رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل المائة والثاني عشر 112 بقلم بيسو وليد


 رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل المائة والثاني عشر 

وبين غيرة رجل أدرك أحقية رجل آخر.

كان هناك رجل لا يرى لا يقدر على قول حرف "

قد تدرك أن النور في عين كل من حولك، ولكن لا تدرك بأن العجز جزء منه خصيصًا إن رافقة الظلام، هكذا كانت المعادلة، وهكذا كان نصيب المرء من الحياة، ولكن في نهاية الأفق يأتي شعاع من النور، يحمل معة أملا في غوب يأتي من ربك الكريم دون أن تدري أنت كيف ترتب الأمر...

اقترب " عبد الله" من "ياسم" الذي كان يجلس فوق إحدى الطاولات يعبث في هاتفه، سحب مقعدا وجلس قبالته قائلا:

عارف یا "باسم" لو قفشتك بتخون أختي هعمل فأهلك إيه؟.

رفع "باسم " عيناه في تلك اللحظة ينظر إليه بعد أن جذبته نبرة صوته، فابتسم في استفزاز وقال:

أهلي هما أهلك يا "عبده".

هتف "عبدالله" في ضيق أمره قائلا:

بقولك إيه متبوظليش المقولة هي بتتقال كدا.

قهقه "باسم " عندما قلب الطاولة عليه دون أي مجهود منه ثم قال مبتسما :

خلاص خلاص مش هزعلك قولي بقى جاي عايز إيه أكمني عارف إن مجيتك دي مش من فراغ.

تنهد "عبد الله" في يأس بعد أن أدرك أنه قد كشف، فاعتدل في جلسته واقترب قليلا منه قائلا:

عايزك فموضوع عارف إنك هتعرف تتصرف...

في ايه يا عم قلقتني مالك ؟.

هكذا سأله "باسم " بجدية تامة بعد أن استمع لتلك النبرة في صوت ابن عمه، في زفر "عبد الله " وقال بنبرة جادة

إحنا مش غرب يا "باسم" وواجب لو شوفت حاجة أكيد لازم أجي أقولها لك، ابنك مزودها مع ابني حبتين، أنا عارف إله غيران على أخته ومضايق مش هلومه في دي، بس مش معنى كدا إن دا يديه أحقية فإنه كل ما يشوف "يزيد" بيقرب يقف بينهم، فالآخر "يزيد" بقى جوزها خلاص أمر واقعي وحقه، أنا ملاحظ دا من قبل كتب الكتاب واللي خلاني أجي أكلمك "خذيفة"، على لكة هيروح يشد مع "ليل" وأنا منعته علشان مش عايز شوشرة ولا حد ياخد باله، فلو هتعرف التصرف وتحكم أبنك شوية قولي مش هتقدر عليه عرفني وأنا مخلي جده يتدخل هو بمعرفته.

لم يبدي "ياسم" حينها ردا صريحا على ما قيل إليه، فكان يستمع إليه وهو مصدوما، لا يصدق أن ولده البكري سيفعل ذلك، ظن أن الأمر سيدوم لوقت قصير لم سيزول، ولكن لم يتوقع أن يصل به الأمر إلى تلك اللحظة، وبتلقائية اتجهت عيناه إليه، في رأه قريبا منها يرفض الابتعاد عنها ..

فتنهد في يأس ومسح فوق خصلات شعره قليلا وهو يفكر كيف ينتشله من بينهم دون أن يجذب انتباه أحد منهم تحرك من مكانه تاركا "عبدالله" خلفه ينظر إليه في صمت، وقد اقترب ملة بكل سهولة ثم أمسك ذراعه كي يجذب انتباهه إليه، وعندما نجح في ذلك أشار إليه في صمت وسحبه بعيدا عنهم، سامحا بذلك للآخر أن يقترب من زوجته....

لم يتجه إلى نفس الطاولة التي يجلس عليها "عبد الله"، بل أتجه بعيدا قابضا على ذراعه عندما شعر بمقاومته، وقف بعيدا عن الأعين في مواجهته لأول مرة بينهما، نظر "ليل " تلقائيا إلى شقيقته وقد اشتعلت عيناه عندما رأي "يزيد" أقرب إليها من اعتاد على رؤيته، وقبل أن يتحرك مجددا منعته قبضة أبيه على ذراعه بالتزامن مع قوله:

رايح فين ؟

نظر إليه "ليل" بعد أن أدرك فعل أبيه، فنظر إليه بأعين مشتعلة ثم قال بنبرة خرجت خافتة يشوبها الحدة:

اه قولي كدا يقي، صاحبني كل دا علشان تبعدني عنها وتديله فرصة يقرب منها.

نظر إليه "باسم" نظرة حادة ثم أجاب على كلماته يقوله الصارم:

ميدنيا تتكلم معايا عدل أنا مش واحد صاحبك هتاخد وتدي معاه براحتك فالكلام متنساش ان مهما كانت علاقتنا ببعض في حدود بينا مينفعش تتخطاها، ثانيا أنت مالك؟ لازق فاختك ومصدرك العين الحمرا ولا كأنه عدوك، فوق يا "ليل" وبلاش الهيل دا.

هبل ؟ أنت شايف مشاعري دي هبل؟ وبعدين أنا متماديتش فالكلام علشان تكلمني بالأسلوب دا ودي أختي ومش حابب أشوفه بيقرب منها ويتعد حدوده.

رمقه "باسم " مذهولا من يسمعه من ولده الذي عادت عيناه تشتعل ونبرته تخرج بزمجرة رجل تأكله الغيرة، فوقف في مواجهته وهو ينظر في عينيه بجدية ثم قال بنبرة خرجت جامدة حتى يخرجه من أوهامه:

يقرب إيه ويتعد حدود إيه دي مراته يا ابني، ما أنت برضاك أو غصب عنك لازم تنقبل دا أختك مش هتفضل قعدة كدا علشان خاطر حضرتك يتغير عليها، دا مش منطق ولا مبرر و "يزيد" بقى جوزها خلاص يعني حقه يقرب أنت ملكش دعوة أصلا، ما هو كان من باب أولى "غدي " يرفض يجوز لك "روزي " وكان هيقولك أب وغيران على بنتي ما هي هي أعقل يا "ليل" أحسن ليك شوية وسبب أختك تفرح.

تركه بعدها دون أن يمنحه فرصة ليرد عليه، تركه مكانه ينظر إلى أثره الذي خلدة حضوره قبل لحظات، وفي داخله صراع عنيف لا يقدر عليه لأول مرة بين قلبا تعلق وعقلا يأبي الخضوع...

على الجهة الأخرى من حفل الزفاف...

