رواية الاخطبوط الفصل الحادي عشر
بعد يومين من زيارة رحيم، والشمس لسه بتشقشق على دار الأيتام، الهدوء قطعه صوت سرينة عربية "بوكس" ومعاها عربية تابعة للمجلس المحلي.
عزة كانت واقفة في الجنينة، بتعرج بسيط وهي بتسقي الزرع، قلبها انقبض أول ما شافتهم. خرجت حنان تجري وهي بتعدل طرحتها، وشها كان مخطوف.
— "مدام حنان؟ معاكي بلاغ إزالة فوري وإخلاء للدار خلال 24 ساعة. المبنى طالع له قرار إنه 'آيل للسقوط' ويمثل خطورة داهمة على الأرواح، خصوصاً بعد تصدع الحيطان بسبب أعمال الحفر اللي جنبكوا."
حنان (بصدمة وهي بتمسك الورقة وإيدها بتترعش):
— "إزالة إيه يا حضرة؟ الدار دي واقفة من سنين! وبعدين القرار ده طالع بناءً على إيه؟ إحنا مقدمين طلب ترميم من شهر ومحدش رد علينا!"
الموظف (وهو بيمشي):
— "والله يا ست الكل دي أوامر، والتقرير الهندسي بيقول إن الهز اللي حصل اثناء الحفر حوالين الدار خلّى التربة غير مستقرة. قدامك ل بكرة الصبح، وإلا الإخلاء هيبقى بالقوة الجبرية عشان نحمي الأطفال.
"عزة سحبت الورقة من إيد حنان وقرتها، عيونها كانت بتطلع شرار. بصت ناحية الجبل، شافت من بعيد عربية عمار السوداء واقفة، عمار ساند بضهره عليها وبصص لهم وهو بيدخن سيجاره بكل برود، وكأنه بيتفرج على مسرحية هو اللي كاتبها.
عزة (بصوت مخنوق من الغل):
— "شوفتي يا ست حنان؟ العسل اللي كان بيقدمه طلع مسموم فعلاً. هو اللي هز الأرض تحتنا باللودرات بتاعته، وهو اللي جابلنا قرار الإزالة عشان يرمينا في الشارع، ويجبرنا نروح 'الجنة' بتاعته بمزاجنا.. الراجل ده مبيسبش حاجة للصدفة، ده أخطبوط بجد!"
حنان قعدت على أقرب كرسي في الجنينة، والعيال بدأوا يتلموا حواليها وهما خايفين من شكل العساكر والورق. بصت لعزة وقالت بكسرة:
— "الفيلا يا عزة.. هو عارف إن معندناش مكان نروح فيه بالعيال دي في 24 ساعة. يا ننام في الشارع واللودر يهد المكان فوق عفشنا، يا نروح نقعد في حماه ونمضي على التنازل."
حنان (بصوت مهزوز ومليان حيرة):
— "أنا مش قادرة أفهم يا عزة.. هو الراجل ده بيلعب بينا ليه؟ لسه من يومين كان بيعرض فيلا وجهاز بنات وشهرية.. إيه اللي جاب المحليات وقرار الإزالة دلوقتي؟ تفتكري يكون سحب عرضه؟ تفتكري لما لقى منّي صدّ في الكلام، قرر يرمينا في الشارع ويخلص؟"
عزة (بصت لها بنظرة حادة، وقامت وقفت وهي بتسند على رجلها بوجع):
— "يسحب عرضه؟ يا ست حنان رحيم ده مبيسحبش حاجة.. رحيم ده 'أخطبوط'. الأخطار ده هو (الرجل التانية) للأخطبوط عشان يكتفنا بيها. هو مجاش يعرض علينا الجنة عشان سواد عيونا، هو جه يرمي الطعم.. ولما لقاكي بتفكري، شد الحبل عشان يخنقنا ويجبرنا نبلع الطعم وإحنا بنبوس إيده كمان."
حنان (بدموع):
— "بس ده قرار إزالة يا عزة! يعني لو مخرجناش، اللودر هيهد علينا بجد. معقول يكون مجهز كل ده من قبل ما يدخل مكتبنا؟"
عزة (بضحكة مريرة):
— "مجهز؟ ده أكيد كان ماضي قرار الإزالة وهو بيشرب القهوة معاكي! هو كان عارف إننا هنرفض أو هنتردد، فحب يورينا 'الوش التاني' بدري.. عشان لما نروحه دلوقتي نترجاه يفتح لنا الفيلا، يفتحلها لنا بشروطه هو
ـ بقولك ايه يا عزه انا هتصل بيه دلوقتي وافهم منه كل حاجه بدل الحيره دى
عزة (بمرارة):
— "كلميه يا ست حنان.. بس خليكي عارفة إنك بتكلمي الصياد اللي نصب الفخ. هو مستني الرنة دي بالثانية."
