رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل العاشر 10 بقلم دودو محمد


 رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل العاشر 

وقفت رنيم أمامه للحظات دون أن تنطق بكلمة.
كانت تنظر إليه بنظرة تجمع بين الغضب والضيق والدهشة في آنٍ واحد.
لم يكن مجرد ظهور مفاجئ، بل عودة ذكرى كاملة كانت قد دفنتها بداخلها منذ سنوات.
عاد بها الزمن للحظة الأولى التي رأته فيها.
يومها كان قد جاء إليها بعد أعوام طويلة من فقدان والديها.
لم تتعرف عليه في البداية، كان غريبًا عنها تمامًا، رجل يقف أمامها ويخبرها أنه شقيقها.
أخوها من والدتها، ومن زواجها السابق.
تذكرت جيدًا تلك اللحظة.
كيف شعرت وقتها بسعادة غريبة، كأن قطعة مفقودة من حياتها عادت فجأة.
حينها احتضنته بقوة دون تفكير، لأنها شعرت أن رائحة أمها ما زالت عالقة فيه، كأن وجوده يعيد لها شيئًا من حضن أمها الذي فقدته.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح جزءًا من أيامها.
ظلا معًا عدة شهور، يتقابلان سرًا دون أن يعرف أحد بوجوده، بناءً على طلبه هو.
لم تسأله كثيرًا وقتها، كانت فقط سعيدة لأنها لم تعد وحيدة.
لكن تلك السعادة لم تدم.
في يوم ما، جاء إليها وأخبرها أنه سيغادر البلاد، وسيعود من حيث أتى.
تذكرت جيدًا كيف ترجته وقتها أن يبقى، كيف تمسكت به وكأنها تخشى أن تفقده كما فقدت أمها، لكنه رفض.
وعدها فقط أنه سيعود قريبًا، وأن هذا الغياب لن يطول، لكن الأيام مرت، ثم الشهور، ثم السنوات، ولم يعد.
عاد الآن فقط، بعد كل ذلك.
هزت رنيم رأسها بغضب، ثم نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالوجع وقالت بصوت مختنق:
"ايه رجعك تاني يا زين؟ مش انت اخترت البعد، اخترت تسيبني لوحدي وتمشي؟ بعد ما صدقت لاقيت حد من ريحة ماما، ليه ظهرت فى حياتي، لما كنت ناوي تمشي تاني؟ كنت محتاجك اوي فى أصعب أوقاتي، امشي وانسى أن ليك اخت من اساسه."
هز زين رأسه نافيًا، وكأن كلماتها أصابته بشيء من الذنب، ثم قال محاولًا التوضيح:
"يا رنيم افهميني، أنا لما جيت هنا علشان كان نفسي اشوف اختي واتعرف عليها، بس كان لازم ارجع تاني شركاتي كلها بره، ومكانش هينفع فى يوم وليلة انقل كل حاجه لمصر، ولما سافرت كانت الحالة الصحيه لبابا خطر فضلت جنبه كل حاجه كانت فوق كتافي أنا، ولما مات كنت ناوي ارجع، بس تدهورت حال الشركات بتاعتنا ووقعت فى مأزق مالي، وطول السنين دي كنت بحاول ارجع اقف على رجلي من تاني."
نظرت إليه رنيم بحزن واضح وسألته بهدوء:
"ووقفت؟"
أومأ زين برأسه وقال:
"يعني أحسن من الاول."
ابتسمت رنيم ابتسامة موجوعة، وقالت بنبرة يختلط فيها العتاب بالخذلان:
"للاسف يا زين الشركه والفلوس عندك اهم من اختك، لأنك لو كنت حبتني بجد، كنت حتى سألت عليا بمكالمة تليفون."
مرر زين يده في شعره بتوتر خفيف، ثم قال بإحراج:
"ما أنا الصراحه خفت اتصل بيكي تكوني مع حد هنا ويعرف بوجودي."
عقدت رنيم حاجبيها باستغراب وسألته:
"انت ليه مش عايز يحد يعرف بوجودك؟ زين انت فيه حاجة مداريها عليا؟"
ابتسم زين ابتسامة متوترة قليلًا وقال:
"لا طبعا يا حبيبتي هخبي عليكي ايه؟ كل الحكايه مش عايز حد يعرف أن ليكي اخ من امك، ويخدوا موقف منك، لأن دول أهل أبوكي، وهتيقى تقيله عليهم ظهوري دلوقتي."
لكن رنيم لم تبد مقتنعة، هزت رأسها ببطء وقالت:
"مش مقتنعه، بكلامك ده يا زين."
حاول زين الحفاظ على ابتسامته وقال:
"وانا هكدب عليكي ليه بس يا حبيبتي؟"
نظرت إليه بضيق وقالت:
"مش عارفه يا زين، مش عارفه، المهم ناوي خلاص تستقر فى مصر ولا هتسافر تاني؟"
اقترب منها زين خطوة، ثم أحاط كتفيها بذراعه وكأنه يحاول إنهاء الحديث، وقال بابتسامة تخفي خلفها الكثير:
"سيبك من كل الكلام ده دلوقتي، طمنيني عرفتي تنتقمي من الوليه اللي كانت سبب في موت ماما؟"
تنهدت رنيم بضيق وقالت بصوت مختنق:
"انتقم!! أنا مش مجرمة يا زين، أنا اه بكرهه وبتمنى اشوفها بتولع قصادي، بس مش لدرجة اعمل ده بأيدي."
لكن ملامح زين تغيرت فجأة.
ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة تحمل شيئًا من الشر وهو يقول:
"مش هي دي السبب فى عذاب امك؟ هي السبب في موتها؟ ودلوقتي عايشه حياتها عادي بتاكل وبتشرب وبتنام وبتفرح عادي، ولا هاممها اللي حصل فى امك، الوليه دي لازم تدفع التمن وبعد كده تموت."
اتسعت عينا رنيم بصدمة وهي تهز رأسها برفض وقالت:
"ايه اللي انت بتقوله ده يا زين؟ مستحيل اعمل كده، أنا مش مجرمة."
تنهد زين بحزن بدا مصطنعًا وقال:
"كنت مفكر أن موت امي مأثر فيكي زي ما مأثر فيا، بس شكلك العيشه معاها فى نفس المكان، نستك عذاب امك وفراقها بالطريقة الموجعه دي."
ارتجفت ملامح رنيم.
تجمعت الدموع في عينيها لكنها رفضت أن تنزل، وقالت بصوت مليء بالألم:
"أنا عمري ما نسيت ماما يا زين، لحظة موتها شريط مستمر داخل راسي بشوفه فى اليوم مليون مرة، وفى كل مرة قلبي بينزف من الوجع عليها، دموعها كل ما افتكرها قلبي بيتقسم نصين، ولما بشوف اللي اسمها ترنيم دي شريط حياتي كلها بيمر قصاد عينيا، أنا فى قلبي مافيش غير الكره والحقد لست دي، بس موضوع الدم ده مش سكتي يا زين أنا مقدرش أذي انسان زي زيه، مقدرش."
