رواية جحيم ال مارينتوس ( كاملة جميع الفصول ) بقلم سارة بركات


 رواية جحيم ال مارينتوس الفصل الاول 


في سكون الليل أسفل السماء المُمطرة بقسوة وفي أحد الشوارع والتي كسر هدوءها هو صوت أنفاسها اللاهثة وهي تركض، لن تتوقف أبدًا لأنها إذا توقفت ذلك سيعني موتُها، شعرها الأسود المتوسط الطول المُبتَل يتطاير خلفها، صرخت بألم عندما آلمتها قدماها لأنها كانت تركض وهي ترتدي حذاءًا ذو كعبٍ عال، ولكن لا! .. ليس هناك وقت للألم، لا تدري لما هم يركضون خلفها هكذا؟ ماذا يريدون منها؟ هل علمَ ديميتري بشيء؟! صرخت بألم مُبرح عندما التوى كاحلها وسقطت أرضًا وهنا فقط قد نالوها كأنها غنيمة ثمينة!

تحدثت بصراخ:

- ماذا تريدون مني؟!

ولكنهم لم يُجيبوها وعندما أحاطوها قام أحدهم بضرب رأسها من الخلف بسلاحه الناري مما جعلها تفقد وعيها.

....................................

نائمة لا تشعر بشيءٍ حولها، سوى صوت تقاطُرِ نقاط المياة المُنسابة من الصنبور .. عقدت حاجبيها وقامت بفتح عينيها وجدت أنها مُكَبلة في كرسيٍ حديدي في مكانٍ مُظلم لا ترى منه شيئًا ولكنها انتبهت عندما دخل أحدٌ للمكان الذي هي به ويا لرائحته التي انتشرت بمجرد دخوله، أغمضت عينيها بحزن ويأسٍ في آنٍ واحد، أضاء المكان مما جعلها تغمض عينيها بسرعة بسبب ألم عينيها من الضوء لمكوثها في الظلام لمدة لا تدري كم كانت .. كان رأسها منخفض ولكن ظهر حذائه الجلد الأسود اللامع أمامها رفعت رأسها ببطئ مرورًا ببنطاله الأسود الذي يخص الحُلة التي يرتديها والمتناسق على جسده تمامًا ثم بقميصه الأبيض الذي كاد يتمزق من قوة جسده المنحوتة بدقة والمُحاط بسترته السوداء والذي يعلوهما معطفه الأسود حتى وصلت إلى وجهه البرونزي ذو الفك البارز والذي أسفله تُفاحة آدم وعينيه السوداء ذلك الوجه الذي يخافه الجميع حتى هي على الرغم من وسامته القوية ولكن مُجَرد نظرةٍ واحدةٍ منه تجعلك تتمنى الموت، ولكن ليس على يده!

- أخي!

أردفت بتلك الكلمة بارتعاش وهي تُطالعه ..

- أخي، لا تتركني هكذا أرجوك، أخرجني من هنا.

تحدثت بتلك الجملة وهي تحاول أن تقوم بفك قيدها ولكنها ابتلعت بصعوبة عندما تحدث ببرود شديد:

- لا.

- ماذا؟

- كما سمعتي، لا لن أفعل.

- أخي، لا تفعل بي ذلك أرجوك، ثم أنا لم أفعل شيء صدقني!.

- بل فعلتي الكثير فيرونيكا.

- ماذا فعلت؟

قَرَب وجهه منها كثيرًا وتحدث بهمس:

- علمت ما تُخفينه عني عزيزتي، كيف لكِ أن تفعلي بي ذلك؟ كيف تقومين بتلطيخ إسم العائلة؟!

قال آخر جُملة بصوت عالٍ وهو ينظر إليها بغضب، ولكنها ابتلعت بصعوبة ولم تستطع أن تتحدث تنتظره أن يُكمل حديثه ولكنه لم يتحدث إذ أشار لأحد رجاله أن يتقدم وقام بوضع عُصبة على عينيها على الرغم من رفضها الشديد ولكن بصعوبةٍ فعلها، اقترب ديميتري أكثر يهمس بأذنها:

- والآن عزيزتي، كيف تُريدين الموت اليوم؟ الموت بالطعن؟ أم بعياري الناري؟ أم بالحَرق؟

هزت رأسها بنفي وقد بدأت بالبكاء تحاول أن تري أسفل تلك العُصبة ولكنها لا ترى سوى الظلام ..

- لا لا تحاولي أن تنظري إلي وأنا أقتلك، لأنكِ تعلمين أنني لن أتحمل ذنب نظراتكِ تلك.

علت شهقهاتها وهي تبكي وقالت برجاء:

- ديميتري أرجوك، ماذا فعلتُ أنا لتفعل بي ذلك؟

- صرخ بوجهها بغضب:

- ذلك المَسخ ديابلو كيف تكونين على علاقةٍ به؟

شهقت .. لقد علم حقًا .. لكن كيف؟

- ك..كيف علمت؟

-أيتها الغبيىة، كيف لكِ أن تسألي سؤالاً مثلُ ذلك، سأقتلكما أنتما الإثنين.

تحدثت بسرعة وبكاء:

- أرجوك ديميتري حبا في الله، أنا أحبه! سنهرب سويا أنا وهو لنتزوج أعدك أنك لن تراني مرةً أخرى، صدقني..

كان يُطالعها بصمتٍ تام وهي معصوبة العينين وفي ذات الوقت تحاول أن تُحرر قيدها ولكن دون جدوى، تحدث ببرود مخيف:

- أنتِ لم تعودي من العائلة منذ اللحظة التي قررتي فيها أن تحبي ذلك الحقير!، لقد جلبتي العار لإسم العائلة فيرونيكا!

- ولكن ديميتري لم أقصد أن أحبه لم أستطع التحكم في قلبي .. إن الحب ليس بيدي!

