![]() |
رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الاول بقلم رشا رومية
بشوق تجمعنا برواية جديدة أتمنى أن تنال إعجابكم ورضاكم، كم أحب تجمعنا ولقائنا المستمر، فإن كانت لتلك الكلمات قيمة، فوجودكم من أكسبها ذلك، وعلى وعد بلقاء متجدد فقط كونوا بالقرب، دعمكم للرواية بلايك وريفيو وتعليق وتوقع للأحداث أمر يسعدني ويشرفني، فلا تبخلوا به علي ...
الفصل الأول « المستشفى ...»
جميع الأماكن لها نصيب من الراحة، إلا هذا المكان الذي لا يعرف هذا المسمى، إنها مستشفى الهلال المركزي، بكل الأوقات الكل مستعد والجميع متيقظ، مناوبة بعد الأخرى، ومجموعة بعد الأخرى ....
بهذا الصباح المشمس ومع بداية يوم جديد، بدأت الحركة المعتادة هنا وهناك رغم أن الساعة بالكاد دقت السادسة صباحًا للتو، وأعلنت بداية المناوبة الجديدة ...
تحضر البعض للرحيل بعد أن تم تبديل أماكنهم مع رفاقهم، أمر معتاد وغير ملفت للنظر على الإطلاق ...
رشا روميه قوت القلوب
بداخل أحد غرف التمريض الخاصة بالفتيات، سحبت إحدى الممرضات مقعدًا بالقرب من الطاولة الخشبية لترتمي عليه بإنهاك وأريحية أيضًا، فليس هناك سواها بالغرفة بهذا الوقت ...
رفعت وجهها للأعلى تستمد بعض الطاقة وهي تضغط بعينيها الضيقتين بتكاسل ..
"مروة الشيمي"، فتاة قمحية ذات أعين سوداء وأنف مدبب قليلًا يليق مع نحافتها المميزة ...
فتحت "مروة" أحد الحقائب البلاستيكية وأخرجت منها بعض العُلب الصغيرة لتتناول طعامها، وشرعت بفتح العُلب برفق حتى لا تلطخ زي الممرضات الخاص بها ..
فترة من الراحة لن تتعدى سوى أقل من الساعة لتعود بعدها لإستئناف عملها مرة أخرى كممرضة بالمستشفى ...
في أغلب الأوقات يكون صوت الضوضاء خارج الغرفة يغلب أي صوت آخر، لكن الآن وفي هذا الهدوء الشديد ووجودها بغرفة الإستراحة للممرضات بمفردها إستمعت لصوت خطوات تدنو من الغرفة لتنتظرها بترقب وجبهة مقتضبة ...
رمقت الباب بجانب عينيها حتى سمعت صوت طرقات خفيفة فُتح بعدها باب الغرفة دون إنتظار إجابة منها ...
تحولت نظراتها المترقبة المقتضبة لأخرى تعلوها إندهاش، فهي لم تتوقع مطلقًا زائرة هذا الصباح، صاحت "مروة" بدهشة ..
- "ليلى"..!! معقول ده ؟!! إنتِ إيه إللي جابك دلوقتِ ..؟!!
تقدمت "ليلى ذو الفقار" بخطواتها الهادئة لداخل الغرفة لتظهر ملامحها بقوة إثر مصباح الغرفة المضئ، فتاة رقيقة هادئة لها ملامح مميزة للغاية لا يمكن نسيانها، عيناها تتوهجان ببريقهما الأسود القاتم بشكل مُلفت تحاوط أعينها الواسعة أهداب كثيفة كقطعة من الياقوت النادر، وجه مستدير وأنف دقيق وشفتين رقيقتين بشكل عذب، مزيج أعطاها جمال إغريقي فريد، مزيج من الشرق والغرب يموجان بتناغم ساحر محاطة بهالة من الحُسن المسروق من حلاوة الدنيا، ربما لو ظهر شعرها الأسود الغطيس كـ لون عينيها تمامًا لكانت أصبحت كقُنبلة من الفتنة، أنثى متوهجة مُلفتة للنظر وإن لم تتفوه بعد بكلمة من صوتها الناعم ذو البحة المميزة؛ لكنها رغم إدراكها بحُسنها الآخاذ وما يمكنها الظهور بدلالها وفتنتها؛ إلا أنها آثرت إرتداء الحجاب إلتزامًا منها بتعاليم دينها وحفاظًا على نفسها من أعين الغدر والتطاول أيضًا ...
إبتسمت "ليلى" برقة وهي تسحب المقعد المقابل لـ"مروة" لتجيبها بنوع من التهكم ..
- بالراحة عليا يا "مروة"، واحدة واحدة مش كدة، الناس تقول صباح الخير الأول، مش إيه إللي جابك ..!!
لـ"مروة" حركة لا إرادية تلزمها طيلة الوقت، فهي تقوم بلوي شفتيها جانبيًا بتذمر وعدم تقبل، ساخطة على كل ما يحيط بها رغم تقبلها له بكل أريحية، مزيج متضارب بين القبول المرغم والرفض؛ فلا حيلة لها إلا بالتقبل ...
لوت شفتيها بإستياء من تهكم "ليلى" لتكمل سؤالها بفضول شديد ...