في تلك اللحظة، أدخل زين يده داخل جيب سترته، وأخرج شيئًا معدنيًا لامعًا.
رفعه قليلًا أمامها وقال بنبرة توعد باردة:
"شايفه ده؟ كل رصاصه فيه عارفه طريقها فى جسم اللي اسمها ترنيم، بس فى الوقت المناسب، وانتي خليكي بس تقولي كلام واشعار لكن ساعة الجد جبانه."
ثم أنهى كلامه، ألقى عليها نظرة طويلة، نظرة غامضة يصعب تفسيرها، ثم استدار وغادر المكان دون كلمة أخرى.
بقيت رنيم واقفة مكانها.
عيناها معلقتان بالمكان الذي اختفى فيه زين.
كانت الصدمة واضحة على وجهها، وقلبها يدق بعنف من أثر ما قاله.
هزت رأسها ببطء رافضة كلماته، كأنها تحاول طرد الفكرة من عقلها.
ثم أخذت نفسًا عميقًا، واستدارت أخيرًا عائدة إلى داخل الفيلا.
    ***************************
في صباح يوم جديد…
استيقظت جواهر من نومها ببطء، وكأنها تخرج من حلم طويل، إحساس غريب بالهدوء يلف قلبها، هدوء غير معتاد، كأن هذا الصباح يحمل شيئًا مختلفًا.
ظلت للحظات مستلقية على ظهرها، تحدق في السقف بعينين نصف ناعستين، ثم تنهدت ببطء وهي ترفع يدها أمام عينيها.
توقفت أنفاسها قليلًا، الخاتم كان يلمع في إصبعها تحت ضوء الشمس، يرسل بريقًا صغيرًا لكنه كافي ليوقظ في داخلها ألف إحساس دفعة واحدة.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة، ابتسامة دافئة لم تستطع منعها.
نعم، ما زالت غاضبة منه.
غاضبة جدًا، لكن رغم ذلك، ما زالت غير مصدقة.
لقد أصبحت زوجته.
زوجة جواد.
الفكرة نفسها كانت تجعل قلبها يخفق بطريقة مختلفة، كأن حلمًا قديمًا جدًا، حلمًا خبأته في قلبها منذ نعومة أظافرها، قد خرج أخيرًا إلى النور.
مرت أصابعها برفق فوق الخاتم، وكأنها تتحسس الحقيقة بيديها.
ثم بحركة تلقائية خرجت من قلبها دون تفكير، رفعت يدها قليلًا وقربتها من شفتيها.
وضعت قبلة خفيفة على الخاتم.
قبلة رقيقة، خجولة، كأنها ترسلها إلى جواد نفسه.
تنهدت بسعادة صغيرة، أغمضت عينيها لحظة وهي تشعر بدفء غريب يسري في صدرها، لكن تلك اللحظة الهادئة لم تدم طويلًا.
فجأة أعلن هاتفها الموضوع بجانبها عن وجود اتصال.
فتحت عينيها ببطء، ومدت يدها تلتقط الهاتف، وقبل أن تنظر إلى الشاشة كانت تعلم جيدًا من صاحب هذا الاتصال.
وبالفعل، جواد.
اختفت الابتسامة من على شفتيها فورًا، وتبدلت إلى ملامح ضيق مصطنع.
كأنها تذكر نفسها عمدًا بأنها ما زالت غاضبة منه.
أجابت على الاتصال بصوت مختنق قليلًا وقالت ببرود:
"نعم؟"
لم يمر سوى ثانية حتى أتاها صوته، ذلك الصوت الذي يحمل دائمًا نبرة خاصة تلامس قلبها رغمًا عنها.
قال بخفة واضحة:
"صباح الورد والفل والياسمين على أجمل زوجه فى الدنيا."
تسللت ابتسامة صغيرة إلى شفتيها رغم إرادتها، لكنها سرعان ما أخفتها وهي تعتدل قليلًا في جلستها على السرير.
تكلمت بصوت غاضب متعمد:
"عايز ايه يا جواد، بلاش تعيش جو الزوج والزوجه والكلام الرومانسي الاڤور علشان ده مش لايق عليك، وبيضيقني منك اكتر."
وصلها عبر الهاتف صوت زفرة واضحة خرجت منه، وكأن كلماتها أصابته فعلًا.
فابتسمت ابتسامة صغيرة مليئة بالانتصار.
نجحت في تضييقه منذ الصباح.
لكن بعد لحظة جاءها صوته مرة أخرى، هذه المرة كان يحاول أن يبدو هادئًا، وكأنه يبتلع غضبه بصعوبة.
قال:
"أنا عارف انك بتحاولي تضايقني على الصبح يا جواهر، ومتأكد أن فيه ضحكه شريرة دلوقتي على وشك بس انا برضه مش هفرط فيكي مهما عملتي، انتي تربيتي أنا يا جواهر، وحفظك اكتر من نفسك، علشان كده متحاوليش علشان انا بحبك ومستعد اعمل أي حاجه فى سبيل انك ترجعي معايا زي الاول وتنسي اللي فات."
صمتت جواهر، لم ترد فورًا.
كلماته لامست قلبها من الداخل رغمًا عنها، فهو، رغم عصبيته وغضبه الدائم، كان دائمًا حنونًا معها بطريقة لا يستطيع أحد إنكارها.
كانت متأكدة من حبه، متأكدة جدًا.
لكن، غريزتها كأنثى، وجرحها الذي لم يلتئم بعد، جعلاها ترفض الاستسلام بسهولة.
ابتلعت تلك المشاعر وردت بصوت غاضب:
"وانت برضه الشويتين دول مش هيأثروا فيا يا جواد، علشان كل مرة بسمع فيها الكلام ده بفتكر شكلك وانت مع البنت دي وبقرف منك، واللي انت عملته ده هيفضل نقطة سودا فى حياتك."
وبالفعل، أخيرًا استطاعت أن تصل لما تريده.
فقد سمعت عبر الهاتف تنهيدة غاضبة، ثم جاءها صوته هذه المرة مرتفعًا قليلًا:
"جواهرررر بلاش تعصبيني، قلتلك أن اللي شوفتيه ده مش زي ما انتي مفكرة، اصبري عليا وهقولك الحقيقه كلها فى وقتها."
ثم سكت لحظة، كأنه يحاول أن يهدئ نفسه، قبل أن يتكلم مرة أخرى بنبرة أهدأ، لكن اللوم فيها كان واضحًا:
"أنتي كده فرحانه علشان قدرتي تعصبيني فى الاخر صح؟ ماشي يا جواهر اجهزي يلا علشان شوية وهاجي اخدك اوصلك الشركة."
عقدت جواهر حاجبيها قليلًا، وردت بسرعة:
"لا شكرا أنا معايا عربيتي، هروح لوحدي."
