رواية جحيم عينيك الفصل الاول
العودة
إني انست في عينيه مقامي
وهالني فيهما هلاكي فأي الأمرين أختار
وفي جمال مقلتيه اختار
هذه الرواية عمل متخيل بالكامل.
كل شخصياتها، أحداثها، صراعاتها، وحتى علمتها، منسوجة من الخيال وحده، ولا تعبر بالضرورة عن مبادئي أو قناعاتي أو أخلاقي الشخصية.
لا أقدم من خلالها رسالة، ولا أحاول التأثير على أي قارئ، خصوصاً الناشئين، ما يوجد بين السطور هو عالم قصصي مستقل، يتحرك بقوانينه الخاصة، ولا يصلح لأن يكون نموذجاً أو
مرجعاً في الواقع.
كما تتضمن الرواية ألفاظاً ومشاهد جريئة تفرضها طبيعة الأحداث وتطور الشخصيات داخل القصة.
هذه المشاهد ليست تشجيعاً، ولا دعوة، ولا ترويجاً لأي سلوك، بل جزءاً من البناء الدرامي فقط. وضرورتها فنية لا أخلاقية.
اقرأ هذه الرواية باعتبارها ما هي عليه:
خيال معزول عن الواقع ... عالم يسمح لك بالهروب من الواقع إلى الخيال.
المدخل
تدور أحداث الرواية في بقعة من العالم جمعت من الملل والنخل والألسن ما يعجب له المره..... إسطنبول الفنية رغم جذورها الضارية في عمق التاريخ، جمالها أسال لعاب الغازين الطامعين
والعابرين المفتونين قبلة الورعين وجنة الفاكهين....
جمعت بين الشرق والغرب، بين الممكن والمستحيل على ضفتها الأوروبية تقف أيا صوفيا شامخة، تحمل بين جدرانها قصة صراع الأمم والأديان عليها، كعذراء جميلة يتنافس الفرسان للظفر بها، وكان من يصل إليها يلبسها ثوب معتقده ودينه، ليكون أول أثوابها أرثوذكسيا ثم كاثوليكيا، ولتعود أرثوذكسية من جديد، غير أن محاربا شرشا ومقدامًا ألبسها ثوب الإسلام
ونزع عنها ما دون ذلك إلى يومنا هذا....
هذه التحفة المعمارية التي تفردت بعظمتها لألف سنة قبل أن يتمكن الإنسان من إنشاء عمارة تفوقها حجمًا، لا تزال معجزة تاريخية وإنسانية تسلب الألباب الصمودها وشهادتها على الهزائم والانتصارات الأعلام لكست وأخرى رفعت الصرخات استغاثة وهتافات انتصار....
الآن أيا صوفيا تطل على البوسفور بملاحة دؤوبة وضفتيه المكتظتين، وحياة عصرية سريعة وطاحنة تدور رحاها بلا هوادة أخذة سكانها في دوامة من التحديات والمنعطفات والعقبات.
اسطنبول 13:30 بعد الظهر
كان هناك من يشاهد اقتراب إسطنبول من مجال رؤيته الحاد كالصقر، وهو على متن مروحيته الهليكوبتر، قادما من اجتماع سري مع أوغاد روس، اختاروا يختا في عرض البحر الأسود للقائه.
لم تسر الأمور على النحو الذي يشتهي، طالما لم يضع رقابهم تحت فكه، يسحقها متى استدعى الأمر ذلك، فهذه أصول اللعب مع الروس لأنه لا يؤمن جانبهم، لكن ما يزعجه أكثر هو تأخر رجاله في حل موضوع القاضي المتعلت..
في تلك الاثناء على مدرج الطائرات، كان أونور ولوكاس ينتظران وصول طائرة زعيمهما الذي طالت رحلة عمله لشهر كامل كانت محطتها الاخيرة لقائه بالروس في البحر الأسوء.
كان اسمه يتداول همنا فقط.
في دوائر المافيا، يكفي ذكره لتختصر الاجتماعات وتغلق الملفات بلا نقاش. ليس لأنه الأعلى
صوتا، بل لأنه الأخير الذي يراد استدعاؤه.
زعيم لا يحتاج إلى العنف ليثبت حضوره فسمعته تقوم بالمهمة كاملة. قسوة محسوبة، عقل بارد، ونظرة تعرف اين تضرب دون أن تخطئ من واجهوه ونجوا... لم يعودوا كما كانوا.
يعرف بلقب القناص
ليس شغفا بالصيد، بل إيمانا بأن كل شيء حتى البشر له مسافة مثالية ونقطة إنهاء واحدة. كان يمنح خصومه هامنا صغيرًا للحركة، لا بدافع الرحمة، بل لأنه كان يفضل أن يراهم وهم
يدركون متأخرين أنهم أصبحوا فريسة.
وعندما حظت الطائرة أخيرا، لم يرافق تزوله صخب ولا حشود
بدلة داكنة، خطوات واثقة، وهدوء يناقض عنف الرياح التي عبثت بشعره الأسود.
شعار أوزيتش على الواجهة لم يكن إعلانا... بل تحذيرا.
فبعض الرجال، حضورهم وحده كاف ليذكرك أن الجحيم ليس مكانا.
بل شخصا.
يمان يتحرك بثقة من يعرف كيف يفرض حضوره.
شاب ثلاثيني، وسامته تخفيها صرامة العبوس وكبرياء لا يقارن، ليصبح حضوره أكثر تأثيزا في
عالم لا يرحم، حيث ثقاس الهيبة بالقوة والجرأة لا بالسن.
عالمه كان صعنا منذ البداية، لكنه لم يحتاج وقنا لاخضاع العائلات الكبرى وفرض نفسه على
خصومه، وجعل المعارضين يدركون مبكرًا أنهم فريسة قبل أن ترفع أي أسلحة.
تقدم نحو مساعديه القدامى أونور ذراعه الأيمن، ولوكاس اليد القاسية التي لا تتردد. رفع رأسه، والتى التحية الإسبانية التي اعتادها منذ طفولته، هادتا، تقبلا بالمعنى:
"Hola hermanos"
لحقا به مرددين التحية باحترام صامت.....
"أهلا أيها الزعيم.."
"Hola, jefe"
في الطريق، أشعل يمان سيجارته يحذق ببرود عبر نافذة السيارة، كأن الصمت نفسه يحتاج إلى
اذته ليكسر ...
هل كل موضوع القاضي ؟ أم علي أن أتدخل في هذا أيضا؟"
نبرته القاسية كانت كافية حتى يعرفا أن مزاجه معكر، وأن رحلته لم تنته كما أراد، فالروس لم
يكونوا يوما ضمن دائرة صبره.
تبادل الاثنان نظرة خاطفة، ثم بادر أونور بصوت منخفض...
"لم يرضخ، كل الإغراءات فشلت.... حتى التهديد، لم يجدي نفعا معه "
تحرك لوكاس في مقعده بانفعال، لم يخفيه......
" قلت لكم منذ البداية رصاصة واحدة، وينتهي الأمر."
نقت يمان الدخان ببطء، ما زال نظره معلقا بالخارج، كأن الشارع أهم من النقاش، ثم تمتم
بالإسبانية، دون أن يغير نبرته...
"...Hijo de puta"
حان وقت زيارته."
وعاد الصمت.
لكن هذه المرة، كان صمنا يعرف الجميع ما سيأتي بعده.
في مكان آخر، كانت تجلس فاليريا أمام شاشة تفاعلية بإحدى قاعات الجامعة، قلمها ينساب
على الورق، يدون كل ملاحظة بدقة وانضباط.
بينما على المقعد المجاور انفرجت أسارير إيلا أخيرا مع انتهاء المحاضرة، فأطلقت نفسا عميقا وهي تلملم كتبها ...
"أخيرا.... كدت أموت من الضجر."
ابتسمت فاليريا، تهز رأسها ببط.....
