رواية اوركيديا الفصل العاشر
_البنت لسة صغيرة يا نديم ، دي يادوبك ١٨ سنة ! ده غير أنها لسة بتدرس ، إزاى عايزها تشيل مسؤولية جواز و بيت و عيال؟!
صاحت بها "ألاء" رافضة رفضًا باتًا فكرة زواج ابنتها فى هذه السن المبكرة فى نظرها .
فرك "نديم" وجهه بإرهاقٍ زافراً أنفاسه ببطئ ، ثم بنبرة هادئة حاول أن يقنعها :
_ أهدى يا ألاء و اعقلي الكلام ، مانتى كمان متجوزانى فى سن مقارب لده ، و شيلتي مسؤولية كل حاجة و اتقلمتي فى وقت قصير ، و كنتى بتذاكرى محضرات الجامعة و هى أثير كانت سنتين .
أخذ نفسًا طويلاً ليردف ظنًا منه أنه يفهم أسباب رفضها :
_ و لو على المستوى الإجتماعى فاطمنى عيلته متقلش عننا ، و والده صاحب شركة كبيرة و مشهور فى شغله ، و كمان الولد أخلاقه عالية و ملتزم و بيتدرب فى شركة والده!
تجهمت كل قسماتها ، فما يقوله لها هو آخر همها ، هزت رأسها يائسة و هى تستأنف كلماتها بتوضيحٍ :
_ مجيبتش سيرة حاجة من دي ! و انا مش بقول على المستوى الإجتماعى كل ده ميفرقش معايا ، أهم حاجة بنتى و مستقبلها ، و بعدين انا اتجوزتك عشان بحبك!
جلس "نديم" على سريرهما تمامًا بقرب مكان وقوفها ، و قد أحس ببصيصٍ من أمل ليكمل حديثه رافعًا عينيه إليها ناظراً فى عينيها :
_ مستقبلها محفوظ و محدش هيمنعها تكمل تعليمها و إللى متعرفيهوش إنها كمان بتحبه !
بدت للحظاتٍ مصدومة ، حتى لملمت حروفها المبعثرة لتقول مبهوتة :
_ إيه ؟؟؟!
ارتخت عضلات وجهه ، و لانت نبرته محاولاً تلطيف الأجواء بينهما مشيراً إلى مقعد التسريحة المفرود عليه فستانها و الذى يمثل هديته لها :
_ عجبتك الهدية؟ أنا اختارته بنفسي عشانك.
ثبتت "ألاء" عيونها حيث يشير فرأت فستانًا أسوداً أنيقًا يليق بعمرها و يتناسب مع ميولها و سرعان ما حسبته يسعى إلى تشتيت تركيزها عن هدفها الأصلى فهتفت متجهمة :
_ و ده وقت الكلام ده؟
جذبها "نديم" من يدها فاختل اتزانها لتتهاوى جالسة بقربه تزامنًا مع قوله الحازم :
_ اقعدى افهمك عشان الناس على وصول .
تناثرت خصلاتها الحمراء _التى ورَّثتها لابنتها_ حول وجهها ، مد يده يزيحها عن عينيها ، بينما ثارت هى هاتفة بعصبية و استهجان :
_ نعم؟! دا انتا متفق معاهم بقى و جاى تبلغنى زى أى واحدة غريبة و لا كأنى مامتها .
طالعها "نديم" بعينيه الحنونتين المتسمتين باللمعان و هو يقول مهدئًا إياها :
_ استهدى بالله و اسمعيني الله يهديكي.
نفخت "ألاء" أوداجها بامتعاضٍ و لفظت بملامح مكفهرة :
_ هديت أهو ، أما نشوف آخرتها معاك .
♡♡♡♡♡♡♡♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♡♡♡♡♡♡♡
وقف "معاذ" فى غرفته يرتب أفكاره التى تعج فى عقله ، و يتفقد كل حاجياته و أغراضه التى سيحتاجها فى هذه المقابلة المنتظرة مع رفيقة فؤاده و حبيبة عمره و نبع أفراحه كلها.
ثيابه منظفة و مكوية و موضوعة فوق الفراش و بجانبه على الأرض حذاءه ملمع و جاهز للإرتداء ، رابطة العنق هناك متدلية على حامل الملابس.
لا ينقصه سوى باقة الورود و التى سيحضرها صديقه حين يجيئ.
تبسم و سعادته لا توفيها كلمات و لا تصفها كل أوصاف الدنيا .