صوب مسدسه ببطء على رأسها وتحدث ببرود أخافها أكثر:

- إن ذلك الشيء العَفِن الذي تسمينه حُبًا، كان بيد عقلك لا بيد قلبك، من يحب يكون أكبر مغفلاً في العالم كله.

شعرت به يسحب الزناد ثم صرخت من فرط رعبها وهي تبكي:

- أقسم يا ديميتري، سيأتي يومًا وستحب فتاةً ما .. لا لا .. بل ستعشقها .. ستراها بكل مكانٍ حولك، ستكون كالمجنون في حبها، لا بل ستكون مهووسًا بها وحينها ستفهم ما سأقول عندما لن يتقبل أحدٌ عشقكما ذلك مهما فعلت.

هدر بقوة اهتزت لها الجدران حولهما:

- اصمتي!

صمتت ولكنها كانت تبكي وترتجف ولكنها أنصتت لصوته البارد الخالي من الرحمة:

- سأقتلكِ على استهتاركِ ذلك! نحن من أقوى عائلات المافيا الإيطالية كيف تجرؤين على أن تتورطي في علاقة مع ابن أحد أعضاء المافيا الروسية.

أردفت بأمل أخير:

- أنا أُحِبُه ديميتري، أرجوك أنت من ربيتني لا تفعل بي ذلك، أنت أخي الأكبر.

- وأنتِ ميتةٌ بالنسبة إلَيّ، وداعًا ابنةُ عمي.

أطلق النار ودوى الصوت في المكان، كأنه يعبر عن نارٍ جحيمية ستلتهم كل شيء.

..............................

بعد مرور عام:

تململت في نومها عندما رن الهاتف يُعلن عن موعد استيقاظها .. قامت بفتح عينيها البُنيتين وابتسمت بنعاس ثم اعتدلت بمكانها ممسكة بهاتفها تُغلق ذلك التنبيه وأخذت نفسًا عميقًا وهي تبتسم تستشعر النعمة التي هي بها:

- الحمدلله أنني حية اليوم.

اعتدلت من سريرها ثم دخلت للحمام تقوم بروتينها الصباحي ثم الوضوء للصلاة لآداء فرضها، خرجت من الغرفة ثم ارتدت ملابس الصلاة وأدت فرضها وأخذت تقرأ أذكار الصَباح وبعد أن انتهت أخذت تقرأ وردها اليومي من القرآن الكريم ثم قامت بترتيب فراشها وأخذت تنظر إلى الشقة التي هي بها مرة أخرى .. لقد سكنت بها أمس وهي رائعة أو فوق الرائعة بقليل، استفاقت من شرودها بالشقة على صوت رنين هاتفها تحدثت بالإيطالية:

- مرحبًا.

- عزيزتي جَوداء، مرحبًا كما أعلمتك أمس فإن زميلتك في السكن في طريقها إليك خلال دقائق ستكون عندكِ.

- حسنًا سيدة ميليسا، لاتقلقي سوف أُريها غرفتها وكل شيء.

- شكرًا لكِ عزيزتي، وأريد تذكيركِ .. هي قليلة الحديث.

- لا تقلقي، أنا لها اعتمدي علي، سأقوم بإنجاز كل شيء ثم سأذهب إلى عملي.

قهقهت السيدة ميليسا على حماسها اللطيف ذلك وبعد أن أغلقت جوداء معها انتبهت لرنين جرس المنزل.

- لقد أتت في وقت قياسي، رائع.

كانت مازالت بملابس الصلاة وقامت بفتح الباب لترى أمامها فتاةً شابة، متوسطة الطول ترتدي بنطال جينز أسود وسُترة سوداء بغطاء رأس قد وضعته على رأسها وتخفي وجهها أسفل وشاحٍ حول رقبتها.

ابتسمت جوداء بلطف متحدثة بترحاب:

- لقد وصلتي في وقتكِ، أهلا بكِ.

فسحت لها المجال ثم دخلت الفتاة للشقة وهي تنظر حولها، قرأت جوداء في عينيها أنها مُعجبة بالمنزل كثيرًا.

- حسنًا اتبعيني سأخبركِ بكل شيءٍ هنا.

قامت جوداء بشرح كل شيء لزميلتها الجديدة في السكن، وبعد أن انتهت كانت تنظر إليها وهي تقف في غرفتها التي تجاور غرفتها هي الأخرى:

- لم أعرف ماهو إسمكِ بعد.

نظرت إليها الفتاة دون أن تتحدث بكلمة واحدة كالعادة ..

- أعتقد أن إسمكِ بالتأكيد ليس بعورة!

ثم قهقهت جوداء بخفة وهي تُمازحها.

- سيلفانا.

ذلك ماتحدثت به الفتاة ببرود وهي تقوم بإزاحة الوشاح من حول وجهها ثم نزعت غطاء الرأس وظهرت لها ملامحها.

- ماشاء الله.

ذلك ماتحدثت به جوداء بابتسامة هادئة وهي ترى شعر سيلفانا الأسود الطويل والمموج من الأسفل ووجهها الناصع البياض، ظلت جوداء تُطالعها بابتسامة ولكنها استفاقت عندما حمحمت سيلفانا:

- عُذرًا أريد تغيير ثيابي لأن لدي عمل.

حمحمت جوداء مُعتذرة:

- أعتذر لإزعاجك، وقبل أن أخرج أنا أُدعى جوداء زميلتكِ هُنا إذا احتجتِ لأي شيءٍ فقط أخبريني ويمكنكِ أن تناديني جود إذا كان إسمي ثقيلا في النطق بالنسبة إليكِ،؛ سأذهب الآن لأقوم بالتجهيز لعملي ورقم هاتفي مدونٌ في ورقة بجانب فراشك.