وضعك صعب يا فتاة .... ماذا تركت لبقية السنة ؟"
أدارت إيلا عينيها بملل، ثم ابتسمت ابتسامة ساخرة ....
"كان الله في عوني، أه، كم أحتاج للترفيه عن نفسي اليوم .... هيا معي إلى البيت، تتسلى قليلا"
هزت فاليريا كتفها بأسف.....
" علي العودة قبل خروج ابي ... يجب أن أقدم له تقريرا عن اليوم الأول "
أطلقت إيلا تنهيدة طويلة، تحدق بها باستغراب...
" وكأنك في السنة الأولى... أنت في الثالثة، راشدة، بعد العشرين لماذا يعاملك كأنك طفلة في
الابتدائي ؟ أم أنك فجأة وقعت في حب مادة القانون؟"
تنهدت فاليريا بقلة حيلة ...
أنظنين أنني أعشق المرافعات القانونية؟ أو أهوى الغوص في الكتب والمجلدات، حفظا
للفصول والمصطلحات الجنائية ؟ أنا مضطرة لمسايرته، وإلا... سيحرمني من كل الامتيازات
التي أتمتع بها. طالما أنا ابنته المطيعة، لن أضطر لمواجهته أو سماع توبيخه. فهمت ؟»
خرجنا من الجامعة، ووقفت فاليريا امام سيارتها الحمراء الجديدة، تمرر يديها على سطحها
اللامع، وابتسامة فخر ترتسم على وجهها ...
" وأنا أحصل دائما على ما أريد، يا عزيزتي."
ما كان من إيلا إلا أن أبدت إعجابها وتفاجؤها في آن واحد، إذ وعدتها فاليريا باقناع والدها حتى يشتري لها سيارة جديدة، وها هي قد وقت بوعدها ...
سيارة رائعة .... سحقا، كيف اقنعته يا فتاة.."
هزت فاليريا كنفها، تميل برأسها مبتسمة ....
"أنا ابنته الوحيدة... فكيف يرفض لي طلبا ؟ هيا تعالي، سأريك منحونتي الجديدة"
سألتها إيلا مستدركة..
وماذا عن منحوتة أخي ؟ لقد صرع رأسي، يسأل عنها كل يوم"
زفرت فاليريا بضجر...
"أخيريه أنني سأنهي العمل عليها الليلة "
ركبت إيلا المقعد المجاور، تحذرها كالعادة من التهور في القيادة، فضحكت فاليريا بحماس جنوني..
"ضعي حزام الأمان.... سنطلق العنان للأدرينالين، يا قناة!"
فاليريا ماتشافاريائي، في الواحدة والعشرين من عمرها، طالبة حقوق وابنة القاضي الشهير دافيت ماتشافارياني.
جمالها الطاغي يجذب الأنظار دون مجهود بشرة بيضاء شعر كستنائي طويل يتراقص مع كل حركة ملامح مشدودة تذكر بالجذور القوقازية، وعيون زمردية واسعة تكاد تقرأ ما حولها قبل أن يقال.
جذورها تمتد إلى جورجيا جديها هربا من الثورات والفوضى في أبخازيا، ليستقروا في تركيا، ويندمجوا في المجتمع الجديد، حاملين معهم ارت القوة والعزيمة.
هي فتاة عنيدة، قوية الشخصية كوالدها، تعشق النحت على الصلصال أكثر من دراسة القانون.
لكنها مضطرة لمسايرة أبيها، الذي لا تملك غيره بعد وفاة والدتها.
كل اختياراتها مقيدة بالحب والاحترام، كل تحب داخلي ورغبة مجنونة، خاضع المعادلة واحدة؛ لا تجرح والدها، ولا تخسره.
في مكتب القاضي ببيته القاطن بأحد الأحياء الراقية، كان جالسا متوترا، يحاول إخفاء توتره أمام ضيفه الثقيل وغير المتوقع، الذي اقتحم المكان بهدوء، كأنه صاحب المكان، متخذا الكرسي المقابل للمكتب مقعدا له.
"لا بد أن تشريفك لى بهذه الزيارة وراءه أمر مهم هات ما عندك، فالقضاة وقتهم ثمين... تماما كرجال الأعمال ... يمان أوزيتش "
كانت هذه أول مرة يقابل فيها الزعيم الملقب بالقناص، طالما سمع عنه الكثير، لكن ليس من يسمع كما من يرى القاضي دافيت مانشافارياني لم يتوقع يوما أن يزوره زعيم مافيا لعينة.
هالته المرعبة حولت مكتبه إلى ثلاجة للأموات من شدة بروده وجمود ملامحه التي لا يستطيع
أحد من خلالها معرفة أفكاره أو مزاجه.
جلس بوفار، وهدوءه مرهقين الأعصاب القاضي، الذي جاهد الإخفاء توتره، واضعا يده على زر سری تحت مكتبه يوصل إشارة مباشرة لأقرب مخفر للشرطة.
أدرك الزعيم من حركة القاضي تلك أن فرانسه ارتعدت من وجوده، فايتسم ببرود، ثم قال....
"لا داعي للخوف حضرة القاضي لو كنت أريد قتلك، لما أتيت بنفسي. أقل رجالي قادر على انتزاع روحك بسهولة. أرح يدك... فالزر معطل، وكاميرات المراقبة أيضا، هذه زيارة خاصة.
ولیست مشاعا المتطفلين "
تناول سيجارا وأشعله وهو يراقب تأثير كلامه عليه...
"دعنا لا نظل الحديث أكثر كما قلت: وقت رجال الأعمال ثمين"
أخذ نفسا من سيجاره، وأطلقه محدثا سحابة من الدخان حوله، قبل أن يكمل .....
رفضت العشرة ملايين دولار لتبرئة أخي يلتشن، أنت حر في ذلك، لكنك لست حزا في إدانته. أنت فجير على تبرئته، كما هو مهم بالنسبة لي ابنتك المصونة مهمة بالنسبة لك أيضا"
قال ذلك وهو يمرر بصره الخاطف على صورة ابنته فوق مكتب القاضي، فتبدلت ملامح القاضي الجامدة، ودب الرعب في أوصاله ابنته كانت أغلى ما يملك، فتمتم من بين أسنانه، بشفتين مرتجفتين من الفيظ...
" إلا ابنتي ... إلا صغيرتي .."
واصل الزعيم حديثه، وشبح ابتسامة يلوح في الأفق...
هي تدرس القانون في السنة الثالثة بالجامعة، شابة مفعمة بالحيوية، مقبلة على الحياة. طموحة كوالدها، وينتظرها مستقبل مشرق... أن نفذت ما أريده بالطبع، والا.."
فقد القاضي أعصابه، فانتفض صالحًا وهو يضرب سطح المكتب بقبضته....
" وإلا ماذا؟ كيف تجرؤ على تهديدي في بيتي، أبها المجرم الحقير؟"
بجمود مستفز واصل الزعيم كلامه.....
وإلا سيصلك كل يوم طرد يحمل جزءا منها.
مرة بداها، ومرة قدماها، ومرة راسها، وربما قلبها.
وهكذا ... حتى تكتمل الجنة لتتمكن من دقتها.
كل يوم سيمر عليك كسنة، وأنت تنتظر وصول الطرد في أية لحظة.
كل يوم ستتجدد ألامك وانت تعيش الماساة نفسها، كانك تشهد موت وحيدتك كل يوم..."
حاول القاضي تمالك نفسه أمام بشاعة السيناريو الذي يسرده عدوه، نهض من كرسيه، شاهراً سبابته في وجه الزعيم، مزدردا ريقه بصعوبة ...
"أنت أحظ وأقذر مجرم قابلته في حياتي المهنية، وسأحرص على الحافك بأخيك، لتتعفنا معا في السجن، حيث مكانكما الطبيعي."