- صباح الخير ، ها، قولي بسرعة، إيه إللي جابك بدري أوي كدة ..؟!!
ضحكت "ليلى" بقوة من إثارة فضول "مروة"، لتظهر جاذبية حُسنها كما لو كانت حجر نادر يشع بريقًا متوهجًا ...
- يا ستار، فضولك ده مسيرة حيعمل فيكِ حاجة، بس برضه حقولك، إستني عليا آخد نفسي من السِكة ...
شعرت "مروة" بإستهزاء "ليلى" منها لتتصنع اللا مبالاة وهي تشيح بعينيها اللاتي كانتا تتبعان "ليلى" منذ قليل ...
- ده مش فضول، عادي يعني، بسألك بس، إنتِ أصلًا لسه مخلصة المناوبة بتاعتك، جاية المستشفى من بدري كدة ليه، إنتِ غاوية شقىَ، مش حتاخدي راحة أبدًا ...
رفعت "ليلى" حاجباها وأهدلتهما بطريقة مازحة لكن بطبعها الرزين، إستكملت حديثها مع رفيقتها، وقد تنهدت بسأم موضحة ...
- إنتِ شكلك نسيتي يا "مروة"، النهاردة معاد تبديل المناوبات والمفروض أبدأ مناوبتي الصبح، عشان كدة إضطريت آجي بدري ...
أدركت "مروة" الأمر بتفهم متأخر لتهتف بتقبُل وإبتسامة ضعيفة فقد أنهكها الإرهاق اليوم ...
- ااه، فهمت، كويس أوي إننا حنشتغل الأيام دي مع بعض في مناوبة واحدة، أصل أنا زهقت بصراحة ...
- أيوة، أهو نكون سوا أحسن من إن كل واحدة فينا لوحدها في معاد ....
عادت "مروة" تضبط من وضع العلب فوق الطاولة قبل أن تدعو "ليلى" لمشاركتها بتناول الطعام معها ...
- طيب يلا بقى بسم الله نفطر سوا ...
إخترق حديثهم بضع طرقات متعجلة بباب الغرفة جذبت إنتباه كلاهما، هتفت "مروة" بصوتها الذي يميل الخشونة قليلًا ...
- أيوة، أيوة، إتفضل ..
طلت إحدى الفتيات التي ترتدي زي التمريض الرسمي بالمستشفى، لتناظر كلاهما بعينيها الزائغتين قبل أن تتجه ببصرها تجاه "مروة" قائلة ...
- صباح الخير عليكم الأول، معلش قطعت كلامكم، بس دكتور "سامح" عاوزك يا "مروة"، يا ريت تخلصي بسرعة وتروحي له ...
رشا روميه قوت القلوب
يقال إنك حين تجد راحتك أَقِم، حيث تجد سعادتك تَربَع، فربما تجد للحياة حياة، بكلمة واحدة تبدلت ملامح تلك المرهقة المتذمرة لأخرى تَحمِل إبتهاج ونضارة، إبتسامة شقت وجهها العَبِس لتتوهج بسعادة حتى كادت أن تخرج أجنحتها لتحلق بالسماء، لحظة تغيرت بها من حال إلى حال، نظرت "مروة" تجاه الفتاة مردفة بسعادة ...
- دكتور "سامح" عاوزني أنا ..؟! حاضر، ثواني رايحه لُه أهو ...
أومأت الفتاة بتفهم لتتحرك بخطواتها المتعجلة تستكمل عملها بالإستقبال، بينما تهدج صدر "مروة" بإضطراب وهي تخفي سعادتها التي ظهرت جليًا على محياها منعًا لإثارة شكوك "ليلى" ...
تطلعت "ليلى" بـ"مروة" بعدم فهم لتسألها بإهتمام يميل للجدية، فهي بطبعها شابة ملتزمة جادة للغاية لا تتحمل الأمور الغير واضحة أو التي تثير الشكوك ...
- دكتور "سامح"...؟!! عاوز منك إيه دكتور "سامح" ..؟!! هي مش "نهى" هي الممرضة إللي ماسكة معاه العيادة بتاعته ..؟!! عايز منك إيه يا ترى ...؟!!
رغم عدم إدراكها للأمر، إلا أنها أخفَت سعادتها التي سببت لها هذا التوتر بلقائه، بل لم تكترث لسبب طلبه لها، يكفيه أنه طلب رؤيتها، تصنعت عدم الإكتراث لتجيب "ليلى" بإنكار لحماسها لرؤيته ...
- أنا عارفه ..!!! حروح له وأشوف عاوز إيه، هو أنا يعنى بشم على ظهر إيدي، يلا، أروح له أنا عشان ميقعدش يستناني وأشوف عاوز مني إيه دلوقتِ ...
- طيب، براحتك، أنا كمان حغير هدومي عشان باقي ربع ساعة على المناوبة بتاعتي خلاص ...
