رواية ظل بعد ظل الفصل العاشر 10 بقلم ياسمين النعيمي

 


رواية ظل بعد ظل الفصل العاشر بقلم ياسمين النعيمي 

يومين مرت على عقد قرانهم ...
البيت كان هادئ …
هدوء مريح … و لما هدأ بالها شوية، بقت تراودها أفكار عن القادم، الدوامات ... الشغل ... إيميلات تجيها و هي كتبت لهم عن ظروفها و انها تمر بأزمة نفسية صعبة بعد وفاة والدها ... إجازتها شارفت على الانتهاء، و لازم يعجلون بالسفر ... الدنيا ليل و قيس مختفي، و تستحي تدكَ عليه باب غرفته ...
وقفت لحظة عند الباب …
ما كان عندها سبب واضح تطلع …
بس قلبها كان ثقيل …
و تحتاج تمشي.
و يمكن تشوف قيس بالحديقة ...
طلعت بهدوء …
نسمات الليل اجتاحتها مباشرة … باردة شوية … بس منعشة …
و ريحة البساتين … تراب و مي … شي يهدّي الأعصاب ...
فتحت الباب الخشبي الي ورا الحديقة الخلفية ... دائما تشوف قيس يجي منّا ...
الممر الترابي أمامها كان مألوف …
بين الأشجار …
أصوات خفيفة … أوراق تتحرك … حفيف بعيد.
مشت كم خطوة بدون استعجال …
خطوة ورا خطوة …
كأنها تمشي ورا إحساس، مو اتجاه.
البيت ابتعد …
و النهر قرّب.
صوت الماي بدأ يوضح …
جريان هادئ … ثابت …
يملأ الفراغ.
وصلت قريب لجرف النهر …
و هناك …
وقفت.
ضوء خافت … نار صغيرة مشعولة على الأرض …
و مي النهر يعكس وهجها.
و هذا ظهره هو ... صارت حافظته عن ظهر قلب …
جالس.
ظهره مائل شوية …
ساكت …
كأنه جزء من المكان.
و قبل لا تتحرك …
وصلها الصوت.
“الأماكن اللي مريت إنت فيها …
عايشة بروحي و أبيها … بس لكن ما لقيتك…”
تجمّدت مكانها.
مو لأن الأغنية غريبة …
بل لأن الكلمات …
إجت بمكانها بالضبط.
“جيت قبل العطر يبرد … قبل حتى يذوب في صمتي الكلام و احتريتك …”
نفسها صار أبطأ …
بس صدرها ضاق شوية.
نظرت له …
ما كان يتحرك …
ولا منتبه لأي شي حواليه.
و هذا …
مو من طبعه ...
خطت خطوة …
بهدوء.
و بعدين خطوة ثانية …
الأغنية مستمرة …
“كنت أظن الريح جابت عطرك يسلم عليّ …”
قربت أكثر …
لحد ما صار بيناتهم مسافة قصيرة.
هو بعده …
ما انتبه.
قلبها دك أسرع.
“كنت أظن الشوق جابك … تجلس بجنبي شوي …”

وصلت له تقريباً …
بهاللحظة ...
فز و التفت فجأة.
نظرة سريعة …
حادّة … بس مو كاملة.
كأنه استوعب وجودها متأخر.
إيده ارتفعت مباشرة …
مرّت على وجهه … بسرعة …
حركة رجولية سريعة … كأنه يعدل ملامحه.
دار وجهه لثواني …
و بعدين التفت لها.
- ريّاا ؟!
صوته طلع طبيعي …
بس أهدأ من المعتاد.
وقفت امامه …
عيونها عليه مباشرة.
- قيس ...
سكت، و رجع نظره للنهر.
- ليش طالعة لهين بهالوكت ؟ 
سؤال عادي …
بس واضح بيه محاولة يغطي على شي.
قربت خطوة …
- و انت شتسوي هنا ؟!
سكت لحظة …
- هوا … شوي هدوء.
رد مختصر.
بس ما كفى.
نظرت له أكثر …
ركزت.
وجهه رجع ثابت …
بس عيونه …
بيها شي ما نجح يخفيه ...
رغم هدوءه و ثباته، كانت عيونه بيها كسرة واضحة إلها ...

نزلت عيونها شوية …
و بعدين رفعتها إله بهدوء:
- لمنو مشتاقة الأماكن ؟
السؤال وقع بينهم ثقيل ...
تنفّس ببطء …
طوّل شوية …
و بدون ما يلتفت رد،
- أغنية.
كأنه يريد يسد الموضوع.
سكتت …
بس ما اقتنعت.
- مو بس أغنية.
هالمرة …
التفت لها.
نظرة قصيرة …
بس كافية.
رجع عيونه للنار.
و سكت.
و هذا السكوت …
جاوبها أكثر من أي كلمة.
فهمت.
بدون ما تسأله مرة ثانية …
قربت.
بهدوء …
سندت راسها على كتفه.
ما تغيرت جلسته، ولا ابتعد،
بس نفسه تغيّر.
صار أعمق ...
عيونه غمضهن لحظة …
و بعدين فتحهن ببطء.
إيده اللي كانت ساكنة …
تحركت.
وقفت لحظة بنص المسافة لإيدها …
كأنه يفكر …
و بعدين كملت.
وصلت لكفها …
لامست أصابعها أول …
بخفة …
كأنه يتأكد إنها موجودة.
و بعدين …
بإيده حاوط إيدها بهدوء.
ثبتها بين كفوفه …
مو بقوة …
بس كأنها شي ما يريد يفلت منه.
نزلت عيونه لإيديهم …
و طوّل.
أكثر من اللازم.
كأن دا يتأمل شي أبعد …
مو بس إيدها …
حياة كاملة تمناها … هسة بين إيديه ...
بس مو وقته هسة.
إبهامه مرّ ببطء على أصابعها …
حلقته الي بيمينها تلمع ...
و بنفس اللحظة …
كتم نفسه شوية ...
ضغط إيده لا إرادياً …
و بسرعة …
خفف.
كأنه انتبه لنفسه.
رجع نظره للنهر.
صوته طلع أخيراً … منخفض:
- خسرت جثير عزاز بحياتي ...
سكتت.
بس همست بعدها بهدوء…
- شلون بقيت قوي ؟ علمني ...
رد و عيونه على النهر الجاري،
- لمن تشوفين الحياة ماشية ورا الماتوا، مسؤوليات تزيد عليج ... و ارواح الله يعلكَها بيج تا تكونين سندها و مصدر قوتها ...
هالجملة انحفرت بعقلها …
إيده بعدها على إيدها …
بس هالمرة …
ثابتة.
ما تقترب أكثر …
ولا تبتعد.
بينهم حد واضح …
بس دافي.
والأغنية بعدها تمشي كأنها انعادت،
“الأماكن… الأماكن…”
و النهر …
يمشي.
و هم …
واقفِين بين
اللي راح …
و اللي بعده ما إجا.
و الأغنية بعدها تمشي بهدوء …
“الأماكن… الأماكن…”
صوتها يذوب ويا صوت النهر …
و إيديهم بعدها ساكنة بهدوء …
لحظات …
و هو أخذ نفس بطيء …
و بدون ما يلتفت إلها، قال بنبرة أهدأ … بس بيها تنبيه:
- ريّا …
رفعت راسها شوية عن كتفه …
نظرت له.
هو بعده ينظر كَدامه … للنهر.
- لا تطلعين لهينا وحدج بالليل.
الجملة طلعت بسيطة …
بس مو عادية.
سكتت لحظة …
تأملت نبرته …
مو طلب.
مو نصيحة.
شي أقرب لـ… أمر هادي.
سألته بهدوء:
- ليش ؟
هالمرة التفت لها …
نظرة ثابتة …
واضحة.
- أخاف عليج.
كلمتين …
بس نزلن بثقل مختلف.
مو مبالغة …
ولا عاطفة زائدة.
حرص.
رجعت سألته … بنبرة أخف:
- انت مو كَلت محد غريب يجي هنا ؟ 
هز راسه:
- اي … محد غريب يصل هين.
سكت لحظة …
و بعدين كمل بهدوء:
- مرات حيوانات تطلع بهالأماكن … لو تخوفج لو تأذيج ...
سكتت تسمع له، و هو كمل، بصوت أوضح،
- أولاد عمي عدنان يصلون لهينا ...
سكت لحظة …
كأنه يختار كلماته.
- هذول ما أمّن بيهم ابد ...
النبرة تغيّرت شوية …
مو خوف …
بس حذر.
ريّا فهمت.