أومأت سيلفانا بهدوء وخرجت جوداء مُسرعة من الغرفة متذكرة أن لديها عملٌ هي الأخرى! عادت مُسرعة لغرفتها وقامت بارتداء ملابسها الرسمية للعمل أو هي تحب أن تكون ملابسها رسمية .. حُلةُ رمَادية نسائية ببنطالٍ واسع وسُترة طويلة فوق الرُكبة قليلاً وارتدت ساعة يدها ثم في النهاية ارتدت حجابًا أنيقًا يليق بلون السُترة ثم أخذت حقيبتها وخرجت مُسرعة من المنزل .. سارت وهي تنظر حولها بابتسامة تستنشق الهواء المُنعِش الخاص بروما الجميلة ولكن وقعت عينيها على المارين بالشوارع ينظرون إليها بسبب الحجاب الذي ترتديه أعلى رأسها، ولكنها قررت كالعادة أن تتجاهل تلك النظرات وظلت تسير حتى وصلت لمحطة المترو وقامت بشراء تذكرتها ثم دخلت عربة المترو وجلست بها انتبهت عندما اعتدلت السيدة التي كانت بجانبها وذهبت لتجلس بمكانٍ آخر ..

أردفت ممازحة لتلك السيدة بلغتها المصرية:

" على فكرة أنا مستحمية."

ولكن السيدة لم تفهمها حيث طالعتها بعدم فهم، تنهدت جوداء وهزت رأسها مُتجاهلةً ما حدث ثم قامت بتشغيل هاتفها على أغنية مصرية تجعلها تحن لوطنها كثيرًا "مصر" .. أخذت تدندن مع تلك الأغنية وهي تعيش في حنينها لوالديها وأختها وأقاربها.

بعد مرور وقت ليس بقصير وصلت جوداء وأخيرًا إلى مقر عملها وقامت بتحية زملائها في المبنى وأثناء سيرها نحو الغرفة التي ستقدم بها إذاعة الراديو الخاصة ببرنامجها استقبلها زميلها "مالك خان" هندي الجنسية وكان مُبتسمًا.

- صباح الخير آنسة جود، كيف حالكِ اليوم؟

- صباح الخير سيد مالك، أنا بخير .. هل كل شيءٍ جاهز؟

- نعم سيدتي، كل شيءٍ يسير على مايرام.

قهقهت بخفة بسبب لقبه ذلك لها فهو يحب أن يفخم من مقامها ..

- حسنًا، فلنبدأً.

دخلت الغرفة وذهب مالك لغرفة التحكم بالصوت والمؤثرات الخاصة بالبرنامج .. أخذت جوداء نفسًا عميقًا ثم أشارت لمالك أنها جاهزة وبالتالي أشار لها بأنه قد بدأ أي أنها الآن على الهواء مُباشرة.

- صباح الخير أعزائي المستمعين، أنتم الآن تستمعون إلى برنامج "إضحك وانسى" معكم جُود مُقدمة البرنامج والذي يُعد من أفضل برامج التعبير عن المشاعر في روما، هدفنا هو مساعدتكم في إخراج الكلام للتعبير عن المشاعر المكبوتة لتخفيف الضغط النفسي الذي تتعرضون له في حياتِكم بوجهٍ عام، وإذا أردتم أن نتناقش بها لنجد حلول وأفكار نحن هنا وليس شرطًا أن تخبرونها بهويتكم الحقيقية يكفي فقط أنكم تُخرجون معنا مايُثقل صدوركم، والآن دعونا نذهب إلى فاصل ثم بعدها سنستقبل أول متصل.

أشارت لمالك ثم شغل الفاصل بعد إشارتها تلك، ودخل لها ..

- جود، بعد أن ننتهي من البرنامج اليوم سنذهب مباشرة إلى السيد ماركوس يريد التحدث إلينا.

- ألا يوجد لديك علمٌ لماذا يُريد التحدث إلينا؟

رفع كتفية إشارة لعدم فهمه مايحدث، أومأت وطالع مالك ساعته وتحدث:

- حسنًا من المُفترض أن نعود الآن للبث المباشر.

أومأت واعتدلت بكرسيها ومالك عاد لمكانه وقام بفتح البث.

- مرحبًا بكم مجددًا أعزائي المستمعين..

انتبهت إلى إشارة مالك بأن هناك مكالمة واردة، واستأنفت:

- والآن دعونا نستقبل أول إتصالٍ تليفوني .. مرحبا.

..........................................

في مكانٍ آخر:

خرجت سيلفانا من المنزل بهدوء وهي ترتدي عدساتها الشمسية وتضع قبعة فوق رأسها وتسير بحذر وكأنها تخشى أن يلحظها أحد، سارت في طريقها لمقر عملها حتى وصلت لشركة ضخمة في قلب المدينة ذات واجهة زجاجية لامعة حيث يعكس كل شيء فيها الصرامة والترف في آنٍ واحد، وبمجرد دخولها لتلك الشركة نزعت عدساتها الشمسية وأيضًا قبعتها ورتبت شعرها الأسود وعقدت حاجبيها عندما لمحت أحد ظنت أنها تعرفه وأثناء اقترابها منه اصطدمت بأحدهم بقوة ..

- أعتذر .. آسفٌ حقًا.

زمجرت بضيق وتحدث:

- لا مشكلة.

وكادت أن تتحرك لتُكمِلَ ماكانت ستفعله ولكن أوقفها الشاب:

- مرحبا، هل أنتِ جديدةً هنا، أنا لم أركِ من قبل!

التقتت تُطالع ذلك الشاب الذي يبتسم لها بهدوء .. يبدو في بداية الثلاثينيات وسيم يرتدي زيًا رسميًا مثلها:

- نعم، لقد انتقلت من فرع الشركة بروسيا لِهُنا.

ابتسم الشاب باتساع:

- لقد سررتُ بلقائِكِ، يا...

قلبت عينيها بتأفف:

- سيلفانا.