بخروج "مروة" من غرفة إستراحة الممرضات وإغلاقها الباب من خلفها نهضت "ليلى" من مقعدها لتتجه نحو الباب أولًا تتيقن من إغلاقه جيدًا، إتجهت بعد ذلك تجاه الخزانة المخصصة لوضع الملابس لتسحب علاقة تحمل زي التمريض خاصتها، فهي تعمل كممرضة بتلك المستشفى أيضًا، زي أبيض مكون من قطعتين أحدهما معطف متوسط الطول وبنطال من نفس اللون، أخرجت حجابها الأزرق المميز بلون طاقم عملها من الممرضات لتلفه بإحكام حول رأسها، مدت عنقها لتضبط وضعه جيدًا، لتنظر في المرآة الصغيرة المُعلقة بداخل الخزانة برضى عن مظهرها البسيط المحتشم لبداية يوم عمل جديد ...
خرجت بخطوات رزينة هادئة إلى خارج الغرفة متجهة نحو العيادة التى تعمل بها فلا داعي لأن تتأخر عن مناوبتها التي بدأت بالفعل ....
رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
صحراء مقفرة تلك حياتها وهي تنتظر مرور الغيمة لتمحو هذا الجفاف، أليس لها الحق بقلب سعيد ..!!
هكذا تحركت "مروة" يسوقها قلبها قبل ساقيها، كما لو كانت الأرض تطوى من أسفل قدميها لتسرع تجاه غرفة الطبيب الخَلوق "سامح" ...
دقات قلبها المتلاحقة أخذت تحثها على التحرك بسرعة للقائه، فتلك المرة الأولى التى يطلُبها للمجئ إليه ...
عشق توغل بأوتار قلبها الصغير منذ سنوات جمعهما عمل بمكان واحد، رغم إختلاف أقسامهما، فهو طبيب العيون الماهر بالمستشفى وتعمل معه ممرضة أخرى، كم تمنت أن تكون هي من تحظى بهذا القرب، لكن كُتب عليها البُعد رغم قُربها، بأمل وتمني بأن يصارحها اليوم بعشقه لها، هل جاء موعد الإقتراب والبوح بمكنونات القلب ...
لحظة تتوقت لها بشدة منذ أن وقع سهم الهوى بفؤادها، لكنها لم تحدث بعد، لقاء متكرر بينهما بكل يوم بالمستشفى لكنه دومًا كما لو كان لا يراها، تنتظر كلمة حانية أو نظرة خاطفة، أو ربما شعور لطيف، لكن الخيبة دائمًا حليف لها، فهو لا يراها سوى كممرضة تعمل معه بالمستشفى لا أكثر ولا أقل ...
أخذت "مروة" تحدث نفسها بتمني ..
-( يمكن آن الأوان بقى وخلاص حينطق أخيرًا، ياااه لو يقولها لي، أه لو قالي بحبك يا "مروة"، ده أنا كان يغمى عليا من الفرحة ساعتها ..) ..
وقفت أمام عيادة العيون لتطرق باب مكتبه برفق تنتظر سماع صوته الهادئ من خلف الباب يدعوها للدخول، هل هناك عشق يفوق عشقها، تتمنى فقط سماع صوت كلماته العابرة كما لو أنها لحن شجي يخطف أسوار قلبها ويهشم تماسكها وثباتها ...
تنحنحت بخفة كمحاولة فاشلة منها بالتماسك دون إظهار مشاعرها، عَدلت من زيها تنمقة لآخر مرة قبل أن تلِج لداخل الغرفة وهي تفتح الباب تطُل من خلفه لصاحب أعذب إطلالة رأتها بهذا الكون ...
"سامح الحداد" شاب مملوح الملامح قمحي البشرة له تقاسيم محببة تدلف القلب من المهلة الأولى، تجزم حين تقع عيناك عليه أنه شاب طيب القلب خلوق لأبعد حد، تَمَيُزُه بهدوء طبعه لهو سِمة معروفة عنه، لم يقتحم يومًا حديث بدون إستئذان، لم تعلو نبرة صوته طلبًا أو غضبًا مطلقًا، شاب إستحق بالفعل لقب الطبيب الخلوق ...
طبيب عيون ماهر أثبت جدارته على مدى سنوات عمل بها بهذه المستشفى حتى ذاع صيته لمستشفيات أخرى ليعمل بأخرى بدوام جزئي مع عمله بمستشفي الهلال المركزي أيضًا ...
طلت "مروة" بجسدها النحيل بعد أن سمح لها "سامح" بالتقدم، لتتحدث بتوتر ..
- إحم ..، حضرتك طلبتني يا دكتور ..؟!!
الجميع بالنسبة لـ"سامح" يستحق التعامل بإحترام سواء مريض أو ممرضة أو عامل بالمستشفى، طريقته بتوقير من يتعامل معه سبب من أسباب تسميته بالأساس، دعاها "سامح" بلطف ..
- أيوة، إتفضلي إدخلي لو سمحتِ ...
سحبت "مروة" نفسًا قصيرًا من شدة حماسها ثم إستطردت ...
- تحت أمرك يا دكتور "سامح"، خير ...؟!!
إبتسامة عريضة إحتلت ثغرها وهي تنصت لنبرته الهادئة الساحرة بنطق حروفه المميزة، فكل حرف ينطقه يتفوه به بهدوء يجبر من أمامه على الشعور بالراحة والإسترخاء، بدأ حديثه معها وهو يشير تجاه إحدى السيدات التي تجلس أمام مكتبه بترقب قائلًا ...