ما يرضى عليها تكون بموقف
ما يگدر يسيطر عليه.
نزلت عيونها لحظة …
و بعدين رفعتها إله بهدوء:
- تمام ...
سكتت …
و بعدين أضافت بخفة:
- بعد ما أطلع لوحدي ...
سكت ثواني …
بعدها دار وجهه إلها أكثر، و عيونه كانت ثابتة عليها بطريقة خلتها تحس إنه بعده مو مرتاح.
- مو هذا قصدي.
نزلت عيونها عليه، تنتظر يكمل.
أخذ نفس ببطء، و رجع نظره للنهر لحظة، كأنه يحاول يرتب خوفه بكلمات ما متعود يحچيها.
- ريّا … هاي مو مدينة، و لا شارع جدّام بيتكم … هذا نهر، و بساتين، و ليل. بين البيت و هين مسافة، و انتي جاية لوحّدج و محد يدري بيج.
سكت شوية، و صوته بقى هادئ … بس أنصى، و التفت ينظر لعيونها،
- لو صاير لج شي ؟ لو دختي ؟ لو خفتي ؟ لو أحد ثاني جان بمجاني ؟!
وسّعت عيونها بسرعة على آخر جملة.
هو ما كان معصب … بالعكس ... بس واضح إنه الفكرة نفسها مضايقته.
- لا تخليني ادور عليج بهالوكت، و الكَيج هين.
نزلت عيونها.
مو لأن كلامه جارح … بالعكس. لأن أول مرة أحد يعتب عليها بهالشكل … كأنه من حقه يخاف.
همست بخفة:
- آسفة …
بقت عيونه عليها لحظة … و ارتاحت ملامحه مباشرة أول ما سمعها.
- لا تعتذرين ...
قالها بهدوء، و رجعت إيده ضغطت على كفها أكثر شوية و إبهامه بهدوء يمسد عليه،
- أريدج إذا ضاكَ صدرج … تجين تحَجيلي، لا تتهربين و تنعزلين لوحّدج بعيد ...
سكتت بعد كلامه …
و بقت تباوع لإيديهم، أصابعه فوق أصابعها.
بعدها همست بصوت أشبه بالهمس، كأنها مو متأكدة إذا لازم تكَولها لو لا:
- اني … ما طلعت اتهرب.
التفتلها بهدوء.
رفعت عيونها إله، بيها ذاك الصدق التعبان اللي ما يكَدر يكذب عليه،
- طلعت أدور عليك.
سكت.
فعلاً سكت.
لأن الجملة اجته بمكان ما متعود أحد يوصله.
عيونه ثبتت عليها لحظات طويلة … طويلة هواية.
و لأول مرة بهالليلة، ملامحه كلها ارتخت.
شي دافي جداً مر بعينه … مو ابتسامة كاملة، و لا فرحة واضحة … شي أعمق.
كأنه تعب سنين انزاح شوية.
نزل عيونه على إيدها بإيده، و إبهامه مر ببطء على حلقته بإصبعها.
بعدها رفع عيونه إلها مرة ثانية، و تقرب منها شوية … مو هواية، بس ذاك القرب اللي يخلي صوته يوصلها لوحدها.
- بعد لا تدورين عليّ لوحّدج بعيد ...
سكت لحظة، و ابتسم ابتسامة خفيفة يقول،
- دكَي تلفون لو رسالة تكفي و اني اجي ...
بعد جملته، بقت ساكتة شوية …
تباوع لإيديهم، و للنهر، و النار الصغيرة الي كَدامهم.
الهدوء اللي كان بينها و بينه خفف عنها … بس ما أخذ الشي الثاني اللي من يومين يدور براسها.
و سألها و عيونه تتأملها،
- دوّرتي عليّ ردتي مني شي ؟! 
ترددت لحظة … بعدها قالت بهدوء:
- أكو شغلة شاغلة بالي ...
التفتلها هالمرة.
- شنهيّ ؟
نزلت عيونها على إيدها بإيده.
- الجامعة دزت إيميلات لرغد و إلي و المستشفى هم دازين إليّ أكثر من مرة … و روضة رهف اتصلوا حتى تلفون ... سكتت لحظة، و كملت:
- رديت عليهم كلهم … و كتبتلهم عن ظروفنا، و إن عندنا وفاة و إن وضعي النفسي مو زين هالفترة … و أخذت إجازة … بس تخلص بعد خمس أيام.