أطلق الزعيم ضحكة مستفزة وهو لا يزال جالنا بأريحية، كأنه سمع نكتة مضحكة، ثم نهض من مكانه، لتتحول ملامحه إلى حدة وغضب...
حتى لو سفرت ابنتك إلى آخر الدنيا، سأصل إليها، وأحرص على إرسالها لك في طرود يومية. الكرة في ملعبك، حضرة القاضي .....
"hasta luego, mi señor
دوی صوت احتكاك عجلات السيارة بالأسفلت وهي تركن أمام منزلها، تضحك من كم الشتائم التي أطلقتها إيلا نحوها، وهي لا تزال متمسكة بحزام الأمان كأنه حبل نجاتها من تهور قريبتها.
"تبا لك... أنت مجنونة حقا كاد قلبي يتوقف من الرعب... أتمنى أن يسحبوا منك رخصة
القيادة، أنت تشكلين تهديدا للسلامة العامة !"
فكت فاليريا حزام الأمان وهي تضحك، ثم سحبت المفتاح، رفعت رأسها للمرأة لتتفقد شعرها بلا اكتراث، وقالت يمكر...
"لا بأس بهذه المغامرة اللطيفة .... لتنسي ملل المحاضرات"
توقف كل شيء فجأة حين لمحت سيارة كاديلاك سوداء، ورجالا بدلات قائمة في مدخل المنزل والحديقة.
كان المشهد خرج مباشرة من فيلم بوليسي، لكن الحماس والمتعة التي ترافق المشاهد خلف الشاشة تحولت إلى قلق وترقب، لأن المشهد حقيقي، ولأن من بالداخل رجل قانون صلب، عنيد في آرائه، وصانع للأعداء بامتياز.
"يبدو أن لدينا زوار ....."
قالتها بصوت منخفض، ثم ترجلت من السيارة باتجاه الباب، تلحق بها إيلا بخطوات متسارعة. حقا، أولئك الرجال أثاروا حفيظتهما.
شعرت فاليريا أن أمرا مريبا يحدث في الداخل، فأسرعت خطواتها، مرمية نظرة سريعة لما حولها وهي نتجه نحو الباب. ارتد جسدها إثر اصطدامها بأحدهم، كأنه حائط إسمنتي من
صلابته وطوله.
الرجل الخارج من المنزل بخطوات سريعة ملامحه حادة، عيناه ناریتان مختفيتان خلف نظارته السوداء، قد هدد والدها للتو، وملأ قلبه رعبا عليها. كان يمسك ذراعيها، رد فعل تلقائي، حائلا دون سقوطها.
كانت لحظة خاطفة، تسارعت معها أنفاس فاليريا وارتفع خفق قلبها، لم تعرف هل ذلك من خوفها على والدها، أم من اصطدامها الوشيك وسقوطها المحتمل.
الحياة مخيفة حين لا تدري إلى أين تودي بك خطوتك التالية، وما حجم عواقبها، تماما كخطوتها التي القتها في حضن غريب، حيث استحوذت عليها رائحته الرجالية، وأحاطت بها هالته المهيبة حتى
أرعدت فرائسها وأرعشت أوصالها.
كان جذابا لدرجة تفقد العقل اتزانه جانبيته تسحبها إليه كالثقب الأسود، يبتلع كل ما يقترب منه.
استعادت توازنها بصعوبة، لا تزال تحدق بوجهه، محاولة بعينيها التسلل عبر نظارته الشمسية التكتمل صورة ملامحه المثيرة في ذهنها استجاب، من حيث لا تدري ، لرغبتها الدفينة، مخفضا نظارته قليلا حتى استقرت فوق جسر أنفه، لتواجه سواد عينيه الحادة كأنها سهام مشتعلة
تخترق روحها وتضرم النار في بدنها.
فراد نبرة صوته الباردة كالجليد من ارتباكها ...
" انتبهي أيتها الصغيرة .."
فقط ... هذا ما نبس به معيدا نظارته، ليغادر دون أن يلقي بالا للعاصفة التي أحدثها داخلها
وخلقه رجاله.
فاجأها صوت إيلا، يخرجها من تلك الدوامة...
" يا إلهي .... أيوجد هكذا رجال في اسطنبول ؟!! إنه وسيم حد اللعنة يا فتاة!"
لترد فاليريا، بملامح فارغة....
بل ... مرعب حد الجحيم.....
لم تهدأ ثورة جسدها التي خلفها ذلك الرجل وراءه، إلا بعد أن تذكرت والدها، فصاحت وهي تهرول نحو داخل البيت....
"....أبي"
ووجدت فاليريا والدها في مكتبه، يتناول دواء الضغط، وعلامات التوتر والإرهاق بادية عليه. فانحنت إليه، تنفقده بقلق...
"أبي .. هل أنت بخير"
جاء صوتها ليهدي قلب والدها، فعانقها كأنه يخاف من فقداتها. أدركت أن ذلك الغريب قد يكون سبب حالته، فسألته ...
" من ذلك الرجل يا أبي ؟ هل أزعجك بشيء؟ هل ضايقك ؟"
هنا دب الرعب في قلبه، وراح يتفحصها بخوف شديد..
"هل التقيته؟ هل فعل شيئا أو قال لك شيئا؟ تكلمي. "
سارعت فاليريا للنفي...
"لم يحدث شيء يذكر، إذ كان مسرعا وهو يغادر"
فتنفس الصعداء، وأعاد ظهره للمقعد...
"لا تشغلي بالك يا عزيزتي الرجل كان هنا لإبلاغي بأمور تتعلق بالعمل، لا شيء يستدعي قلقك.
هيا، اصعدي الغرفتك وارتاحي قليلا قبل تناول العشاء"
قالت بقلق ...
على الأقل دعنى أتصل بالطبيب لأطمئن عليك، فأنت لا تبدو بخير."
رفض اقتراحها، معللا بأنه بخير. فما كان منها إلا أن استجابت لرغبته، حتى لو لم يرضها رده.
فهي لم تره على هذا الحال سابقا، ولم تجد بدا من الضغط عليه الآن عاجلا أم آجلا ستعرف ما
الذي دار في هذا المكتب وجعل والدها يتناول حبة الضغط.
"كما تشاء أبي."
وصل الزعيم إلى أحد النوادي الكبرى التي يملكها.. صاعدا إلى مقصورته الخاصة في الطابق
العلوي، حيث يجتمع برجاله أو بعض أعضاء المافيات الأخرى راميا سترته على طاولة
الاجتماعات ليجلس بتعب على أحد الكراسي وهو يشير للوكاس بجلب مشروب له.. ليبادر اونور بالحديث...
"العائلة بانتظارك على العشاء "
أخذ الكأس من لوكاس وشربه دفعة واحدة ناظرا لأونور ببرود...
" من أخبرهم أني سأعود اليوم؟"
التفت أونور للوكاس مشيرا إليه...
" هو من أخبر سارة بقدومك اليوم"
أدرك لوكاس أنه واقع في ورطة مع الزعيم ليشتم اونور في سره ملتفتا للزعيم الذي بدا عليه
"لقد ألحت في السؤال، فلم أجد مهربا منها غير اخبارها، أسف أيها الزعيم ...
" إن عاودت التحدث إليها مرة أخرى.. سأقطع لسانك وأجعلك تبتلعه ...
".Quítate de mi vista, quiero estar solo y no dejes entrar a nadie"
( أغرب عن وجهي، ولا تدخل أحدا، أريد أن أكون وحدي"
تبادل الاثنين نظرات الحيرة ثم نطق لوكاس يتردد...
"...Patricia está esperando afuera, está"
) بتريسيا تنتظر بالخارج، هل..)
"...Dije que no quiero a nadie"
قاصدا إحدى عاهرات الزعيم... قبل أن يكمل قاطعه الزعيم وهو أمام البار يملأ كأسا ثانية.....