كان "رمزي" جالنا مع رفاقه فوق طاولة واحدة جمعتهم معا كما اعتادوا، كان يضحك على أحاديثهم ويشاركهم فيها دون أن يعني للمكان، فاقترب منه "خذيفة بوجه جاد في تلك اللحظة، وتحدث في أذنه حتى يسمعه جيدا

تعالى عايزك فموضوع مهم.

نظر إليه "رمزي" متعجبا، فنظر حوله ثم إليه وكالة يستنكر المكان والزمان، ولكنه تحرك عندما رأى الجدية على وجه رفيقه، ابتعد عن المكان تماما حتى وقفا معا في مكان هادی، رای "رمزی" حينها امرأة بعينين دامعتين يشوبها الخوف والأمل الطفيف، فعقد حاجبيه ونظر إلى "خذيفة " الذي قال بنبرة هادئة :

دي تبقى مرات واحد صاحبنا، اسمه "مصعب"، "مصعب" دا يبقى أخونا جدع وطيب ويحب الخير لغيره، ربنا كرمه وبقى عنده سلسلة شركات جوه وبره مصر كان ناجح جدا فشغله وشاطر جدا فتطوير نفسه، لحد ما فلحظة كل حاجة أتغيرت فجأة في يوم وقع من طوله ومتحركش ثاني: عرضوه على ۷۰ دكتور جوه ویژه مصر محدش قدر يساعده، ولا حتى يشخص حالته، لا بيتحرك من عالسرير ولا حتى قادر يتكلم عاجز تماما وتشوفه قلبك يوجعك عليه وهو لسه شاب بيدا حياته...

لم ملقيناش حل طبي مراته بدأت تفكر تلجأ للطريق الثاني، بس أغلب اللي راحت لهم نصبوا عليها ومحدش قدر يساعدها، أنا اتكلمت معاها وعرفتها عليك قولت يمكن تعرف تساعدها بدل ما اللى يسوى واللى ميسواش بينصبوا عليها وكل واحد فيهم بكلمة، لو تقدر يا "رمزي" تساعدها ساعدها يا صاحبي هي حاطة أمل أن يكون الطريق دا هو اللي يساعدها بعد ربنا سبحانه وتعالى.

غضة موجعة سكنت قليه بعد أن استمع إلى صديقه، فلا يتخيل أن يكون شابا مثله بهذا الحال. ولا يعلم إن كان يستطيع أن يقدم مساعدته أم سيبطل أمال تلك المرأة التي تنظر إليه وفي عينيها رجاء لم يستوعبه عقله، فيخشى أن يكسرها وتبدد أمالها للأبد كالسراب، تنهد يعمق ثم قال بنيرة هادئة منتقنا كلماته قبل أن يقولها:

والله أنا مقدر الموقف وعارف إن أي أمل هتتمسك بيه بس برضوا دا فأيد ربنا سبحانه وتعالى ويمكن أكون سبب بس مش أكثر ربك هو الشافي، ومع ذلك المحاولة مش مستحيلة، محاول وبإذن الله أقدر أساعد.

اندفعت المرأة التي كانت تبدو شابة صغيرة ما زالت في مقتبل العمر قائلة في تلهف وانهيار تام:

أرجوك ساعدني أعمل أي حاجة وأنا مستعدة أديك كل حاجة بس نفسي جوزي يخف، نفسي يرجع زي الأول علشان خاطري أرجوك أنا تعبت ومبقتش قادرة أشوفه عاجز قدامي بالمنظر دا وعيونه مكسورة، مش قادرة أشوفه وهو راقد فالسرير بعد ما كان بيروح هنا وهنا ويضحك بجد مهما أقول مش هقدر أوصفلك مدى عجزه وكسرته وكسرتي أنا وعيلته.

بكت دون إرادة منها بعد أن تملك منها الألم وخارت قواها، فلم يتيح أمامها حلا ولم تستغله، لقد فعلت لأجله الكثير دون فائدة، ولم يبقى أمامها الآن سوى "رمزي" الذي شعر بنقل في صدره وكتفيه، فهو الآن أمام اختبارا كبيرا للغاية، لا يعلم إن كان يستطيع تقديم المساعدة أم سترحل تلك الفتاة مكسورة الجناح...

لا حول ولا قوة إلا بالله، بإذن الله خير يا مدام يعنى مفيش حاجة مستحيلة ما دام في رب كريم خير بإذن الله هعمل اللي أقدر عليه، ومش هاخد منك حاجة أنا بعمل دا لوجه الله.

نظرت إليه في أمل وتوقفت قليلا وهي تنظر إليه في ذهول، في رفعت كفها المرتجف تمسحعيراتها عن صفحة وجهها وهي تقول بنبرة غمرتها اللهفة:

أي حاجة أعملها وأنا والله ما هيظل أدعيلك.

نظر "رمزي" إلى صديقه الذي ابتسم إليه ومذ كفه يضعه فوق ذراعه يشدد من قبضته فوقه. يدعمه ويشد أزره، ولكن بعد دقائق وفي تلك اللحظة تيبس جسد "رمزي" الذي عندما أغمض

عيناه لثوان معدودة فقط حتى يفكر ماذا سيفعل جاءته رؤية سريعة لم تمكن سوى ثوان....

تنغض جبينه قليلا عندما رأى غرفة يشوبها الظلام، ينتصفها طاولة يعلوها شموعا مضيئة وامرأة تتشح بالأسود بمعالم حادة وعينين يملؤهما الشي وأخرى تجلس أمامها، تبدو شابة صغيرة تشاهدها وهي تمسك بصورة "مصعب" وتكتب عليها بعض الكلمات والخطوط، ثم أخذت قطعة صغيرة من ملابسه وضعتها فوق الصورة وربطتها بقطعة قماش أسود....

لم ير سوى تلك المشاهد الصغيرة ووجه تلك الفتاة التي كان الخيث في عينيها يلمع، فتح عيناة سريعا وأخذ انفاسه، وكأنه كان يغرق قبل قليل، نظر إليه " حذيفة" في ترقب وقد أدرك بأن الرؤية عادت إليه من جديد فنظر هو إلى الفتاة مجددا وقال في ترقب

معاكي حد هنا ولا لوحدك.

معايا أخت جوزي الكبيرة.

أجابتة بحسن نية منها دون أن تشعر، فقال بنبرة حادة قليلا وهو ينظر إليها نظرة تحمل في داخلها الكثير:

طب أنا محتاج أشوفها، حابب أسمع منها زي ما سمعت منك، ممكن تشاوريلي على مكانها أو لابسة إيه وأنا هروحلها لأنها لو شافت حالتك هتقلق عليكي أكيد.