و أما قلبه فقد اضطرب على اضطرابه و عصفت به مشاعر فوضاوية بعثرت كل ترتيباته .
ألقى نظرة لساعة الحائط فوجدها لم تتجاوز الرابعة مساءاً .
لما الوقت لا يمر فى هذا اليوم؟
لما يشعر أن عقرب الدقائق لا يدور؟
أكل هذا جراء اشتياقه لها ؟
ربما ، فبعض الإنتظار يزيدنا شوقًا و بعضه من اليأس يقتلنا ، و هو قد انتظر أثنى عشر عامًا و لازال ينتظر و انتظاره كل هذه المدة الطويلة كان ذا فائدة و ضرر ، ففائدته أن أشواقه فى ازدياد ، و أما الضرر أن فؤاده فى تألمٍ و كدر ، فمجرد غيابها عن ناظريه و عن محيطه تضيق له أنفاسه و يدمى له فؤاده ، لأنها و ببساطة نعيمه على الأرض.
أحاط "معاذ" نفسه بذراعيه يحضنها من كم المشاعر الضاربة لفؤاده بلا توقف ، مشاعر أصفى و أنبل من كل المشاعر التى قد يعايشها سواه ، ربما لأنها تتضافر مع براءة تفكيره و نقاء روحه و خلوها من أى تلوث ، ربما لأنه يتقى الله فى أفعاله و أقواله ، و ربما لأنه عاشق وجد الحب الحلال .
اقتحم "غزال" خلوته و انتشله من أنهار العسل التى يتشربها بكل جوارحه ، هاتفًا :
_ جبتلك إللى طلبته.
تأفف "معاذ" بانزعاجٍ فما كان فيه منذ لحظاتٍ كان شعوراً رائعًا و قد قطعه عليه صديقه ثقيل الظل ، فك ضمة ذراعيه لجسده ليربعهما قائلاً بحنقٍ :
_ يا عديم البصر و البصيرة ، شايفني مندمج و سرحان تقوم تخرجنى من المود بالطريقة دي؟!
كظم "غزال" غيظه قاضمًا شفاهه ، و سخر منه مستهزئًا :
_ أومال كنت عاوزنى أخرجك بطريقة ايه؟
و حدجه بعدها بنظراتٍ نارية ليهدده بنبرته التحذيرية :
_ و ألا أقولك هروح أرجع بوكيه الورد إللى صدعتني بيه و أروح أبركلي!
و بتجهمٍ تامٍ أخذ منه "معاذ" الباقة ، ملقيًا فى وجهه عبارة مقتضبة ملؤها الاستهجان :
_ ترجع ايه؟ هاتها كدة !
رفع "غزال" هامته بإعتدادٍ ، و أثنى على مجوداته التى بذلها فى سبيل شراء تلك الزهرات المورقة :
_ لفيت فى كل المحلات على الأوركيد بتاعك ده لما اتقطع نفسي !
انكمشت قسمات "معاذ" غير مقتنع و قال له بلهجةٍ يتغلغلها التهكم :
_ ليه يعنى كنت فى سباق و لا ايه ، مانتا معاك عربيتك كنت يعنى ماشى على رجليك ؟!
ضاقت نفس "غزال" من طريقته التى لا تطاق فى نظره ، و تمتم بصوتٍ مغتاظ يشبه التأنيب :
_ فعلا على رأى المثل خيراً تعمل شراً تلقى !
لوح "غزال" بكفه فى وجهه مباشرة ، مستوقفًا إياه عن كثرة اللغو غير المجدى ، فالوقت يمر و لن يتركه ينفذ هباءاً ، و قاطعه هاتفًا على عجالةٍ :
_ بس ، كفاية دراما و تعالى شوف معايا فى حاجة ناقصة و لا لأ .
انصاع له "غزال" فلا مجال للمناورات الآن ، لينتهى من أمر الزواج هذا ثم بعدها سيفعل ما يحلو له :
_ ماشي يا عريس .
◇◇◇◇◇◇◇◇♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧◇◇◇◇◇◇
"فى تمام السادسة مساءاً "
_ مش قادرة يا بابا ، مش هقابل حد .
ترقرقت عبراتها و أغشت عيونها مع خروج تلك الجملة المتلعثمة بتذبذبٍ من بين شفتيها .