"قلت أنني لا أريد أحدا"
ليختفي من أمامه على الفور وهو يشكر الألطاف الإلهية ويتوعد أونور تحت أنفاسه....
فأعاد هذا الأخير سؤاله قبل أن يغادر...
"لم تحبني بعد أيها الزعيم ألن تذهب للعشاء حقا ... أعنى هم ينتظرونك بفرح .."
بنبرة ساخرة ومليئة بالامتعاض...
"صدقني سيكون من الأفضل لهم أن يناموا قريري العين هذه الليلة.."
أخذ رشفة من كأسه ليسود الصمت للحظات قبل أن يسأل ببرود وهو يحدق في الفراغ غارقا
في التفكير...
"من من الفنانان هي ابنة القاضي ؟..."
كان يأمل في قرارة نفسه ألا تكون تلك التي اصطدمت به، ليأتي الجواب مخيبا للأمال مرفع حاجبيه غير عابي، مما جعل أونور يسأل بقلق...
هل حقاً ستنقد تهديدك للقاضي إذا لم يرضح لنا ......
ليرد وهو يلتفت ناحية الواجهة الزجاجية المطلة على مرقص النادي....
" منذ متى لا أنقد تهديداتي اونور...؟"
زفر الآخر بأسف...
" يالها من سيئة الحظ..."
بسخرية لاذعة قال وهو يفتح شاشة الحاسوب أمامه.....
" الحياة غير عادلة Mi amigo"
أصدل الليل ستاره على المدينة دون أن يؤثر على حيويتها وصخبها، فبالنسبة للكثير بدأ اليوم للدو.
في بيت القاضي ما تشافارياتي الفطور والعشاء لهما توقيت محدد وطقس مقدس، ككثير من العادات التي تعود عليها دافيت وعود ابنته عليها.
زينت مائدة العشاء بطعام جورجي مكون من حسام chakapuli و ال kupi وهو عبارة عن سجق محشو باللحم المفروم مع التوابل ورغيف الى khachapuri المحشو بالجبن.
طالما أحبت فاليريا تناوله لأنه يذكرها بوالدتها التي برعت في تحضير الأكلات التقليدية الموطنها الأصلي....
تناولت قاليريا عشاءها في صمت وهي تراقب ملامح والدها بحذر لتقرر انهاء هذا الصمت.....
"لم تسألني عن يومي الأول بالجامعة يا أبي ؟"...
لم يجبها .. بل لم يرفع رأسه عن طبقه مطرقا في التفكير كأنه بعالم آخر، فابتسمت بحزن متجاهلة عدم رده على سؤالها ...
عموما، كان يومي الأول موفقا، لكن إيلا لم تكف عن التذمر و......
قاطع كلامها بسؤال بدا غريبا يقدر غرابة التوقيت الذي اختاره لطرحه ...
لو خيرتي بين عائلتك وأحبالك من جهة وبين المبادئ التي تؤمنين بها وتدافعين عنها طوال
الوقت بل وتفتخرين بها، ماذا ستختارين ؟"
كانت نظراته مليئة بالحيرة وقلة الحيلة، كأنه يستنجد بها أو كان حياته تعتمد على إجابتها تلك. لم تكن أول مرة يطرح فيها هذا النوع من الأسئلة لكن جدية الموقف هذه المرة جعلت من
مهمتها صعبة ...
أعاد السؤال من جديد بملامح أكثر جدية وإلحاحا ...
"العائلة أو المبادئ ؟ ....
جديته اربكتها وجعلتها تفكر بإجابة نموذجية لتخرج نفسها من هذه الورطة...
" المبادئ أولا ثم يأتي دور العائلة فلا معنى لأي شيء بالحياة أن عشناها بلا مبادئ"
ظلت هذه العبارة حبيسة حنجرتها تأبى الخروج فهي لا تؤمن بما يؤمن به والدها وتعلم أن المبادئ هي الأهم بالنسبة له عكسها تماما.. وتيا ان اسمعته ما يريد هذه المرة...
وضعت ملعقة الحساء جانبا لتشيك أصابعها تحت الطاولة اخذة نفسا عميقا قبل أن تفصحقائلة.
تبا للمبادئ امام من نحب...
اتسعت عيون القاضي دهشة، لتواصل بجسارة...
" كم أضعت من عمرك في للدفاع عن مبادئك والانتصار لها.... وماذا ربحت مقابل دفاعك عنها ؟"
رفعت رأسها لصورة والدتها المعلقة في صدر الحائط بمقلتين تحتبس فيهما دموع حائقة..
" بسببها خسرت امي وبسببها ازدادت وحدتك وقسوتك على نفسك وعلى"
ازاحت الكرسي لتنهض مغادرة غرفة الطعام فأوقفها بحزم لتلعن في سرها فمن يود مجادلة دافيت ماتشافارياني
هز رأسه متفهما ...
توقعت ان ترددي ما تعلمته كالببغاء، لكنك فاجأتني بهذا الرد الصريح، شكرا هذا أفادني حقا."
قام من مقعده مقتربا منها ...
" أنا متعب قليلا وسأخلد للنوم، لذا اجلسي واكملي طعامك، تصبحين على خير"
طبع قبلة على جبينها ثم تجاوزها باتجاه الباب ليتوقف واستدار ناحيتها بانكسار غريب.....
"أعدك أن ما حدث مع أمك لن يتكرر، فوالدك تعلم الدرس، وأنت أغلى ما أملك يا صغيرتي.
أحبك كثيراً. "
نادرا ما كانت تسمع مثل هذه العبارات الرقيقة من القاضي الموقر ذو الوجه الصارم، كانت وحيدته ومد للته، أغلى ما لديه لكنه لم يكن يفصح عن ذلك بالنسبة له تربيتها تربية صارمة وتعليمها تعليما جيدا وتلقينها مبادئ رفيعة ومعاقبتها على الخطأ كان الطريقة التي يقول بها "أحبك".
وما قد سمعته يقولها الآن لتتسع ابتسامتها وتمتلئ عينيها بالدموع.
تبالي من عاطفية غبية "
أسرعت إليه وعانقته قبل أن يستدير ويغادر فما كانت لتفوت هذه الفرصة في الارتماء بأحضان الذي كان الأب والأم والأخ والصديق، كان عائلتها وأغلى ما تملك.....
"أبي الحبيب. "
عانقها كأنه آخر عناق بينها.. وغادر بانجاه غرفته.
انتهت الأمسية على نحو مريح خلافا لما بدأت به ومع ذلك هناك إحساس غريب يستحوذ على ذات العيون الخضر لم تستطع تفسيره، إحساس غير مريح انضاف ليومها الطويل والمرهق فازداد احتياجها لدخول ورشتها الصغيرة وإطلاق العنان لأناملها وخيالها، فهي انجع طريقة لإراحة ذهنها وتجميع الأفكار المشتقة.
دخلت ورشتها لتقابل نموذجا من الصلصال فوق طاولة العمل لم يكتمل بعد وبجانبه صورة معلقة لإبن عمها أبيل اخ إيلا، الذي أخذ منها وعدا بصنع تمثال له منذ مدة ليست بالقصيرة فقررت تنفيذ وعدها بعد نفاذ كل الحجج والتبريرات لعدم إنجازه...
خلعت خواتمها وساعتها وإسوارة كانت تزين معصمها الأيمن والملمت شعرها على شكل كعكة وارتدت منزرها.
قبل أن تشرع في نحت الصلصال وضعت قائمة الموسيقى المفضلة قيد التشغيل لتبدأ عملها
وتنغمس فيه.
بمجرد أن غاصت اناملها في الطين تشكل ملامح الوجه دون الحاجة للنظر في الصورة فهي تحفظ ملامح قريبها أبيل.