- مرحبًا سيلفانا أنا أُدعى.........

ولكنه تفاجأ بها تتركه قائلة:

- ليس وقتك حقًا .. ليس وقتك.

ثم ركضت نحو المصعد قبل أن تتأخر وصعدت به وبعدما خرجت منه في أحد الطوابق أخذت تنظر حولها حتى وجدته ركضت نحوه:

- مهلا، انتظر

التفت الرجل لها بتعجب:

- ماذا هناك آنسة؟ هل يمكنني مساعدتكِ ف شيء؟؟

تنهدت بخيبة أمل:

- إعتقدتك شخصًا آخر، أعتذر.

أومأ الرجل لها بابتسامة ثم رحل يُكمِلُ عمله .. تنهدت بيأس وهي تحاول أن تتذكر في أي طابقٍ ستعمل حتى تذكرت، صعدت للطابق الذي يعلوه الطابق الحالي وأخذت تبحث عن مكتبها حتى وجدته موجودٌ عليه أغراضها التي نقلتها لها الشركة من روسيا حتى روما عاصمة إيطاليا، تنهدت بيأس وزمجرت:

- يبدو أن يومي سيكون طويلاً بعض الشيء، تبًا لك يا سيد سايلِس.

..................................................................

رواية/ جحيم آل مارينتوس .. بقلم/ سارة بركات

وفي قلب روما وبين القصور الفاخرة، يبرزُ قصرًا مختلفًا عن الجميع لا لأن تصميمه أفخم بكثير، بل لأن من يسكنه ليسوا عاديين بل هم ُ جحيمٌ يمشي على الأرض، آل مارينتوس.

في أحد أركان القصر وخاصة على أريكةٍ بالقرب من الأدراج الداخلية له، كان صاحب النظارات الزجاحية يضيق عينيه الزرقاء نحو شيءٍ ما وهو جالسٌ أمام حاسوبه المحمول يضغط بحرصٍ شديدٍ على الأزرار أمامه .. يُفكر تارة ثم يُعقد حاجبيه ثم يقوم بالكتابة على حاسوبه تارةً أُخرى، لا يَدري كيف سيُنهِيها ولكنه سيفعل كل ماهو منطقي ومُشيق أكثر!

أخذ يرتشف فنجان قهوته وهو يُطالع حاسوبه المحمول بدقة يعتصر جميع أفكاره ولكن فجأة خرج عن تفكيره يصرخ بحسرة عندما وجدت أن حاسوبه قد نفذ شحنه ولكن بمجرد أن رفع رأسه وجد من يلوح له بابتسامة خبيثة وهو يحمل مُشَغِّل الحاسوب المحمول في يده بعدما انتزعه من مصدر الكهرباء.

- ماذا لوكا؟ لما أراكَ حزينًا؟ هل هُناك شخصٌ ما أخرجك من ساحة أفكارك أيُها الروائي العبقري!

- ماذا فعلت!! لا!!!!!!!!!!!! كدتُ أن أنتهي .. كدتُ أن أنتهي حقًا.

ذلك ماتحدث به لوكا بحسرةٍ وهو يُلقي حاسوبه جانبًا ويعتدل في جلسته ويظهر جسده الممشوق المُعضل..

تحدث الشاب الذي يقف أمامه بضيق:

- أنا أخاطبك منذ وقت طويل وأنت لست هُنَا.

تأفف لوكا وتحدث:

- ماذا تريدُ مني دييجو لتأتي وتعكر صفوي هكذا؟ يا رجل كدت أن أنتهي من الرواية ماذا تفعل بي حقًا!!

تحدث دييجو بسخرية:

- اهٍ من تلك الروايات التي تسحب عقلك داخلها وتنسى أعمال العائلة.

تحدث بغرور وهو يقوم بتعديل شعره الأشقر:

- لا أريدُ أعمال العائلة تركتها لكم يا باقي أفراد آل مارينتوس الرائعة؛ فأنا لدي عالمي الخاص وجمهوري الذين يحبونني على مواقع التواصل الإجتماعي.

تحدث دييجو بضيق:

- هل تصدق ماتقول يافتى! كفى تُرهات تلك ألعاب أطفال لا تليق بالعائلة.

- من فضلك لا تقم بإهانة طموحي وأحلامي.

ثم تحدث لوكا بأمل وسعادة وقوة في آنٍ واحدٍ كأنه يرى حلمهُ أمامه:

- يوما ما سأكون أشهر روائي العالم كله، سأريكم يا آل مارينتوس الوقحة، وقتها ستكونون من معجبيني تتمنون توقيعي على إصداراتي الورقية ولن ألتفت لكم أبدًا.

ضحك! .. نعم ضحك دييجو بعدم استيعاب لما يقوله ابن عمه ..

- اه إبنُ عمي اللطيف لوكا، يبدو أنه سيحينُ دوركَ قريبا.

قال تلك الجُملة شابٌ ثلاثيني وسيم قد انضم إليهم مؤخرًا دون أن ينتبه له لوكا، كان يُطالع لوكا بخبث، عقد لوكا حاجبيه بعدم فهم لما يقول:

- ماذا تقصد ستيفانو؟ يا رفاق ماذا يحدث؟ ماذا هُناك؟

تحدث دييجو بابتسامة هادئة:

- حسنًا لا أدري ماذا أخبرُك .. ولكن من الأرض إلى لوكا إنزل قليلاً بسقف طموحك؛ فهناكَ أمرٌ ما نريد أن نُخبركَ إياه.

طالعه لوكا بضيق وعدم فهم:

- ماذا تُريدان؟؟

- إن ديميتري سيعود اليوم من لندن.

صُعِقَ عندما أتاه الخبر:

- ماذا!!! يا الله يجب أن أُخفِيَ حاسوبي عنه.

