جداً !!!
بلال : لا أبداً .
روان : طيب ممكن أعرف مواصفاتها ايه الانسانة المناسبة بالنسبالك ؟
بلال ضاحكاً : عندك عروسة ليّ ولا ايه؟
روان تبتسم : يمكن .. و ليه لأ ؟
بلال : بس بشرط تكون حلوة زيك .
روان : ميرسي أوي .
نظر بلال في ساعته ثم نهض واقفاً : أنا لازم أمشي بقي .
روان : لسه بدري !! خليك شوية .
بلال : معلش عندي مشوار مهم .
أخرجت روان من حقيبتها ظرف كبير " يبدو أن به مبلغ كبير من المال " ثم قالت : أتفضل يا بلال .
بلال : ايه ده ؟
روان : ده حقك .
بلال : حقي في ايه ؟
روان : نسبة ١٠% من المبلغ ، يعني ٧٠ ألف جنية .
تردد بلال لثواني " فالمبلغ كبير " ثم همّ أن يمد يده لآخذه ،
ولكنه فجأة عاد وأمتنع !!
روان : مالك ؟ مش عايز تاخد الفلوس ليه ؟
بلال : مش عايزها .
روان : حد يرفض الفلوس ؟! وخصوصاً لو مبلغ مش قليل زي ده !!
بلال : أنا مش برفض الفلوس ، لكن مش عايز أخد مقابل أمانتي .
روان : لكن ده حقك !!
بلال : حقي لو أنا طالبت به ، أنما أنا فعلاً مش عايزه .
روان : لكن جلال ممكن يزعل لو عرف إنك رفضت !!
بلال : معلش سامحيني مش هقدر ، وياريت تعتذري له بالنيابة عني .
ابتسمت روان بدهشة : تمام ، زي ما تحب يا بلال ، طيب ممكن تقبل عزومتنا علي الغدا بكره ؟
بلال مبتسماً : حاضر ، هحاول أجي .
خرج بلال وهو لا يعلم أن الزيارة التالية لن تكون مجرد زيارة عادية ، لكنها ستكون بداية لما هو أكبر ...