بعض من أحداث هذا اليوم لم تكن من النوع الذي يمحى من الذاكرة بجلسة صلصال وموسيقى كلاسيكية، ولم يجدي معها التركيز الشديد في العمل، فقد اندثرت كل الأحداث التي عاشتها هذا اليوم ابتداءا بلقائها بأصدقائها وأول محاضرة تحت إشراف استاذ جديد انتشر لفط شدید بین الطالبات حول حالته العاطفية، وقيادتها لسيارتها الجديدة وانتهاءا بزيارة غريبة وعشاء درامي حتى قلقها على صحة والدها سرعان ما تلاشى ليبقى شيء واحد عصي على النسيان...
عيون ذلك الغريب، تفرض نفسها بقوة بسوادها القائم وحدتها الجارحة، حتى عطره القوي لازال عالقا بأنفها وكلماته القليلة لازالت تتردد في مسامعها.
كيف أن تقاسيم وجهه علالت في ذهنها بكل تفاصيله لدرجة أن أناملها الرقيقة جسدتها بدقة على الصلصال دون أن تدرك ذلك، إلا بعد أن أوشكت على الإنتهاء منه.
فتجمدت يداها عن العمل ورجعت بكرسيها للخلف لتتأكد مما تراه مقررة بصرها بين التمثال والصورة .... تبا لا يوجد أدنى شبه بينهما.....
"كيف حصل ذلك؟ أين كان عقلي ؟"
اتسعت عيونها الخضراء واهتز قوادها المنظر، لقد شكلت قسمات وجهه الحادة ودقته المتناسق وأنفه المديب، إنه ذلك الزائر، ذلك الرجل الذي أرعد أوصالها واريكها بقبضته ونظرته وبحة صوته.
أخدت إحدى أدواتها المسننة التي تستخدما للنحت لتخرب ذلك الوجه الوسيم بسرعة وعصبية ورمت الأداة على الطاولة بغضب.
لقد سهرت على التمثال حتى وقت متأخر لإنهائه فوجدت نفسها تصنع تمثالا للرجل الخطأ.. يالها من خيبة !!.. بل يالها من صدمة !!
التقطت منشقة تمسح يديها نابسة بحنق وقلة حيلة....
"لا حظ لك أبيل.. أعذرني "
ثم قامت متوجهة للحمام استعدادا للنوم.
اشرقت شمس يوم جديد على حديقة قصر ال اوزيتش الفخم، حديقة أقل ما يقال عنها أنها
لوحة طبيعية تجمع بين بهاء الوانها واتساق نباتاتها.
سيمفونية طبيعية تعزفها الطيور مع خرير المياه المتدفقة من نافورة هنا وهناك غير أن هذه السيمفونية الهادئة سرعان ما افسدتها حركة نشيطة للخدم وهم يحضرون مائدة فطور فخمة
على شرف الزعيم.
حرص أفراد العائلة على الانضمام إلى المائدة قبل وصول الزعيم وآخر الملتحقين هو ضيا الأخ
الأصغر الزعيم.
كان ذلك سبيا لتلقيه وصلة توبيخ من أمه هاندا، إذ يحظر التأخير على مواعيد الاكل خاصة بوجود الزعيم.
كل هذا لأن الزعيم المبجل سيتناول الإفطار مع العائلة السعيدة لهذا وجب تواجد كل العائلة ضياء يلتشن ومنار... أخوة الزعيم من جهة الأب فقط لأن أمه إسبانية، تعيش في برشلونة منذ انفصالها عن أبيه وهو في سن مبكرة، أما زوجة والده وأم إخوته هاندا، ليست على وفاق تام معه لأنه في نظرها قد استفرد بالسلطة وأمسك بزمام الأعمال دونا عن بقية إخوته.
فهو المسيطر على كل شيء وسيد القرار، خاصة بعد شلل زوجها طالما كرهته وحفلته مسؤولية سجن ابنها البكر يلتشن ولا تتوانى عن اتهامه بأنه وراء دخوله السجن حتى لا يكون منافسا له على السلطة.
طبعا، هي لا تتجرأ على مواجهته يتلك التهم، فهي تشتكي وتسجب وتحتج وراء ظهره، أما في وجهه تتقن التعلق في أفضل الحالات أو تكتفي بالصمت.
بالنهاية إبن الإسبانية عدوها بيده مصيرها ومصير أولادها وتعرف جيدا ما هو قادر على فعله
لو تحدثه أو قللت من احترامه، أصلا لا أحد يجرو.....
بوجوده لا أحد يملك رفاهية الاعتراض أو القبول الكل يلتزم بتعليماته وأوامره بحذافيرها.
أما سارة فهي ابنة أختها المتوفية ربتها منذ أن كانت في السابعة من عمرها إلى جانب أولادها. فتاة جميلة بملامح عربية بشعرها الأسود الطويل وعيونها البنية أكبر من ضيا بسنة فقط
تدرس إدارة الأعمال لكي تضمن منصبا جيدا في إحدى شركات العائلة.
تعيش وتتنفس بحب الزعيم، دون أدنى أمل في الحصول على قلبه، لأنه ببساطة لا يملك قلبا
حتى تمتلكه هي أو غيرها.
عودة إلى ضيا ذو العشرين ربيعا، وسيم كحال ال اوزيتش مرح ومحبوب من العائلة، لكنه طالب جامعي متخادل ومشاكس يكره شيئا اسمه الانضباط والدراسة.
دائم الافتعال للمشاكل، وطالما غطت عليه أمه لتجنيبه عقاب الزعيم، هذا ما تظنه، لكن الأخير لا
تخفى عليه صغيرة ولا كبيرة، هو فقط يتغاضى عنه أحيانا.
جلس إلى جانب سارة وهو متذمر من الاستيقاظ مبكرا ثم التفت إليها لتعلو محياه ابتسامة
مشاكسة، فلا ضير من بعض اللهو قبل وصول ملك الموت (يقصد اخاه يمان)....
"ما كل هذا التبرج ؟ تبدين كعروس المولد... لن يلتفت إليك.. لست نوعه المفضل فهو يحب
الشقراوات ذوات العيون الملونة"
"اخرس ايها المخنث قبل أن أكسر أنفك . "
دائما يتنافران كالديكة كلما جلسا مع بعض كم يلهو ضيا باستفزاز سارة فهو يعرف أنها تعشق أخاه الأكبر كما يعلم الجميع، لذا لا يتردد في إثارة أعصابها ليسلي نفسه في اللقاءات والمناسبات العائلية المملة ....
ليأتي صوت هاندا محذرا ضيا....
دع الفتاة وشأنها ضيا.... لا داعي لتلفت انظار يمان إليك بتصرفاتك الطائشة.. وادعو الله ألا
يكون على علم بالمصيبة التي ارتكبتها في أول يوم بالجامعة."
لتبدو علامات الشمانة واضحة على سارة .....
مصيبة في أول يوم بالجامعة ... لابد أنك اشتقت إلى برودة القبو."
رد ضيا بحنق...
"ليس من شأنك."
تم التقت لأمه مبررا بانفعال...
أنا لم أفعل شيئا للأستاذ... فقط عرفته من أكون..."
فجأة، جاء صوت من خلفه، حمد الدم في عروقه وأريك الجميع بقدومه الصامت دون أن يشعر
أحد باقترابه.
إنه الزعيم بهياته الأنيقة وهيبته الرهيبة ينضم إليهم أخيرا ويجلس على رأس الطاولة مشابكا يديه فوق الطاولة، مكررا سؤاله بصوته البارد، واضعا كل تركيزه على ضيا الذي تسمر في كرسيه مع ابتسامة بلهاء يخفي خلفها خوفه......
"هاا سيد ضيا.. من تكون حضرتك ... أخبرنا كيف عرفت عن نفسك الأستاذك ؟."
ساد صمت تقيل بين أفراد العائلة وهم ينظرون الى ضيا بترقب....