تنهد "نديم" مرهقًا من طول جداله مع زوجته حتى أقنعها فى نهاية الأمر ، و الآن عليه أن يجعل ابنته المتوترة تهدأ و تستقر فكرة الخروج إلى أهل "العريس" و الجلوس معهم فى رأسها المتحجر هذا ، فرك مقدمة رأسه المتصدع يسترسل بنبرة تفوح سخطًا يتغلغلها الاستغراب :
_ يا بنتى ميصحش كدة ، الناس جوم برة و لازم تقابليهم و بعدين مش كنتى مبسوطة و هطيري من الفرح و تقوليلي مش هفكر يا بابي فكرت كتير ؟
أحاطت "أثير" وجهها بين يديها تخفيه و تحتويه من دوارٍ داهمها ، و أضطرابات معدتها الغريبة و التى تزيد من دوارها و كأنما أصابها هبوط فى مستوى الدم ، و أصفر وجهها بدلاً من أن يتورد خجلاً ، لم تكن تعلم أن الأمر يشكل هذه الصعوبة عليها ، كلمته قائلة بلهجة مشتتة ممزوجة بتوترات حادة :
_ ايوة قولت كدة ، بس صدقني مش هقدر اطلع ، مش عارفة اتلم على اعصابي .
تقدم "نديم" نحو "الكوميدينو" حاملاً سماعة الهاتف الأرضي يخط أرقامًا يحفظها عن ظهر الغيب ، مُضيفًا بهدوء واثق :
_ أنا هعرف إزاى أخليكي تسمعي الكلام و تغيري رأيك .
تابعته "أثير" عاقدة حاجبيها و لم تُزل يديها عن وجهها و هى تشاهده من الثغرات التى بين أصابعها .
♡♡♡♡♡♡♡♡♤♤♤♤♤♤♤♡♡♡♡♡♡♡♡
مستلقية على سريرها و فى يدها الهاتف الخلوى تتصفح وسائل التواصل الاجتماعى و بخاصة "الفيسبوك" ، كركرت ضاحكة بصوتٍ عالٍ عندما وقع ناظريها على إحدى الطرف المتداولة و التى يشاركها الألوف .
انتفضت بقوةٍ بسماعها لصوت صياح والدتها فكادت أذنيها أن تصم من حدته و قربها منها :
_ هو أنا كلامي مبيتسمعش ليه ؟ ، هتتعمى قريب بسبب المخروب إللى فى ايدك ده ، يا بت سيبيه شوية و اطلعى اقعدى معانا.
أغمضت "روفان" عينيها تضغط عليهما بجفنيها منزعجةً فقد آذاها صوت والدتها ، و سدت مداخل الصوت براحتيها ، قائلة بتنهيدةٍ عميقة :
_ يا ماما بالراحة شوية ، هى القيامة قامت و لا إيه؟
فتحت عينها اليمنى فى حركةٍ ظريفة و قهقهت مردفة بمرحٍ يتعانق معه الصدق :
_ مكانوش ٢٤ ساعة فى اليوم إللى بقعدهم على الفون !
عضت والدتها على شفتيها كى لا تضحك من طريقتها المضحكة و التى تتعمدها ، ثم جاهدت لتحافظ على صرامة نظراتها و استعدت لسلسة من التوبيخات بقولها :
_ نفسي أعرف بتستفادي إيه من الفون و قعدتك ليل نها....
رنين الهاتف الأرضى بجوارها قطع عليها استرسالها ، و قبل أن تخطو نحوه سبقتها "روفان" تجيب بملامح مرتخية يعلوها المرح :
_ ألو ، إزيك يا عمو نديم ، أنا محظوظة النهاردة إنى سمعت صوتك .
جاءتها قهقهات "نديم" يشاكسها بودٍ :
_ يا بكاشة ، بتحبي تكروتيني بالكلام الحلو عشان مصلحتك.
ضيقت "روفان" ما بين حاجبيها تنفى قوله بقولها الصادق :
_ الله يسامحك يا عمو ، بقى أنا كدة ؟
تنحنح "نديم" مجيبًا على سؤالها بمزاحٍ :
_ و أكتر من كدة كمان .
رفعت "روفان" وجهها نحو والدتها التى تراقبها عن كثبٍ ، لتردف بهمسٍ مسموعٍ :
_ لولا إنى عارفة إنك بتقول كدة بهزار كنت زعلت منك .