ماهر ولا يسهل التلاعب معه، فهو ليس بأحمق ويعلم جيدا كيف يأتي بفريسته مستسلمة أمامه. دون أن تقاوم طويلا، فأشارت إليه في إحدى الاتجاهات وهي تقول:

هناك عند البسين قعدة لوحدها متلاقيها لابسة فستان زهري وطرحة بيضة محدش غيرها لابس اللون دا فهتعرفها بسهولة.

ألقى "رمزي" نظرة سريعة على "خذيفة " ثم رحل، نظرة لم يسأل عن مبتغاها فهو يعرفه جيدا. ولكنه لم يستطع أن ينكر هذا الخوف الذي بدأ يسيطر عليه، فإن كانت شقيقته هي الفاعلة فستندلع حربا داخل تلك العائلة بسبب شرها تجاه أخيها الأصغر...

بينما كان "رمزي" يتجه إليها وهو يتذكر لقاء الشيخ "طلحة" سابقا، حيث أخبره بأن هناك رجلا ابتلاه رئه ويأسوا أهله معه، وكان الوسيط بينهما "خذيفة". هذا الرفيق الذي يساعده دون أن يشعر الآن وبعد عودة تلك الهبات يستطيع أن يساعد والشفاء سيأتي حتما من رب العالمين...

وصل إلى حوض السباحة وبالفعل رأها تجلس فوق إحدى الطاولات القريبة تعبت في هاتفها وتلتقط بعض الصور، وقف قليلا مكانه مستغفرا ربه عندما رأى هيئتها التي تثير اشمئزازه عندما يرى غيرها بها، ولكنه يستطيع أن يفعلها دون أن يجذب الأنظار نحوه، ليست مزته الأولى...

شد خطواته نحوها بثبات يحسد عليه استطاع به أن يجذب انتباهها إليه عندما وقف أمامها وألقى تحية السلام نظرت إليه في تلك اللحظة وتوسع بؤبؤ عيناه عندما رأها نفسها، الشقيقة الكبرى هي التي بحقدها وغلها استطاعت أن تجعل أخيها يلازم فراشه دون حول منه ولا قوة. رفعت حاجبها عاليا ثم قالت بوقاحة وقد ظهرت ابتسامتها اللعوب بعدها عندما رأت جماله الشرقي:

في إيه تكونش معجب ؟ عموما مش هقولك لا.

لم يتفاجئ بوقاحتها فنظرة عيناها التي كادت تلتهمه تكفي للخبره عنها كل ما يريده، مال قليلا بجذعه العلوي ونظر في عينيها بصرامة لم يعتدها وقال بنبرة هادئة أقرب للهمس لم يخلوها الحدة ضاربا إياها بهم:

هتقولي عاملة العمل لأخوكي "مصعب " ودافناه فين ولا لا؟.

جحظت عيناها بهلع وشحب وجهها في غضون لحظات وقد تلاشت ابتسامتها عندما تلقت أذنيها تلك الكلمات التي كانت أشبه بالنهاية الأبدية، جف حلقها وتقلت أنفاسها بعدها، ولكنها حاولت أن تحفظ ماء وجهها ولذلك تمسكت برداء الشجاعة الزائفة وقالت بنبرة حادة برغم توترها

عمل إيه وكلام فاضي أنت مجنون ؟.

اقترب "رمزي" خطوة واحدة فقط ولم تتبدد نظرته قائلا بنيرة حادة:

عندك خيارين ملهمش تالت يا تيجي معايا في الشاطرة توريني دافئة العمل اللي عملتيه لأخوكي فين يا تستحملي اللي هيتقال عليكي بعد شوية بالأدلة، والبوليس مش بعيد عننا العيلة اللي حاضرة فرح ابنهم وبنتهم دول أقل واحد فيهم ملازم أول وأكبرهم لوا، يعني متحاوطة ومقدا مكيش حل تاني، وقبل ما تزدي فكري الأول .... تحبي تختاري إيه؟.

ابتلعت ريقها في خوف شديد عندما أغلقت الأبواب في وجهها ولم يعد لديها مفرا للهرب الآن سوى أن تختار مصيرها المحتوم، فظنت بأن لا أحد سيكشف عملتها السوداء تلك، وتناست بأن هناك ربا عادلا تحركت معه إلى سيارته بعد أن وافقت على اصطحابه إلى المكان، تاركة خلفها الحفل وزوجة أخيها وكل شيء، وفي داخلها خوف لا آخر له، فلا تعلم حتى الآن كيف سينتهي مصيرها بعد ذلك.

عائلة يمكن أن تنشأ بدافع الحب

فوق إحدى الطاولات...

كان "وهيب" جالنا بشكل أكثر أريحية بعد أن ألتزم الجميع أماكنهم وبدأ الندلاء بتوزيع الحلوى، كانت الأضواء أكثر دفئا من كانت عليه من قبل تنعكس فوق وجهه بشكل جذاب تجعلة أكثر إنجذابية للفتيات، لم يكن جماله صارتحا بل جمال رجل هادئ يثق في نفسه...

كان ينظر إلى رفاقه وهم يتناقشون ضاحكين، ولكن عقله كان بعيدا عن هذا الضجيج، لم يستطع أن يمنعه بل الجرف خلفه حتى لم يعد يستمع إلى من حوله، رمقه "مهاب" حينها مبتسما بحيث، فهو يعلم جيدا سبب هذا الشرود المفاجئ ولذلك أراد أن ينتشله منه فمد كفه وزجره في ذراعه وقال:

فوق یا عاشق مسيرك تدخل القفص متسرحش مننا كذا السرحان با لسه بدري أوي عليه.

أنتبه "وهيب" إلى الضحكات التي انتشرت مؤخرا من حوله، فرأى نظراتهم نحوه بها مكز يعلمه جيدا، فنظر إلى "مهاب" نظرة حادة وقال:

أنت قولت ايه خنتهم يضحكوا كدا؟.

أصلا؟ أسم الله عليك يا خويا من التوهان مقولتش حاجة مدحت فيك بس مش أكثر.

لم يصدقه "وهيب" تلك المرة فاعتدل في جلسته واقترب منه قليلا وهو يهمس إليه بنبرة حادة

مهاب"، قول بدل ما أنطقك بمعرفتي.

قلص "مهاب" المسافة الفاصلة بينهما بقربه أكثر وهو ينظر في عينيه مبتسما. وبكل برود اجابه بنبرة خافتة لم يسمعها غيره:

وقعتك وقعة وحشة أوي يا صاحبي، وقعت ومحدش سفى عليك.

ابتسم " وهيب" حينها بزاوية فمه بعد أن أدرك أن "مهاب" يحاول استفزازه، فقال بنبرة أكثر حبنا وهمشا:

اسم الله عليك يا قفل، قال أنت اللي كنت جامد أوي وفرود، الحال من بعضه يا "نهاب" مفيهاش معايرة دي يا صاحبي.