- لو سمحتِ يا آنسة "مروة"، ممكن تتابعي المدام عند دكتور "محمد" في العيادة عندكم لأنها تخصني بصراحة ...
رغم شعورها بالإحباط إلا أنها أكملت بذات الإبتسامة وهي ترقق من صوتها الخشن ...
- بس كدة، ولا تشغل نفسك خالص يا دكتور، في عنيا من دلوقتِ، وأنا بنفسي حتابعها عند دكتور "محمد"، وحبلغه إنها قريبة حضرتك ...
- شكرًا ..
نطقها "سامح" بلياقة قبل أن يوجه حديثه للمرأة بذات الهدوء ...
- إتفضلي مع آنسة "مروة"، هي حتقوم باللازم، وسلامي لـ أستاذ "عبد الله"، تحت أمركم في أي وقت ...
- ألف شكر يا دكتور "سامح"، وأكيد حبلغ "عبد الله" سلامك، سلامو عليكوا ..
تحركت "مروة" تحمل خيبتها بين طيات قلبها المتعلق بهذا الرجل، لكنها ككل مرة تبني آمال واهية تتهدم بلحظة دون الشعور بها، إصطحبت المرأة معها لتغادر العيادة متجهة لعيادة الأسنان حيث تعمل مع الطبيب "محمد"، بينما أخذ "سامح" يتصحف أحد المقالات العلمية عن زراعة العدسات وأبحاث القرنية وتحسين قدرات الإبصار الحديثة ...
مع إنشغاله بالمقالات لبعض الوقت إنتبه لبدء عمله وحضور بعض المرضى لينحي قراءاته جانبًا متأهبًا لبدأ العمل بالمناوبة ...
رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
لبسمتك ترضخ كل مقاييس الجمال وتقسم الشمس أن تشرق لأجلك، فربما ينطق البعض بكلمات للصباح و الخير، لكنك وحدك من يثبت أنهم كذلك ...
بعيدًا عن القاهرة، بأحد المدن الساحلية (السويس)
تعانقت الشمس في آفاق السماء الصافية بحبيبات الرمال وأمواج البحر، مظهر بديع يبهج النفس والروح، لكن إشراقة تلك الفتاة المتوهجة بالحياة كانت تضاهي قرص الشمس الناري برقتها ودلالها وشقاوتها اللطيفة ...
"فرح الصعيدي"، ويبدو أنها إسم على مسمى ولها نصيب من إسمها حقًا، فكل ملامحها توحي بالسعادة والفرحة، لها إبتسامة عريضة ناصعة تضئ وجهها الرقيق وعينيها البنيتين، لها ضحكة خلابة تسرق العيون والقلوب معًا ...
بفستان أبيض مطعم بورود رقيقة تقدمت "فرح" بخطواتها المتمايلة، إنبسطت الأرض من تحت قدميها تمهد لها الطريق لتزهو وتزدهر وتتألق، حتى أشعة الشمس المسترسلة فوق خصلات شعرها البنية جعلته يشع ضياء مُلفت، حين تدقق بملامحها الرقيقة تجد كل ما بها شئ عادي، عيون بنية بلون العسل القاتم، وجه صغير برئ للغاية، أنف صغير وشفتين كذلك، لكن تكوين ملامحها معًا كانت تضج حيوية وإشراق أيضًا، بسمتها العريضة التي تحتل ملامحها طيلة الوقت وروحها المرحة قد طغيا عليها كافة لتسرق الأنظار أينما سارت ...
دلفت نحو داخل قاعة المطعم المطل على شاطئ البحر ضاحكة وهي تميل برأسها بدلال ...
- يا ستار، مالك مكشر كدة، أعوذ بالله ...
تطلع بها هذا الشاب "هاني الخماري" الجالس خلف الطاولة بغيظ مكتوم، لتظهر تعبيرات وجهه الغاضبة وهو بالكاد يتمالك أعصابه من الإنفلات، فقد تودجت أوردته وإحتقن وجهه الأبيض باللون الأحمر ليزداد وجهه الدائري إستدارة ممزوجًا بلون شعره الأشقر ولحيته النابتة مما أعطاه هيئة منفعله غريبة الشكل ...
هتف بها بعدم تحمل ...
- إنتِ بتهزري يا "فرح"، دماغي تعبتني من الشمس إللي قاعد فيها من الصبح، وإنتِ جايه تهزري ؟!!!!
سحبت "فرح" المقعد المقابل له دون أن يدعوها لتجلس عليه وهي توضح له دفاعًا عن نفسها دون تباطئ ...
- "هاني"، أنا قولت لك إمبارح إن أنا حتأخر مع ماما عند الدكتور، وإنت عارف إن تأخيري ده غصب عني ...
دارت مقلتيه بملل ثم ثبتهما بغضب تجاهها قبل أن يُعقب بإنفعال مستمر ...
- وأنا أتلطع هنا ..!!!
إقتضاب ملامحه الذي لا ينتهي جعلها تبتسم بسمتها العريضة وهي تميل رأسها بدلالها المعتاد ...
- خلاص بقى، مش كل شوية تزعل كدة، عديها يا "هاني" ...
