رواية الاخطبوط الفصل العاشر 10 بقلم اماني سيد


 رواية الاخطبوط الفصل العاشر 

افتكرت عزه لمسة شفايف عمار على رجلها !
حست برجفة سريعة مشيت في جسمها كله، وجع رجلها اتنسى قدام إحساس تملّكها في اللحظة دي.. افتكرت إزاي كان ماسك رجلها بكفوفه الخشنة بس بحنان غريب، وكأنه بيمسك جوهرة خايف تتهشم، افتكرت إزاي كان بيمتص السم بقوة، كأنه عايز ياخد الموت نفسه منها ويفتديها بيه. عيونها دمعت وهي بتفتكر نظرته الأخيرة ليها قبل ما يسيبها ويخرج، النظرة اللي كانت مليانة كلام كتير قوي، كلام كان أبلغ من أي قصة حب اتقالت.
افتكرت كمان لما شالها بين إيديه، حست بأمان مكنتش حاساه طول عمرها، حست إنها بقت عيلة صغيرة في حضنه، افتكرت إزاي كان بيجري بيها وهو بيصرخ في الكل يوسعوا له السكة، كأنه بيسابق الزمن عشانها.. افتكرت خوفه الحقيقي عليها، الخوف اللي كسر كل الحواجز اللي بينهم.
عزة غمضت عينيها تاني، بس المرة دي عشان تعيش اللحظات دي تاني في خيالها، تحس بدفء جسمه وهو شالها، وبلمسة شفايفه على رجلها.. حست إن فيه حاجة اتغيرت جواها، حاجة كانت ميتة وصحيت من جديد.. حست إن عمار مكنش بس مهندس باعتينه عشان يهد الجبال، كان سندها وضهرها في وقت الشدة، كان الراجل اللي ضحى بحياته عشانها.. حست إنها بدأت تلمح "القلب الطيب" ورا "القناع الجليدي" اللي هو لابسها طول الوقت.. حست بملامحه بتتشكل بشكل مختلف 
في اللحظة دي، دخلت حنان الغرفة، وشافت عزة وهي نايمة ومبتسمة ابتسامة باهتة، قالت بصوت هادي:
— "حمد الله على سلامتك يا عزة.. البشمهندس عمار لسه خارج، كان قلقان عليكي قوي."
عزة فتحت عينيها تاني، وبصت لحنان بنظرة غريبة، نظرة كان فيها ألف سؤال وسؤال، بس مكنش فيه غير إجابة واحدة في قلبها..
فجأة، انقبضت ملامح عزة وكأن تياراً كهربائياً ضرب قلبها، تلاشت الابتسامة الباهتة وحلت محلها نظرة رعب باردة.. وكأن ذكرى "سعيد" هجمت عليها مثل ذئب جائع لينتشلها من لحظة الأمان المزيفة.
استعادت عزة أنفاسها بصعوبة، وصورة عمار وهو يمتص السم من جسدها تداخلت مع صورة قديمة لسعيد.. سعيد الذي كان بارعاً أيضاً في تمثيل دور "المنقذ"، الذي دخل حياتها بكلام معسول ونظرات كانت توهمها بالستر، حتى تمكن من خنق روحها وكسرها.
غمغمت عزة في سرها بمرارة:
"كلهم زي بعض.. بيبدأوا بالحنية والشهامة، لحد ما نقع في الفخ، وبعدها بيظهر الوش الحقيقي. سعيد كمان كان بيمثل إنه بيخاف على الهوا اللي بتنفسه.. وفي الآخر كان هو اللي كتم نَفَسي."
حست بـ "قرف" من نفسها لأنها سمحت لقلبها يدق ثواني لمجرد لمسة، وبدأت تشك في كل حاجة.. ليه عمار عمل كدة؟ هل ده جزء من خطة "الشركة" عشان يسيطروا على الدار؟ هل هو ومحمد وجهين لعملة واحدة؟ واحد بيضحك على زينب بالجواز، والتاني بيحاول يثبت بطولته قدامها عشان يسكتها عن اللي بيحصل في الجبل؟

حنان لاحظت التحول المفاجئ في وش عزة، وسألتها بقلق:
— "مالك يا عزة؟ رجلك وجعتك تاني؟ أنده للدكتور؟"
عزة بصت لها بعيون مليانة حزن وغل، وقالت بصوت ناشف:
— "لا يا ست حنان.. مفيش دكتور بيعالج الوجع ده. أنا بس افتكرت إن التعبان اللي قرصني في الجبل أرحم بكتير من "تعابين" تانية لبست وش بني آدمين ودخلت حياتنا زمان. البشمهندس ده لازم نبعد عنه، كلامه وفعله وراهم غرض.. والجميل اللي عمله ده أنا هردهوله، بس مش عايزة أشوف وشه هنا تاني."
حنان استغربت من الهجوم المفاجئ، بس سكتت لأنها عارفة "جرح" عزة القديم وقديش هو غاير.
بره في الممر، كان عمار لسه واقف، ساند راسه على الحيطة.. مكنش عارف إن "البطولة" اللي عملها، صحت في قلب عزة "شيطان" قديم اسمه الشك، وإن معركته الجاية مش هتكون مع صخر الجبل، لكن مع ذكريات راجل تاني دمر ثقة عزة في جنس الرجال كله.