- عليش توج يلا تفطنتي تكَولين ؟!
- تصرفت بلّي أكَدر عليه، جان الكل مشغول ...
و كملت بصوت أخف:
- الوقت مر بسرعة … و ما حسينا.
ظل يتأملها كم ثانية.
ما مستغرب … كأنه كان يدري إنها مفكرة بهواية أشياء و مرتبة هواية اشياء ثانية بدون ما تحجي هواية.
هز راسه بهدوء.
- اي هم ما ظل وكت ...
رفعت عيونها بسرعة.
و كمل بهدوء، و نبرة صوته بيها ذاك الثبات اللي يطمنها رغم كل شي.
- ببالي الموضوع من أول يوم … بس ما ردت أفتح وياج هالحچي بهاليومين ... كَلت خل يهدا بالها.
سكت لحظة، و إيده بعدها على إيدها.
- باجر أريد جوازاتج إنتي و البنات ... بإذن الله ما تخلص الاجازلت الا و انتن هناك و وضعجن راهم ...
تأملته بصمت.
- هسة انطيك اياهم من نرجع ...
رفع حاجبه بخفة، 
- شنو جيتي تاخذيني و تردين ؟!
نزلت عيونها مرتبكة و رفعت عيونها تقولّه،
- مو توك تكَول تخاف علية امشي هاي المسافة لوحدي ؟!
تأملها بعيون مبتسمة يقول،
- تعَرفين تردّين لوحدج مثل ما جيتي ؟!
و ردت له بعيون خجلانة،
- أعرف ... بس هسة من كلامك اخاف ارجع وحدي ...
ظل يتأملها ثواني …
و الابتسامة الخفيفة بعدها بعينه.
بعدها نزل نظره للنار الصغيرة الكَدامهم ... أخذ عود، حرّك بيه الجمر الحطب، و بكم حفنة تراب و رشة مي طفاها بهدوء … لحد ما بقى بس دخان خفيف يطلع للهوا ...
وقف.
و قبل لا تتحرك هي، مد لها إيده.
- تعالي.
رفعت عيونها لإيده … 
مدت إيدها بتردد خفيف، و أول ما حطتها بإيده، لف أصابعه عليها بثبات، و سحبها بخفة حتى تكَوم من مكانها.
الأرض كانت ترابية و مو مستوية، و أول ما خطت خطوة، انزلقت رجلها شوية بين الحصو.
ما لحكت حتى تنتبه.
إيده الثانية كانت بسرعة على ظهرها ... سندها بهدوء ... و قربها منه للحظة قصيرة، يردد،
- ألله ألله ...
قالها بنبرة ناصية، قريبة.
ثبتها عدل، بس ما بعد إيده مباشرة ... ظلت إيده ثانية إضافية على ظهرها … يسأل،
- خومو تعورتي ؟!
هزت راسها تنفي ...
و مشوا ...
يمشي لجانبها، و الطريق كَدامهم مظلم إلا من ضوا البيت البعيد بينهم و بين الأشجار.
مشى وياها بهدوء، خطواته أبطأ من المعتاد حتى تبقى وياه.
و بعد كم خطوة، قال بدون ما يلتفتلها:
- ريّا …
- همم ؟
- لو مرة الاخرى ردتي تجين لهينا كَوليلي ...
نظرتله.
هو بعده يباوع للطريق.
- تا لا يظل بالي عليج ...
نزلت عيونها على إيده القريبة ...
هالجملة سوت شي بقلبها … شي دافي، و موجع شوية بنفس الوقت.
- زين …
همستها بهدوء.
سكتوا شوية.
الهوى صار أبرد كلما قربوا من جهة النهر، و الأشجار حواليهم تتحرك بخفة.
رفعت عيونها للمكان حواليها … للبساتين، للطريق الترابي، لريحة المي و الأشجار.
و بدون ما تفكر، قالت بصوت ناصي:
- تدري …؟
التفتلها هالمرة.
- شنو ؟
- أحب هالمكان.
بقت عيونها كَدامها، مو عليه.
- كلشي بيه … شكله … ريحته … حتى سكونه ... تنفست ببطء.
- من أول يوم اجيت … حسيت احساس غريب ... بس هسة… ما أدري ... 
ابتسمت بخفة صغيرة.
- أحس نفسي أنتمي إله.
ظل ساكت.
مو لأن ما عنده رد … بس لأن كلامها دخل بمكان بعيد بداخله.
نظرتله أخيراً.
- يمكن لأن بيه ريحة بابا … أو لأن كلشي هنا صافي … 
سكتت شوية.
- أو يمكن …
ما كملت.
بس هو فهم، و همس لها،
- الدم يحن لاهَله ...

هب هوا بارد كلش، و بدون شعور منها، فركت زنودها بإيديها بخفة.
انتبه فوراً.
وقف بمكانه، سألها،
- بردتي ؟
هزت كتفها بخفة.
- شوية.
بدون كلمة زيادة، نزل فروته عن كتفه و حطها على أكتافها بهدوء.
الفروة كانت دافية … و بيها ريحته ...
رفعت عيونها بسرعة.
- انت ما بردان ؟!
هز راسه،
- لا دفيان ...
قالها بهدوء … و ما ترك لها مجال ترجعه.
عدلت أطرافه عليها و إيده بعفوية خلاها على كتفها ...
و قبل لا يكملون مشي، وقفت عيونه عليها لحظة.
عليها هي … ملفوفة بفروته، و شعرها يطيره الهوا.
شي بعينه تغيّر للحظة … دفو، و تعب، و شعور ما نطقه.
بس بالنهاية نزل عيونه، و مد إيده إلها مرة ثانية.
- يلا امشي لا تتمرضين.
مشت وياه بخطوات بطيئة، و الفروة على أكتافها، و ريحته حواليها.
ريحة دافية … شي رجولي هادئ.
سكتت شوية … بعدها، و بدون ما تنتبه رفعت عيونها إله و قالت بعفوية:
- تدري …؟
- همم ؟
قربت الفروة أكثر عليها بخفة.
- ريحتك … نفس ريحة بابا.
وقف.
مو خطوة كاملة … بس كأنه شي داخله وقف.
التفتلها ببطء.
هي ما انتبهت شصار بملامحه … كانت بعدها تحچي بعفوية، و عيونها بالطريق كَدامها:
- فروتك و حتى هذيج العباية … نفس ريحة ملابسه … و نفس العطر يمكن ... رفعت عيونها إله بخفة.
- انتو تستعملون نفس العطر ؟
ظل يتأملها ثواني.
ثواني طويلة.
و شي بعينه انكسر بهدوء.
هز راسه.
لا ...
رجع نظره للطريق، و مشى.
إيده بعدها على كتفها … بس مو مثل قبل.
قبل كان بيها دفو هادئ … هسة صار بيها تماسك أكثر، كأنه يذكر نفسه يبقى ثابت.
أما هي، فظلت تمشي وياه، ما منتبهة إن الجملة اللي قالتها بعفوية نزلت عليه بثقل.
لأن للحظة …
للحظة قصيرة جداً …
كان يريد يصدق إن "طلعت أدور عليك" معناها هو.
هو … مو الفراغ اللي تركه أبوها.
دخلوا للبيت بهدوء، اول ما دخلت الباب نزلت فروته من أكتافها، طوتها و مدتها إله مبتسمة،
- شكراً ...
ابتسم بعيون تابعة بيها، 
- تدللين ...
دارت وجهها للدرج صعدت قبله ... تاركته تايه بدوامة أفكاره اللا منتهية ...
تنهد بتعب، و صعد لغرفته هو الآخر، لعل النوم يخفف عنه شيء من همومه ...
يوم السفر إجى أسرع مما كانت متوقعة.
من الصبح، البيت كله كان كَعد من وقت ...
الجنط مصطفّة يم باب المطبخ، و أصوات البنات طالعة من كل مكان … رغد تدور على شاحنتها، و رهف تمشي ورا نورا و سارة و هي شايلة لولو و كل شوي تسأل:
- هسة نروح للمطار ؟
بس رغم الحركة … كان أكو ثقل خفيف بالبيت.
ثقل الوداع.
ريّا نزلت من غرفتها آخر وحدة.
كانت لابسة ملابس بسيطة، و شعرها مرفوع ذيل حصان، بس أول ما وصلت للصالة، وقفت لحظة.
عمها سلمان كان واقف يم الباب، لابس دشداشته و بإيده سبحته، و كأنه من الصبح واقف حتى يودعهم.
أول ما شافها، ابتسم الها ابتسامة خفيفة … بس عيونه كانت تقول غير شي. فتح إيده،
- تعالي يابا.