تحفزت حواسها و تنشطت خلايا عقلها بسماعها لقوله الحذر و كأنه يلقى على مسامعها سراً خطيراً :
_ سيبك من الكلام ده و فتحى مخك معايا ، لازم تيجي دلوقتي حالاً عشان أثير منشفة راسها و مش راضية تطلع للعريس و عليته و هما بدأو يحسو أن فيه حاجة غلط ، مش عارف ليه اتغيرت بسرعة كدة ، دي إمبارح كانت طايرة فى سابع سما ، إيه إللى جرالها فى مجرد ساعات معرفش !!
أحس قلبها بما تعانيه صديقة دربها و توأم روحها ، حتمًا هى الآن فى أوج خجلها و توترها فما هى مقبلة عليه ليس هينًا بالمرة ، بل سيتشكل به مستقبلها و ستقضى حياتها إما سعيدة هانئة لو كان اختيارها صائبًا و إما تعيسة خاسرة إن كان اختيارها خاطئًا ، و رغم كل ذلك جادلته "روفان" بنبرة شديدة الحرج و لأول مرة تخرج عقلانية عكس طبيعتها المرحة :
_ و الله يا عمو كان على عيني ، بس هاجى بصفتى ايه ؟ كمان لسة مافيش حاجة رسمي ، لو خطوبة أو كتب كتاب أكيد هكون عندها من بدري ، آسفة و الله مش هقدر !
خاب أمل "نديم" ليستجديها بنبرة يائسة :
_ عشان خاطرى يا روفان ، و بعدين انتى هتحضري بصفتك صاحبتها ده غير إننا بنعتبرك من العيلة بأمارة مابتقوليلي عمو .
سكت "نديم" حائراً و مشتتًا ، ليستطرد متوجسًا خيفة من انقلاب الأمور :
_ هيبقى شكلى ايه قدام الناس بعد ما اديتهم كلمة و العروسة متطلعش؟
أضاف بعدها بلوعةٍ :
_ البنت شكلها مش طبيعي خالص و أنا قلقان عليها !
كان لكلماته فى نفسها عظيم الأثر ، فرفعت عينيها مجدداً ناحية والدتها و
تشدقت بقلةٍ إرادة :
_ خلاص يا عمو ، استنونى ، أنا جاية على وجه السرعة .
_ ربنا يحفظك يابنتي .
قالها "نديم" ممتنًا لها على وقوفها معه ، ليغلق الخط بعدها .
تركت "روفان" سماعة الهاتف مكانها متصنعة ابتسامة بلهاء و هى تطالع والدتها فأمامها أمراً شاقًا ، و هو الحصول على موافقتها كى تذهب لبيت صديقتها .
♤♤♤♤♤♤♤♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♤♤♤♤♤♤♤♤♤
_ أنا قربت أخلل من القعدة ، فين العروسة بقى ؟
غمغم بها "معاذ" بخفوتٍ شديد مائلاً على أذن صديقه ، و قد نفذ صبره من كثرة الإنتظار ، فوالد مخطوبته ذهب لإحضارها منذ ما يقارب الربع ساعة و لم يعد حتى الآن .
حدجه "غزال" بنظراتٍ محذرة قائلاً بصوتٍ خفيض :
_ حط لسانك فى بؤك و نقطنى بسكاتك ، الدنيا مش هطير ، السندريلا زمانها جاية .
_ أووووف ، مش قادر استنى و حضرتك مش حاسس بيا .
زفرها "معاذ" مع أنفاسه الضائقة مرجعًا رأسه بعنفٍ إلى مسند الأريكة التى يجلس عليها منذ ساعة إلا دقائق .
ربت "غزال" بيده على فخذ صاحبه ، هو يجوب بعيونه فى الجالسين فرأى والدته "رقية" مندمجة مع السيدتين "أسماء" و "ألاء" تتحدثن ثلاثتهن كسيدات مجتمع راقي ، و بعيداً قليلاً عنهن يجلس والده مع والد صديقه المحامى "سمير" و الذى بدت بوادر القلق تتضح على وجهه .
كرر تربيته مجدداً مضيفًا بتضامنٍ معه :
_ أنا أكتر حد حاسس بيك ، و بعدين فات الكتير و مش باقى إلا القليل ، أصبر إن عقب الصبر خير .
تبدلت تعابير الضيق عن محيا "معاذ" لتتحول للراحة ، و استطرد فى ابتهاجٍ :
_ و أخيرا بعد سنين حاسس قلبي بيرفرف من السعادة .