حتى وإن تعاملت بلطف ودلال فلابد وأن تنتبه لقيمته عندها، وأن تحافظ على نظرة المحيطين له ليستكمل تأنيبه دون تهاون ...
- ما هي دي مش أصول بصراحة ...
لملمت فرح بسمتها ببعض الضيق فدومًا محاولاتها معه تبوء بالفشل بأن يهدأ ويتهاون، حاولت مرة أخرى أن تبرر سبب تأخيرها الخارج عن إرادتها ...
- خلاص بقى يا "هاني"، إنت ليك حق تزعل لو أنا قاصدة أتأخر عليك، لكن أنا فعلًا كنت في المستشفى مع ماما عشان بتكشف، أعمل إيه طيب ...
تملل "هاني" من أعذارها التي لا يقتنع بها، لكنه رغم ذلك أردف بضجر ...
- طيب خلاص ...
رشا روميه قوت القلوب
عادت "فرح" لطريقتها العفوية الشقية بالحديث ...
- ها يا سيدي، إيه بقى الموضوع المهم أوي أوي إللي إنت عاوز تشوفني عشانه .. ؟؟؟
تطلع بها "هاني" بإستنكار فهما لم يلبثا للتو وقد أنهيا خلاف ما لتعود "فرح" بإثارة مضايقته مرة أخرى، نظر نحوها بحدة لم تختلف عن نبرته القاسية ...
- ما تاخدي نَفَسِك الأول وتقعدي وترتاحي، وبعدين نتكلم، مالك مستعجلة كدة ليه، ولا برضه عايزة تسيبيني وتمشي زي كل مرة ومترضيش تقعدي معايا ..؟!!!!!!
زفرت "فرح" بقوة فهي كلما حاولت إرضائه يبحث عن أمر جديد يثير الجدل به ويوقع خلاف بينهم ...
- إنت متعصب ليه دلوقتِ، أنا بس بسألك، مش إنت إللي كلمتني وقولت لي عاوزني في موضوع مهم ...
- خلاص خلاص ...
قالها "هاني" بتملل، لتزم "فرح" شفتيها وهي تنظر نحو موج البحر تشيح بنظرها عنه قائله ...
- طيب يا "هاني"، سكتت أهو ...
حاول "هاني" تجاوز غضبه بدعوتها لتناول وجبة معه فربما قضاء بعض الوقت يريح من أعصابه المتعبة وإنفعاله منذ قليل ...
- ماشي يا "فرح"، تاكلي إيه ..؟!!
زاغت عينا "فرح" لوهلة قبل أن تجيبه ببعض التوجس ...
- لا يا "هاني" مش حقدر أتأخر بجد، ماما المرة دي مش حتعديها وحتعمل لي مشكلة جامدة ...
ضرب "هاني" فوق الطاولة بكفيه لنفاذ صبره من تحمل تَهرُب "فرح" الدائم منه ...
- يوووه، كل شوية ماما، ماما، هو مفيش مرة اليوم يعدي بالساهل، كل مرة تهرُب ومشكلة، أنا زهقت ...
تهدلت ملامح "فرح" بحزن فهي حقيقة لا تفتعل المشاكل، بل لا تستطيع إرضائه مهما حاولت أن تفعل، خاصة وهو لا يقدر أعذارها حقيقة ...
- "هاني"، أنا مش بعمل مشاكل، إنت إللي متعصب أوي، أنا قولت لك قبل كدة إن مينفعش نخرج ونتحرك إلا لما يبقى بينا حاجة رسمي، وكل ما أقولك كدة تضايق، وأنا مضطرة آجي لك هنا عشان متزعلش، وماما على آخرها بجد ...
حدق بها "هاني" ومازال الغضب يعتريه بقوة ...
- ده على أساس إني مش عايز أتقدم لك رسمي ولا إيه ...؟!! ما إنتِ عارفة وفاهمة ...
تنهدت "فرح" بضيق ...
- خلاص يا "هاني" متزعلش، بس بلاش أتأخر كتير ...
رفع "هاني" رأسه للأعلى يتمالك غضبه المسيطر على نفسه، ليردف بعد وهلة كمن يَمِنُّ عليها تفضلًا بالتنازل ...
- طيب، أنا عمومًا كنت عاوز أقولك إني فاتحت ماما في موضوعنا إمبارح ...
تهلل وجه "فرح" بسعادة، فقد أصبح تحقيق أملها وشيكًا بتلك الخطوة ...
- بجد ..، وبعدين ..
رفع "هاني" حاجبه وهو يميل برأسه المستدير مستفهمًا بإستنكار لسؤالها ...
- هو إيه إللي وبعدين ...!!! هو كدة وخلاص ...
بإبتسامتها العريضة وملامحها المنفرجة أكملت تنتظر سماعها لخبر مميز منه ...
- أيوة يعني حتيجوا تتقدموا إمتى ..؟!!
ببعض التعالي أجابها "هاني" ..
- ماما حتقول لبابا، ولما يحددوا حيقولوا لي وأنا حبلغك ...
عادت "فرح" بجذعها نحو الخلف لتردف بإحباط ..
- أوك ..