دیل یا معلم، خلصانة بتعادل.

هكذا أنهى "مهاب " النقاش بينهما وهو يمنحة ضربة خفيفة فوق كتفه ثم استقام في جلسته وكأن شيئا لم يكن، فعاد كذلك "وهيب" وهو يسند ظهره فوق ظهرية المقعد وهو يتابعه مبتسمًا، فجاء صوت "عادل" يقطع تلك الأجواء بقوله الفرح:

أول مرة أحس إني مبسوط أوي كدا، متخيلتش إن "يزيد" يطلع بالحلاوة دي بجد مش قادر اسيطر على مشاعري بجد كل ما يشوفه بحش إني عايز أحضنه وأفضل أعيط، مش تلزيق والجو دا مش بتاعي أصلا بس فكرة إني مش هشوفه قدامي علطول زي الأول مضايقاتي بجد .... حاسس إننا كبرنا بسرعة.

وافقة "فهاب" القول حينها مشيرا تجاهه وكأنه قال شيئا كان مستحيلا:

عندك حق، ولا أنا بصراحة لسه بحاول استوعب بس اللي مصبرني إني هشوفه فالشغل الكافيه مبيمشيش غير بوجودنا مع بعض صدقني فحاجات كثير أوي بس اللي مصبرني برضوا غير السبب دا إني هبقى عم ثاني فالمستقبل، عارف إننا فالمستقبل دلوقتي محدش يركز معايا بس قصدي فوجود أطفال يقى وبخصوص النقطة دي مش قادر أشوف "يزيد" أب بأمانة. الوش الكوتي المتربي دا مش لايق عليه أبوة خالص دا بدل ما يشخط هيدلع أسمعوا مني ولو بنت بقى يبقى ضمناها مدللة "يزيد" رسمي

نظر إليه "وهيب" حينما انتشرت الضحكات من حولهم وكأنه قال شيئا لن يغفر اليه بسهولة. ولذلك اعتدل في جلسته ونظر إليه بعد أخذ الأمر بشكل جاد وقال:

لا ثواني كدا يقى، أنا معترض بقى معلش "يزيد" هيبقى أب لذيذ يقى خصوصا لو ربنا أراد وخلف على طول، وهو من النوع اللي تحسه صغير أوي على موضوع الأبوة دا بس تخيلته مع نفسى لحظة كدا وهو شايل بيبي صغير كدا لا "يزيد" هيبقى جامد اوى، مشوفتش معاملته لـ عدنان " يا لهوى بجد مش هنسى لم بوظ ورق مهم لـ "خذيفة" من غير ما يقصد وكان خلاص ثانية وهيبلعه حرفيا "يزيد" زعق فيه جامد لأن مبيحبش حد يزعق لـ "عدنان" خصوصا بيتجنن حرفيا، وشوفته بقى بعدها وهو شايله وحاضنه وعمال يطبطب ويبوس فيه ويراضيه...

ضرب حينها بكفه فوق الطاولة أمامه برفق وكأنه ينهي صفقة ثم أكمل بنبرة حازمة:

لا معلش بقى "يزيد" هيبقى جامد أوي وبكرة تشوفوا وتقولوا "وهيب" قال.

وافق "عادل" حينها على قوله بعد أن تذكر هذا الموقف الذي لم يشهده من قبل قائلا:

عندك حق فعلا صحى جوايا مشاعر الأبوة يجد بسبب الطريقة اللي أحتوى بيها "عدنان". أدركت وقتها إن "يزيد" هيكون أحن وأطيب وأذكى أب ممكن أشوفه، مسيرنا نشوفه.

ساد بعدها صمت قصير لم يحبذه مهاب"، فهو برغم كرهه الشديد للضجيج والأحاديث الكثيرة، ولكنه الآن أصبح شخص آخر غير هذا العدائي الذي دوما كان يصرخ في وجوه الجميع أصبح محيا للثرثرة والمشاكسة، ولذلك نظر إلى "وهيب" وابتسم بحيث بعد أن طرقت الفكرة راسه...

استقام في جلسته ومال قليلا نحوه بسرعة محسوبة ثم همس إليه بنبرة يملؤها المكز بعد أن أدرك مؤخرا نقطة ضعف أخيه والفتيلة التي تستطيع بكل سهولة إشعال براكين غيرته:

أبقى قول للحرم المصون إنها لو مشتغلتش معانا عدل وعملتلنا ماركتينج بشكل كريتيف أكثر إلى هخصملها نص المرتب ميحبش الدلع فالشغل علشان تكون فاهم بس ومتروحش تشتكي لـ "يزيد" بدل ما أخصملك معاها وتقعدوا أنتوا الاثنين بمرتب واحد بعد ما تحط نصيبك على نصيبها.

أشتد فكه بشكل فاضح عندما سمعه يتحدث عنها بتلك الوقاحة، وبرزت عروق يده دليلا على غضبه المكبوت، وعن تلك النظرة التي رمقه بها حينها كانت أشبه برصاصة حية، فهو يكره أن يذكرها أحد بتلك الطريقة الفظة وكأنها مجردة من اللاشيء، ولذلك مال هو نحوه أكثر وهمس بنبرة أهدأ يشوبها تحذير قائم:

أولا مش هعديهالك يا "مهاب" وأنت عارفني كويس، ثانيا مين قالك إني هخليها تصور تاني أصلا، لو عايز واحدة تعمل ماركتينج في ما بتقول شوف غير مراتي يا حبيبي لاني خلاص خدت قرار حاسم فالموضوع دا ثالثا أبقى وريني هتخصملها أزاي يا "مهاب" وقبل ما تقول حاجة أنا هشغلها بس فالبيت. لا هتظهر ثاني ولا هيحصل العبث اللي كان بيفور لي دمي دا وياريت تخف شوية وتراعي مشاعري دا لو سيادتك بتحس يعني علشان وربنا المعبود ما معرف الحكم في نفسي وهتلاقيني مشوهك أنت أخويا وعلى عيني وراسي بس دي حاجة ودي حاجة ثانية خالص وأنت فاهمني كويس أوي أنا أقصد إيه بلاش تعملي فيها اهبل دلوقتي...

شغل العيث إنك تقعد تحرق قدمي دا أنا مش هصبر عليه كثير يا "مهاب" ومتفتكرش إني مختوم على قفايا لأ يا حبيبي أنا عارف كويس أوي الخبث اللي بينط من عيونك أنت مش معرفة إمبارح، فعالدغري يابا مراتي مش هنشتغل وتطلع عالملأ بالمنظر دا تاني في مليون طريقة تعمل بيها ماركتينج غير انها تصور نفسها فيديو وأقعد أنا أشوف أشباه الرجال بيتلزقوا فيها مكسر الكافيه على دماغك ساعتها، ولو قلبك جابك أوي يا صاحبي وريتي متخصملها أراي ولو "يزيد" طاوعك فطط فيكم فلوسي هي فلوسها مش هتغلب .... وخفها بقى ومتحرقش دمي أكثر من كدا.