لكنها فجأة انتفضت في مكانها عندما جاءها صوته الجهوري عبر الهاتف، حادًا وقاطعًا:
"جووواهر، اهدي بقى كفايه كده، انتي مراتي والكلمة اللي اقولها تتسمع فاهمه."
ثم، أغلق الخط.
قبل أن يمنحها حتى فرصة للرد.
ظلت جواهر تحدق في الهاتف للحظات، وقلبها ينبض بقوة داخل صدرها.
الكلمة التي قالها قبل أن يغلق،
"انتي مراتي."
ترددت داخل رأسها، ثم داخل قلبها.
وفجأة، دون أن تشعر، ارتسمت ابتسامة جميلة على وجهها.
ابتسامة ناعمة صادقة هذه المرة.
تنهدت بسعادة، وهي تعيد الكلمة في داخلها، "مراته."
اعتدلت في جلستها على السرير، وأنزلت قدميها على الأرض، لكنها قبل أن تتحرك، وصلتها رسالة على الهاتف.
أمسكته سريعًا، وهي تظن أن جواد هو من أرسلها.
لكن، ما إن نظرت إلى الشاشة حتى اتسعت عيناها بصدمة.
الرسالة كانت تقول:
"صباح الخير يا انسه جواهر، اتمنى انك بخير، كنت حابب اطمن عليكي، بس محبتش اتصل بيكي علشان الازعاج ولا أن اسبب ليكي مشكلة مع خطيبك زي المرة اللي فاتت، اعتقد كده عرفتي أنا مين أنا وحيد الاباصيري."
تجمدت للحظة.
وحيد الأباصيري، اسم لم تكن تتوقع أن تراه على هاتفها.
تحركت أصابعها على الشاشة بسرعة وهي تكتب باستغراب واضح:
"انت جبت رقمي منين؟"
انتظرت ثواني قليلة، وكانت ترى على الشاشة أنه يكتب.
ثم ظهرت رسالته:
"جبته بطريقتي بقى، واسف على الازعاج بس صدقيني أنا عملت كده من قلقي عليكي."
زفرت جواهر بضيق.
بدأ التوتر يتسلل إلى صدرها ببطء.
فهي تعرف جواد جيدًا، تعرف غيرته التي قد تتحول في لحظة إلى عاصفة.
لو علم أن رجلًا آخر يتحدث معها على هاتفها الخاص، لن يهدأ.
قد يحرق العالم كله، وقد يدمرها هي أيضًا في غضبه.
ظهرت أمامها علامة أنه يكتب مرة أخرى، ثم وصلت رسالة جديدة:
"انسه جواهر حضرتك لسه موجودة؟ انتي شفتي رسالتي ومردتيش عليا ليه، زعلتي مني علشان جبت رقمك وكلمتك؟"
أغلقت عينيها لحظة، وكأنها تحاول أن تجمع أفكارها.
ثم فتحتها، وتحركت أصابعها بسرعة على الشاشة وهي تكتب:
"مزعلتش ولا حاجه، بس ارجوك بلاش تكلمني تاني، جواد جوزي لو عرف أننا اتكلمنا على التليفون مش بعيد يقتلني ويقتلك، امسح رقمي ومتكلمنيش تاني بليز."
ظهرت علامة أنه يكتب.
ثم جاءت رسالته:
"جوزك! هو مش كان خطيبك؟"
ردت عليه بسرعة، وكأنها تريد إنهاء الأمر فورًا:
"امبارح كان كتب كتابنا، بترجاك كفايه لحد كده وامسح رقمي من عندك، وانا همسح المحادثه دي علشان جواد ميشفهاش."
ضغطت على إرسال.
ثم دون تردد ضغطت على خيار حظر الرقم.
وبعدها حذفت المحادثة بالكامل.
ألقت الهاتف على السرير بضيق، ونهضت سريعًا، كأنها تريد أن تنهي هذا التوتر قبل أن يكبر أكثر.
ثم اتجهت نحو المرحاض، لتستعد ليوم جديد.
       **************************
بالفيلا الخاصة بغريب…
على السرير الواسع، كانت ترنيم مستلقية بعمق نومها، ملامحها هادئة وناعمة، وكأنها لم تحمل يومًا همًا أو تعبًا.
لكنها لم تكن وحدها.
كان غريب يجلس بجوارها منذ وقت، متكئًا قليلًا على الوسادة، ينظر إليها بنظرة طويلة، نظرة مليئة بشيء لا يمكن إخفاؤه، عشق خالص.
لم يكن ينظر فقط، بل كأنه يتأمل كل تفصيلة فيها، خطوط وجهها، خصلات شعرها المتناثرة حول الوسادة، هدوء أنفاسها المنتظمة.
مرت سنوات طويلة منذ أن دخلت حياته، سنوات مليئة بالمواقف والذكريات، لكن رغم ذلك، ما زال قلبه يخفق لها بنفس الطريقة، ربما أكثر.
تنهد بهدوء، وكأنه لا يصدق أن كل ذلك حقيقي، أنها ما زالت هنا، بجانبه.
في تلك اللحظة بدأت ترنيم تتحرك قليلًا، ثم فتحت عينيها ببطء، وكأنها تحاول أن تستوعب ضوء الصباح.
وقعت عيناها عليه مباشرة.
كان ينظر لها، بنفس تلك النظرة.
اعتدلت قليلًا وهي تنظر له باستغراب وقالت:
"غريب! صحيت امتى؟ ومالك بتبصلي كده ليه؟"
ابتسم ابتسامة هادئة، ثم مد يده يمررها برفق على وجهها، كأنه يخشى أن يوقظها تمامًا من ذلك الهدوء.
ثم انحنى قليلًا وقبل رأسها بحب وهو يقول بصوت دافئ:
"أنا لحد دلوقتي مش قادر اصدق انك معايا وجنبي، ام ولادي، كبرنا مع بعض وهنجوزهم واحنا مع بعض، شاركتيني حياتي، وجملتيها بضحكتك الحلوة."
تسللت ابتسامة دافئة إلى شفتي ترنيم، ابتسامة مليئة بالحب الصادق.
مدت يدها تمسك بيده، ثم رفعتها إلى شفتيها وقبلتها بحنو وهي تقول:
"انت جميل اوي يا غريب، طيبتك خطفت قلبي، حنيتك احتويتني، أنا محظوظة فعلا، أن ربنا بعتك ليا، ورزقني منك بأجمل ولاد فى الدنيا."
لينت ملامح غريب أكثر، واقترب منها قليلًا قبل أن يميل برأسه ويضع قبلة قصيرة على شفتيها.
ثم نظر لها بنظرة مشاكسة وقال:
"تعرفي انك كل ما تكبري بتزيدي حلاوة، محدش يصدق ابدا انك أم الشحط اللي فى اوضه ده، انتي اخرك يقولوا انك أخته الصغيرة."
انفجرت ترنيم بالضحك، ضحكة صافية ملأت الغرفة دفئًا.