- بس كدة ..(أوك)، مش فرحانة يعني ...؟!!
سألها "هاني" بإستنكار لردة فعلها الباردة، لتجيبه "فرح" ببعض الضيق حاولت ألا تُظهره له ...
- لأ طبعًا فرحانة، بس أكيد حكون فرحانة أكتر لما ناخد الخطوة بجد بقى ...
رشا روميه قوت القلوب
نهض "هاني" بإنفعال وقد زاد تجهم ملامحه المقتضبة قائلًا بعجالة دون ترك فرصة منها للرد ..
- أنا قايم، تصدقي، إنتِ إنسانة مستفزة ومش بتعرفي تفرحي، أنا مروَّح، سلام ...
بعض الكلمات تعمر وبعضها يدمر، فعليك إنتقاء كلماتك، لكن محاولات الإرضاء هي بداية الفشل دون أن تدري ...
تعلق بصرها به أثناء مغادرته المطعم بصدمة من رد فعله الغاضب، لكنها لم تضع اللوم عليه وطريقته المتحفزة لها طيلة الوقت، بل أخذت تلوم نفسها لما تفوهت به، إعطاء الأعذار طيلة الوقت هي جريمة يقوم بها المرء في حق نفسه، لكنها لم تدري ذلك لتحدث نفسها قائله ..
- ( يووه، هو كل مرة يزعل مني كدة، أنا مكنتش أقصد إني مش فرحانة، بس نفسي نتخطب رسمي بدل ما طول الوقت بنبقى عاملين زى الحرامية كدة ) ...
لم تجد بُد من المغادرة والعودة للبيت حتى لا تغضب والدتها أيضًا إن تأخرت لأكثر من ذلك ...
رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
مستشفى الهلال المركزي ...
مقامك حيث تضع أنت نفسك، ليس حيث يضعك الآخرون، هكذا جعل "سامح" لنفسه قيمة وقامة رغم صغر سنه، إحترامه لنفسه وللآخرين أجبر الجميع على التعامل مع هذا الشاب من موضع تقدير وإحترام، بالفعل كان يستحقه ...
رغم مرور الوقت وإنتهائه من فحص تلك الحالات التي كانت تنتظره بالعيادة، إلا أن وقت مناوبته لم ينتهي بعد، عاد "سامح" لتصفح تلك المقالات التي كان يقرأها قبل بدء عمله مرة أخرى ...
دقات متتالية بهاتفه جعلته ينتبه له ليخرجه من داخل جيب معطفه الأبيض الذي يرتديه، سرعان ما ظهرت بسمته المبتهجة لتظهر معها غمازتين خفيتين لا تظهران إلا حين يتسع فمه بتلك الإبتسامة ...
بنبرة مبتهجة لهذا الإتصال أجاب صاحبه ...
- "نـــــــــور"...، والله لو قولت لك إني كنت لسه حرِن عليك مش حتصدقني ...
حديث واضح صادق بالفعل نبع من قلب هذا الخلوق، لاقاه صديقه بروح مرحة ومزاح لطيف ...
- بجد والله ، طب خلاص أنا حقفل وإنت ترن عليا أهو أوفر الدقيقتين دول ...
بقهقهة خفيفة عقب "سامح" ببساطة فهو ضاحك لطيف لكنه لا يقوى على مزاح كصديقه "نور" ...
- بتكلم بجد والله، كنت واحشني وقولت أخلص المقالة إللي معلقها من الصبح دي وأرن عليك، كنت عايز نتقابل ونقعد مع بعض شوية بقالنا فترة متقابلناش ...
بتقبل شديد أجابه "نور" ..
- يا ريت والله يا "سمــــوح"، أنا فاضي النهاردة، إنت إيه ظروفك، فاضي ولا إيه ..؟
- فاضي، معنديش حاجة ...
سريع في إتخاذ القرار دون الحاجة لتردد أو سؤال، هكذا هو "نور" الذي أجاب صديقه على الفور ...
- خلاص نتقابل بالليل على قهوة "عزو" ..
(ثم أطلق مزاحه ساخرًا من "سامح" بطريقته اللاذعة ..) ، وبقولك إيه متنساش تبقى تجيب كوبايتك معاك ...
إقتضبت ملامح "سامح" بقوة لينهره بضيق ...
-"نــــــــــــــور"، بطل هزارك السخيف ده ...
تعالت ضحكات هذا الشقي الذي يتميز بخفة ظله وقدرته المازحة التي لا تتوقف ...
- خلاص، خلاص، بهزر معاك، إنت على طول تقفش كدة، يلا سلام دلوقتِ أحسن خطيبتي وصلت أخيرًا ...
علت إبتسامة "سامح" فوق ثغرة مرة أخرى، فهو وإن كان يشعر بالضيق لمزاح "نور" الثقيل معه، إلا أنه يتقبل كل شئ منه لمحبته له ..
- ماشي يا دكتور، والله لولا مجيتها كنت ظبطتك على سخافتك دي، يلا سلام ...
بكلمة رزينة أنهى "نور" حديثه مع رفيقه وصديقه "سامح" ...
- سلام يا "سمــوح" ...