أخذ مُشغل الحاسوب من يد دييجو وأيضًا حمل حاسوبه يبحث عن مكان يُخفيهما به يحمد الله أنه ينشر أعماله بإسمٍ مستعار وإلا لو كان علم ديميتري مايفعله لكان قتله حقًا بحجة أنه جلب العار لإسم العائلة، ثم عاد يقف أمام دييجو وستيفانو بملامح جدية متحدثًا بهدوء كأنه لم يكن ذلك الشخص اللطيف منذ ثوانٍ فقط!

- إذًا متى سيأتي بالضبط؟، وماهو العمل الشاق الذي سيُولِينا إياه حتى نرجوه الرحمة أن يتركنا؟

عقد ستيفانو حاجبيه وأردف:

- لا نردي .. فقط تجهز.

ثم تركهم ستيفانو وغادر أما بالنسبة لدييجو فقط تحدث بعد خروجه:

- انتبه على نفسك جيدًا، حاول أن تبتعد عن الكتابة قليلاً على الأقل أمام ديميتري أنت تعلم جيدًا أنه لا يهمه سوى أعمال العائلة بالطبع.

أومأ لوكا بهدوء وهو يتنهد يفكر بما يُمكن أن يفعله في الفترة القادمة.

توقف ستيفانو أمام مرآته في غرفته يعدُّ نفسه للذهاب إلى شركتهم الأم في روما؛ إذ ينتظره يومٌ حافلٌ بالأعمال وبأمورٍ أُخرى لا تقل تعقيدًا، تنهد بهدوء ثم أغلق سترته الرمادية التي بدت وكأنها تضيقُ على جسده المُعضل تُبرز تفاصيل قوته الصارخة، رفع عينيه السوداء نحو انعكاسه في المرآة ونظرة باردة وشاردة ارتسمت في عينيه، بعد أن انتهى خرج من القصر واستقل سيارته الفارهة يمسك بيده حاسوبه يُنجز بعض الأعمال حتى يصل إلى الشركة وبيده الأخرى يقو بها عجلة القيادة.

..................................

- ماذا تعني؟

- كما سمعتي جود، نريد أن يكون البرنامج الخاص بكِ مرتين في اليوم.

تحدثت جوداء بعدم فهم:

- تقصد الإعادة صحيح؟

- لا.

ذلك ماتحدث به السيد ماركوس بوجهٍ كاشرٍ وهو جالسٌ خلف مكتبه.

- سيتم بثه مباشرة مرتين يوميًا .. مرة صباحًا وأُخرَى عند العاشرة مساءًا.

عقدت جود حاجبيها بضيق وقالت بدهشة مُستنكرة:

- ماذا؟؟؟ العاشرة مساءًا؟ قل شيئًا يا مالك لا تلزم الصمت هكذا..

كاد مالك أن يتحدث ولكن قاطعه السيد ماركوس:

- أنتِ تعلمين أن عمل مالك يقتصر على الفترة الصباحية فقط؛ أما في المساء سيكون معكِ شخصٌ آخر سيتناوبون جميعًا على العمل في برنامجك.

احتد صوتها قليلاً وهي تقول:

- سيد ماركوس لا مانع لدي من العمل لساعات طويلة، ولكنني فتاة لا أستطيع الخروج في الليل وحدي!

عقد ماركوس حاجبيه بصرامة وقال ببرود:

- تلك مشكلتكِ أنتِ وقومي بحلها، طبيعة العمل تحتاج إلى ذلك وعليكِ أن تُكيِّفي حياتكِ وِفقا لذلك، تفضلي.

شعرت جود وكأن الكلمات علقت في حلقها؛ فهي تُحب عملها كثيرًا، لكن فكرة الخروج في الليل تٌثقل صدرها؛ فعملها ينتهي بعد الظهيرة وحياتها مزدحمة بأمورٍ أخرى لا يُمكن تجاهلها، تنهدت باستسلام واستدارت لتغادر.

- جود.

التفتت تُطالع السيد ماركوس بهدوء:

- أنا أعتمد عليكِ، أنتِ مجتهدة وقد كان لروحك الطيبة وعفويتكِ سببًا في نجاح البرنامج وانتشاره، هي ستون دقيقة فقط وستعودين إلى منزلك.

أومأت بهدوء ثم خرجت تاركة مالك يتحدث مع السيد ماركوس في أمورٍ أخرى تخص العمل، جلست في مكتبها تُحدِّق أمامها بشرود؛ وكأن الأفكار تتزاحم داخل رأسها دون أن تستقر على شيء، لم تكن تدري ماذا تفعل، لكنها قررت أن تترك الأمر كله لله.

لأنه من الصعب ترك العمل والعودة إلى مصر في الوقت الحالي؛ لأنها وببساطة تساعد عائلتها في أمورهم المالية ولولا سفرها ذلك لما عاشوا تلك المرحلة الإنتقالية في مستواهم المادي، انتبهت على الوقت واتضح أن ذلك موعد نزول روايتها المفضلة، حملت هاتفها تقوم بفتحه تبحث عن الرواية وتعجبت حينما لم يتم نشر الفصل الأخير منها، وتحدثت بالمصرية:

- عجيبة! أليكساندر أول مرة يتأخر في تنزيل الفصل! ممكن يكون حصله ظرف، لعله خير.

تأففت وأخذت تتصفح صفحته على التطبيق الذي تقرأ عليه الروايات وأخذت تقرأ روايةً قديمة قد قام بنشرها منذ مايقرُبُ السنة؛ فنعم بالطبع أليكساندر ميخاييل هو كاتبُها المُفضل شخصٌ مُحترم كثيرًا رواياته غير مبتذلة بل يكتب كل ماهو واقعي ويبدو من كتاباته أنه شخصٌ لطيفٌ أيضًأ، دائمًا تقوم بالتعليق على جميع ماينشر تُبدي إعجابها بكتاباته ويُجيب على تعليقاتها دائمًا ولكنها لم تُقابله بشكل شخصي، لا تعلم عنه شيء.