اهلا بعودتك أيها الزعيم... كنا نتحدث عن أول يوم بالجامعة .. ... أقصد كان جيدا"
سكت قليلا ليرى لأي درجة يتمسك الزعيم بالاجابة، ففهم من طريقته في هز رأسه أنه ما زال ينتظر الاجابة اللعنة .. لا بد أنه عرف بما فعله بذلك الاستاذ... فلا مجال للتهرب أو الإنكار والأفضل أن يعترف بكل شجاعة ...
عرفته من أكون ومن هو أخي ومن هي عائلتي، حتى لا يسيء الأدب معي مرة أخرى، لأنه ظن
أني كبقية الطلبة يمكنه الاستخفاف بي دون عقاب ....."
قاطعة الزعيم والغضب يملأ قسماته الحادة ....
وضربته حتى كدت تفقاً عينه عند موقف السيارات مستعينا بأصدقائك الأوباش، أليس كذلك ؟"
ابتلع ضيا ريقه بصعوبة، فهم ليبرر فعلته لكن نظرة الزعيم المرعبة أفقدته النطق ....
"أهكذا تعرف عن نفسك وعن عائلتك ؟ تظهر لهم كم أنت قاطع طريق وبلطجي نافه ... أهكذا تشرف إسم والدك أيها الطائش المدلل ... مزاجى جيد جدا، ولا تعرف لمن أنت مدين هذا الصباحبعدم عقابك كما تستحق.. اعتذر من أستاذك وأقنعه بقبولك في محاضراته وإلا لن تأخذ فلسا واحدا أو تركب السيارة بعد اليوم.....
اتسعت عيون ضيا...
"لكن أيها الزعيم، كيف سأذهب إلى الجامعة بدون سيارة وكيف سأدبر أموري المالية سوف أحضر محاضرات استاذ آخر لأنني لن أستعطفه، أنا ضيا أوزيتش ابن هارون اوزيتش...
احتدت لهجة الزعيم وارتفع صوته...
"أنت لا شيء دون لقب اوزيتش.. أموال اوزيتش.. وسلطة اوزيتش أيها النكرة.. وسوف تعتذر له رغما عن أنفك وستعود لحضور محاضراته حتى تتعلم الأدب وعدم إقحام اسم العائلة في حماقاتك... أن نيست بكلمة واحدة الآن أقسم أنني سارميك الكلابي لتنهش لحمك "...
فتدخلت هاندا خوفا على ابنها من غضب أخيه .....
سوف يعتذر له وستكون آخر مرة يقدم على هذا الفعل....
استطردت موجهة كلامها الضيا...
"أليس كذلك يا ضيا؟".....
ارتفع جانب من شفتي الزعيم قائلا بتهكم.....
"أنت توقفي عن تأليب إخوتي ضدي وكل شيء سيكون بخير، زوجة أبي العزيز ...
فا يتلعت ريقها مجبرة لسانها على التزام حلقها، فرد ضيا مستسلما ....
حاضر أيها الزعيم.... طلباتك أوامر."
"أنا لا أطلب أيها الطائش بل آمر ... اذهب الآن قبل أن تتأخر على محاضراتك ... لديك أقل من شهر لتخبرني أنك أصلحت خطأك مع الاستاذ."
ارجع ضهره للخلف مشيرا بيده لضيا بالمغادرة..
لا شيء غير مألوف بهذه الجلسة العائلية.. حتى أن الأمر كان أفضل وأسهل من المتوقع... كون
مزاج الزعيم جيد جدا.
كانت منار ساكتة طوال الوقت حتى شعرت بنظرات الزعيم تتجه اليها.. لا بد أنه سيسألها عن زوجها الغائب عن هذا الافطار العائلي، فأرادت تجنب الخوض في موضوعه لترفع رأسها بابتسامة مصطنعة .....
"المستشار البرلماني مسعود شاد اوغلو طلب مني ترتيب لقاء معك "
كان يتناول افطاره في صمت تام، فأكملت...
لكنني تحججت بضيق الوقت واعدة إياه بترتيب موعد معك لاحقا.."
نتكلم في أمور العمل بالشركة وليس هنا. لماذا لا أرى زوجك اللعين على المائدة... أم أن موقعه الاجتماعي الرفيع يمنعه من الجلوس مع أمثالنا ؟ "
هذا أكثر ما تكرهه مدار؟ فأخوها لا يضيع أي فرصة للتهكم على زوجها واستحقاره وحمدا لله أن مهنة زوجها تجعله غالبا معظم الوقت..
"لقد عاد في الفجر من المستشفى ولم أشأ إيقاظه مبكرا.... تعرف مهنته کطبیب جراح لیست سهلة .."
هز رأسه بسخرية ...
طبيب جراح .... بعد أن أخرج من جناح والذي أريد أن أجده عند الباب، حتى تنال شرف لقاء
حضرة الطبيب الجراح !"
الوحيدة التي كانت مستمتعة بهذا العرض الشيق هي سارة العاشقة للزعيم حد النخاع، كانت
هائمة بطريقته في الكلام، بردات فعله وملامحه الباردة، حتى وهو غاضب، يعجبها أي شيء يصدر منه، هذه الجلسة منحة ربانية، فهي لا تراه إلى قليلا لانشغاله الدائم ولعدم اكتراثه بها رغم معرفته بهوسها المطلق به.
كل ما تتمناه أن ينظر إليها كأنثى ناضجة... كامرأة عاشقة وليس كطفلة أو قريبة للعائلة أو
كأخته.. رأته يقوم من مكانه دون أن يرمقها بطرف عين حتى.
فصاحت في داخلها باستنكار...
سحقا ألهذه الدرجة لا أرى وكأنني كائن مجهري."
شعرت بغصة في قلبها فقامت من مكانها تريد اللحاق به الى داخل القصر لتمسكها خالتها ...
ليس الآن يا مجنونة، فهو ذاهب لرؤية أبيه"
انتزعت يدها وواصلت طريقها لتلحق بالزعيم قبل أن يدخل إلى والده...
يمان... توقف أرجوك."
فتح المصعد ليدخل إليه فسبقته لتحول بينه وبين المصعد...
"أرجوك أريد قليلا من وقتك "
ظل ينظر لها بجمود... ثم أطبق على عنقها بقبضة يده ودفعها حتى ارتطم ضهرها بالمصعد من الداخل ليغلقه عليهما ...
"ناديني بالزعيم... مرة أخرى سأقطع لسانك إن ناديتني بإسمي، وإياك أن تظني أني تغاضيت عن زلتك الأخيرة في غيابي"
التخرج منها بضع كلمات مخنوقة وهي تحاول أن تخلص نفسها من قبضته الخانقة...
"لم أفعل شيئا .. صدقني "
"لماذا ذهبت الرجالي تسألينهم عن موعد عودتي من أنت لتفعلي ذلك ؟ من أعطاك الحق
لتتحدثي إلى أحد رجالي ؟.."
نظرت إلى عينيه المظلمتين بخضوع وشغف...
"لقد أطلت الغباب فاشتقت إليك، ليس بيدي أيها الزعيم حتى لو قتلتني أن أتوقف عن حبك....
شدد قبضته حول عنقها أكثر ساحيا إياها نحوه حتى كادت ترتفع عن الأرض...
"لن أقتلك.. بل سأقوم بتزوجك لأول وغد يطلب يدك لأرتاح منك "
تساقطت الدموع من عينيها ...
"لا أرجوك لا تفعل... أعدك سأحسن التصرف سأفعل ما تشاء لكن لا أريد الزواج"...
أفلتها معيدا فتح المصعد وبنبرة ساخطة صاح بها.
الغربي عن وجهي قبل أن ألفذ تهديدي".