كانت تلك كلمة النهاية لهذه المحادثة الصغيرة، لينهي "سامح" حديثه مع "نور" الذي قل لقائهما بالآونة الأخيرة لإنشغال كل منهما بالعمل بمكان مختلف ...
رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
لا إكراه في الحب، لكن بعض الأحيان يفرض علينا إدعائه، أو ربما لشدة يقيننا بأن مشاعر المحبة والوله ما هي إلا أحاسيس كاذبة، التعود محبة، والتقبل محبة، فلا تقنعني بأن للقلب ميل آخر يختلف عما تحدده العقول ...
جلس "نور بركات" بهذه الكافتيريا منذ بعض الوقت، طلب مشروبًا ساخنًا وتناوله ببطء أملًا بأن ينتهى إنتظاره الخانق حينما يحتسيه كاملًا، لكن الوقت مازال يمر وإنتظاره يسبب له الملل والضيق، نظر لعقارب ساعته بتأفف ليبحث عن أمر آخر يستطيع به تمرير بعض الوقت بدلًا من التحديق في الفراغ ...
همسات وضحكات جانبية من تلك الطاولة المجاورة له والتي تجلس بها مجموعة من الفتيات، "نور" شاب ملفت للنظر كونه يتحلى بوسامة من نوع خاص، شاب خمري ذو وجه مثلث يميل للإستدارة، أعين بنية وأنف معقود، ملامحه هادئة جذابة رغم ما يتمتع به من شقاوة وحب للمزاح، شعره الأسود الكثيف الذي يميل مرفوعًا بجانب رأسه ولحيته النابتة كان لهما سحرًا ذو فعالية بهؤلاء الفتيات اللاتي يجلسن بالطاولة المجاورة له ...
لكن ما لا تدركه تلك الفتيات أنه لم تتواجد بعد من تستطيع لفت إنتباه "نور" لها على الإطلاق ...
ولهروبه من هذا الإنتظار الذي زاد عن حده إضطر لإجراء تلك المكالمة مع صديقه "سامح" حتى مجئ خطيبته التي يجلس بإنتظارها منذ وقت طويل ...
أنهى "نور" مكالمته فور أن لاحظ مجئ "نسرين الحناوي" وهو يرفع ذراعه للإشارة لها برتابة، فقد ضاق ذرعًا من إنتظارها طيلة هذا الوقت ...
تقدمت تلك الفتاة الطويلة ذات القوام الرشيق تجاه "نور" لتضح ملامحها مع إقترابها لفتاة حنطية لها وجه طويل وذقن مربعة، تلملم خصلات شعرها البنية للخلف بعقدة عشوائية، لتظهر جبهتها العريضة وعيناها السوداء بقوة ...
دنت "نسرين" من الطاولة التي يجلس عليها "نور" مردفة بآلية ...
- صباح الخير يا "نور" ...
رغم إمتعاضه من تأخرها إلا أنه أجابها بفتور فلا داعي لإظهار ضيقه منذ الآن ...
- صباح الخير، أقعدي يا "نسرين" ....
على الفور كانت تسحب المقعد المقابل له للخلف لتجلس عليه وهي تعقص أنفها المفلطح قليلًا، أخذت تعبث بحقيبتها بلا إكتراث كمن تنتظر أن يبدأ "نور" حديثه معها ...
أمر لم يتأخر به "نور" كثيرًا ليردد رغم حثه لنفسه عدة مرات ألا ينفعل ويتحدث معها بهدوء ...
- ممكن أعرف ليه كل التأخير ده يا "نسرين" ..؟!! أنا زهقت جدًا وبقالي أكتر من ساعة مستني، ممكن لو سمحتِ بلاش تتأخري أوي كدة، متنسيش إني مرتبط بشغل مينفعش أتأخر عليه ...
رفعت مقلتيها نحو الأعلى بضجر وهي تجيبه بطريقتها المميزة فهي لها لدغة سينية واضحة تسبب تراجع شفتها السفلى للخلف قليلًا وبروز أسنانها الأمامية بشكل مميز ..
- على فكرة دي هي نص ساعة بس مش ساعة يعني ولا حاجة ...
أغمض عيناه لوهلة يتمالك ألا تنفلت أعصابه، فهي تحاول إستفزازه طيلة الوقت، تغالطة بكل الأمور، لكن بالنهاية عليه التحمل والسيطرة على إنفعالاته قدر الإمكان، أجابها بنبرة حادة رغم ذلك ..
- بس أنا قولت لك إمبارح إني عندي مستشفى النهاردة بدري، ووضحت لك مواعيدي ...
ضغطت "نسرين" جبتهتها بتذكر ...
- اوووه، تصدق راح عن بالي خالص موضوع المستشفى ده ...
طرق بكفه بغيظ عدة مرات فوق الطاولة قبل أن يتجنب صدام جديد مع "نسرين" محولًا الحديث لإتجاه آخر ...
- طيب خلاص، كنتِ عايزاني ضروري، خير ..؟! فيه حاجة حصلت، مامتك كويسة ؟!!
زاغت عيناها بتهرب لبعض الوقت ثم أجابته بتساؤل ...
- شكلك لسه زعلان مني !! مش خلاص بقى خلصنا الموضوع ده ولا إيه ..؟!!