وقالت وهي تهز رأسها:
"يا راجل يا بكاش، وبالنسبه أن كلها شهور واكون جده دي ايه؟ بس عارف، أنا جميله علشان عيونك الحلوين دول هما اللي شيفني كده، ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك ابدا يارب."
اقترب منها غريب أكثر، حتى أصبحت المسافة بينهما تكاد تختفي، ثم قال بصوت هامس مليء بالشوق:
"وحشتيني يا توتا."
فهمت مقصده فورًا.
وضعت يدها على صدره وأبعدته عنها برفق وهي تبتسم وتقول:
"اهدا يا غروبتي، مش كده يا حبيبي، الولاد زمانهم صحوا وعايزين يفطروا."
عبس قليلًا بتذمر طفولي وقال:
"يا سلام يعني هما اهم مني عندك؟"
ضحكت مرة أخرى وقالت بمزاح وهي تنهض قليلًا:
"ازاي بس، ده انا عندي تلت اطفال مش اتنين، وبعدين يا روح قلبي، لما ابنك بطوله ده يخبط علينا ولا يسألنا اتأخرتوا ليه أقوله ايه؟"
اقترب منها أكثر بعناد، وقال بجرأة واضحة:
"قوليلوا ابوك كان بيعمل معايا الواجب."
أنهى كلمته وقبلها مرة أخرى بحب.
لكن قبل أن ترد، سمع الاثنان صوت طرقات على الباب.
ثم جاء صوت جواد من الخارج وهو يقول بمزاح بصوت مرتفع:
"الفطار يا حااااجة هنتأخر، وزوقي الحاج اللي جنبك وقوليلوا بلاش شقاوة على الصبح فيه مصالح ورانا."
ثم ابتعد صوته وهو يهبط إلى الأسفل.
اتسعت عينا ترنيم بصدمة، ووضعت يدها على جبينها بضيق وهي تقول:
"عجبك كده، قلتلك بلاش، ابص فى وشه ازاي دلوقتي؟"
رفع غريب أحد حاجبيه للأعلى ونظر لها بتهكم واضح:
"نعم يا اختي! أنا جوزك علشان لو ناسيه ولا حاجه."
نهضت من السرير بضيق وهي تقول بتذمر:
"اللي يشوف افعالك دي يقول أنك بتصغر مش بتكبر."
ثم اتجهت نحو المرحاض بخطوات سريعة.
ظل غريب ينظر إلى أثرها للحظات، قبل أن يزفر بضيق ويتمتم من بين أسنانه:
"يا ابن الكلب يا جواد، ليك يوم، وهردها ليك فى وقتها."
ثم نهض من على الفراش وبدأ يبدل ملابسه استعدادًا للنزول.
وبعد وقت…
هبط الاثنان سويًا إلى الأسفل.
وما إن رآهما جواد حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة مليئة بالمزاح، وقال بنبرة مرحة:
"صباحيه مباركه يا عريس، بس مش المفروض أنا العريس مش أنت، والليله كانت ليلتي أنا؟"
رفع غريب يده وضربه بخفة على رأسه وهو يقول بتوعد:
"وغلاوة امك هطلعه عليك، اصبر عليا بس."
مال جواد برأسه قليلًا واقترب منه، ثم قال بهمس بجوار أذنه وهو يبتسم بمكر:
"انت المفروض تشكرني، أنقذت الموقف كان شكلنا هيبقى وحش، السن وليه حكمه برضه."
لكمه غريب في صدره بخفة وهو يقول بنفس النبرة الهادئة:
"خاف على نفسك انت، وشكلك فى الاخر هتطلع سوسن."
انفجر جواد بالضحك، ثم اعتدل في جلسته وقال بثقة وهو يشير بإصبعه إلى والده:
"عيب عليك يا حاج، هذا الشبل من ذاك الاسد."
ارتسمت ابتسامة على وجه غريب وهو يعتدل على مقعده وقال بنبرة مليئة بالمزاح:
"دلوقتي بقيت اسد، ناس متجيش غير بالعين الحمرا."
فهمت ترنيم فورًا ما يقصدانه، فنظرت إليهما بضيق واضح وقالت:
"بطلوا بقى كلام كتير وكلوا من سكات."
قال جواد وهو يضع الطعام في فمه ويحاول كتم ضحكته:
"شكل الحاجه هتحطك فى البلاك لست."
نظر له غريب بضيق وقال بصوت هامس:
"ما هو من النق."
تعالت ضحكات جواد مرة أخرى، لكنه عندما رفع عينيه ورأى ترنيم تنظر إليه بضيق شديد، أسرع يضع الطعام في فمه ويحاول كتم ضحكته بصعوبة.
ظل على هذه الحال حتى انتهى من الطعام، ثم نهض سريعًا وغادر المكان، قبل أن تتحول نظرات ترنيم الغاضبة إلى شيء أكثر خطورة.
    **************************
وصلت رنيم إلى الشركة بخطوات سريعة لكنها ثابتة، ملامحها هادئة من الخارج، لكنها في الداخل كانت تعيش حالة من التركيز الشديد.
المبنى كان يعج بالحركة المعتادة، أصوات الموظفين، وقع الأقدام في الممرات، وأصوات الهواتف التي لا تتوقف.
لكن رغم كل ذلك، كانت رنيم تسير وكأنها في عالمها الخاص.
دخلت مكتبها وأغلقت الباب خلفها، ثم اتجهت مباشرة إلى مقعدها خلف المكتب الكبير. جلست عليه وهي تضع حقيبتها جانبًا، ثم سحبت بعض الملفات أمامها وبدأت تتصفحها بعينين يقظتين.
كانت تتابع العمل بجدية واضحة، كل رقم، كل ورقة، كل توقيع.
فهذا اليوم ليس يومًا عاديًا.
إنه يوم الحسم.
لم تمض دقائق كثيرة حتى أعلن هاتفها عن وجود اتصال.
رفعت رأسها قليلًا ونظرت إلى الشاشة، ثم التقطت الهاتف سريعًا وأجابت فورًا.
وما إن وضعت الهاتف على أذنها حتى سمعت صوت الرجل من الطرف الآخر يقول بنبرة عملية:
"كل حاجه تمام وعلى التسليم، شوفي حضرتك ناويه نسلم امتى، وانا هبلغهم فى خط الانتاج."
استمعت إليه رنيم جيدًا، ثم مالت قليلًا للخلف في مقعدها.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة تحدي واضحة، ابتسامة تحمل الكثير من المعاني، قالت بثقة:
"النهاردة بليل، بلغهم يجهزوا كل حاجة وانا هكون موجودة ساعه التسليم."
كانت نبرتها حاسمة، وكأنها تعلن بداية معركة ستنتهي الليلة.
لكن قبل أن تضيف شيئًا آخر، فتح باب المكتب فجأة.
رفعت رنيم رأسها بسرعة، وما إن وقعت عيناها حتى اتسعت بصدمة، كان زين.