أخذت حنان نفساً عميقاً وضغطت على زر الاتصال.. لم يكمل الهاتف الرنة الثانية حتى جاء صوت رحيم، هادئاً، بارداً، وواثقاً لدرجة مرعبة.
حنان (بصوت تحاول جعله متماسكاً):
— "أظن حضرتك عارف اللي حصل يا رحيم بيه.. أنا بس بسأل، لسه كلامك ساري؟ ولا قرار الإزالة ده معناه إنك سحبت عرضك وعايز ترمينا في الشارع؟"
رحيم (بضحكة خفيفة مكتومة):
— "أنا مابرجعش في كلمتي يا ست حنان، أنا راجل بحترم جيراني. العرض ساري طبعاً.. والفيلا مفتوحة ومفروشة ومستنية العيال يملوها ضحك. أنا مش بس هسكنكم.. أنا هبعت لك عمار حالاً، ومعاه تيم عمال متخصص، ينقلوا لكم كل أساسياتكم وهدومكم في عربيات الشركة. إنتوا بس خدوا حاجتكم الشخصية، والباقي كله عليا."
حنان (بهمس):
— "واللودرات يا رحيم بيه؟"
رحيم: — "اللودرات مش هتتحرك ناحية السور طول ما إنتوا جوه.. أول ما عمار يبلغني إن آخر طفل ركب العربية ووصل الفيلا، وقتها بس الأرض هتاخد حقها عشان نبدأ مشروع المزرعة. قدامك ساعة وعمار هيكون عندك.. سلام يا جارتى
قفلت حنان الخط وبصت لعزة اللي كانت مربعة إيدها وعيونها زي الصقر.
حنان: — "بيقول الفيلا جاهزة.. وعمار جاي يساعدنا في النقل. الراجل ده قفل كل الأبواب، ومسابش لينا غير باب بيته."
عزة (بصوت ناشف): — "الفيلا دي مش بيت يا ست حنان.. دي 'قفص دهب'. وعمار اللي باعتينه يساعدنا ده، هو اللي هيقفل علينا الترباس. بس ماشي.. خلينا نروح 'الجنة' بتاعته، ونشوف آخرتها إيه
عمار وصل ومعاه أسطول عربيات نقل وعمال لابسين لبس شركة رحيم للمقاولات. كان بيتحرك في كل حتة، بيوجه العمال ويوصيهم على العفش كأنه بينقل ألماظ، وعينه مشقلقة على الباب، مستني "عزة" تخرج.
خرجت عزة وهي شايلة شنطة صغيرة فيها حاجتها، كانت بتمشي وهي بتعرج بسيط، بس راسها كانت في السماء، وكأنها ملكة مكسورة الجناح بس لسه محتفظة بهيبتها.
عمار (قرب منها بلهفة وشوق):
— "هاتي عنك الشنطة دي يا عزة.. إنتي لسه تعبانة والجرح محتاج راحة، والعمال هيشيلوا كل حاجة، ارتاحي إنتي في العربية."
عزة ولا كأنها سمعت، ولا حتى بصت في وشه، كأن صوته ده مجرد وش في الهوا. عدت من جنبه ببرود يجمّد الدم، وراحت حطت شنطتها في ميكروباص الدار بنفسها، وركبت في آخر كرسى ووشها للشباك.
عمار مقدرش يسكت، راح وقف جنب شباك الميكروباص وقال بصوت واطي:
— "عزة.. أنا عارف إن الظروف صعبة، بس صدقيني الفيلا هناك أمان للعيال.. لو محتاجة أي حاجة في أوضتك قوليلي بس وأنا هرتبها لك."
عزة، وبكل منتهى القسوة، راحت سحبت ستارة الشباك في وشه، من غير ولا كلمة.
وقف عمار مكانه مذهول، مش قادر يصدق إن البنت اللي خاطر بحياته عشان يشد السم من جسمها، بتبص له دلوقتي كأنه هو "التعبان" اللي قرصها
بعد ما وصلوا الفيلا الفخمة اللي كانت في حتة مقطوعة وراقية، والعمال بدأوا ينزلوا العفش تحت إشراف حنان، عمار وقف مع حنان بعيد وهو مراقب عزة وهي بتدخل العيال الفيلا من غير ما تلتفت وراها.