أين طبعه المرح ؟!! أين لطافته وضحكته الرنانة ؟؟! لم لا يجدها بوجودها، لم يشعر دومًا بالتيهة برفقتها، على مضض دائمًا يحاول التحدث معها، يعاملها بجدية خاصة، كمن يضع حدود لحياتهم وعلاقتهم، يجب أن يكون هناك شكل محدد لتعاملهم سويًا، خاصة مع "نسرين" وطبعها المستفز ...
بإيضاح متملل لمرة أخرى من العديد من المرات التى حاول إيضاح طبعه لها ...
- خلصنا المشكلة، أه، لكن إنتِ زي ما إنتِ يا "نسرين"، مش بتتغيري أبدًا، مصممة تفضلي زي ما إنتِ ...
حتى وإن ظننت أنك تعتدل بكل شيء، إلا أنك قد تبالغ بحب مرفوض، حبك لذاتك، أن تشعر بأنك قمر شق الظلام الذي يحاصرك، أن تشعر بأنك متوج بالقمة والبقية عليهم الرقود ...
دفعت "نسرين" بجفنيها بخيلاء غرورًا وثقة بنفسها وجاذبيتها التي تدركها جيدًا لتهتف بجمود ...
- بس إنت عارفني كويس، ومتأكد إن أنا قلبي طيب، وإن أنا مش غلطانة يا "نور"، يمكن أكون عصبية شوية، بس مفيش في طيبة قلبي ولا في أخلاقي ...
تطلع بها "نور" لوهلة دون إجابة عن إعتدادها بنفسها، وآثر على تغيير مجرى الحديث ..
- تشربي إيه ..؟!!
مطت شفتيها بضمة مستاءة من طريقته المتجاهلة لتردف بفتور وهي تعيد جذعها للخلف مستندة للمقعد ...
- أي حاجة ...
رشا روميه قوت القلوب
أشار "نور" للنادل يطلب منه كوبان من العصير قبل أن يعود لإستكمال حديثه مع "نسرين" موضحًا بهدوء أمر قد تملل من تكرار إيضاحه ...
- إنتِ عارفه كويس إني أحب إن مراتي تكون هادية، تتحمل ظروف شغلي، مش كل شوية تخترع لي مشكلة وتتعصب وتتنرفز بالصورة دي ...
ضيقت جبهتها لتردف بحدة وهي تتقدم نحو الأمام قليلًا ...
- يا ســـــــلام !!!! ، ده إيه الأنانية دي، يعني عشان حضرتك متضايقش، لازم أنا أكتم في نفسي، أتفلق أنا مش مهم صح ؟!!!!!
هجوم عدائي وصوت مرتفع، أمر جعل "نور" يمتعض بقوة قبل أن يردف بإندهاش ...
- أنا قولت كدة !!!!، أنا لا بهملك ولا بهمل مشاعرك، أنا عايز أوضح لك إني بجد زهقت من كتر المشاكل، ليه التعامل بيننا عبارة عن عِند وتحدي وبس ...
ضحكة تهكمية من إعتراضه صدرت من "نسرين" ثم عقبت بلا إكتراث ...
- متبالغش بس، مش للدرجة دي يعني ...
إتسعت عينا "نور" بإندهاش، لكنه فضل بأن يكمل بهدوء ولا داعي للغضب الآن ...
- أبالغ ..!!! لا يا "نسرين" مش ببالغ، فكري فيها كويس، إحنا داخلين على حياة جديدة مع بعض، حنأسس أسرة، أظن من المفروض إنها تتبني على التفاهم والحوار، وده إللي أنا بوضحهولك كل مرة، إحنا مش في معركة ومستنيين نشوف مين إللي حيكسب ...
تأففت "نسرين" بتملل وهى تكمل بطريقتها اللا مبالية ...
- اوووه، كفاية بقى يا "نور"، مش كل مرة نتقابل يبقى لازم تديني الموشح ده !!! أنا زهقت ...
ككل مرة يلتقيان تنشب بينهما مناوشة جديدة، لهذا فضل "نور" الإكتفاء بحديثه معها فأثار مشكلتهم الأخيرة مازالت عالقة بنفوسهم، سحب أغراضه من فوق الطاولة قائلًا ...
- أنا إتأخرت ولازم أمشي عشان ألحق المستشفى ...
تطلعت به "نسرين" بتردد قبل أن تنطقها بالنهاية ...
- ماشي يا "نور"، ححاول ...
إنسحب "نور" من هذا اللقاء الذي لم يعرف سببه بعد، فقد أصرت بالأمس على لقائه لكنها لم تخبره بسبب هذا اللقاء لكنه لم يستطع البقاء لأكثر من ذلك فقد حاوطه الإختناق بهذا المكان وبحديثه مع "نسرين" التي لا تتغير مطلقًا ...
بقيت "نسرين" لبعض الوقت تحتسي المشروب بهدوء ولا مبالاة من غضب "نور" وإنصرافه بهذه الصورة، ثم أخرجت هاتفها تعبث به دون الإهتمام بالوقت الذي يمر وقد إرتسمت إبتسامة عريضة فوق شفتيها لم يحظى "نور" برؤيتها من قبل ...