أغلقت الخط سريعًا، ثم نظرت إليه بدهشة واضحة وقالت:
"زين! ايه اللي حصل؟ خلاك تيجي لحد هنا عادي من غير ما تخاف؟"
دخل زين بهدوء وأغلق الباب خلفه، ثم اتجه نحو المقعد المقابل لمكتبها وجلس عليه.
حرك كتفيه بلا مبالاة وكأنه لا يرى الأمر بتلك الخطورة، ثم قال بنبرة عادية:
"خلاص مبقاش فيه اللي اخاف عليه، وبعدين انا فكرت فى كلامك ولاقيت عندك حق، وقد ايه انتي محتجاني."
تغيرت ملامح رنيم فورًا، اختفى الاستغراب، وحل مكانه شيء أقرب إلى السعادة الصادقة.
ابتسمت وهي تقول بفرح واضح:
"بجد يا زين؟!"
أومأ برأسه مؤكدًا وهو يبتسم لها ابتسامة خفيفة:
"بجد يا قلب اخوكي."
ثم أشار برأسه نحو الهاتف الموضوع أمامها على المكتب وقال بفضول:
"طمنيني ايه سبب الفرحه دي؟"
نهضت رنيم من مقعدها بحماس واضح، ثم دارت حول المكتب واقتربت منه. جلست على المقعد المقابل له مباشرة، كأنها تريد أن تشاركه الخبر عن قرب.
قالت بسعادة واضحة في صوتها:
"بص من فترة كده كان فيه مناقصة لشركة شاهين الرواي، وانا اخدها منه وهو علشان اتغاظ مني سحب اكتر العملاء من شركتي ولعب فى الحسابات بتاعة الشركه دي، وده خسرنا كتير وأصبحت الشركه فى مأزق مالي، انا بقى مقبلتش الهزيمه وافتكرت أن كان فيه شركة بديله لبابا من زمان اوي واونكل حسام كان مشغلها تحت اسم تاني مزيف، أنا بقى شغلت خطين الإنتاج لشركتين وضاعفت المهندسين عندي، شغلتهم ليل ونهار لحد ما خلصوا كل الشغل المطلوب مننا وبكده مافيش أي شروط جزئيه هتتاخد مننا وكمان فيه ناس كتير وافقوا يساعدوني علشان خاطر بابا الله يرحمه و الحمدالله الشغل كله هيطلع النهاردة بليل وبكده اكون عديت الازمه دي من غير أي خساير والشركتين هيشتغلوا تحت مسمى واحد سلطان الدسوقي."
كانت تتكلم بحماس، وعيناها تلمعان بالفخر.
لم تكن مجرد خطة عمل، بل كانت معركة خاضتها وحدها.
نظر إليها زين قليلًا، ثم حرك رأسه بعدم فهم وقال متسائلًا:
"طيب واللي أسمه شاهين هتعملي معاه ايه؟"
ارتسمت على وجه رنيم ابتسامة أخرى، لكنها هذه المرة كانت ابتسامة تحدي واضحة، قالت بثقة:
"هو لحد دلوقتي مستني هزمتي علشان اروح لحد عنده مذلولة وأطلب مساعدته ليا، انا بقى مستنيه اخلص من التسليم بليل، وهضرب تحت الحزام، وزي ما خلى الناس تنسحب من شركتي، هخليه يقفل شركته فى أقرب وقت، وهلعبه بأسلوبه وبطريقته."
نظر إليها زين لثواني، ثم ابتسم ابتسامة لئيمة مليئة بالإعجاب، وقال بمكر:
"قلب اخوها، شرير على صغنن، ايه يا بت الجبروت ده؟"
تراجعت رنيم بظهرها قليلًا إلى الخلف، وأسندت ظهرها إلى المقعد وهي ترفع رأسها بثقة واضحة، ثم قالت بفخر:
"ده أقل حاجه عندي، بنت سلطان الدسوقي، مش أي حد يقدر يكسرها بسهوله كده."
وقف زين من مكانه وهو ينظر إليها بإعجاب، ثم قال:
"قلب اخوها الواد الواثق من نفسه، رايح مشوار بسرعه كده واقابلك بليل علشان اكون موجود معاكي ساعة التسليم."
أومأت رنيم برأسها وابتسمت له بحنو وهي تقول:
"ماشي يا حبيبي متتأخرش عليا."
اتجه زين نحو الباب وفتحه، ثم غادر المكتب بهدوء.
أما رنيم…
فعادت إلى مقعدها خلف مكتبها مرة أخرى.
جلست وهي تأخذ نفسًا عميقًا، ثم فتحت الملفات أمامها وبدأت تتابع عملها من جديد.
لكن هذه المرة، كانت الابتسامة التي ترتسم على شفتيها تخبر أن الليلة، ستكون ليلة مختلفة تمامًا.
    ***************************
جلس جواد داخل سيارته أمام المنزل، مستندًا بظهره إلى المقعد، بينما كانت أصابعه تضرب بخفة على عجلة القيادة في إيقاع بطيء يكشف عن حالة من الترقب والانتظار.
كانت عيناه معلقتين بباب المنزل، وكأن كل ما حوله قد تلاشى من انتباهه، فلم يعد يرى المارة ولا السيارات العابرة، كل ما كان يشغله تلك اللحظة التي ستخرج فيها جواهر.
وما إن تحرك الباب أخيرًا وظهرت جواهر خارجة بخطوات هادئة حتى استقام في جلسته تلقائيًا، كأن جسده استجاب قبل عقله.
كانت ملامحها متجهمة قليلًا، وكأنها خرجت وهي عازمة على ألا تمنحه فرصة للمزاح أو الاقتراب.
ابتسم رغم ذلك، بل اتسعت ابتسامته أكثر.
فتح باب السيارة سريعًا ونزل منها، متجهًا نحوها بخطوات واثقة.
أما جواهر، فما إن اقتربت منه حتى تجاهلته تمامًا، وكأنه غير موجود.
تجاوزته متعمدة، واتجهت مباشرة نحو الباب الخلفي للسيارة، فتحته بسرعة كأنها تريد أن تنهي هذا اللقاء قبل أن يبدأ، واستعدت للصعود.
لكن يد جواد كانت أسرع.
أغلق الباب قبل أن تتمكن من الجلوس، وفي لحظة واحدة جذبها نحوه وأحاط خصرها بذراعه، حتى التصق جسدها به رغمًا عنها.
اتسعت عيناها بدهشة وغضب في آنٍ واحد، بينما هو مال قليلًا نحوها، وهمس بصوت خافت يحمل نبرة مداعبة خطيرة:
"فيه واحده تقابل جوزها بالبوز ده؟ فين الحضن الحلال؟"
ارتجف قلب جواهر للحظة رغمًا عنها، لكن غضبها كان أسرع في الظهور.
بدأت تدفعه بيديها محاولة إبعاده، وكأن قربه يشعل داخلها فوضى لا تريد الاعتراف بها.