مشت له بسرعة،
بس وصلت له لمها لحضنه بكل قوته، أقوى من كل مرة،
و باس راسها.
- هذا البيت بيتج … و هاي الدار دوم تتناج تردّيلها ...
غمضت عيونها بحضنه.
حاولت ترد، بس صوتها ما طلع ... باسها على شعرها يقول،
-  لا تبجين هسة يابا … أزعل منج ...
 قالها و هو بنفسه صوته مخنوق.
رفعت راسها، و ابتسمت غصب.
- ما أبچي.
ابتسم يقول،
- ادري بيج جذابة ... بس خلنا نشوف بلجي تصدكَين هنّوبة.
ضحكوا بخفة، بس كلهم عيونهم لمعت.
أم قيس كانت واقفة وية البنات، تحضن رغد مرة، و رهف مرة.
حضنت ريّا بعدها، و إيدها على خدها:
- لا تشيلين هم شي أمي … اني و عمج و قيس موجودين.
التفتت تلقائياً لقيس.
كان واقف شوية بعيد، يحچي ويا زياد عن الجنط و الجوازات، بس من حس بيها تباوعله، التفت مباشرة.
نفس النظرة الهادئة … الثابتة.
بعدها، سارة و نورا حضنوها، و مها، و حتى الأطفال تعلّقوا برهف و هم يسألوها شوكت ترجع.
و آخر شي … رهف.
كانت واقفة بالنص، حاضنة لولو، و تبين عليها الحيرة.
تحب بيت عمها سلمان … و تحب الحديقة … و نورا و الأطفال.
و تدور على هبة النايمة ... تعمدت نورا تبقيها نايمة حتى لا تشوف أبوها و هو يطلع من البيت ...
نزل قيس لمستواها.
- يلا أميرتي … جاهزة ؟
هزت راسها، بس فجأة مدت إيدها لسلمان.
- جدو تجي ويانا ؟!
سكت الكل لحظة.
ابتسم سلمان بسرعة، حتى ما يبين شي بوجهه.
شالها و باسها.
- بعدين اجي، اليوم ما بية حيل ... 
و لما رجعها للأرض، التفت لقيس.
- دير بالك عليهن يابا.
قيس ما رد مباشرة.
بس هز راسه.
هزة قصيرة، ثابتة.
كأنها وعد.
المطار كان مزدحم، بس ريّا ما حست بأي شي حواليها.
من أول ما دخلوا، قيس كان لازم كل شي.
الجوازات بإيده.
التذاكر ...
الجنط ...
حتى رهف، بين فترة و فترة يشيلها لما تتعب من المشي.
كل ما وقفت محتارة، كانت تلتفت … و تلكَاه.
التفت لها 
- ريّا، خلي جوازات البنات وياج.
- رغد، لا تبعدين.
- رهف، تعالي جاي بابا.
و بطريقة ما، وجوده خلى كل الفوضى أسهل.
بالطيارة، رهف نامت بحضنه تقريباً أول ساعة.
و رغد كانت تحاول تبين قوية، بس كانت تباوع للشباك طول الوقت و ساكتة.
أما ريّا… فكانت كَاعدة يمه.
و حسّت بشعور حلو و هي مرتاحة، و ما مطلوب منها تسوي شي.
و هي سرحانة، حسّت بإيده يمد غطوة صغيرة على رجليها.
التفتتله.
- بردانة انتي.
قالها بهدوء، و هو يتأمل وجهها ...
و رجع يكمل شغله على تلفونه.
بس هي ظلت تباوعله ثواني.
الطيران كان ترانزيت، أول شي لعمّان، مطار الملكة علياء الدولي وراها استراحة ساعتين و الطيارة الثانية للندن كانت مدتها 6 ساعات ...

أول يوم بلندن، ما خلاهم يسوون شي.
من الصبح، اختفى كم ساعة هو و السيارة ...
رجع وياه أكياس، و أرقام، و أوراق.
- شنو هذا كله ؟
 سألته ريّا و هي تباوع للطاولة.
هذا رقم الشركة اللي تنظف إذا احتاجيتوا ... هذا الكهربائي ...
- عادي نجيب اي واحد لمن نحتاج ...
و حذرها بنظرة،
- لاا ريّا ... مو أي واحد، هذا وليد ثقة ربعي يعَرفوه و شفته و حجيت وياه ... ما يصح تجيبين اي واحد للبيت و انتن لوحدجن بس بنات.
كمل و كأن النقاش انتهى،
- و هذا رقم الفلاح.
- شنو ؟
ابتسم بخفة.
- فلاح للحديقة. يجي مرة بالأسبوع.
رفعت حاجبها.
- شنسوي بيه ؟ اني بوقت فراغي ارتب الحديقة ...
- لا ماله حاجة تتعبين ... هسة عدكم فلاح ...
و قبل لا تلحق ترد، كمل:
- السيارة هم وديتها صيانة اليوم ... بدلت زيت و فلاتر و عقد صيانة تا لا تفرفرين بين المصلحين ... 
و مد لها ملف،
- هذا بيه كل تفاصيل الشركة لمن تحتاجين، و ان شاء الله ما تحتاجين لمن ما ارد اجي.
- قيس …
- و جبت غراض للبيت.
التفتت للأكياس المليانة ...
حتى الأشياء الصغيرة اللي ما فكرت بيها موجودة ...
شايها المفضل ...
الشوكولاه اللي تحبه رهف ...
و شهقت و هي تشيلهم،
- عزاا قيس هاي هواية شوكليت جايب،
و تلفتت للباب لا تجي و تشوفهم و هي تلومه،
- انت مشروع إفساد التربية كلهاا لو نمشي وراك.
ضحك يقول،
- سوي التسوينو بيهن ...
و همس لها،
- ضميهن و كل ما تنطيها، كَوليلها عمو قيس جابهن الج ...
وقف بالنص، يباوع للمكان يمسحه بعيونه، كأنه يراجع كل شي براسه،.
- بعد كَاصر عليج شي ؟! 
ريّا كانت بعدها تباوعله.
مو للطاولة.
إله.
- انت شلون لحكَت تسوي كل هذا ؟
رفع كتفه بخفة.
- ما عدنا وكت، لازم اخلص كل شي بساع ...
- بس اني اتسوق الأشياء كل يومين أو تلاثة.
- ميخالف ابوي، هاي السوالف ما تتلف، حتى لا ياخذ السوكَ منج وكت و انتي تعبانة. 
و سألها،
- تجين وياي باجر نتسوكَ الخضرا و اللحم ؟!
وسّعت عيونها،
- وياك ؟! مثل هيجي ؟! لاا كله يتلف و اذبه حرام.
ابتسم يخفف رتم التحكم بالأمور،
- لا هاذ هو، هنّوبة امشي مالي غرض و اخذي التردينو انتي.
من رجعوا للندن كلهم رجعوا رتبوا روتينهم ... ريّا قيس ساعدها بترتيب امور البيت ... رغد رجعت تتأقلم وية الوضع الجديد ...
بس رهف … كانت مختلفة.
بالبداية، انشغلت.
الحديقة ... الغرف ... صوت قيس و هو يطلب منها تساعده بشي بسيط، حتى رحلاتهم القصيرة للسوبرماركت … كلشي كان يشغلها، يلهيها بعد الفراغ ... ببيت عمها سلمان كانت تسأل عن بابا ...
ما كانت تذكره هواية.
مو لأنه نسته … بس لأنه كان دائماً أكو شي جديد يشد انتباهها.
إلى أن هدأ المكان.
إلى أن صار البيت أهدأ.
و الليل أطول.
و المحور العائلي صغر.
هنا رجع السؤال ...
بعد رجعتهم من السوق ريّا كانت تغسل و ترتب الخضروات و توزع اللحوم لحصص للتفريز على قدر كل طبخة ... 
و قيس جالس بالصالة يراجع أوراق، و رغد بغرفتها ...
رهف دخلت بخطوات صغيرة، شايلة لولو بإيدها، و وقفت يم طرف الباب،
نظرت لقيس.
بعيون صافية، بريئة، بس بيها شي ثقيل ما يناسب عمرها.
- عمو …
رفع عيونه إلها فوراً ...
ابتسم تلقائياً، بنفس الهدوء اللي متعودين عليه.
- ها حبيبتي ...
سكتت لحظة … كأنها تختار سؤالها بعناية طفولية.
- انت تعرف وين بابا ؟