في تلك اللحظة لم يسمع "مهاب" شيئا سواه، تلاشي صوت الموسيقي ولم تبقى في أذنيه سوی صدی كلماته تتردد. لمعت عيناه بشكل فاضح ورسمت ابتسامة واسعة فوق ثغره، لم تلبس طويلا حتى تحولت إلى ضحكة طويلة، عالية ورنانة خرجت من أعماق قلبه عندما وصل إلى مراده، ففي غضون ثوان تحول رفيقه إلى رجل غيور تلتهمه نيران الحب بجوع كارتي...

أدمعت عيناه دون أن يتوقف، فتلك هي مزنة الأولى التي يضحك فيها عاليا بهذا الشكل دون أن بهدا، تاركا الآخر إلى جواره يحك لحيته وهو ينظر بعيدا بعد أن فضحه رفيقه أمام نفسه قبل الجميع، محاولا السيطرة على انفعالات جسده حتى لا يلاحظه أحد...

أنت فاكرني ممكن أبص لمرات أخويا يالا؟ دا أنت تبقى عبيط بجد بقى، دي تبقى أختي ياض. أختي الصغيرة أوعى تفكر بالمنظر دا بدل ما أشوهك أنا، أنا حبيت أنكش فيك بس مش أكثر.

أنهى "فهاب" لومه على رفيقه ثم سدد إليه بعدها ضربة خفيفة فوق كتفه يمازحة، ألقى حينها وهيب" عليه نظرة تعبر إليه عن يأسه من أفعال المتهورة نحوه، وعندما رأه يعود لمشاكسته كما اعتادا ضحك بقلة حيلة وحاوط كتفيه بذراعه يضمه لصدره وكأن ما حدث قبل قليل لم يحدث

فك سحر الباطلين ونصر العبد الضعيف"

وصلا إلى الوجهة المنشودة، مكان منعزل عن العالم تماما، لا تطأة قدوم حتى وإن كان أمانهم فيه أرض خالية وبيئا مهجوزا يقع على حافة القرية، كان الصمت قاتلا يدب الرعب في القلوب والهواء باردة يتخلله أصوات نباح قوية بالقرب منه، شمل المكان بعينيه سريعا دون أن ينبت بحرف...

بينما كانت هي تجلس في الخلف منكمشة، وجهها شاحب وعيناها ترتجف في خوف بعد أن فضح عملها أمام الغريب قبل القريب، إذا فماذا سوف يحدث لها عندما تعلم عائلتها أنها كانت السبب في إعجاز أخيها الأصغر وكيف ستبرر لهم هذا الفعل الفاضح، ولكنها خرجت من قوقعتها تلك بارتجافها عندما تحدث "رمزي" بنبرة حادة قائلا:

انزلي وريني دافئة العمل فين.

ترددت قليلا و ازدادت نبضات قلبها عنها داخل صدرها عندما جاءت اللحظة الحاسمة، فلم تملك حينها شيئًا سوى أن تطيعه، ترجلت ببطء من السيارة وقد سبقها هو مستغفرا ربه سزا، فاقتربت هي بخطى بطيئة منه وكأنها تمشي على جمر من نار، وقفت أمامه ونظرت حولها بعينين الامعتين أسفل الضوء البارد، وبهدوء رفعت ذراعها وأشارت في اتجاه ما وهي تقول بنبرة يشوبها الخوف

هناك تحت البيت المهجور دا.

نظر هو إلى حيث تشير في رأى منزلا من الطين يبدو عليه القدم يحجبه نخلتين عملاقتين وكأنهما تحرسانه، تحرك نحوه بخطى بطيئة دون أن يعيرها أهمية، ثم حسى على ركبتيه أمام المنزل وهو يلمس جداره بكفه استعان بذكر الله وبدأ يحفر ليخرجه من الظلمات إلى النور كي يبطل عماء ويتعافى هذا المسكين من أصابه....

النقط كفه كيشا بلاستيكيا أسود اللون، فأخرجه وهو يسمي الله ثم استقام على قدميه وابتعد قليلا عن المنزل كي يصبح أسفل النور لرؤية ما فعلته، فك عقدته ثم أخرج ما بداخله، فإن بكيس قماشي صغير للغاية داكن اللون، أخرج ما بداخله في هدوء ليرى صورة "مصعب" يكسوها اللون الأحمر بكلمات معقدة وخطوطا في أماكن محددة فيها، معقودة بقطعة من ملابسه ..

تأقل "رمزي " صورتة وقد تألم قلبه كثيرا على هذا الشاب، فكان "مصعب" بغمر رفيقه تقريبا. خصلات شعره سوداء وناعمة تسقط فوق حبينه بشرته كانت قمحية فاتحة ووجه بشوش. حاجبان عريضان قليلا وعينان بنية داكنة، لحية خفيفة منطقة تزين وجهه وتزيد من جماله الشرقي، رفع عيناه ونظر إليها نظرة بهما احتقارًا صريحًا وقال في يأس :

ليه كدا ليه تطاوعي شيطانك وتنذي شاب صغير في الورد الأذى دار حرام عليكي يا شيخة والله، مش هقول غير حسبي الله ونعم الوكيل، قلبك موجعكيش ولا ضميرك أنبك وأنت شيفاه عاجز قدامك عالسرير مش قادر يتحرك ولا يتكلم، نظرته طيب محركتش جواكي حاجة ؟ طب مراته اللي هتتجنن عليه دي مأثرتش عليكي وخلتك تفكري شوية مع نفسك، يا شيخة دا اللي بيدوس على أيد قطة بالغلط بيقعد يأنب نفسه أسبوع كامل، أنت إيه وفين من ربنا.

لمعت العبرات في عينيها التي اكتساهما الخمرة، لم تندم ولم تتأثر وكأن ما قيل إليها لا يعنيها. فيكفي أن شيطانها هو من يتحكم بها الآن وحقدها تجاه أخيها الأصغر هو قائدها، شدت على فكها بعنف واضح وفجأة صرخت في وجهه بعنف وبنبرة عالية قائلة:

لا .... لا مصعبش على ولا هيصعب، هو فعلا "مصعب"، أسم على مسمى، من ساعة ما جه وهو صعب فكل حاجة، علطول شايف نفسه علي وهو عند بابا رقم واحد، "مصعب" دا أخ من الأب. عارف يعني إيه شاب على ٣ بنات لأ وياريته هو بس دا كمان له توأم ولد، أسمه "أنس " أهو

"انس" دا تحت طوعه دايقا، بس مش فنفس الغلاوة اللي فيها "مصعب" عند بابا، على طول مسيطر على كل حاجة حتى حقى حقى اللى كله على لم أقنع بابا يخليه وصى على من بعده ومكنش حبا فيا لا خالص علشان هو وأخوه طماعين بس أنا حلفت ما هخلي جنيه واحد معاه وای جنبه هيفكر بس يعمل بيه حاجة يرجعله بالخراب...