...........................

تأفف لوكا بضيق وهو يجلس بغرفته يحاول أن يتواصل مع متَابعيه يُخبرهم أن خاتمة القصة سيتُم تأجيل نشرها لأجلٍ غير مُسمى، قام بفتح هاتفه وبالفعل قام بذلك ثم قام بحذف التطبيق حتى يرحل ديميتري لبلدٍ أُخرى بحجة العمل أو أيًا يَكُن حُجَتهُ وقتها.

أتاها إشعارٌ من هاتفها يخص أليكساندر ميخاييل يعتذر فيه عن نشره للخاتمة، دخلت على محتوى المنشور لتُكمل قراءته ..

"أعزائي القُرَّاء، أعلم أنكم تنتظرون الخاتمة بفارغ الصبر ولكنني أعتذر كثيرًا سيتم تأجيل نشرها لأجلٍ غير مسمى بسبب أمورٍ كبيرة وضخمة انشغلت بها، ادعوا لي يا أصدقاء لكي تزول تلك المِحنة المَرِيرة؛ فأنا لستُ بخير"

قامت بكتابة تعليق له بالإيطالية مُفاده أنها في انتظاره، انتظرت أن يقوم بالرد على التعليقات مثل العادة ولكنها تعجبت أنه لم يرُد، أعطته عذره بالطبع وعادت تقرأ روايته حتى ينتهي دوامها الصباحي والذي تبقى عليه نصف ساعة فقط على الإنتهاء؛ فعلى حسب مافهمته من السيد ماركوس أنها ستعمل اليوم أيضًا ولكن بعد العاشرة مساءًا.

..............................

- ماهو الوقت المتوقع لوصول ديميتري اليوم؟ لكي أقوم باستقباله في المطار.

ذلك ماتحدث به دييجو في الهاتف مع ستيفانو الذي أنهى للتوه عمله في الشركة ..

- أعتقد أنه سيأتي في منتصف الليل.

ذلك ما أردف به ستيفانو وهو يصعد لسيارته بانشغال ويقود سيارته، ثم أخذ يتحدث قليلًا مع دييجو في الهاتف ولم ينتبه لتلك الفتاة التي تحاول عبور الطريق ولم تنتبه هي الأخرى لإشارة المرور ولكن حينما انتبه ستيفانو عليها دوى صوت المكابح فجأة واتسعت عينا ستيفانو بصدمة وانقبضت يداه على المقود وهو يُطالع تلك الفتاة الجامدة في مكانها كأنها قد شُلَّ حركتها .. كانت سنتيمترات قليلة تفصل ساقها عن مقدمة السيارة .. أغلق ستيفانو هاتفه وهو يُطالع الفتاة بدهشة ولكنه استفاق من دهشته تلك ودفع باب سيارته بعنف يخرج منها بخطوات سريعة يقترب من الفتاة وعيناه تشتعلان بغضبٍ مكتوم ولكن سُرعان ما تلاشى ذلك الغضب عندما وجدها تُمسك عصا بيضاء تقودها للطريق .. توقفت الكلمات بحلقة وهو يُطالع الفتاة الجميلة والرقيقة التي تقف أمامه وترتدي ثوبٌ زهري بشعرها البُني المرفوع ..

- هل أنتِ بخير؟

ذلك ماتحدث به ستيفانو وهو يتفحصها يتأكد أنها لم تتأذى .. ابتسمت بهدوء وهي لا تدري من الشخص الذي أمامها ظنته أحد المارة.

- أشكرك أنا بخير، المشي في تلك المدينة صعبٌ للغاية.

ظل ينظر إلى عينيها العسليتان يتأكد بالفعل أنها عمياء، إنها لا تراه أمامها حقًا.

- هل يُمكنني مساعدتكِ في عبور الطريق، آنستي؟

- أشكرك كثيرًا لا تُرهق نفسك.

- لا آنستي، ذلك شرفٌ لي.

أمسك بيدها بهدوء يساعدها في عبور الطريق وحينما وصلا للرصيف ترك يدها وتحدث بهدوء:

- انتبهي لنفسكِ جيدًا.

ابتسمت بهدوء وأردفت بامتنان:

- أشكرك كثيرًا.

ثم تركها ستيفانو وعاد لسيارته يقودها، ظل يحدق بها في المرآة الجانبية أثناء قيادته يتأكد بأنها أكملت تحركها وبسلامة

حتى اختفت من مرمى بصره.

كانت تقف على الرصيد تحاول أن تتذكر إسم المتجر الذي ستقابل به صديقةً لها، سمعت خطوات أحدٍ تقترب منها..

- معذرةً أين أجدُ متجر ******

وعلى حظها كانت فتاة التي تمر بجانبها ولم تكن سوى جوداء التي ظلت تنظر حولها تبحث بعينيها عن المحل لكي توصلها هُناك، ابتسمت حينما لمحته بعينيها:

- حسنًا هو هُنَاك دعيني أوصلكِ.

تحدثت الفتاة بإحراج:

- أشكرك، أخبريني فقط كيف سأسير.

تحدثت جوداء بإصرار:

- لا يا آنسة سوف أقوم بمساعدتك.

نتهدت الفتاة باستسلام وأومأت .. أمسكت جوداء بيدها وأخذت تتحدث:

- أعتذر إن كنتُ متطفلة في سؤالي، ولكن لما تسيرين وحدكِ؟ ألا تخافين يافتاة؟

ابتسمت الفتاة بخفة وتحدثت:

- بالطبع خائفة، ولكن خوفي قد قل بالطبع بسبب تعاون الناس هُنا، إنهم يتسمون باللُطف والود.

- ليس جميعهم، احمدي الله أننا قد تقابلنا.