☆☆☆☆☆☆☆☆☆❤❤❤❤❤❤☆☆☆☆☆☆☆☆☆
وصلوا الثلاثة أمام بابٍ غرفة الضيوف ، فتلك "روفان" لها قدرة خارقة فى التأثير على "أثير" و نجحت محاولاتها فى تهدأة روعها و رغم صعوبة الأمر إلا أنها أخيراً اقنعتها بمقابلتهم و لم تكف عن إلقاء النكات لجعلها تضحك .
خفق قلبها فى صدرها و أهتز بعنفوان حتى ظنته سيخلع من مكانه !
إنه هنا ... تشعر به .... بنبضات قلبه .... تسمع صوته ... تكاد تحصى عدد أنفاسه !
إنه هنا ... حب طفولتها على بعد أقدامٍ منها ... تبعثرت مشاعرها و تخبط قلبها
من شدة سعادتها و خجلها و .... قلقها المتأزم و الذى يطيح فى طريقه شوقها له ، لرؤياه ، للتنعم بسماع صوته الشجى.
رجحت كفة القلق و الخجل بينما كفة السعادة ارتفعت و خف وزنها و قل تأثيرها ، فكادت "أثير" أن تتراجع حينما التفت حول نفسها محاولة منها للفرار إلا أن "روفان" لم تترك لها مجالاً لذلك ، لتمسكها من كتفيها و تديرها و تدفعها برفقٍ سائرة معها تدخلان للغرفة ، هامسة لها فى أذنها تطمئنها و تبث فى روحها الثبات :
_ مينعش تتراجعي دلوقتي ، خلاص المستقبل قدامك و السعادة فاردة دراعاتها خديها بالحضن و متصديهاش و إلا هتندمي .
و مع ذلك فإن "روفان" أيضًا تشعر بمشاعر غريبة ، تتدرج ما بين قلق ، أضطراب و الأعجب ... خجل تجهل مصادره و أسبابه !
أخذت الأثنتان أنفاسًا عميقة تكتمان بها ما يجيش فى صدريهما ، لتخطوان معًا للداخل قدم بجانب قدم ، فيبدوا أن المصير سيصير واحداً لكلتيهما.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡💞💞💞♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
تراقص قلبه على أنغامٍ العشق العتيقة ، و عزفت أوتاره أشجى الألحان ، و تلونت الدنيا فى عينيه بأزهى الألوان ، و ها هو ذا يسمع وقع خطاها على رخام الأرضية .
ثقلت أنفاسهما ، و بلغت دقات قلبيهما للضعف ، و أما أرواحهما فأخيراً تلاقت !
تحركت "أثير" بفستاها الوردى مع خمار أسود ، و بقدمين كسولتين تأبين السير نحو أبعد أريكة عنه لتجلس ما بين والدتها "ألاء" و والدته "أسماء" و التى رحبت بها خير ترحيب و ظلت محيطة إياها بذراعها تضمها بحنو و عواطف أمومية .
ارتاحت لها "أثير" رغم استغرابها من طريقتها الحميمية معها و هى تراها للتو لأول مرة فى حياتها ، و زال أصفرار وجهها ليكتسى بالأحمر الوردي من الخجل .
مشت "روفان" على استحياء و بخطواتٍ متلبكة فى ثوبٍ أزرق أنيق و خمارٍ أبيض ، لتجلس باربتباكٍ إلى جوار "أسماء" من الناحية الأخرى على مقربة من الجانب الآخر من والدة "غزال" السيدة "رقية" و التى بدورها طالعتها بنظراتٍ متفحصة و تحدثت معها بعبارةٍ فضولية مقتضبة :
_ و إنت اسمك إيه يا بنتي ؟
تبسمت "روفان" بتصنعٍ ، و أجابتها بإيجاز متحفظ :
_ روفان .
ربتت "رقية" على كتفها قائلة :
_ بسم الله ماشاء الله ! إسمك جميل و شكلك أجمل !
رفعت "رقية" عينيها ترمق "غزال" بنظراتٍ تحمل رسالة ، فابتسم "غزال" بهدوء و قد فهم مغزى نظرات والدته و أيقن ما يدور فى خلدها ، و هذا أكثر ما يفرحه ، فهو قد سمع صوت "روفان" رغم أنه كان منخفض النبرات و تأكد أنها هى نفسها ... الفتاة من المعرض ، إضافة أنه علم اسمها أيضًا ، يستغرب كيف لقلبه أن يحب فتاة لم ترها عيناه و لم يكن يعلم اسمها ؟
و لكن القلوب لا سلطان عليها .....
............💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞
بعدما تبادل الجميع الأحاديث و رتبوا الأفكار و ما ينتوون فعله ، تركوهما وحدهما ليتعرفوا على عقول بعضهما ، مع قلبين مرتجفين و أعصابٍ منفلتة ....
فركت "أثير" كفيها ببعضهما من شدة توترها ، و أزدادت حمرة خديها ، و تعالت نبضات قلبها و اضطربت أنفاسها .
و لم يكن "معاذ" بحالٍ أفضل من حالها ، و خجله قد بلغ ذروته ، خجل نادراً ما تراه مرسومًا على وجوه الشباب ، لاحظ كل ما تحسه و تفعله فقرر أن يبدأ هو الحوار ، شحن قواه و استجمع فتات شجاعته ليوصل لها كل مشاعره عن طريق حروفه المتناغمة مع الحنين للماضي :
_ لسة فاكرك ، فاكر عنيكي الزرقا إللى سحرتني ، فاكر شعرك الأحمر إللى خطف عنيا ، فاكر عفويتك و رقتك و هدوئك و جنانك إللى دوبونى و خادونى لعالم تانى ، عالم كله جمال و فرح و سعادة ، و فاكر كمان يوم الحادثة ، ساعتها حسيت قلبي اتخلع من خوفي عليكي ، و حسيت دمى بيغلى من إللى عملوه فيكي زمايلك ، و فاكر كل حرف من كلامنا قبل ما تركبي عربية والدك و تمشي ، و فاكر حزنى بعدها و الإكتئاب إللى جالي بسبب إنك مشيتي .
ألا يكفيها ما هى فيه من توترات لتزيده كلماته تلك ؟
ألن يرأف بقلبها المنتفض فى صدرها ؟
ألن يرأف بروحها التى تهفو إليه ؟
أرفعى رأسك و أنظرى فى عينيه التى اشتاقتكِ و اشتقتها ، طالعي ملامحه التى حرمتِ من رؤيتها لسنوات ، حدثيه و قولي له عن ما يكمن فى قلبكِ ،
الآن صار كل هذا متاحًا ، هيا تحركى !
أرفع عيونك فى عينيها الآسرتان و أنظر لهما حتى ترتوى و ينطفئ ظمأ قلبكَ ،
هيا تشجع !
رفعت "أثير" رأسها بتردد ، و أجبرت عيناها أن تجعله فى مرمى بصرها ، و لحظها وجدته يطالعها ، و خُطِفَ قلبها من قبل الوهج الساحر فى بنيتيه .
نظراته المريحة تشابه بقدرٍ كبير نظرات والدها بما فيها من أمانٍ بلا حدود مع حنانٍ فياض ، كل هذا بمذاقٍ الغرام أحلى ، غرامُ يطل من بنيتيه كالسحر !
و بخجلٍ كبير تجرأت لتجوب ببصرها فى قسماته الحبيبة ، تملأ عينيها منها ،
و هو كذلك الأمر ، هام فى بحور زرقاويها .
حتى فصل نظراتهما يجبر بنيتاه على الاكتفاء من التحديق متنحنحًا ، ضم باقة الزهور الأوركيدية ليهديها لها بحروفٍ بعثرها الشوق :
_ ده الورد المفضل عندى و إللى سميتك عشانه ، اتفضليه يا أوركيديا.
رباه رحماك بهذا القلب المرتجف !
أخذتها منه تومأ برأسها شاكرة بتلعثم :
_ ش.... شكراً ، مكانش في داعي لتعبك.
لم يعقب على جملتها اليتيمة ، فما يعنيه الآن أنها تحدثت !
رن صوتها فى أذنيه أخيراً بعد سنوات العجاف !
_ و دي علبة شوكولاتة بيضة من إللى بتحبيها !
هتف بها و هو يناولها علبة أنيقة متوسطة الحجم ملفوفة بشرائط حمراء ، امسكتها "أثير" من حوافها تحسبًا لملامسة يده بالخطأ ، و قد دمعت عيونها و تألقت بعبراتٍ الفرح و لم تقوى حتى على شكره أو الثناء عليه بأبسط الكلمات .
لم يتحكم "معاذ" فى زمام نفسه ، فوجد عيناه تطالعها ، وصله شعورها كاملاً بلا نقصانٍ أو مبالغة .