التغادر المصعد وهي تبكي فجرت نحو غرفتها وأغلقت الباب على نفسها، وحين استدارت لتلقي نفسها على السرير وجدته ملينا بهدايا كثيرة.. إنها هدايا الزعيم من رحلته الأخيرة ... اقتربت منها تتفحصها ومع كل علبة تفتحها كانت تتسع ابتسامتها شيئا فشيئا رغم أن دموعها لم تجف
كل هدية كانت قد رأيت مثلها قبلا وتمنت الحصول عليها... كيف يعرف ما تحبه وتتمناه ؟... كيف تكون التفاتاته بمنتهى الرقة والكرم في حين تصرفاته وردوده معها في منتهى القسوة والجفاء؟ طالما كانت مبادراته هاته هي التي جعلتها تغرم به رغم قسوته وتجاهله لها، هي تعرف جيدا أنه
لا ينظر إليها إلا كأخت ويتيمة يأويها في قصره...
وقفت تنظر في المرأة متحسسة الرقبضته على جيدها.. كانت قوية وقاسية لكن وقعها على قلبها رقيق كالنسمة وحلو كالعسل، حتى أنها لن تمس جيدها لفترة لتبقي بصماته عليه.. سوف
يتسبب عشقها المرضى له بهلاكها لا محالة ....
"فتاة حمقاء "
قائلة ذلك لنفسها لأنها تدرك حماقة مشاعرها واستحالة ما تصبو إليه... لكنها لا تستطيع تخيل
رجل غيره كل الرجال قد اختصرتهم في يمان فقط ......
قبل أن يدخل تقدم رستم رئيس الخدم والساهر على كل كبيرة وصغيرة بالقصر والذي يحرص
على إرسال تقارير بشكل مستمر عن المستجدات.
ينق به الزعيم أكثر من أي شخص بالقصر.. امضى وقتا طويلا في خدمة والده والآن هو يخدمه بكل اخلاص وتفان له نظرة عميقة للأمور ورأي سديد لا يتردد الزعيم في سماعه إن احتاج لذلك .....
"حمدا لله على سلامتك أيها الزعيم، لقد نفذ الرجال ما أمرتهم به وهم ينتظرون في الحديقة الخلفية - "
فل ينتظروا حتى اخرج من غرفة والدي .."
أحد الزعيم نفسا عميقا ودخل إلى الغرفة كأنه سيغوص في قاع المحيط المظلم والبارد، في هذه الغرفة هو يمان فحسب لا وجود للزعيم هنا ...
ملا رئتيه كان الغرفة خالية من الهواء، كان يختنق كل ما دخل إليها، كأن هذه الغرفة تحوي كل ماضيه المؤلم وطفولته القاسية ومخاوفه الدفينة، والده كان يمثل له كل تلك الاحاسيس
السلبية لتزيد رؤيته مشلولا ومتألما من اختناقه...
هارون اوزيتش مجرد ذكر اسمه يدخل الرعب للقلوب، كان فرعون زمانه في عالم المافيا المظلم وبين رجال الأعمال والسياسين في البلد، وفرعونا في قصره مع أولاده خاصة مع يمان، ابن الإسبانية المتمردة الجميلة التي خرجت عن طوعه وتحدثه لتهرب من سجنه المخملي عائدة لبلدها بعد أن رفضت أن تكون من أملاكه حالها حال اللوحات الفنية والتماثيل النادرة أو السيارات الفاخرة.
لهذا السبب عامل هارون ابنها بقسوة وجفاء كأنه ينتقم منها بواسطته، فأرسله لمكان مخيف، إن نجا منه وظل على قيد الحياة وتعلم كيف يكون وحشا بشريا بدون عواطف، لا تعرف الرحمة طريقا إلى قلبه المتحجر، فإنه سوف يكون جاهزا لتولى أعمال المافيا وادارة العائلة وأملاكه العديدة وهو مطمئن.
رغم ذلك تعلم يمان أن يحترم والده وينظر إليه بتقدير لأنه جعل منه رجلا فولاديا يشق طريقه بين الصخور بإرادة حديدية...
لولا قسوته عليه ومعاملته الخاصة دونا عن اخوته ما كان ليصل إلى ما وصل إليه الآن...
وقف يمان أمام والده وهو يتأمل فرعون الأمس كيف انتهى به المطاف ضعيفا ومكسورا.. لكل جبار نهاية ونهاية والده لا يستنبط كنهها إلا كل متأمل في القدرة الإلهية والحكمة الربانية...
تحرك بخطوات مدانية بجانب السرير وهو يتأمل كل تلك الاجهزة والانابيب المحيطة به، بالكاد تخفف وجعه الرهيب... بابتسامة مريرة نظر إليه متسائلا...
كيف حالك أيها العجوز..."
ابتسم والده رغم الألم وعيونه خالية من الحياة ومنطقئة، لا يستطيع الكلام لأنه أخذ مسكنات للتو فارخت عضلات وجهه ولسانه ليكتفي بإيماءة صغيرة وشبح ابتسامة باهتة.
جلس يمان على طرف السرير متجنبا النظر إلى لوالده العاجز...
يلتشن سوف يخرج من السجن قريبا، توصلت إلى حل هذه المشكلة أخيرا.. أخذ الموضوع وقتا أكثر من المتوقع هذه المرة، لكن المهم هو أنه سيخرج قريباً."
فسمعه وهو يحاول أن يتمتم بكلمات غير مفهومة
"...آن .. س .."
ابتسم يمان لمعرفته ما يحاول والده قوله ... إنه يسأل عن انستازيا...
طالما كانت والدته غصة في حلق مارون، حبه الأول والوحيد.
ما عساه يقول له هل سيخبره أن والدته تدعى عليه صباح مساء لأنه أبعد ابنها الصغير عن حضنها ؟.. أم سيخبره بمدى سعادتها بما حل به؟ وكم هي شامتة به ؟
هز رأسه مبتسما...
"طالما هي بعيدة من هنا، هي بخير يا أبي . "
وقبل يده ثم غادر في صمت.....
التعود الصرامة الملامحه ويعود لدوره كزعيم لهذه العائلة فلقي رسلان زوج أخته لدى الباب ينتظر خروجه بابتسامة وترحاب مصطنعين...
رسلان رجل في أواخر الأربعين غزا الشيب مقدمة رأسه، طبيب جراح ينحدر من عائلة ارستقراطية مفلسة، تعيش على أمجاد الماضي والقاب سخيفة يتلقى بفضلها فتات الإعانات الحكومية.
لولا أموال اوزيتش ما استطاع افرادها الصمود طويلا والتيجح بأصلهم النبيل أمام الناس.
يمقته الزعيم بشدة بل يحتقره لكنه الرجل الذي اغرمت به اخته واختارته ليكون زوجها.
اهلا بعودتك ايها الزعيم... وأقدم اعتذاري لعدم انضمامي إليكم لأني كنت متعبا، تعرف مهنة الطب كم هي صعبة "
هز راسه بتفهم ...
قالت منار أنك لم تعد إلا فجراء لا بد أنها كانت عملية صعبة ؟! - "
ابتسم رسلان بارتباك ....
" بالضبط"
اقترب منه الزعيم ووضع يده على كتفيه ثم سار به في ممر طويل باتجاه الشرفة المطلة على
الحديقة الخلفية ثم سأله بتهكم....
يا ترى بمهيل من دسست رأسك الإجراء عمليتك الجراحية المبهرة هذه المرة ؟."
شعر رسلان بتوتر وخوف حاول اخفاءهما بادعاء عدم فهم ما يقصده الزعيم.....
" عفوا لم أفهم ما تعنيه ...
بوصولهما للشرفة أشار إليه الزعيم بأن ينظر إلى الأسفل في الحديقة، فصعق رسلان مما رأه في الحديقة فإنكاره لن يفيده بشيء الآن.
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يستمع إليه مطأطئ الرأس كديك ميلول .....
"هذه هي عمليتك الجراحية التي أخرتك حتى الفجر؟ وحرمتنا يسببها من تشريفك لنا على
الفطور... رسلان باشا"
قال ذلك مشيرا الفتاة مكممة الفم ومكبلة اليدين يحيط بها حارسان.....