قهقهت الفتاة بخفة ثم تحدثت:

- أنتي خفيفة الظل، ما إسمكِ؟

- جوداء.

- جَو.. ماذا؟

قهقهت جوداء خفة:

- إنه سهل للغاية لا أدري ما الصعوبة في ذلك، حسنًا ناديني جُود.

- شكرًا لكِ جود، لقد وصلنا.

انتبهت جوداء على وصولهم بالفعل ثم طالعتها بشك:

- كيف علمتِ أننا قد وصلنا؟

أردفت الفتاة بابتسامة لطيفة:

- رائحة المخبوزات الشهية تخرج من المتجر، ذلك المتجر معروفٌ هُنا في روما بأنه يعدُّ أشهى المخبوزات.

ابتسمت جوداء بلطف لتلك الفتاة:

- ماشاء الله.

- أشكركِ كثيرًا على مساعدتكِ لي.

- على الرحب والسعة.

تحركت الفتاة خطوتين نحو المتجر ووقفت جوداء تتابعها لكي تطمئن عليها حتى تدخل ولكنها توقف ..

- بالمناسبة، أنا أُدعى جلوريا.

ابتسمت جوداء بابتسامة وأردفت:

- تشرفت بك.

- وأنا أيضًا.

.............................

في المساء، كان دييجو جالسًا في سيارته خارج المطار الخاص ينتظر عودة ديميتري لكي يعودا سويًا ولكنه انتبه على خروج شخص غير متوقع رؤيته له جعلته يفتح عينيه بذهول.

- ماذا يفعل هذا هُنَا؟

ظل يراقب ذلك الشخص بهدوء وهو يصعد سيارته وحوله العديد من الرجال حتى رحل، التقط دييجو هاتفه وأخذ يهاتف ستيفانو ولكنه لم يُجيب! هاتَف لوكا وبالكاد أجاب..

- أين ستيفانو، لوكا؟

- لا أدري لقد طرأ له أمرٌ عاجل، ماذا هُناك دييجو؟

- إن سايلِس هُنا.

تحدث لوكا يحاول تذكر إسم ذلك الشخص:

- من سايلس ذاك؟

- أيها الغبي إنه يكون أخ ديابلو الحقير الذي استدرج أختنا فيرونيكا في فخه.

أكمل لوكا بذهول بدلا عنه:

- والذي قتله ديميتري منذ عامٍ تقريبًا.

نفخ دييجو بضيق وهو يقول:

- أجل.

تحدث لوكا بتفكير عميق:

- غريبٌ أن يأتي إلى هُنا! يبدو أنه قد أتى للإنتقام.

دييجو بلامبالاة:

- لا أعتقد؛ علاقته بديابلو لم تكن قوية .. لم يكونا أخوين بالدم، سأبحث في الأمر بعدما أُخبر ديميتري.

أغلقا المكالمة الهاتفية وأخذ دييجو ينتظر ديميتري أمام المطار.

كان جالسًا بسيارته ينظر إلى الطريق بعينيه الزيتونيتين بشرودٍ ثقيل، ملامحه كانت هادئة أكثر مما ينبغي ارتسمت على وجهه قسوة خفيفة ببرودٍ غامض، شعره الداكن مرتبٌ بعناية، ولحيته الخفيفة تضيفُ إلى حضورة صرامة خافتة؛ أما سترته السوداء فكانت تحتضن جسده الممشوق مانحًا إياه هيبة لا تحتاجُ إلى استعراض.

كان يفكر بالقادم ولكنه انتبه فجأة على صوت الهاتف؛ فقطع شروده دون أن يتغير ذلك الثبات في عينيه؛ أجاب على الهاتف فوصله صوت الطرف الآخر:

- مرحبًا بك في إيطاليا سيد سايلس، تم تجهيز كل شيء متبقٍ فقط كلمتُكَ سيدي.

- قم بالتنفيذ.

ذلك ما تحدث به سايلِس بابتسامة لم تصل إلى عينيه وهو يُغلق المكالمة الهاتفية.

...................

تنهدت جوداء وهي تخرج من المبنى الذي تعمل به، حمدت الله أنها استطاعت أن تأتي في الليل ولحظها الجيد أنها لم تقابل زميلتها بالشقة طوال اليوم لا تعلم إن كانت عادت أم لا من الأساس، ولكن ذلك جيد لن تنظر إليها نظرة غريبة عندما تراها تخرج من المنزل في ذلك الوقت المُتأخر من الليل، وبالطبع ستعود وهي نائمة أكيد، الطبع هي تعلم أن تلك بلدٌ حر، ولكن كما يقولون بالمصرية "الطبع غلاَّب" عاداتها وتقاليدها ملزمة لها حتى وهي في بلد لا تهتم بالعادات والتقاليد، سارت قليلاً لكي تذهب إلى مترو الأنفاق لكي تستقل آخر عربة مترو حيث أن مواعيد غلق مترو الأنفاق يكون بعد نصف ساعة من الآن وطريقها سيستمر ربع ساعة حتى تصل إلى مترو الأنفاق، تنهدت وأخذت تمشي لكي تصل إلى قطار الأنفاق وهي ممسكة طرف حجابها تتلو بعضًا من آيات القرآن الكريم بسبب شعورٍ بالخوفٍ بداخلها لا تدري ما سببه.

استند دييجو بجزعه العلوي على السيارة باسترخاء غير كامل عندما تأخر ديميتري، كان دييجو ذو كتفين عريضين وصدرٍ مشدود وخصره متماسك بين القوة والانسياب ومنه ينحدر جسده بثقة طبيعية، لم تصنعه التمارين وحدها بل المهمات التي يخرجون إليها أيضًا.