أنا بكرههم وبكره أمهم الحرباية اللي جت خطفت أبويا من بعد وفاة أمي بشهرين، دخل يقلب بارد يقولنا أنا اتجوزت وجابهالنا عقاب لينا وجابلنا أخين عقاب فحياتي، من صغرهم وانا بكرههم خصوصا بعد ما عرفت انهم ولدين بابا طول عمره كان بيحلم بولد يشيل أسمه وللأسف ماما خلفتها كلها كانت بنات وهو كان حاطط الولد فدماغه حتى لو هيجيبلها طرة، وأه أنا اللي عملتله السحر دا علشان أشوفه عاجز قدامی مش قادر حتى يقول آه لو أتوجع، كانت بتكفيني بس دمعته وهي نازلة من عينه فعز وجعه ومأثرش فيا بالعكس، فرحت فيه أكثر لأنه يستاهل هو ومراته الجربوعة دي.

كان أمامها عاجزا عن استيعاب هذا الكم من الشر والحقد الذي يسكن قلبها، وتلك النظرة التي تنظر بها إليه وكأنه هو نفسه، ظل الصمت قائما بينهما كل ما يسمع هو صوت أنفاسها العالية. وكأنها تصارع حربا تحرقها من الداخل، أطلق أخيرا أنفاسه وهو ينظر إلى صورة "مصعب" بعينين لامعتين يسكنهما حزنا دقيلا...

استغفر الله العظيم وأتوب إليه، لا حول ولا قوة إلا بالله، مش هقدر أقول غير حسبي الله ونعم الوكيل.

تركها بعد أن فشل في قول أكثر من ذلك واتجه إلى سيارته أخذ منها زجاجة الماء وعاد من جديد كي يبطل هذا السحر وتعود الحياة لهذا الشاب المسكين من جديد، بدأ بقراءة بعض الآيات من القرآن الكريم عليها أسفل نظرات تلك الأخرى التي كانت تنظر إليه وهي تحارب نفسها حتى لا تسقط عبراتها ...

لم يهتم بها "رمزي" حينها بل كان تركيزه منصبا على ما يفعله الآن، فلم تغيب عنه مشاهد زوجته وهي تبكي إليه وتتوصله بعد أن أصابها العجز وفشلت في مداواة زوجها، فكان وسيظل رمزا للأمانة والطمأنينة للغريب قبل القريب كما وصفته والدته من قبل، وبعد وقت ليس بطويل انتهى وبدأ بإغراق الصورة في الماء كي يبطل هذا السحر تماما كما فعل مع غيره مئات المرات. فلم تكن مرتة الأولى ولا الأخيرة..

وعلى جهة أخرى وفي منزل واسع راق....

داخل إحدى الغرف كان الظلام سائدا وكأنه ملك تلك الليلة كما كان ملكا في ليال سابقة، غرفة هادلة كان يسكنها الأمان والحب والطمأنينة، قبل أن يطمسها الشر ويهلكها، كان ضوء القمر ينعكس على الفراش، والضوء الخافت يبعت من الأباجور المجاور للفراش...

كان "مصعب " طريح فراشه منذ واحد وخمسون يوما، لا يرى فيهم الشمس كما يراها غيره، ولا يتحدث كما يتحدث غيره ويترتر، حتى أداء فرائضة كان يبكي عندما يسمع نداء ربه ولا يستطيع تلبيته، لم يعرف كيف يصلي بعينيه كما قال إليه أبيه وأخيه، كان معتادا على شيء أصبح بعيدا للغاية عنه، كان يتأقل سقف الغرفة بقلب يعتصره الألم، وعبراته تسقط من جانبي عينيه وصوت داخلي يصرخ بأعلى ما لديه حتى عذبة ...

وفوق الأريكة الموضوعة في ركن الغرفة كان أخيه "أنس" جالشا، وقد غليه النوم دون أن يشعر رأسه مائل على كتفه بشكل آلمه، فكان "أنس " يعذب يوميا معه وتحاول إخراجه من تلك البقعة بشتى الطرق، تارة يحدثه عن الصبر، وتارة يحدثه عن قصص الأنبياء الذين ابتلاهم ربهم ودعوه دون أن يفقدون الأمل، لم يترك شيئا إلا وفعله إليه ولكن كانت محاولاته تبوء بالفشل أمام عبرات أخيه ونظراته المكسورة...

أخذ نفسا عميقا ثم نظر إلى ساعة الحائط بعد أن أصر على ذهاب زوجته لهذا الحفل بدلا عنه. يفكر بها ويعلم تماما أنها تجلس مجبرة الآن لأجله فقط، تنهد بعمق وأغمض عيناه حتى لا تسقط عبراته مرة أخرى ولم يعلم كم استغرق هذا وقنا، ولكنة فجأة وعلى حين غرة بدأ يشعر بشيء ما يتغير في جسده، فتح عيناه سريعا ونظر إلى نفسه وقد تسارع نبضه بعنف، وكأنه ينذره

بشيء قادم..

لا يعلم أن زوجته لم تمل في البحث حتى سخر لها "رمزي" ليساعدها، دون أن يستغلها ودون أن يطمع في مالهم، لم يدري أنه الآن يبطل هذا السحر الذي لا يعلم عنه شيئا، وكلما طال الوقت بدا هو يشعر بجسده يقل من هذا النقل تدريجيا، حاول للمرة التي لا يعلم عددها تحريك ذراعه الأيمن، ولأول مرة يتحرك معة جحظت عيناه بعدم استيعاب حينها فظن أنه يحلم، فأعاد الكرة مجددا فرآها تتحرك...

تسارعت وتيرة أنفاسه حينها وخرج منه أنيرا خافت استجابة لهذا التغير الذي أصابه فجأة، ها هو يجلس وحده على الفراش دون أن يساعده أحد على ذلك، فعلها وحده بعد واحد وخمسون يوما من الألم والعذاب، اسند كفيه فوق الفراش وهو يأخذ أنفاسه كمن في سباق طويل، نظر بعينين لامعتين إلى أخيه الذي لم يدري بما يحدث إليه، فقط حينما أصابه الإرهاق استسلم سريفا إليه دون أن يشعر ....