— "ست حنان.. أنا مش فاهم عزة بتعمل معايا كدة ليه؟ أنا عملت كل اللي أقدر عليه عشان أحميها وأحمي الدار، وفي الآخر بتبص لي كأني عدوها اللدود!"
حنان شافت عمار واقف وشه جايب ألوان من صد عزة ليه، قربت منه وطبطبت على كتفه بحنان وقالت له:
— "معلش يا بشمهندس، حقك عليا أنا.. ماتاخدش على خاطرها، عزة اللي شافته مش قليل. تعالى ندخل نرتاح من هدة اليوم ده، وأنا هقعد معاك وأحكيلك كل حاجة من طقطق لسلام عليكم."
عمار هز راسه بقلة حيلة ودخل معاها الفيلا.. وأول ما حنان خطت رجليها جوه، اتسمرت مكانها. هي كانت متخيلة إن رحيم وعمار هيجيبوهم في مكان "أي كلام" يسكتوهم بيه، بس اللي شافته كان فوق الخيال.
الفيلا كانت قطعة من أوروبا؛ السجاد والفرش ريحتهم لسه جديدة وفخمة، النجف والاضاءة تخطف العين، والتكييفات شغال في كل ركن ومخلي الجو جنة بعيد عن حر الجبل.
حنان مشيت بشويش وهي مش مصدقة، دخلت أوض الأطفال لقتها مجهزة بالكامل، سراير جديدة بلوازمها، وحتى الهدوم واللعب مرصوصة بشكل يخلي أي طفل ينسى الدنيا وما فيها. طلعت بصت من الشباك على الجنينة، لقت منطقة ألعاب كاملة (مراجيح وزحاليق) وكأنها ملاهي صغيرة خاصة ليهم.
حنان (بصوت مهزوز):
— "إيه كل ده يا بشمهندس؟ إحنا كنا فاكرين إننا هنقعد في بيت، مش في قصر!"
عمار كان ماشي وراها والسكوت مالي وشه، بس حنان لما دخلت المطبخ شافت الصدمة الحقيقية. المطبخ مجهز بأحدث الأجهزة، ومن غير ما تفتح لقت "الخزين" مالي الرفوف (رز، مكرونة، زيت، معلبات).. وفتحت "الديب فريزر" الكبير لقت فيه كميات لحوم وفراخ وأسماك تكفيهم شهور، وكأن فيه جيش كان بيجهز للمكان ده قبل ما يوصلوا بكتير.
حنان (بذهول وهي بتبص لعمار):
— "ده مسبش حاجة للصدفة.. الراجل ده مجهز كل ده إمتى؟ ده المطبخ فيه ملح وفلفل يا بشمهندس! إنتوا كنتوا عارفين إننا هنوافق ونيجي هنا، صح؟"
عمار سحب كرسي وقعد بتعب، وبص للأرض وقال بصدق:
— "رحيم بيه لما بيعوز حاجة بيجيبها يا ست حنان، وهو مبيحبش يظهر في صورة غير لما يكون مجهز كل حاجه هو معندوش عداوه معاكم قوليلي بقى.. عزة ليه شايفة إن كل ده فخ؟ وإيه حكاية 'سعيد' اللي خلت البنت دي قلبها حجر كدة؟"
حنان دخلت مكتبها الجديد وسابت الاولاد تتفرج على الفيلا ويتبسطوا بالالعاب الجديده
— "عزة يا بشمهندس كانت وردة مفتحة، لحد ما دخل حياتها سعيد.. كان بيمثل الحب والشهامة بالظبط زي ما إنت بتعمل دلوقتي.."
حنان بدأت تحكي وعينها بتلمع بالدموع، وصوتها كان واطي بس مسموع في هدوء الفيلا الفخمة:
— "إنت فاكر إنها كانت جوازة عادية يا بشمهندس؟ لا.. عزة دخلت بيت سعيد مش عشان تبقى ست بيت، دخلت عشان تبقى 'خدامة' بلقمتها.. خدامة لسعيد، ولأمه، ولإخواته البنات. كانت بتقوم قبل الفجر وتنام بعد نص الليل، شغل وذل وإهانة، وصابرة وبتقول أهو ستر."