في الناحية تانية، كان رحيم قاعد في مكتبه  وصوت الموسيقى الكلاسيك الهادية مغطي على أي دوشة. رفع رحيم موبايله  ورد ببرود:
— "إيه يا عمار؟ طمني.. اللودرات هدت قد إيه من التل النهاردة؟"
عمار (بصوت مكتوم وفيه نهجة وتوتر):
— "اللودرات وقفت يا رحيم بيه.. أنا في المستشفى."
رحيم (عدل قعدته على الكرسي الجلد الفخم، وعينه لمعت بشك):
— "مستشفى؟ جرى لك حاجة؟"
عمار:
— "أنا كويس، بس الأرض طلعت سمومها علينا.. فيه ست من الدار اللي جنبنا قرصتها "طريشة" وهي واقفة قدام بابها، والموضوع قلب قلبة وحشة والعمال خايفين يكملوا. يا رحيم بيه، الجبل ده فيه بلاوي، ولو مبعتش طقم تطهير متخصص وفريق رش يقلب المنطقة النهاردة، بكرة الصبح هتلاقي المحافظة والنيابة واقفين فوق راسنا بسبب بلاغ من الدار.. والأطفال هناك مسؤولية مش هتعرف تسكتها بفلوس."
رحيم سكت، وبدأ يحرك صباعه على طرف المكتب الأبنوس، وصوته نزل لدرجة مرعبة من الهدوء:
— "إنت بتتصل بيا من المستشفى عشان تقولي "نوقف" يا عمار؟ إنت عارف الساعة في المشروع ده بتكلفني كام؟ وبعدين من إمتى وإنت قلبك رهيف قوي كدة على جيرانك؟"
عمار (بيحاول يلم الدور):
— "مش رهيف يا جناب الباشا، أنا بحمي رقبتنا. البت اللي اتصابت دي لو جرى لها حاجة، الدنيا هتتقلب، والدار دي عين الدولة عليها. خلينا نطهّر المكان ونرش سموم تموت أي حاجة بتزحف، عشان الرجالة تشتغل وهي مطمنة وعشان الدار تسكت."
رحيم (بابتسامة باردة وهو بيبص من ورا الزجاج الفخم لمكتبه على أضواء المدينة):
— "تمام.. فى تيم تطهير جايلك فى الطريق كلمتهم ومظبط معاهم كل حاجه فريق كامل متخصص في إبادة الزواحف، ومعاهم تصاريحهم عشان يدخلوا حتى جوه جنينة الدار لو لزم الأمر. بس اسمع يا عمار.. ملمحش وشك في المستشفى دقيقة زيادة. تخلص المكالمة، تغسل إيدك، وترجع تقف فوق راس اللودرات. الأرض دي ملكي، واللي فيها ملكي، ومحدش يوقفني.. مفهوم؟"
عمار قفل السكة وهو بيشتم في سِره، بص بصه أخيرة على باب أوضة عزة، ومسح وشه بتعب، ونزل جري عشان يسبق فريق الرش ويوصل لموقع "المعركة" من تاني.
مرّ يومين، وعزة خرجت من المستشفى ورجعت الدار، بس رجوعها مكنش زي خروجها؛ كانت ماشية بتعرج بسيط بس قلبها كان شايل حمل أتقل من رجلها. وفي وسط الغبرة وصوت المكن اللي مبيسكتش، وقفت عربية سودة فخمة، من النوع اللي يخلي العمال يسيبوا اللي في إيدهم ويبلموا.
نزل السواق وفتح الباب، ونزل رحيم.. هيبة، شياكة، ونضارة سودة مخبية عينين مابتشوفش غير مصلحتها. وقف يعدل جاكيت بدلته الغالية وسط التراب، وكأنه ملك داخل مملكته. عمار أول ما شافه، ساب اللودرات وراح عليه 
— "رحيم بيه ! نورت الموقع يا باشا..
رحيم (بصوت هادي زي هدوء المقابر):
- انا جيت عشان اقابل مدام حنان بخصوص الارض افتكر كده بقالنا شهر بنساوى الارض واتساوت فاضل مكان الدار دى وانا جاى عشان اخرجهم منها 
حنان كانت واقفة ورا السور،وبتراقب  المنظر، وشكت انه ممكن يكون ده صاحب الارض الجديد هيبته ولمت العمال حواليه خلتها تتوقه انه مالك الارض 
انتهى رحيم من الكلام مع العمال واخد  رحيم ودخل الدار واستقبلته حنان فى مكتبها 
حنان (بصوت عالي ومن غير خوف):
— "أهلاً يا بشمهندس عمار.. ومين الضيف؟ صاحب الارض اللي بره ده؟"