وتكلمت بغضب واضح:
"أبعد عني يا جواد، بلاش استهبال، ابعد بقولك وبلاش تعيش الدور."
لكن جواد لم يتحرك، بل على العكس، أسند ظهرها برفق على باب السيارة، مانعًا إياها من الهروب، ثم انحنى قليلًا نحوها.
كانت المسافة بين وجهيهما ضئيلة جدًا،
قريبة لدرجة جعلت أنفاسها تختلط بأنفاسه.
وتكلم بصوت منخفض مغوي:
"لا ده مش استهبال ولا بعيش الدور، انتي مراتي على سنة الله ورسوله، وانا مش هتنازل عن حقي حضن كل يوم الصبح وحضن بليل."
اتسعت عيناها للحظة، وشعرت بحرارة غريبة تسري في وجنتيها، لكنها رفضت أن تظهر تأثرها.
رفعت حاجبها بتحدي، وردت عليه بتهكم رغم الارتباك الذي بدأ يتسلل إلى مشاعرها من قربه المهلك:
"ليه أن شاءالله، ده كان دوا حموضة وانا معرفش."
انفجر جواد ضاحكًا، ضحكة صادقة خرجت من أعماقه، ثم مال أكثر حتى أصبح وجهه قريبًا جدًا من شفتيها، وقال بصوت خافت دافئ:
"لا ده دوا قلبي اللي مشتاق ليكي، ولضحكة عيونك اللي وحشتني اوي."
توقفت جواهر عن الحركة للحظة.
كلماته، ونبرة صوته، وقربه الشديد، كل ذلك أربكها بطريقة لم تستطع السيطرة عليها.
ابتلعت ريقها بصعوبة، بينما أنفاسها أصبحت أسرع دون أن تشعر، ثم قالت بصوت خرج متقطعًا قليلًا:
"ج جواد ابعد شويه م مينفعش اللي انت بتعمله ده."
لكن جواد لم يرد، بدلًا من ذلك، مال برأسه قليلًا ووضع قبلة صغيرة خاطفة على شفتيها.
لحظة قصيرة جدًا، لكنه ابتعد بعدها مباشرة.
أما جواهر فقد أغمضت عينيها تلقائيًا دون وعي، كأن جسدها توقف عن التفكير لثانية كاملة.
ابتسم جواد وهو يراها هكذا، ابتسامة دافئة تحمل قدرًا كبيرًا من التسلية والإعجاب في الوقت نفسه.
ظل يتابع ملامحها بصمت، مستمتعًا بذلك الارتباك الذي يظهر عليها بوضوح.
وببطء شديد، فتحت جواهر عينيها.
كانت نظرتها ناعسة قليلًا من شدة خجلها، وكأنها خرجت لتوها من لحظة لم تستوعبها بعد.
لكن ما إن رأت جواد يقف أمامها يراقبها بتلك النظرة المليئة بالاستمتاع حتى اشتعل وجهها أكثر.
نظرت له بضيق، محاولة استعادة كبريائها بسرعة، ثم تحركت فجأة مبتعدة عنه.
فتحت الباب الأمامي هذه المرة، وجلست في المقعد بسرعة، وهي تسب ضعفها أمامه داخلها.
لكن، رغم غضبها من نفسها، لم تستطع منع يدها من أن ترتفع ببطء إلى شفتيها.
لمستها بأطراف أصابعها كأنها تتحسس أثر تلك القبلة.
وفجأة، ارتسمت ابتسامة عذبة صغيرة على شفتيها دون أن تشعر.
أما جواد فظل واقفًا مكانه للحظات.
ينظر إليها من خلال زجاج السيارة، ويبتسم.
ابتسامة رجل أدرك أنه بدأ يكسر جدارها الصلب، قطعة بعد أخرى.
وكان أكثر ما أعجبه في الأمر، ذلك الضعف الواضح الذي ظهر منها للحظة.
ضعف لا يراه أحد غيره.
تنهد بخفة وهو يفكر في شيء واحد فقط، أنه يتمنى أن يأتي اليوم الذي سيغلق فيه بابًا واحدًا عليهما، يصبحان فيه وحدهما، بلا حواجز ولا مسافات.
عندها فقط، سيترك لنفسه الحرية ليفعل معها ما يشاء.
وأخيرًا تحرك من مكانه، واتجه إلى باب السيارة.
صعد خلف المقود، وأدار رأسه نحوها.
كانت جالسة تنظر أمامها، لكنها لم تستطع إخفاء حمرة وجنتيها.
ابتسم بخبث لطيف، ثم غمز لها بعينه.
وأدار السيارة، لينطلق بها في الطريق.
   ***************************
بفيلا شاهين الرواي…
كان الهدوء يسيطر على أرجاء الفيلا الكبيرة، ذلك الهدوء الذي يخفي خلفه دائمًا الكثير من الخيوط الخفية والمؤامرات.
جلس زين في الصالة الواسعة براحة مبالغ فيها، مستندًا بظهره إلى المقعد الفاخر، بينما وضع قدمًا فوق الأخرى في حركة تحمل ثقة زائدة ووقاحة خفيفة في الوقت نفسه.
كانت عيناه تتجولان في المكان بنظرة خبيرة، كأنه يحفظ تفاصيل هذا البيت جيدًا، أو ربما لأنه اعتاد الدخول إليه في أوقات لا يعلم بها أحد.
ثم التفت نحو مريم الجالسة أمامه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة شريرة كسولة، وقال بنبرة مازحة تحمل في طياتها الكثير من الخبث:
"بنت خالة امي يا غاليه وحشتيني، اول ما بعتيلي جتلك على طول."
كانت مريم تراقبه بهدوء، ذلك الهدوء الذي يخفي عقلًا لا يتوقف عن الحساب والتخطيط.
رفعت حاجبها قليلًا وهي تبتسم له تلك الابتسامة التي يعرفها جيدًا، ابتسامة لا تحمل أي دفء، بل تحمل اتفاقًا صامتًا بين شخصين يعرفان تمامًا ما الذي يريدانه من الآخر.
وقالت بنبرة هادئة ماكرة:
"رجل المهام الصعبه، مافيش غيرك اللي هيعرف يتواصل مع اختك وينقل لينا اخبارها اول بأول."
لم تتغير ملامح زين، بل اتسعت ابتسامته أكثر.
حرك قدمه الموضوعة فوق الأخرى قليلًا، وكأنه يستمتع بالدور الذي يلعبه، ثم أكمل عنها الجملة وكأنه يقرأ أفكارها:
"واللي هيخليها تقتل حبيبة قلبك ترنيم."
انطلقت ضحكات مريم الشريرة في المكان، ضحكة خرجت خفيفة لكنها تحمل الكثير من الحقد المكتوم، ثم قالت بنبرة إعجاب خبيثة:
"حبيب قلب خالتو اللي فاهم دماغها بأقل مجهود منها."
وفي تلك اللحظة تحديدًا، انفتح باب الفيلا.