يجد روحه متعلقة بروحها ، يجد عقله يفسر و يفهم تصرفاتها، يجد بنيتاه تحل شيفرة زرقاويها ليصل لليقين بلا أى شكوك ، إنها حتمًا تحبه كما يحبها ، و لكنه يتخطاها بمراحل فهو شرب من ينابيع الغرام حتى ارتوى ، و أما لسانه فتحرك تلقائيًا :
_ مش هكذب عليكي و أقولك إنى حاولت أدور عليكي و ملقتكيش ، بالعكس أنا عملت بالحديث الشريف إللى بيقول "من ترك شيئًا لله عوضه الله خيراً منه"
و أنا تركتك لله و استودعتك وديعة عنده و الحمد لله ربنا مخذلنيش عشان سبحانه بيقول فى كتابه العزيز "إن وعد الله حق" ، فى البداية مكنتش عارف إيه إللى بحسه ناحيتك ، بس مع الوقت فهمت إنى .... إنى .....
صمت و لم يكمل كلامه ، ماذا دهاه ، كيف يصرح بكل هذا و هى حتى الآن لم تصبح حلاله و إنما لازال الطريق طويلاً ......
و من منا يضمن الظروف ؟
تدفق الأدرنالين فى عروقها و أرتفعت حمرة وجنتيها ، و رغم ذلك سألته بتلجلج :
_ إنك إي .... إيه؟
هو متيم بها ، و لكنه يخاف عليها من حبه ، خائف من أن يؤذيها بلا قصد أو أن يحملها و يحمل نفسه الذنوب جراء حبه هذا ، فلسانه طليق يقول كلامًا يخرج من أعماق فؤاده مع أجزاء من روحه ، و هذا ما يخشاه !
لذلك ابتلع ريقه بصعوبة فائقة و استرسل بنظراتٍ حانية مترقبة مغيراً دفة الحديث :
_ أنا بفكر فى فكرة مجنونة و عاوز أشاورك فيها ، و يارب توافقى .
هزت "أثير" رأسها ايجابًا و حاجبيها معقودين من تحوله المفاجئ ، لتسايره الآن و بعدها ستعلم كل شئ فى وقته ، أردفت قائلة بهدوء :
_ أتفضل ، و أنا هشوف إذا هتناسبني الفكرة أو لأ .
.....................💛💛💛💛💛💛💛💛💛💛
كل رجل و زوجته اخذو جانبًا من هذه الصالة بحيث يكونوا فى مقابلة باب غرفة الضيوف ، كان التجهم الصدارة على قسمات "ألاء" بينما "نديم" يبدو للناظرين سعيداً مرتاحًا ، و أما "روفان" فقد غابت فى المطبخ لتحضر بعض المشروبات المطلوبة فى مثل هذه المناسبات .
مال "غزال" على أذن "رقية" يفصح لها عما يدور فى خلده و ما يعتمل فى قلبه من مشاعر ، و "محمد" والده يجلس جوارها يركز فى كلماته و يعقلها فى عقله حتى استراح إلى فكرة أبقاها فى عقله حتى يأخذ الأشارة من ابنه دليلاً على الموافقة و قد لمح له عنها فى حديثه المقتضب معهما .
..........................💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞
دخلوا عليهم فالباب مفتوح كما تركوه وجدوهما جالسين كلاً منهما فى مكان ، ف "أثير" تجلس فى نهاية الأريكة و أما "معاذ" يجلس فى المقعد المجاور للأريكة قريبًا من الجزء الخالي .
طافت أطياف الفرح فى عينيه و بدت قسماته كالوردة المتفتحة ، قالبًا كل الموازين بقوله المبتهج و المندفع :
_ عندنا ليكم خبر مبشر و مفرح جداً ، اتفقنا أنا و أورك.... أنا و أثير إن الفرح و كتب الكتاب يوم الخميس بإذن الله .
انفرجت أفواههم مصدومين جميعًا ، لا بل مصعوقين و انعقدت ألسنتهم ، إلا أن "نديم" بدا غير مستوعب سائلاً بترقبٍ :
_ الخميس إللى فى آخر الشهر مش كدة يا معاذ ؟
ابتسمت "أثير" بخجلٍ على أشكالهم الظريفة ، بينما "معاذ" عض فمه من الداخل كى لا يضحك ، و تكلم بنفي :
_ لا ، الخميس الجاي بإذن الله .