شرد بالمسافرين الذين يستقبلهم عائلاتهم من أطفال ونساء، ابتسم بهدوء وهو يُطالع ذلك الأب الذي ركضت نحوه طفلته الصغيرة وأيضًا زوجته وتمنى لو يُنشيء عائلةً يومًا ما، ولكن كيف وهو أحد آل مارينتوس؟ .. استفاق من شروده ذلك عندما لمح أحدٌ ملامحه يحفظها جيدًا عن ظهر قلب.

كان يسير بهدوء وبخطواتٍ ثابته لا تتردد، جسده صلبٍ كأنه نُحِتَ من صخر داكن، عضلاته مشدودة بصرامة توحي بقوة مُخبأة أكثر مما تُظهر، لديه هالةٌ ثقيلة تجعل ما يراه يخافه كثيرًا، كان وجهه حاد التفاصيل وفكه مشدود ولكنه في النهاية هادئ .. فهي تلك ملامحه الطبيعية .. ملامح ديميتري مارينتوس الذي لا يعرف للحب طريق.

- عزيزي ديميتري، مرحبًا بعودتك.

ذلك ماتحدث به دييجو وهو يقوم بضمه مرحبًا به وبعد الترحيب طالعه ديميتري ثم تحدث بصوتٍ رخيمٍ وهادئ:

- مرحبًا أخي العزيز، كيف حالكم؟

قال ذلك وهو يضع حقيبته في السيارة وصعد بجانب دييجو الذي صعد للسيارة هو الآخر وقام بتشغيلها ليتحركا:

- جميعنا بخيرٍ أخي، كان فقط ينقُصُنا وجودك معنا في الآونة الأخيرة.

همهم ديميتري وهو ينظر حوله ويستنشق الهواء النقي بعدما خرجت السيارة من المطار، ولكنه انتبه على سؤال دييجو:

- أين رجالك؟ لما لم يأتوا معك؟

- أرسلتهم في مهمةٍ ما، لا تقلق.

ذلك ماتحدث به ديميتري بلا مبالاة وهو يراقب السيارات التي ظهرت خلفهم من العدم ثم قال بنبرة تحمل قدرًا من التسلية:

- يبدو أن لدينا رفقة.

اختلس دييجو نظرة إلى المرآة الأمامية ليراهم، ابتسم قبل أن يضغط على دواسة الوقود بقوة؛ فاندفعت السيارة كالسهم تشق الطريق، ولكن فجأة خرجت عدة سيارات أمامهم لكي يكون الصوت المسموع في تلك المنطقة هو صرير المكابح العنيف، شد دييجو قبضته على المقود وعيناه تجولان بسرعة بين السيارات التي أغلقت عليهم الطريق من الأمام، ثم التفت بنظرة حادة للخلف ينظر للسيارات خلفه، عقد ديميتري حاجبيه ببطئ والتفت برأسه قليلاً لتلتقي عينيه بعيني دييجو في صمتٍ مشحون، لحظة واحدة فقط ثم تحرك الإثنان في آنٍ واحد يسحبان الأسلحة من أسفل مقعديهما بحركة سلسة كأنها عادة قديمة محفورة في أجسادهما، انطلقت أول رصاصة تخترق زجاج السيارة الأمامي، بينما انخفض الإثنين يقومان بتبادل إطلاق النار.

قبل لحظات، كانت تسير دون أن تدري أنها على وشك الدخول في قلب الجحيم ذاته، كانت مهروله تريد اللحاق بآخر عربة مترو، ولكنها تجمدت في مكانها عندما سمعت صرير سيارة عالٍ بجانبها، التفتت تراقب ماذا يحدث كان هناك سيارات مصطفة وفي المنتصف سيارة واحدة فقط تعجبت مما يحدث:

- هما بيتسابقوا هنا ولا إيه؟

ذلك ماتحدث به بعدم استيعاب المصرية ولكن ثانية! كانت ثانية واحدة فقط وبدأ إطلاق النيران المتبادل، ظل جسدها متيبسًا من هول مايحدث ولكن حينما استوعبت صرخت بأعلى طاقة بها.

في نفس اللحظة كان ديميتري يرفع سلاحه مستعدًا لإطلاق وابل من الرصاص مرة أخرى لكن عينيه توقفتا فجأة، هُنَاك على جانب الطريق فتاة تقف في المكان الخطأ وفي التوقيت الأسوأ!، ثانية واحدة وتقابلت نظراتهما .. خاصتها كان مليئة بالصدمة والرُعب أما هو فشعر بشيء غريب لم+ يشعر به قط.

- ديميتري، انتبه.

ذلك ماصرخ به دييجو، لكن الرصاصة التالية لم تكن موجهةً لهم حيث انتبه الرجال لفتاةٍ على جانب الرصيف، وقاموا بتصويب أسلحتهم عليها وبسرعة خاطفة اندفع ديميتري خارج السيارة وهو يحمل سلاحه واقترب من تلك الفتاة يجذبها بعنف خلفه يُبعدها عن المكان الذي تقف به وبمجرد أن قام بتحريكها كانت الرصاصات أصابت الهواء في المكان الذي كانت تقف فيه منذ لحظات، إختبأ الإثنان خلف جدار مبنى، يده كانت تُحيط بها بإحكام دون وعي منه والرصاصات كلها موجهة نحو ذلك المبنى وهو يحاول تبادل إطلاق النيران ودييجو يساعده من داخل السيارة حيث أن السيارة ممتلئة بالعديد من الأسلحة أسفل المقاعد.

كان صوت أنفاسها المرتجف بسبب البكاء من هول الصدمة قريبًا جدًا منه، شعر بأنفاسها عند رقبته، التفت برأسه نحوها وهو يتركها بهدوء، وتقابلت عينيهما للحظات ثم تحدث بصوت رخيم وهادئ وهو يتجهز جيدًا بسلاحه  لكي يخرج من المكان ويتركها:

- إذا أردتِ البقاء على قيد الحياة .. لا تتحركي.

....................................................

تعليقات