رحيم نزل نضارته ببطء، وبص لحنان نظرة "تفحص" كأنه بيشوف هي تسوى كام، وقال بابتسامة صفرا:
— "أنا رحيم.. صاحب الأرض اللي هتبني مستقبل المنطقة دي. جيت بنفسي أتطمن على الآنسة اللي التعبان قرصها.. يرضيني برضه إن جيراني يبقوا بخير."
عزة كانت واقفة بتبصله بغل، ملامحه فكرتها بـ "سعيد" بس على أنضف وأخطر بكتير
بدأت حنان الكلام معاه والدخول فى الموضوع على طول 
ـ بس الدار دى مش للبيع يا رحيم بيه والملجا ده مش هيتهد واللى فيه يتشردوا 
— "بس يا ست حنان، الدار دي شكلها تعبان قوي.. الحيطان دي مش حمل الهز اللي حواليها. حرام تظلمي العيال معاكي في مكان ممكن يقع في أي لحظة. إيه رأيك لو فكرنا في "حل" يرضي الكل؟ نشتري راحة بالكم بمبلغ محترم، وتنقلي العيال لمكان أنضف؟"
حنان (ردت عليه بحدة):
— "الدار مش للبيع يا رحيم بيه، والحيطان دي شايلة أرواح مش شايلة طوب. لو خايف على راحتنا، ابعد لودراتك عننا، وإحنا هنبقى زي الفل."
رحيم سحب نفس طويل، وطلع دخان سيجاره ببطء وهو بيبص لحنان بنظرة فيها "ثقة" تقلق.. شبك صوابعه قدامه على المكتب وقال بصوت ناعم زي الحرير:
— "يا ست حنان، أنا مابحبش العند اللي ملوش لازمة، وخسارة الست العاقلة زيك تضيع فرصة عمرها وعمر العيال دي عشان شوية طوب مشقق. أنا مش بس جاي أخرجكم.. أنا جاي أنقلكم جنة."
حنان سكتت وبصت له بتركيز، كمل رحيم وهو بيميل بجسمه لقدام:
— "أنا اشتريت البيت اللي في أول الطريق، البيت اللي الكل بيقول عليه 'فيلا '
جنينة واسعة، غرف متهوية، ومباني زي الحديد، وأكبر من الدار دي مرتين. البيت ده جاهز من مجاميعه، يدوب تنقلي هدوم العيال وتروحوا هناك.. وده مش عرض، ده قرار هيتنفذ خلال أسبوع، عشان الدار دي لازم تتهد، ومكانها هيتساوي بالأرض."
عزة كانت واقفة بعيد، عيونها بتلمع بغضب، بس كلام رحيم اللي جاي خلاها تتسمر مكانها:
— "ومش بس كدة.. أنا هخصص مبلغ شهري للدار، رقم يخلي العيال دي تاكل وتشرب وتلبس أحسن لبس.. وأي بنت من بناتك هنا توصل لسن الجواز، 'شوارها' وجهازها كله من الإبرة للصاروخ عليا أنا شخصياً.. هجوزهم جوازات تشرف، وكأنهم بناتي."
ومش بس كده هوفر ليهم كمان فرص عمل جوه المزرعه اللى هتتبنى هنا المزرعه هتكون كبيره فوق ما خيالك يصورلك ومش هتتبنى فى حته الارض اللى انتى شيفاها دى بس لا دى هتاخد الجبل اللى قدامك واللى وراه ده كله 
حنان حست إن الأرض بتلف بيها.. العرض مغري لدرجة تخوف، ومصالح البنات اللي شايلة همهم بدأت ترفرف قدام عينها. بصت لعزة اللي وشها كان باهت، وقالت بصوت مهزوز:
— "واللي بيقدم كل ده يا رحيم بيه.. بيبقى عايز إيه في المقابل؟ مفيش حد بيرمي دهب في الأرض لله وللوطن."
رحيم لبس نضارته السودة تانى وقام وقف بكل هيبته:
— مافيش مقابل ' يا ست حنان.. تنقلي في هدوء، وتنسي إن كان فيه هنا دار،  قدامك 48 ساعة تفكري، بس خليكي فاكرة الهدم  هيبدأ الأسبوع الجاي، يا تخرجي بكرامتك للفيلا الجديدة، يا تخرجي واللودر فوق راسك. سلام يا.. جارتي العزيزة." 
حنان بصت من الشباك على العيال وهم بيلعبوا في الجنينة، وقالت بكسرة:
— "والجهاز يا عزة؟ والبنات اللي مش لاقيين ياكلوا؟ والحيطان اللي هتقع علينا؟ الراجل ده حط السم في العسل.. وعارف إننا محتاجين العسل ده عشان نعيش."


تعليقات