دخل شاهين بخطوات ثابتة، وعيناه تمسحان المكان بحدة قبل أن تتوقفا عند زين الجالس براحة وكأنه صاحب البيت.
تجهمت ملامحه قليلًا.
لم يرحب به سوى بحركة رأس مقتضبة، تحمل قدرًا واضحًا من الضيق وعدم الارتياح، لكن زين لم يهتم.
بل على العكس، ابتسم له ابتسامة لئيمة وقال ساخرًا:
"كده برضه يا شوشو مطلع عين اختي، البت ناويه ليك على نيه إنما ايه هتطلع من نفوخك."
جلس شاهين على المقعد المقابل له، ووضع قدمًا فوق الأخرى في حركة لا تقل تحديًا، ثم قال بنبرة باردة مليئة بالثقة:
"أعلى ما في خيلها تركبه، مش هخاف من حتة بنت مطلعتش من البيضه."
لكن زين مال بجسده قليلًا للأمام، وعيناه تلمعان بدهاء واضح، وقال بنبرة منخفضة تحمل تحذيرًا خفيًا:
"حتى لو البنت دي ناوية، تضربك تحت الحزام؟"
تجهم وجه شاهين قليلًا وهو ينظر إليه، ثم قال بثقة واضحة:
"قصدك يعني على الشركه التانيه البديله؟ لا ده شغل أهبل ميشغلنيش بحاجه، أنا سايبها تكمله بمزاجي."
رفعت مريم حاجبيها بدهشة حقيقية هذه المرة، ونظرت إليه بتساؤل واضح:
"وده من أمتى أن شاءالله؟ مش كانت الشركه اول هدف ليك."
أومأ شاهين برأسه بهدوء، وكأنه يشرح خطة مدروسة بعناية، وقال:
"ايوه، بس هي لو خلصت الدفعه الاولى، مش هتقدر تخلص الدفعه التانيه، لأن المناقصتين اللي وراه بعض هيكونوا بتوعي وكده هيوقف خطوط الإنتاج لشركتين، وهيكون وقتها الشروط الجزائية مضاعفه، ووقتها هتجيلي مذلولة علشان اساعدها وانقذها."
سادت لحظة صمت قصيرة.
لكن زين لم يبدو مقتنعًا تمامًا.
ضيق عينيه قليلًا وقال بنبرة تحذير حقيقية هذه المرة:
"خد بالك بس، علشان رنيم مش من النوع اللي بيتهزم بسهولة، انت لو شوفت نظرت عيونها والتحدي اللي فيهم ساعة ما كانت بتتكلم عنك، كنت خوفت وفهمت قصدي ايه."
توقفت ملامح شاهين للحظة.
لم يرد فورًا، بل نظر أمامه قليلًا، وكأن كلمات زين أعادت إلى ذهنه ذكرى معينة.
ذكرى قريبة جدًا، ذكرى تلك اللحظة التي اقترب فيها من رنيم، ورأى عينيها عن قرب.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة دون أن يشعر، وقال بصوت منخفض كأنه يحدث نفسه:
"عليها جوز عيون تشبه عيون الصقر  وهو بيركز على فريسته، عيون حادة مخيفه وجميله فى نفس الوقت."
لم يعجب مريم ذلك الوصف إطلاقًا.
تغيرت نظرتها فورًا، وأصبح صوتها أكثر صرامة وخطورة عندما قالت:
"ركز على مهمتك يا شاهين، بلاش تكون الفريسه، لانك اتولد صياد يا ابن بطني."
انتبه شاهين إلى نفسه فورًا، وكأن كلماتها أعادته إلى أرض الواقع.
تبدلت ملامحه بسرعة، اختفت تلك النظرة الغريبة من عينيه، وحل محلها بريق أكثر قسوة، ثم قال بثقة حادة:
"أنا عمري ما كنت فريسه يا أمي، وانتي عارفه كده، رنيم فريسه بس مش سهله، وده اللي خلى اللعبه مسليه اوي ليا، بس متقلقيش فى أيدي خيوط اللعبه كلها ووقت ما أحب أنهى هدمر الكل وهي منهم."
أنهى كلامه ببرود، ثم استقام بجسده، واتجه نحو الدرج دون أن يضيف كلمة أخرى.
صعد إلى غرفته بخطوات ثابتة.
ظل زين يراقب أثره للحظات، ثم التفت ببطء نحو مريم، وابتسامة لئيمة ترتسم على وجهه، وقال بنبرة ماكرة:
"ايه الموضوع، السنارة غمزت ولا أيه يا خالتي؟"
لم تبتسم مريم هذه المرة.
بل ظلت تنظر أمامها بقلق خفي، وكأنها بدأت تشعر بأن اللعبة قد تنقلب بطريقة لم تكن تتوقعها.
ثم قالت بصوت منخفض متوتر قليلًا:
"شكلها كده يا ابن فريدة ولازم ادخل بسرعه وافوقه."
ثم التفتت إليه فجأة، وأصبحت نبرتها حادة آمرة:
"اللي هقولك عليه تنفذه دلوقتي حالا، فاهم."
لم يتردد زين، بل اتسعت ابتسامته الشريرة، وأومأ برأسه بطاعة واضحة.
ثم مال نحوها قليلًا، يستمع باهتمام لما تمليه عليه من أوامر.
   ****************************
بالمساء…
كان جواد جالسًا على الأريكة داخل تلك الشقة الهادئة، لكن الهدوء المحيط به لم يكن يشبه الهدوء الذي بداخله.
جسده مسترخي ظاهريًا، لكن عقله كان في مكان آخر تمامًا، بعيدًا عن هذه الشقة، بعيدًا عن هذه الليلة، بعيدًا عن المرأة الجالسة بجانبه.
كانت نظرته حادة، ثابتة في نقطة ما أمامه، كأنه يجبر نفسه على التفكير في أي شيء، أي شيء يبعده عما يحدث الآن.
كان يحاول أن يشغل عقله بعمله، بالمشاكل التي تنتظره، بأي خطة يمكن أن يضعها، لكنه لم يستطع.
انتفض جسده فجأة عندما شعر بيدها تتحرك على صدره ببطء وبطريقة مقصودة، لمسة تحمل جرأة واضحة.
أغلق عينيه بقوة للحظة، وكأن أعصابه صرخت داخله.
وقال في نفسه بغيظ مكتوم:
"أهدي الله يحرقك، ده لو جواهر طالتك هتقتلك."
فتح عينيه مرة أخرى سريعًا، وأجبر نفسه على رسم ابتسامة حاول أن تبدو طبيعية رغم التوتر الذي يسري في أعصابه.
ثم قال بنبرة خفيفة متصنعة المرح:
"انتي مستعجله ليه بس يا مدام رقيه، الليل لسه فى أوله."
اقتربت منه رقيه أكثر، وكأنها لا ترى شيئًا سوى الهدف الذي جاءت من أجله.