شهقت "روفان" بصدمة كبرى ، معلقة بعينين متسعتين :
_ ده بعد تلات أيام بس ، أكيد بتهزر مش كدة ؟ و انتى يا أثير ما تقولى حاجة .
كل هذا و "أثير" العروس محور الحديث صامتة خجلة سعيدة و لا سيما ... راضية عما يحدث ..... فالأقدار تقف فى صفها ، و حلمها الذى كان يلوح هناك فى الأفق صعب المنال يكاد يصير فى قبضتيها الناعمتين.
فرصة العمر لا تأتى للإنسان إلا مرة واحدة ، و لا يضيعها إلا الغبي ، و "غزال" يفضل أن يكون مجنونًا مثل صديقه على أن يكون غبيًا و يضيع فرصته الذهبية .
فقرر أن يضرب على الحديد و هو ساخن ، لذلك رمى إلى والده السيد "محمد" نظرة تطوى بداخلها مغزى فأومأ له الوالد فقد اطلعته زوجته على تفاصيل الأمر حينما تركوا العروسين معًا .
ضبط "محمد" وضعية "الجرافات" ليقول مفاجأته الكلامية فى وجوههم و هم بالأساس لم يفيقوا من صدمتهم الأولى :
_ بما إن سمير هينسايبكم ، فحابب أطلب أيد الأنسة روفان لأبنى غزال على سنة الله و رسوله.
كانت ترتشف من كوب العصير فى يدها ، عندما صعقتها تلك الكلمات ، فغص حلقها بقطرات العصير لتسعل بقوةٍ فى محاولة لطردها من قصبتها الهوائية منعًا للاختناق ....
حدج "غزال" والده بنظراتٍ مؤنبة لأنه لم يمهد للأمر قبل أن يخوض فيه .
تجاهله "محمد" و هو يردف بجدية تامة :
_ خدو وقتكم و فكروا .
ثم حول نظراته لروفان يحدثها :
_ و انتى يا بنتى فكرى براحتك و على أقل من مهلك ، احنا مش مستعجلين .
هى حتى لا تعلم من هذا الرجل أو حتى ابنه الذى يطلبها له ، غير أن معرفتها بهم لا تتعدى ما روته لها صديقتها ، التفتت إلى "ألاء" تناولها كوبًا من الماء بعد أن خف السعال أخذته "روفان" منها بأيدي مرتعشة .
تقدم "غزال" من "معاذ" يناقشه فى قراره و لم يلاحظ نبرته التى ارتفعت دون شعور :
_إزاى تاخد القرار ده من غير ما ترجع لوالدك أو والد العروسة أو أى حد فينا .
بصقت "روفان" ما بفمها من مياه قبل أن تقف فى حلقها كحال العصير ملتفتة ناحية "غزال" و عيونها جاحظة ، كيف ذلك ؟
كيف يكون هو نفس الشخص الذى قابلته فى المعرض ؟
كيف يكون صديق عريس صديقتها و هى لا تعلم ؟
ليتها ما خطت بقدميها أرض هذا المنزل !
طبطبت "ألاء" على ظهرها بحركاتٍ حانية و سألتها باستغرابٍ قلقة عليها :
_ مالك يا أوفا ؟ عمالة تشرقي !
ثم فى نفسها قالت بتصميم :
_ استحالة اسيبهم يجوزو بنتى بالسرعة دي ، استحالة! انا مش هسكت .
ربع "معاذ" ساعديه مستريحًا فى جلسته يطالعهم جميعًا بعيون ملؤها التحدى تحسبًا لأى تذمر أو رفض لزواجه السريع لا بل الخارق ، و رد عليه بعنادٍ و أصرار متقد :
_ أولاً دى حياتنا أنا و أوركيديا ، و الفرح هيتم فى الموعد إللى حددناه ، طبعًا بموافقتكم كلكم ، و بعدين متتكلمش إنت بالذات و تناقش فى الموضوع ده .
آخر جملة عقبها بغمزة يلمح لأمر ارتباط "غزال" ب "روفان" و الذى فاجأه هو شخصيًا ، و هو الذى لم ينتهى من أمر زواجه بعد !
و أضاف مكملاً كلامه بكل عزيمةٍ و أقبال يطالع ذات العينين الزرقاوين بشغفٍ :
_ و انا مش هتنازل عن قراري ، أنا مش مصدق لحد دلوقتي إنى لاقيت أثير ، و مش مستعد نهائي تضيع منى تانى ...........