الابتسامة ما راحت، بس توقف عنده عداد الوقت ...
ما تغيرت ملامحه فجأة، لكنه انتبه لنفسه أكثر.
ترك الورق على الطاولة، و مد لها إيده،
- تعالي بابا ...
حرك أصابعه بهدوء، يكرر الدعوة،
تقربت وقفت بين رجليه و هو جالس على القنفة،
مسد على شعرها يقوللها نفس كلام ريّا،
- بابا بالجنة حبيبتي … لأن الله يحبه.
رهف هزت راسها شوية، كأنها تريد تفهم أكثر،
بعدين رفعت عيونها:
- يعني ما يرجع ؟
السؤال كان بسيط … بس وقع بثقل أكبر من حجمها.
قيس سكت لحظات طويلة.
مو لأنه ما يعرف الجواب … بل يحلل تأثير هذا السؤال داخل عقل طفل.
مد إيده، مسك يدها الصغيرة بين أصابعه بهدوء.
- لا حبيبتي … ما يرجع.
عيونها لمعت بدموع تحاول تكتمها حتى تكمل كلامها، بس رجف صوتها،
- ليش ؟
تقرب أكثر، و صار صوته أهدأ:
- لانّو الله يحبه … و أخذه يمه.
سكتت.
و بعدين، و بنبرة طفولية صافية جداً قالت بدموع تجري و هي تضم راسها بصدره،
- اني هم احبه … أريده يجي.
هنا، انكسر الهدوء المنطقي ...
قيس ما استعجل يجاوب ... 
لمها بحضنه يهديها، و هي تتمتم بحضنه،
- أريد باباا ...
حاوطها بحضنه و رفع عيونه ناحية باب المطبخ، ريّا واقفة مصدومة بلّي يصير ... طمنها بنظرة 
و نزل بعيونه للطفلة الي ما فاهمة شي و تعرضت لأكبر كسرة بحياتها ... مسد على شعرها و فكر شلون يحوّل الألم لشي مفهوم لعقلها يمكن تهدأ.
بعد وجهها عن صدره بهداوة و ابتسم ابتسامة صغيرة هادئة و هو يمسح وجهها،
- اسمعي رهوفة …
مسح بإبهامه على خدودها بخفة.
- بابا مو بعيد عنج مثل ما تتخيلين.
سكت شوية حتى تنتبه عليه.
- هو هسة بمكان حلو … ما بيه وجع ولا مستشفى … بس ما يگدر يجي هين مثل قبل.
عيونها ركزت وياه،
- بس يشوفني ؟
ابتسم:
- أكيد يشوفج كل يوم … و يزعل من رهوفة تبجي.
هنا بدأ صوتها يضعف:
- ليش ما أخذني وياه ؟
قرب أكثر، و صار صوته أهدأ، أقرب للهمس:
- لأنه هذاك المكان الي يروح بيه بعد ما يجي ... هو مريض جان و تعب و الله اخذه بالجنة حتى يرتاح ... و انتي بعدج زغيرونة و ريّا و رغودة و اني كلنا نحبج يصير تروحين و تخلينا ؟! 
هزت راسها تقول،
- لالا اني احبكم ... 
صفنت و كملت،
- ريّا تكَول لازم اصير كبيرة و قوية … 
و رجعت تسأله،
- يعني بابا يعرفني من اصير كبيرة ؟!
رتب خصلات شعرها ورا إذنها يهمس،
- اي يشوفج و يعرفج، و يزعل من رهوفة تبجي ... بعد ما تبجين مو ؟!
سكتت.
ما كانت مرتاحة تماماً … بس صوتها هدأ شوية.
قيس استغل اللحظة، حتى يحمي قلبها من الانكسار،
- تعرفين شنو ؟
هزت راسها.
- بابا ما خلاج لوحدج.
نظرت له بسرعة.
- شلون ؟
ابتسم، و بهدوء قال:
- لأن هو كَالّي لا تعوف رهوفة و رغودة و رياوي وحدهم ... و ادير بالي عليكم … مثل بابا.
سكتت.
مو كلشي استوعبته … بس الجملة الأخيرة علقت براسها ...
- انت تصير بابا ؟

