![]() |
رواية ماكينة الطحين المهجورة الفصل الاول بقلم كوابيس الرعب
قفل "الخواجة" الملعون
الليل في كفر "عزبة الصفيح" ملوش صاحب الضلمة هناك مش مجرد غياب نور، دي كتلة سوداء تقيلة بتنزل على البيوت والبيارات، تخلي الكل يتربس بابه من بعد المغرب
لكن وسط الغيطان البعيدة، كان واقف "بابور الطحين القديم" زي جثة عملاقة لواحد ميت وهو واقف
البابور ده مبني من أيام الإنجليز، حيطانه طوب أحمر متأكل، وسقفه صاج بيزيق مع كل هبة هوا، والكل عارف إن الماكينة اللي جوه "شربت" من دم "عم صادق" الميكانيكي في ليلة غبرة سنة 84، ومن يومها والمكان اتقفل بـ "قفل الخواجة" المصدي
سالم، شاب في أواخر العشرينات، مكنش بيؤمن بكلام العواجيز
كان شغال "غفير" في الأراضي المجاورة للبابور ليلتها، الجو كان "مكبوس"، رطوبة عالية تخنق الأنفاس، وصوت صرصار الغيط كان عالي لدرجة توجع الدماغ
سالم كان قاعد قدام عشته، بيعمل كوباية شاي على "الركية"، بس فجأة .. الصوت قطع
صرصار الغيط سكت مرة واحدة، والكلاب اللي كانت بتهوهو في الكفر البعيد سكنت
في اللحظة دي، سمع "تكة"
صوت معدن بيخبط في معدن الصوت جاي من ناحية البابور
سالم مسك كشافه و"شومته" وقام، قلبه كان بيدق دقة غريبة، مش خوف، لكنه انقباض صدر قرب من البابور، الكشاف نوره كان بيقطع الضلمة بصعوبة أول ما وصل للباب الخشب الكبير، لقى المفاجأة :
القفل الملعون مكسور ومرمي في الطين
"مين هنا؟" زعق سالم بصوت مهزوز مفيش رد
زق الباب ببطء. التزييق كان كفيل يخلي شعره يقف
أول ما دخل، ريحة "الدقيق المكمكم" والتراب المستخبي من سنين هجمت على مناخيره
المكان جوه كان عبارة عن متاهة من التروس العملاقة، وسيور جلدية مقطوعة نازلة من السقف زي التعابين المشنوقة
سالم وجه كشافه ناحية "القصعة" الكبيرة اللي بيتحط فيها القمح لقى حاجة غريبة جداً .. القصعة اللي المفروض إنها فاضية ومصدية، كانت بتلمع تحت النور وكأنها لسه مدهونة زيت
والأغرب، إن فيه "خط دقيق" أبيض ناصع، مرسوم بدقة على الأرض، بيبدأ من تحت الماكينة وماشي لحد ركن ضلمة ورا "المنخل" الكبير
سالم مشي ورا الخط، ورجليه بتغوص في تراب ناعم مش طبيعي لما وصل للركن، الكشاف جاب منظر خلاه يتجمد في مكانه :
كان فيه "شوال" خيش قديم، واقف لوحده من غير ساند
الشوال كان بينبض أيوه، "بينبض" زي ما يكون جواه قلب حي
ومن فتحة صغيرة في الخيش، كان بيخرج "دقيق أحمر" زي لون الدم بالظبط، بينزل على الأرض ويعمل بركة صغيرة بتتحرك وكأنها كائن حي بيدور على مخرج
سالم حاول يرجع لورا، لكن رجله خبطت في "عتلة" حديد مركونة
الصوت رن في المكان كله، وفي لحظة، الماكينة اللي ميتة من أربعين سنة .. اشتغلت
صوت "الوارور" زلزل الأرض تحت رجليه التروس بدأت تلف ببطء وصوت "الصرير" كان بيتحول لصرخات بشرية مكتومة
السير الجلدي المقطوع بدأ يلف في الهوا ويخبط في الحيطان كأنه كرباج سالم بص لفوق، شاف "خيال" طويل جداً، واقف فوق رصيف الماكينة، لابس "صدرية" قديمة، ووشه ملوش ملامح، مجرد تجويف أسود بينز منه دقيق أبيض
الخيال مد إيده ناحية "الترس" الكبير، وبدأ يحط "عضم" أبيض ناشف جوه الماكينة
الماكينة كانت بتهرس العضم، ومن الناحية التانية كان بينزل "الدقيق الأحمر" اللي شافه سالم
سالم حاول يجري ناحية الباب، بس الباب اترزع في وشه لوحده
صوت الهمس بدأ يملى ودنه :
"الدقيق نقص يا سالم .. والموسم بدأ .. والماكينة عاوزة حقها"
سالم وقع على الأرض، والكشاف بتاعه وقع واتكسر في الضلمة التامة، مكنش سامع غير صوت "طحن" العضم، وحاسس بحاجة ناعمة جداً، زي الدقيق، بدأت تتسحب على رجله وتكتفها، حاجة دافية وبتلزق .. ريحتها ريحة موت قديم