حرك قدميه وأنزلهما وهو يحاول يتلهف فظن أنه يحلم حتى تلك اللحظة وهذا ليس حقيقيا. وقف عليهما وهو يمسك بالفراس كالطفل الصغير الذي يتعلم كيف يمشي أولى خطواته، رسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه وببطء رفع جسده، رفع عيناه نحو السماء في تلك اللحظة وكانه يشكر ربه من أعماق قلبه، فلم يزد دعوات زوجته وشقيقه ووالديه وها هي قد استجيبت فقد خرجت من قلب موجوع ...

حرك قدمه حينها خطوة واحدة صغيرة نحو أخيه، ولكنها لم تسعفه ولذلك سقط أرضا، لم تتحمل في ضعفها نقل جسده ولذلك خانته، وعلى إثر سقوطه استيقظ "أنس" فرعا، وكأن عقله أعطاه إنذارا حتى وإن كان غائبا عن الوع، وأول ما رأه كان أخيه الساقط أرضا فانتفض من جلسته ودعم جسده سريعا وهو يقول في رعب:

مصعب" إيه اللي حصل ؟ إيه اللى وقعك من عالسرير؟ أنت كويس يا حبيبي إيه اللي واجعك.

دعم نقل جسده ورفعه من فوقها، فتمشك به "مصعب" ونظر إليه مبتسما، ابتسامة رجل عادت لة الحياة أخيرا، وقال بنبرة مبحوحة يشوبها الشوق والحنين

وحشتني اوي يا "انس".

بسم الله الله أكبر، الله أكبر، يا اما انت كريم يا رب يا اما انت كريم يا حبيبي يا الله.

قالها "أنس" في تلهف وصدمة من رأه وهو يضفه في شوق وسعادة إلى صدره، ولم يستطع أن يمنع عبراته من السقوط على صفحة وجهه، فتلك أشبه بالمعجزة بالنسبة إليه، ابتعد إنشا صغيرا وهو يتفحص أخيه بكفين مرتعتين وهو ينظر إليه قائلا بنبرة باكية:

مش مصدق، اقسم بالله ما قادر أصدق خايف أكون يحلم وهصحى على وجعك يا حبيبي

ابتسم "مصعب " ابتسامة واهنة ثم قال بنبرة أهدا:

متخافش، أنا كويس، الحمد لله.

ضفه "أنس" بقوة تلك المرة وهو يقول بنبرة مختلفة:

حبيبي يا خويا حبيبي يا من عيني وروحي.

بادلة "مصعب " ضفتة بأخرى أكثر حنانا وخيا، ولكن لم يدع "أنس " تلك اللحظة تدوم طويلا

فابتعد قليلا دون أن يفلته وصاح بعلو صوته يناديه والديه في حماسة وهو يقول:

یا بابا يا ماما تعالوا بسرعة "مصعب " أتحرك .......

نظر بعدها إلى أخيه مبتسما بحيث ثم مازحة يقوله :

معلش بقى يا "صاصا" هتستحمل عباط أمك الحبتين دول لأنها لازم تعمل دراما كوين.

ابتسم "مصعب " بصعوبة ولم يستطع أن يضحك كما كان معتادا، فضرية بخفة يحسد عليها وقال بنبرة واهنة:

بس ياض، متقولش على أمك كدا.

تحداة "أنس" الذي قال بنبرة عديدة:

هنشوف دلوقتي بنفسك أصبر بس.

سمعا صوت أقداما تضرب الأرض من تحتها في تلهف وتقترب مسرعة منهما، فلم يلبسا طويلا وظهرت والدتهما أولا تركض في تلهف وهي لا تصدق ما سمعته، ولكنها عندما رأته أمامها واقفا بمساعدة أخيه إليه أطلقت شهقة عالية ووضعت كفها على صدرها وهي تقول بلوعة:

يا حبيبي يا ابني...

رکضت نحوه سريعا تضفه لصدرها بشوق أم لم تستطع أن لا تلبي النداء، تركت قبلاتها على وجهه وكفه وهي تشكر ربها مدات المرات وعيناها تنظران مباشرة نحو السماء، ولج أبيه في تلك اللحظة ولمعت عيناه بالفرحة، فلم يتمالك نفسه واقترب بخطى سريعة ينتشله من زوجته ويضمه لصدره وهو يشكر ربه بنيرة باكية:

شكرا يارب، شكرا يارب إنك مردتنيش مكسور الخاطر.

وأثناء تلك اللحظات المؤثرة ابتعد "أنس" وهو ينتظر إجابة الطرف الآخر على أخر من الجمر وهو يحاول تنظيم انفاسه، فلم يلبس طويلا وتلقى جوابها فقال بنبرة غمرها السعادة واللهفة:

مصعب" خف يا "أشرفت"، تعالى بسرعة.

أكتفى بتلك الكلمات وأغلق المكالمة، فلن يقدر على قول المزيد يجب أن تأتي وترى ذلك بنفسها فهي أكثرهم تعلقا بـ "مصعب " وأكثرهم حيا إليه، عاد بعدها مجددا إليه وضفه دون أن يملك سيطرة على نفسه وهو يقول :

الشغل وحش أوي من غيرك يا "مصعب".

كداب، أكيد استحليت اللحظة، وحدت مكاني وعملت نفسك كبير عليهم.

شهق "أنس" مصدوما من قول أخيه، فابتعد قليلا ينظر إليه في تحول وقال:

كدا برضوا يا "مصعب " أنت تعرف عني كدا؟ والله يا خويا عيبة كبيرة فحقي.

نظر إليه "مصعب" مستنكرا تلك البراءة وهذا القول فقال:

يا واد قول الحقيقة، أنا أكثر واحد حافظك، قول وأنا مش هزعل

لمعت عينان "أنس" الذي لا يعلم لم تأثر في تلك اللحظة بهذا الشكل، فهز رأسه بعنف ينفي قوله:

أقسم بالله الشغل كان وحش من غيرك مصدقت رجعت تقف على رجلك ثاني يا خويا، قلبي كان واجعني اوي.

سلامة قلبك يا حبيبي، أنا عارف من غير ما تقول، كفاية إنك مسيبتنيش فأول لحظة كلمتك فيها "أشرقت".

رفع "أنس " كفه يمسح عبراته وهو يعاتبه بقوله :

بس ياض متقولش كدا أنت اخويا وتوأمي الدم عمره ما يبقى منة يا حبيبي ... قولي بقى نفسك فايه ؟.

ابتسم "مصعب " ابتسامة واهنة وقال دون تردد وكأنه انتظر هذا السؤال طويلا:

أشوف "أشرقت" وفرحتها أول ما تشوفني، وأرجع الشغل ثاني زي الأول واضايقك، وعايز اجري.