سكت للحظة.
مو لأن الجواب سهل … بل لأنه خطير لو انقال بسرعة.
مد إيده على راسها، و مسح شعرها بخفة:
- لا … مو بابا الحقيقي.
سكت.
ثم كمل:
- بس أكَدر احميج و اهتم بيج مثل ما جان بابا يسوي ...
رهف مدت إيدها تمسك طرف قميصه:
- يعني تبقى يمنا ؟!
داعب كفها الصغيرة بإبهامه يقول،
- عندي شغل بعيد لازم اروح ...
عبست وجهها و قبل لا تبكي رجع يداعب خدها،
- اكو ناس مريضين لازم اني اسويلهم عملية و انطيهم دوا حتى يصيرون زينين ...
و ابتسم يهمس،
- بس من تحتاجيني أجي ...
و سألته حتى تطمئن،
- يعني اذا اشتاقلك اتصلّك ؟!
مال شوية باس خدها،
- حتى لو نص الليل، كَولي لريّا اريد احجي وية عمو و تخابرني، اتفقنا ؟!
سحبت إيدها شوية، و بعدين قربت منه بدون كلام، و حطت راسها بصدره ...
قيس ما تحرك.
بس إيده نزلت تلقائياً على شعرها، يمسح عليه بهدوء ثابت، كأنه يهدهدها مو بس يواسيها.
و رفع عيونه للي واقفة بباب المطبخ تتأملهم بصمت، رمش لها بعيونه يطمنها هي الثانية ...
رهف نايمة بحضنه، و قيس هادئ بشكل غريب، كأنه مو بس يحتوي طفلة … بل يحاول يعوّض فراغ أكبر.
و بصوت منخفض جداً، كأنه مو موجه لأحد، رهف همست:
- عمو … كَول لبابا لا يزعل لأنه بجيت ...
قيس ضغط على راسها شوية، و صوته طلع أخف من الهواء:
- لا بعد ما يزعل … من تتذكريه ادعي له ...
سكتت.
و استرخت أكثر.
و غفت بعد وقت بحضنه هي و لولو ...
قيس ظل ثابت بمكانه، إيده على شعرها، و عيونه ثابتة على الفراغ كَدامه، بس داخله مليان بفوضى تعويض الاحتياج هذا ...
و للحظة … حس إنه إذا خذلها بيوم، راح يكسرها مرتين ...
ريّا كانت بعدها واقفة.
و المشهد كله خلاها تفهم شي واحد بوضوح:
قيس ما دخل حياتهم كبديل …
دخل كجسر بين الفقد … و الحياة اللي بعدها.
ثالث يوم.
كان آخر يوم اله وياهم ...
و من الصبح، هي حاسة إن الوقت يمشي بسرعة مزعجة.
دخلت للمطبخ، و لكَته واكَف يم الكاونتر.
- صباح الخير ...
ابتسم لها،
- صباح النور ... توني جاي اسوي ريوكَ ...
ردت له الابتسامة تقول،
- لا اكَعد هسة اسوي ...
خلصوا الريوكَ ... طلعوا البنات لدواماتهم ... و هو دخل للغرفة و رجع بإيده ظرف، و بطاقة ... مدهم إلها،
- هاي شنو ؟
حط البطاقة كَدامها.
- هاي بطاقة إلج.
نزلت عيونها عليها.
- بيها مصروف البيت.
رفعت راسها فوراً.
- لا قيس ...
حتى ما ناقشها.
فتح الظرف، و طلع منه مبلغ كاش، و حطه بإيدها.
- و هذا خليه كاش بإيدج.
- قيس ما احتاج ...
رجعت تمد إيدها ترجعه.
لكنه ما أخذه.
بس انطاها نظرة ما تقبل النقاش،
- ريّا، لا نبلش ...
-  ما أحتاج ... عندي راتبي، و عندي فلوس بابا.
- مو سالفة تحتاجين.
- لعد شنو ؟!
هالمرة أخذ نفس.
حط إيده على الطاولة، و نبرته ظلت هادئة … بس أوضح.
- لأنّي مسؤول عنج و عن البنات هسة.
سكتت.
و همست،
- قيس …
-  لا، إكَفي ...
قرب خطوة.
- إذا كل مرة اريد اخلي مصرف تكَعدين تكاونين، شراح يخلصها ؟
 
سكتت و كمل هو،
- راح يظل بالي مشغول عليجن طول الوكت.
- ما أريد اثقل عليك ... انت سويت هواية ... يعني كل شي يحتاج مصاريف انت سويته، بقى بس الأكل و الشرب ...
غمض عيونه لحظة، كأنه يحاول يصبر.
- ريّا فدوة لا تصعبينها عليّ.
هالجملة خلتها تسكت.
- اني اعَرفج لو عازج شي ما تكَولين ... لو صار شي لا سامح الله !! أعرفج … راح تتعبين لوحّدج، و تتعبيني وياج ...

نصّى صوته شوية.
- و اني ما أرضى بكل هذا ...
بقت ساكتة.
تباوع للبطاقة و الكاش الي بإيدها،.
- ريّا …
هالمرة صوته صار أهدأ.
- مو منّة و لا فضل منّي ... هذا مكاني.
رفعت عيونها إله.
و ما شافت بس الرجل اللي يحاول يساعدها.
شافت رجل شايلهم كلهم بقلبه، و خايف عليهم بطريقة متعبة.
جمعت البطاقة و الكاش بالظرف، و قالت بسرعة، كأنها استسلمت:
- إذا احتاجينا أكثر، أكَلك ...
ابتسم بخفة.
- هذا الاريدو ...
- و إذا ما احتاجينا هذني ؟!
ابتسم بطرف شفته،
-  عود جمعيهن و ردّيهن الي دين ...
وسّعت عيونها.
- قيس ...
ضحك لأول مرة من قلبه شوية،
- أعَرفج تسويها،
و حذرها بابتسامة،
- بس جثير نخرب لو فكرتي تسويها ...
و بهالطريقة … استسلمت.
لقوانينه و شروطه بفرض مكانه بهذا البيت ...
بقت ساكتة، و الظرف بعده بين إيديها.
هو ظل يباوعلها ثواني، كأنه بعده مو متطمّن بالكامل.
بعدين رجع سحب الكرسي وكَعد كَدامها، و مد إيده على الطاولة، صوته أهدأ من قبل … بس أوضح.
- ريّا … أكو شغلة اريدها منج.
رفعت عيونها إله.
- شنو ؟
- أريد تظلين على تواصل وياي ...
ابتسمت بخفة صغيرة:
- أتواصل وياك ...
هز راسه، و كمل:
- مو بس بالجبيرة لو اضطريتي ...
مال شوية للأمام، و صار يحچي بتركيز:
- أريد اعَرف شلونكم كل يوم ... شلون صحتج، شلون رهف، رغد شلونها بالمدرسة، إذا البيت كَاصره شي، إذا تعبانة، إذا زعلانة، حت لو بس دايخة و ما تعَرفين شبيج ...
نزلت عيونها و هي تسمعه.
- مو لانّو ما تكَدرين لوحّدج … أعرفج تكَدرين ... بس ما اريدج تتعبين ...
سكت لحظة، و بعدين كمل بهدوء أعمق:
- رهف إذا بجت تريد بابا … حاجيني ... إذا رغد ضبج خلكَها شي و ما تحچي … كَوليلي ... إذا انتي بيوم من الأيام كَعدتي تعبانة لو مريضة … هم كَوليلي.
رفعت عيونها بسرعة.
هو كان يحچي بهدوء، بثبات … بس عيونه بيها خوف حقيقي عليهم.
- لا تخليني اعَرف متأخر، ولا أقرا من بين السطور، ولا لمن ما يصير الشي أكبر من طاقتج لاستيعابه، فاهمتني ؟!
نزلت عيونها.
هو يعرفها فعلاً ...
يعرف إنها راح تسكت، و تتحمل، و تكَول: "عادي"، حتى لو مرت بفترة صعبة ...
تنهد بخفة، و مد إيده، أخذ إيدها من فوق الطاولة.
اعتبريني شتردين.
رفعت عيونها إله ببطء.
- إذا يريحج … اعتبريني زوجج ... إذا أسهل عليج … اعتبريني صديقج ... ولو هذا ما يريحج … اعتبريني أبو البنات.
سكت لحظة، و نبرته خفت أكثر:
- بس لا تعتبريني بعيد.
حست بشي يهتز داخلها.
- لأن هاي أول مرة أحد يطلب منها بهالوضوح: لا تبقين وحدج.
ضغط على إيدها بخفة، و كمل:
- ما أريد اردّ ورا اسبوع أو شهر و اعَرف جنتي تعبانة، لو مريضة، لو خايفة، لو رهف ظلت تبجي الليل كله، و انتي لوحّدج، و اني آخر من يعلم ...
مال شوية، وصار صوته أنصى:
- ما عندي شي أهم منكم ...
سكت.
و بعدين كمل، بنبرة رجولية ثابتة، ما بيها مبالغة، بس بيها وعد:
- لو يصير أي شي … أي شي … تتصلين بية ... كَولي محتاجتك قيس …
حتى لو نص الليل ... حتى لو اني بالشغل ... لو عندي ألف شغلة،
ثبت عيونه عليها.
- أهد كلشي و اجيج ...