عمار كان بيسمع وعروق إيده بدأت تبرز من الغضب، وحنان كملت بصوت مخنوق:
— "لحد ما في يوم، جسمها مِتحملش.. وقعت من طولها من كتر التعب والشقى، وبدل ما يشيلها ويوديها لدكتور، أو حتى يراعي إنها مراته.. سعيد رمى عليها اليمين وهى راقده فى غرفه الطوارئ قبل حتى ما يعرف ايه اللى صبها طلقهاعشان مبقاش ليها لازمة عنده وهي تعبانة.. شفت بقى الخسة وصلت لفين؟ شفت ليه هي بتترعب من أي حد بيمثل دور 'المنقذ'؟"
عمار نزل عليه الكلام كأنه صاعقة. الضيق اللي كان حاسس بيه اتحول لبركان غضب مكتوم. الكلمة وجعته في مقتله:
— "يعني الراجل ده استهلكها وهي بصحتها، ولما وقعت رماها في الشارع؟ وحقها يا ست حنان؟ السنين اللي ضاعت من عمرها في خدمتهم، والذل اللي شافته.. مخدتش منه حق ولا باطل؟"
حنان (بأسى):
— "ولا مليم يا بشمهندس.. خرجت من بيتهم بكسرة نفس، وجت لنا الدار وهي مش قادرة تبص في وش حد. وعشان كدة، هي لما شافتك بتمتص السم من رجلها وتجري بيها للمستشفى، بدل ما تحس بالجميل، خافت.. خافت لتكون بتعمل كدة عشان لما 'تخلص مصلحتك' ترميها الرمية اللي رماها سعيد."
عمار قام وقف وراح ناحية الشباك وهو بيضغط على سنانه بقوة
العمال خلصوا فرش ونقل، وصوت المكن والزحمة بدأ ينسحب من الفيلا واحدة واحدة، لحد ما المكان هدي تماماً ومبقاش فيه غير عمار وحنان في الصالة، والعيال نايمين من التعب في أوضهم الجديدة "المكيفة".
عمار كان واقف باصص للسقف الفخم، وكأنه شايف خيالات عزة وهي بتخدم في بيت سعيد، شايفها وهي بتقع من طولها وشايف الرمية اللي اترمتها في الشارع. الضيق اللي في صدره وصل لمنتهاه
عمار خرج من الفيلا ودمه بيفلي، ركب عربيته ودورها وهو بيفكر في أول خيط يوصله لـ "سعيد". الكلام اللي حكته حنان عن ذل عزة ورميتها في الشارع كان بيتردد في ودنه زي الصرخة، وده خلاه ياخد قرار إنه مش هيرجع الموقع ولا هيقابل رحيم غير لما يعرف راس سعيد من رجله.
بدأ عمار يتحرك ويروح المنطقة اللي كانت عزة ساكنة فيها مع سعيد، منطقة شعبية البيوت فيها لزق في بعض
عمار نزل من عربيتة وبدأ يلف في الشوارع الجانبية للمنطقة اللي كان عايش فيها سعيد. مكنش عايز يواجه سعيد بس، كان عايز "يملى عينه" بالحقيقة من لسان الناس اللي شافوا الوجع بعينهم.
وقف قدام محل خضار صغير، ودردش مع راجل عجوز كان قاعد يبيع، وبكلمتين من بتوع المهندسين، جرّ لسان الراجل
— "يا حاج، أنا كنت بسأل على الأستاذ سعيد.. بيقولوا كان متجوز واحدة هنا اسمها عزة، هي لسه ساكنة معاه؟"
الراجل (هز راسه بحسرة وتفّ في الأرض):
— "عزة؟ يا ابني متفكرناش باللي جرى.. البنت دي كانت غلبانة ومقطوعة من شجرة، سعيد وأهله استلموها لحم ورموها عضم. دي كانت بتشيل البيت كله على كتافها، تخدم أمه وإخواته البنات اللي مبيحطوش إيدهم في مية، ولما تعبت ووقعت من طولها ومبقتش قادرة تقف على رجلها، طلقها في ساعتها ورمى لها هدومها في الشارع بالليل.. لا راعى ذمة ولا عشرة."
عمار (بضغط على سنانه):
— "وهو عايش حياته عادي كدة بعد اللي عمله؟"
الراجل:
— "عادي إيه يا ابني.. ده يا دوب طلقها من هنا، وراح اتجوز واحدة قريبته من هنا، ومعاها دلوقتي عيل منها
عمار ساب الراجل وهو حاسس بنار قايدة في صدره. فكرة إن سعيد "عايش حياته" ومخلف ومبسوط بفلوس عزة، وهي "مكسورة" في دار أيتام ومرعوبة من أي لمسة حنية، خلت عمار ياخد قرار ملوش رجعة.