كنت تمضي الليل تعيث مع عاهرتك وبكل وقاحة تكذب في وجهي"
أراد أن يتكلم فقاطعه...
ارفع رأسك وانظر في وجهي أيها الطفيلي الحقير وقل من أكون..."
رفع رأسه ونيس بملامح شاحبة من الخوف...
"أنت الزعيم يمان أزرتش."
" والتي تزوجتها من تكون ؟"
" أخت الزعيم مدار او زيتش . "
ومع ذلك تجرأت على خيانة أختي بكل بساطة، هل تعرف ما هي عقوبة الخائن العائلة اوزيتش ؟...
كان يرتجف من الخوف حرفيا لأنه يعرف تمام المعرفة أن الذي أمامه لا يرحم ولا يغفر الخيانة.
ظن أنه تصرف بحذر وحرص نام حتى لا يكشف أمره لكنه لا يعرف أن للزعيم عيون وأذان في كل زاوية بالمدينة ......
"أرجوك أيها الزعيم سامحني.. إنها أول مرة، أقسم أنها كانت تزوة عابرة ولن تتكرر أبدا.." بعيون يتطاير منها الشرار...
"لا تقسم لأنني أعرف أنها أول مرة، وآخر مرة لأنك إن فكرت مجرد تفكير بذلك سأقتلك "
اقترب منه وأمسكه من يافته بعنف...
"لولا أن أختي متعلقة بك ما تركتك تعيش دقيقة واحدة بعد فعلتك الدنينة، قيمتك الوحيدة في هذا القصر هو أنك لعبة لأختى وحين تمل منك سأكون سعيدا بدق عنقك أيها المنافق ... لا أصلك الارستقراطي العفن الذي تتشذق به يهمني، ولا كونك طبيبا معروفا يشفع لك عندي، وتذكر أن ما تنعم به يرجع فضله لي ولحب منار لك، لذلك أحسن معاملتها واحترمها في غيبتها وحضورها
فإن توقفت عن حبك لن تعيش على وجه البسيطة...
دفعه بعيدا باشمئزاز ملتفتا إلى رستم الذي تقدم نحو رسلان وبيده معول سلمه له ثم عاد أدراجه.
ليرفع رسلان رأسه بانكسار وحيرة من أمر المعول الذي بيده...
فابتسم الزعيم بخبث مشيرا إلى الحارس قرب الفتاة، ليخرج الأخير مسدسه الكاتم الصوت وأطلق رصاصة على رأسها، فسقطت صريعة في التو واللحظة أمام عيینای رسلان الجاحظتين من الرعب.
"خذ عاهرتك وادفنها بنفسك بعيدا من هنا أيها الارستقراطي العفن...
غادر تاركا رسلان يكاد يسقط على الأرض من الصدمة لولا المعول الذي يستند عليه، لقد نجا بأعجوبة لكنه أصبح متورطا بجنة حملها الحراس ليضعوها في صندوق سيارته ....
كيف سبتخلص منها ؟.. سحقا لهذا ...!!!
زوجة والده طريقه بملامح جادة...
نزل الزعيم إلى الطابق الأرضي أمرا حراسه بتحضير سيارته للذهاب إلى الشركة فاعترضت
"أنا وأنت لم يتسنى لنا الوقت للتكلم ."
وضع يديه في جيوب بنطاله ليرد ببرود.....
بلى، أذكر أننا تكلمنا حين قلت لك ألا تؤلبي إخوتي ضدي "
" وأنا لم أفعل، ولن أفعل، بالنهاية أنت أخوهم الأكبر وراعي مصالحم وأملاكهم"
ابتسم الزعيم بسخرية جعلت هوليا تسكت لبرهة ثم واصلت بعدها...
"أريد أن أعرف متى سيخرج إبني يلتشن من السجن، أنت وعدتنا أنه لن يمكن فيه يوما واحدا.
وها قد مر شهران دون جديد يذكر.
سيخرج ابنك قريباً وسوف تحضنينه في غضون أيام قليلة، والان.... يوما سعيدا زوجة أبي..... آه نسيت، كفي عن زرع الأفكار الغبية في رأس ابنة أختك وأخبريها أن تلزم حدودها معي وإلا سأنقد تهديدي لها "
استدار ليغادر فسمعها....
"أي تهديد، وماذا فعلت "
لیشیر بیده دون أن ينتفت إليها ...
"إسأليها ."
في معظم تنقلاته يحرص على أن يرافقه حراس أمنيون على درجة عالية من الكفاءة والانضباط واليقظة، فلا يمكن التكهن بخطوات أعدائه الطامحين لإزالته عن عرشه ...
ركب سيارته الفارهة تسبقه إحدى سيارات الحراس وتتبعه أخرى لتكون وجهته مقر عمله.
في الطريق تلقى اتصالا من أونور ليجيبه في الحال
"أسمعك ."
ما هي إلا ثواني حتى علت ملامحه دهشة واستنكار مفاجئين...
"!?De qué diablos estás hablando "
(ماذا تقول بحق الجحيم !!)
"?Dijiste que le cortaron la cabeza"
اهل قلت بأنهم قطعوا رأسه ؟)
في الجامعة، أنهت فاليريا محاضراتها لهذا اليوم فلم يكن لديها غيرها لتقرر مغادرة الجامعة مبكرا والعودة للبيت، تنوي تمضية بقية اليوم مع والدها، فقد أثار عدم رده على اتصالاتها قلقها خاصة بعد ما دار بينهما ليلة أمس.
قادت سيارتها متخذة الطريق الساحلي لتفادي الزحام والوصول بأسرع وقت ممكن للبيت، فقد ترك لها رسالة في الصباح يخبرها أنه سيذهب لجلب مستندات مهمة من مكتبه ليكمل عمله في البيت، ولما تعذر عليها الوصول إليه هاتفيا اتصلت بمكتبه فأكدوا لها بأنه غادر وبحوزته بعض المستندات، مما يعني أنه في البيت الآن والذي اقلقها وجعلها تنطلق مسرعة هو أنها لم تفلح في التواصل معه حتى في الهاتف الأرضي للبيت.
حين وصلت ساورها فلق رهيب من وجود سيارات شرطة أمام البيت وجموع من الناس تحتشد في المكان، فاضطربت دقات قلبها..
" يا إلهي بالأمس سيارات غريبة، واليوم سيارات شرطة مالذي يحصل بحق السماء ؟!!"
نزلت بسرعة وجرت مخترقة تلك الجموع، لتصطدم برجال الشرطة يحاولون إبعادها مع بقية المتحلقين وهم يطوقون الحديقة ومدخلها بالشريط الأصفر png. بينما رجال الشرطة العلمية ببدلاتهم البيضاء واقنعتهم يفحصون صندوقا مفتوحا يتوسط الحديقة.
بينما تحاول فاليريا الاستفهام من الشرطة، سمعت أحدهم يحدث صاحبه بأن الصندوق يحتوي
رأسا مقطوعا والارجح أنه لصاحب البيت.
ما كانت تسمع كلامهما حتى عبرت من تحت الشريط في غفلة من الشرطي لتركض بأقصى طاقتها نحو ذلك الصندوق مراوغة من كانوا بالقرب منه لتقع عيناها الزمرديتان المذعورتان على
ذلك الرأس البشري.
أنه رأس والدها القاضي الموقر دافيت ما تشافارياني...
ثم اظلمت الدنيا في عينيها التغيب عن الوعي بعد صرخة مدوية ومؤلمة صدحت بها في
ذلك الرأس البشري.
أنه رأس والدها القاضي الموقر دافيت ما تشافارياني....
ثم اظلمت الدنيا في عينيها التغيب عن الوعي بعد صرخة مدوية ومؤلمة صدحت بها في
الأرجاء....
أبــــــــــــي