رجفت أنفاسها شوية.
هو ما كان يحچي مجاملة.
كل كلمة كان يقولها كأنها قرار مأخوذ من زمان.
- لانّو ماكو أهم من راحتج … ولا من البنات.
بقت ساكتة.
تحاول تستوعب شلون ممكن أحد يداريهم كلهم بهالطريقة.
و شلون ممكن أحد، رغم كل هيبته و بعده و صمته، يگعد گدامها هسة … و يحچي و كأنه خايف عليهم أكثر منها.
همست أخيراً، بصوت خافت:
- راح اتعبك هيجي ...
ابتسم ابتسامة صغيرة جداً، حزينة شوية،
- التعب اليجي منج هلا بيه ...
سكتت.
و لأول مرة … ما حاولت ترد.
بس هزت راسها ببطء ... واعدته بتنفيذ الاتفاق ...
يوم سفره إجى أسرع مما توقعوا ...
من الصبح، البيت كله يتحرك على إيقاع واحد ... نفس روتين كل يوم ... 
رغد لبست و طلعت قبل لا يكَعد قيس ... ريّا كانت تسوي الريوكَ، اجتي من وراها خطفت بوسة من خدها و طلعت فوراً،
- تعالي ما تتريكَين ؟!
و هي وصلت للباب تقول،
- لا اتأخر اذا تريكَت ...
و طلعت ... مثل ما هي دائماً، تتجنب اللحظات العاطفية و الوداعات و أي شيء يلامس مشاعرها بالعمق ...
قيس طلع من غرفة أبوها النقيم بيها كان، يسحب وراه جنطته الصغيرة ... خلاها بباب المطبخ يقول،
- صباح الخير ...
التفتت له و هي تنزل البيض بالطاوة،
- صباح النور ...
إجى وراها يشوف الطباخ،
- هاي شتسوين ؟!
شاف الطماطة المحموسة و البيض فوقها و ابتسم 
- شنو مخلمة نباتيين ؟!
ضحكت له،
- لا تضحك علية، ما أعرف اسوي مال اللحم.
ابتسم يكشف قوري الجاي،
- لا يابا تعيشيين، أحسن من بيض عيون.
و التفتت له،
- أعرفك ما تحبه، و رغودة طلعت ما ظل احد يتريكَ بس اني وياك و لرهوفات هذا بيض سلكَ ...
وجهه كان ناحية قوري الجاي، و بطرف عينه التفت يسألها،
- و انتي تاكلين هاي لو تجامليني ؟!
ابتسمت نص ابتسامة،
- اكل مخلمة بابا بس ماعرف اسويها ...
صمت عم بينهم لثواني كسره يسأل،
- عندج لحم مثروم ذايب ؟!
بتلقائية ردت،
- لا هسة مجمد ...
و كفه بهدوء مسدت على كتفها يهمس،
- بس اجي مرة الاخرى اسويلج.
و دخلت عليهم اللطافة الصغيرة للمطبخ، لابسة ملابس الروضة بس الجاكيت بالمقلوب،
- صباح الخير عمو ...
التفت لها،
- هلا هلا ... شهالحلاوة ؟!
و هي عدلت ضفايرها،
- حلو ؟!
قرفص أمامها باس الضفاير و نزعها الجاكيت، قلبه و لبسه إلها مثل ما لازم يكون يهمس،
- هاي انتي لبستيه ؟!
و هي تقولّه،
- اي اني ... ريّا عافتني البس وحدي.
و اجاها صوت ريّا،
- انتي حتى صباح الخير ما كَلتي لريّا،  بس لعمو ...
و هي همت تروح لها، وقفها قيس،
- اكَفي نكمل لبس يولي ...
عدل لها الجاكيت و راحت حضنت رجل ريّا تقول،
- مو سويت صباح الخير و بوسة من كَعدت ؟!
ريّا طفت على النار و رهف تتوسل بيها،
- تعالي اسوي بوسة ...
ابتسمت ريّا و دنكَت تنطيها خد و الثاني و صارت ثلاث بوسات الى أن قيس وقفها،
- يولي يزي عاد مو بزعتيها ...
و هي شالتها تبوسها و تشم برقبتها تقولّه،
- ريحة اطفال هنااا أموت عليها ...