مالت نحوه ووضعت قبلة على خده، ثم همست بصوت منخفض:
"ما أنا عايزة ابدأ الليله من أولها علشان اشبع منك يا روحي، انت متعرفش انا مستنيه اللحظه دي من امتى، من أول مرة شفتك فيها، كنت بتخيل نفسي وانا فى حضنك."
لكن الحقيقة التي لم تكن تعرفها، أن جسد جواد كله كان يرفضها.
كل لمسة منها كانت تجعله يشعر بنفور حقيقي، كأن شيئًا داخله يصرخ بالابتعاد عنها.
نهض فجأة من مكانه كأن الجلوس أصبح مستحيلًا، وقال بتلعثم خفيف وهو يحاول الهروب من هذا الموقف:
"هروح احط حاجه نشربها خلي الليله تسخن اكتر."
لم ينتظر ردها، بل تحرك بسرعة نحو المطبخ.
وقف هناك للحظة، مستندًا بيديه على الرخامة، يلتقط أنفاسه ببطء.
ثم بدأ يجهز المشروب في الكأسين.
لكن حركته توقفت للحظة عندما أخرج عبوة صغيرة من جيبه.
نظر إليها سريعًا، ثم وضع عدة نقاط في أحد الكأسين، وأعاد العبوة مكانها مرة أخرى.
حمل الكأسين وتحرك عائدًا.
لكن قبل أن يصل، سمع صوت رقيه يناديه من داخل غرفة النوم.
زفر بضيق واضح، وتمتم بصوت خافت ساخر:
"الله يحرقك، حفيدة إبليس بعينيها، مدد يارب مدد."
ثم دخل الغرفة.
كانت جالسة على السرير تنتظره.
وضع أحد الكأسين بجوارها، وأخذ الآخر في يده وحركه قليلًا، ثم قال بنبرة هامسة مثيرة:
"خدي اشربي عايزك النهاردة تكوني فرسه."
لكنها أخذت الكأس منه ووضعته بجوارها دون أن تشرب.
اقتربت منه مباشرة، وقبلته بإغراء واضح وقالت بثقة:
"أنا هخليك بعد الليله دي، تكره الستات كلها ألا انا."
رفع حاجبه قليلًا وهو يهمس بسخرية خفية لم تدركها:
"ده انا هحب كل الستات الا انتي."
ثم نظر إليها وابتسم ابتسامة متوترة وهو يقول بكذب واضح:
"طبعا يا روكا، مافيش منك اتنين."
مد يده وأخذ الكأس مرة أخرى، وقربه من شفتيها قائلًا بإلحاح:
"اشربي يا روحي علشان خاطري."
أخذت أول رشفة.
ثم اقتربت منه مرة أخرى وقبلته، لكنه ابتعد عنها بسرعة ملحوظة وهو يحاول إخفاء اشمئزازه.
بدأ يدفعها بلطف لتكمل المشروب، حتى شربته بالكامل دون أن تعترض.
بعد لحظات، اقتربت منه مرة أخرى، وبدأت تفتح أزرار قميصه وهي تقول بنبرة جريئة:
"يلا بقى يا قلبي."
ابتعد عنها قليلًا وهو يتمتم بضيق خافت:
"يخربيت اللي جابوكي حرمة سعرانه كده ليه."
ثم ابتسم لها بتوتر مصطنع وقال:
"اهدا يا جميل مش كده، انا اللي هاخد الخطوة الجامدة دي مش انتي."
وبينما كان يتظاهر بخلع قميصه، بدأ يفك أزراره ببطء، ثم قال وكأنه يسأل سؤالًا عابرًا:
"صح يا روكا اشمعنا شركتنا بالذات اللي جيتي ليها علشان تطلبي منها طقم حراسه؟"
بدأ تأثير الحبوب يظهر عليها.
ثقل في حركتها، بطء في الكلام، ثم قالت وهي تبتسم بتراخي:
"علشان اوصلك انت يا جميل."
نظر إليها بتركيز أكبر وسألها:
"وليه بقى كنتي عايزة توصلي ليا؟"
نهضت من السرير وهي تتمايل قليلًا، واقتربت منه ثم قبلت صدره العاري وقالت بصوت متداخل:
"علشان اشغلك بيا يا جوجو، مطلوب مني اخليك تقع فى حبي وتنام معايا علشان احمل منك، وخطيبتك تبعد عنك وتسيبك، بس اللعبه قلبت عليا أنا وحبيتك بجد يا جواد."
تجمد جواد في مكانه، انتبه فورًا، وقال بقلق حقيقي:
"ومين اللي طلب منك الكلام ده؟"
بدأ وعيها يضعف أكثر، كلماتها أصبحت متقطعة وغير واضحة، قالت بصعوبة:
"خ ا ل ت و… م ر ي م."
ثم فقدت توازنها فجأة.
وسقطت داخل أحضانه فاقدة الوعي.
أغمض جواد عينيه بضيق شديد.
لم يستطع توقع الاسم.
لم يكن يتوقع أن يكون هناك عدو خفي يخطط بهذه الطريقة.
تنهد بغضب واضح، ثم حمل رقيه ووضعها على السرير بحذر، وخرج من الغرفة.
جلس على الأريكة مرة أخرى، وأخذ هاتفه.
أجرى اتصالًا بـ جواهر، انتظر بضع ثواني، حتى جاء صوتها الغاضب عبر الهاتف:
"افندم؟"
ابتسم دون أن تشعر به، وقال بصوت دافئ:
"وحشتيني اوي يا جوجو، بتعملي أيه؟"
ردت عليه بنبرة أهدأ قليلًا:
"ولا حاجه قاعده فى اوضي زهقانه، وانت؟"
ابتلع ريقه قليلًا وقال بتوتر خفيف:
"ها، ولا أي حاجه قاعد فى شغلي مع عميل مهم، ادعيلي بس احسن الشغل مطلع عيني، وشقي اوي."
جاء صوتها هذه المرة مشككًا:
"هو ايه ده اللي شقي؟"
انتبه لنفسه بسرعة وقال:
"ابن العميل شقي اوي، مبيهداش، بوتاجاز خمسه شعلة بعيد عنك."
لم تبدو مقتنعة، وقالت بتهكم:
"والله! طيب ربنا يقويك عليه."
ضحك بخفة وقال:
"ياااارب يسمع من بوق ربنا، هروح انا بقى اطفي البوتاجاز، اقصد احرس العميل وابنه الله يحرقه."
ابتسمت قليلًا رغمًا عنها، لكنها سرعان ما قالت ببرود:
"ماشي سلام."
أغلق الخط، نظر نحو باب الغرفة حيث تنام رقيه فاقدة الوعي.
ثم تراجع بجسده على الأريكة وقال بمزاح مرهق:
"أقسم بالله لو جواهر تعرف أنا فين دلوقتي كانت جات ولعت فيا وفي الشعله اللي نايمه فى الاوضة دي."
ثم أغمض عينيه قليلًا، ليأخذ قسطًا من الراحة، قبل أن يعود إلى منزله.
  
تعليقات