ضحك عليهم و أخذ رهف منها كَعدها يقول،
- اكَعدي اكلي بابا هاي طلعت روحج ...
ياكلون هم و رهف تحاول تقنعه يبقى،
- عمو يصير ما تروح ؟!
و هو قرب لها الأكل يقول،
- ها رهووفة شاتفقنا ؟! مو كَلنا عندي شغل !!
و مصرة هي،
- هو مريض ما يروح دكتور ثاني ؟ 
- لا ما يروح دكتور ثاني ... 
شرب من جايه يقول،
- اني وعدتج اجي مو ؟!
- شوكت ؟!
- من اكَدر ...
- يعني باجر ؟!
- لا مو باجر ...
- عكَب باجر ؟!
صفن بيها يقول،
- رهوفة ما يصير نكذب صح ؟ 
هي هزت راسها،
- لا حرام ...
- تريدين اكذب و اكَول باجر و ما اجي ؟!
- لالا ما يصير ...
مسد على راسها يقول،
- اني بس يصير لي وكت اجي، و لو ردتي شي تلفوون ...
- يعني أي وكت ؟!
- اي حبيبتي أي وكت ... حت لو شنو ؟!
ابتسمت له،
- نص الليل ...
و هو قرص خدها و باس أصابعه،
- فدوة غديت لبنيتي ... يلا اكلي يلا ...
و ريّا كانت تسمعه.
و تتأملهم ...
و داخلها كان يرفض يصدق إن بقى أقل من ساعة و يطلع.
صار وقت الباص، لبست جنطتها الصغيرة و قبل لا تطلع حضنته ... حضن طويل.
بكل قوة طفلة خايفة ينأخذ منها شخص ثاني.
و هو ظل شايلها، كأنه شايل بيت بأكمله ...
مشى بيها لباب البيت، وصلها للباص الي كان ينتظر على الوقت و هي صعدت تدزله بوسات هوائية ...
سد تلباب وراه و هو داخل، و بقت بس ريّا ...
من الصبح، و هي متعمدة تبقى مشغولة ...
ترتب ...
تلم أشياء ...
تسوي الريوكَ و تلتهي برهف ...
تسأل عن الجنطة ...
عن الجواز ...
أي شي ... حتى ما توكَف كَدامه بهذه اللحظة ...
لأن أول ما توكَف ...
راح تضطر تعترف لنفسها إنها ما تريده يروح.
بس بالنهاية، ما بقى أحد.
رهف و رغد طلعوا ...
و الباب مفتوح.
و السيارة برا ...
بعد ما طلع الباص، وبعد ما سكت البيت من أصوات البنات، صار الهدوء أكبر من اللازم.
قيس أخذ جنطته ... و هي أخذت مفاتيح السيارة.
- أوصلَك.
التفتلها ... واضح إنه كان يريد يكَول لا ... بس شاف بعينها إنها محتاجة هاي الدقايق الأخيرة ... فهز راسه.
الطريق للمطار كان هادئ ... و هي تسوق، و عينها على الشارع ... تحچي عن أي شي: عن رهف ... عن رغد ... عن الحديقة ... 
بس بالحقيقة ... كانت دتحاول تظل تحچي حتى ما تفكر.
لأن كل ما سكتت، كانت تحس إن وجوده خلال الأشهر المضت صار أكبر من مجرد ابن عم ...
كان بكل مكان ... صوته بالبيت ... خطواته ... شخص يخمن كل شي قبل لا يصير ... يحتوي رهف لما تريد بابا ... ينتبه إذا رغد ساكتة زايد و منطوية على نفسها ... يسألها إذا أكلت ...
و بدون ما تنتبه ... صار شايل البيت كله ... و صار شعورها هسة، و هي تسوق بيه للمطار، مو إنه هو اللي رايح وحده ... كأنه دا ياخذ وياه جزء من البيت.
وصلوا.
ظلوا ثواني ساكتين بالسيارة.
- ريّا ...
- همم ؟
- لا تنسين شوعدتيني.
ابتسمت بخفة.
- ما أتعب وحدي.
- و إذا تعبتي؟
- أتعبك وياية ...
هز راسه مبتسم ... و نزل.
هي نزلت وراه.
وقفت يم السيارة، بعدها تحاول تبين ثابتة ... تحچي عن الجواز ... عن إنه لما يوصل يتصل ... عن الطريق.
إلى أن مد إيده ورتب طرف جاكيتها ...
و هنا ... بين أول شرخ بتماسكها.
امتلت عيونها بسرعة ... و دارت وجهها ...
بس هو شاف.
و قبل لا تحاول تبتعد، قرب منها مباشرة.
- ريّا ...
- أني زينة.
ابتسم بحزن خفيف.
- جذابة.
و رفعت عيونها إله ... و شاف كل التعب اللي كانت تخفيه ...
و قلبه ما طاوعه يتركها هيچي.
مد إيده، و سحبها لحضنه بهدوء.
بالبداية تجمدت ... و بعدين استسلمت.
ضمت وجهها بصدره، متمسكة بقميصه.
و هو حاوطها أكثر ... إيده على راسها، و الثانية على ظهرها.
- فدوة لا تبجين ...
بعدت نفسها شوية تمسح وجهها،
- ما أبچي.
وصوتها كان مكسور.
باس راسها،
- أدري انتي سبعة و كَد المسرولية، و اني بظهرج ... زين ؟!
هزت راسها تأكد كلامه ...
ظلوا لحظات هيچي ... هو يعرف إنه إذا طول أكثر، يمكن ما يروح ... و هي تعرف إنه إذا رفعت وجهها، يمكن تكَله أبقى.
بالنهاية، بإبهامه مسح على خدها المبلل،
- إذا اشتاكَيتي لو تعبتي، لو حتى تريدين ونس تسولفيلو دكَي تلفون أي وكت ...
رجفت شفتها.
- لا تطول علينا ...
رقّت عيونه للحظة.
و باس جبينها.
- بأقرب فرصة تلكَيني هين ... محتاجة شي ؟!
ابتسمت له بتماسك،
- سلامتك ...
- الله يسلمج، يلا استودعتج الله ...
و بعدين دار و مشى.
و هي ظلت واقفة يم السيارة ... تباوع لظهره.
و لأول مرة ... ما كان شعورها إنها تكَدر وحدها ... كان شعورها إنها فقدت الشي اللي كان مسندها.
الطريق للمستشفى كان مألوف ... نفس الشوارع ... نفس الإشارات ... نفس المقهى اللي كانت تمر من يمه كل يوم. بس كلشي كان يبين أبرد.
وصلت أول إشارة ... و بدون شعور، التفتت للكرسي الي يمها ... فارغ.
هنا فهمت شكَد تعودت عليه ... مو لأن كان يحچي هواية ... بالعكس ... بس لأن وجوده كان يملأ الفراغ بطريقة هادئة ... كان من النوع اللي يخليج تحسين إنه كلشي تحت السيطرة، حتى لو الدنيا كلها مقلوبة.
وصلت للمستشفى ... نزلت ... و أول ما دخلت، رجعت شخصيتها القديمة شوية ... الدكتورة الهادئة ... المرتبة ... اللي تبتسم للناس و تشتغل و ما تبين شي.
بس بين مريض و مريض ... كانت تلقى نفسها تفكر: - هسة شسوى ؟ وصل ؟ أكل ؟
و أكثر من مرة، مدت إيدها للموبايل ... و رجعتها.
إلى أن بنهاية الدوام، و هي طالعة للسيارة، لكَت رسالة.
- وصلت عمّان ... شلونج ؟ شلون جان أول يوم ؟
وقفت بالنص ... و لأول مرة من الصبح، ابتسمت. ابتسامة صغيرة ... تعبانة ... بس حقيقية.
و كتبتله: 
- زينة ... توصل بالسلامة ان شاء الله.
قرأ الرسالة، و ما رد ... 
رجعت من المستشفى العصر ... و بنفس روتينهم القديم رجعت تتحرك ... صدور دجاج متبلة كانت مطلعتها من الفريزر للثلاجة تذوب ... طلعتها و أخذت شاور سريع و بدلت بملابس البيت و نزلت سوته شرائح وية مكس الخضار و بهاراتها، فاهيتا دجاج و بجانبها تمن أبيض و السلطة ...
تجمعوا بهدوء و رغد منطوية على نفسها على عادتها ... هسة صار وقت لازم ترجع تتقرب منها و تخليها تطلع من مزاجها السيء هذا ... لأنه الحياة ما توقف ... و اذا نكملها لازم نكملها بكل طاقتنا، ولو هي مجبورة على هذا الشي ... بس أخواتها لازم تطلعهم من مزاجهم و بالغصب ترجعهم للواقع، من وين ما وقفت حياتهم الفترة الماضية ...

تعليقات