منحه "أنس" ابتسامة حنونة وهو يدعم جسد أخيه ويمسح عبراته بحنو قائلا:

من عيوني يا حبيبي هتشوف "أشرقت"، وهترجع الشغل ثاني وهترجع ترازي فيا وتضايقني كل شوية، وهنجري زي ما كنا بنعمل كل جمعة وتكسبني بسكور كمان.

اتسعت الابتسامة فوق "مصعب" الذي شعر بأن الحياة أخيرًا عادت تضحك إليه مجددا. فاستسلم لعناق أخيه الذي شكر ربه سزا وامتنانا على تلك اللحظة التي كانت أبعد إليهم من كانوا يتخيلون...

وبعد وقت ليس بطويل وصلت "أشرقت " ركضا دون أن تهتم بشيء، تركض بتلهف وبقلب يصرح شوقا لحبيبها الذي أختبر أشد إختبار ونجح فيه بيقين وصبر وعزيمة وثقة في رب كريم. ولجت راكضة نحو غرفته دون أن تهتم بمن حولها، وكأنها آخر شعاعا للأمل، تيبس جسدها على عنية الغرفة بعد أن رأته يقف أمامها بمساعدة أخيه ...

لم تشعر بشيء بعدها اهتزت الأرض من تحتها وكأنها تشارك قلبها هذا الطوفان الذي عصف به. لمعت عيناها سريعا وهي تراه ينظر إليها مبتسما وينتظرها، ينتظر عناقها الدافئ وسماع أنفاسها والشعور بكل نبض قوي داخل صدرها، فلم تتردد ولم تتأخر في منحه هذا الشعور...

رکضت نحوه سريعا وارتمت في أحضانه تضفه في شوق ولهفة، لم تهتم لمن حولها كل ما كانت تراه هو فقط حاربت نفسها طويلا حتى لا تنجرف خلف شعورها، ولكنها لم تستطع تلك المزة فتركت العنان لروحها أن تبكي وتخرج ما حبسته منذ واحد وخمسون يوما، فلم يقل هو عنها شيئا بل تشبت بها وكأنه يتعلق بالحياة...

وحشتني، وحشتني أوي يا "مصعب" وحشتني يا حبيبي ووحشني صوتك.

سقطت عبراته دون أن يملك عليها إرادة، فنبرتها الموجوعة لم يغفل عنها حيتها، ولذلك شد من ضفته إليها وهمس لها بنبرة حملت شوقه ووجعه

مش أكثر مني يا "أشرقت"، صدقيني مش أكثر مني.

ابتعد عنها قليلا يتأملها مبتسقا، فاقترب "أنس" يدعم جسده وهو يقول بمرح:

ادي أول أمنية اتحققت أهي يا عم إبسط بقى.

ابتسم "مصعب" وعبراته تلمع في عينيه التي لم تفارق " أشرقت " منذ دخولها، فعاد إليها وارتمى بين ذراعيها كالطفل الصغير، فاستقبلته هي برحابة صدر وهي تشكر ربها سرا بقلب هالك عصفت به عواصف الحياة ومشقاتها، ولجتا الفتاتين الكبيرتين غرفته في تلك اللحظة، وعند رؤيتهن له تراقصت ابتسامتهن على شفتيهن فرحة الشفاءه...

أشار لهن والدهن بعينيه فتحركن سريعا نحوه يرتمين بين ذراعيه، بينما أكبرهن تخالفهن في حبهن إليه ولـ "أنس" الذي شاركهم هذا العناق كذلك ضامنا إياهم في حب أخوي صادق، لا يحمل الكراهية ولا البعض في نفسه، بل صافيا كصفاء السماء في يوم مشمس...

بينما كانت "أشرقت واقفة أمامهم تنظر إليهم والابتسامة أخيرا تعلو تغرها بعد واحد وخمسون يوما من الألم والبكاء الذي مزق صدرها، أخرجت نفسا عميقا ثم انسحبت من بينهم بعد أن وصلتها رسالة نصية من "خذيفة"، خرجت إلى غرفة المعيشة الواسعة حيث الباب، وعندما فتحته رأته أمامها ومعة "رمزي" والشقيقة الكبرى التي رافقتها للنو مرغمة ...

استقبلتهم سريعًا وهي تشير إليهم بقولها المتلهف:

أنا أسفة جدا بجد الفرحة مكانتش سيعاني، اتفضلوا البيت بيتكم.

خط "خذيفة " للداخل مبتسما في هدوء وفي ظهره "رمزي" الذي القى تحية السلام ووقف إلى جوار رفيقه دون أن يعي لتلك الحقيرة أي اهتماما، قادتهم نحو غرفة "مصعب" في هدوء وهي تسير في خفة الفراشة، فاليوم بالنسبة إليها هو عيدا يجب الاحتفال فيه، اقتربت من زوجها "مصعب " بوجه سعيد ووقفت إلى جواره قائلة:

شوف يا "مصعب" مين جاي يطمن عليك.

في تلك اللحظة توقف كل شيء عن الحركة، حتى الأصوات قد تلاشت من حوله عندما رأه امامه معافی، تأثر "رمزي" بشدة عندما رأه في تلك الصورة كيف لشاب مثله أن ينتقم منه بتلك الطريقة الشنيعة، كيف له أن يحرم من الحياة بتلك السهولة وكأن شيئا لم يكن يسبب حقد البشر وشرورهم...

كان غارقا في بحور أفكاره، غير مبال برفيقه الذي قلص المسافة بينهما وضفه بقوة، تشبت به "خذيفة" وعيناة تلمعان فرحة وتأثرا بما أصبح عليه صديقه الآن:

حمد لله على سلامتك يا صاحبي ابتلاء كبير أوي أنا حاسس بيك صدقني، بس مبسوط من قلبي إني شوفتك واقف على رجليك تاني عودة حميدة يا وحش هترجع تضايق فينا تاني وتنافسنا وتجيبلنا صداع.

ضحك وبكى "مصعب" في نفس الوقت لم يعرف يوما كيف سيتعايش مع تلك اللحظة وكيف سيواجه تلك المشاعر التي عصفت به دون هوادة، شد من ضفته إليه وقال بنبرة مبحوحة

وحشتني أوي يا "خذيفة"، كان على عيني يا صاحبي أكون وسطكم بس إرادة ربنا كانت أكبر مني.

ابتعد "خذيفة" عنه قليلا يوبخة بكلماته الحادة:

يس بالا منقولش كدا، أنت أخونا مفيش بينا أعذار، المهم أنت دلوقتي يا صاحبي...

اقترب منه قليلا يكمل كلماته بنبرة خافتة بقوله:

بس خليني أقولك أنت ربنا رزقك بزوجة مش هتلاقي فحياتك زيها تاني، مراتك مسكتنش لحظة وعملت كل اللي تقدر عليه علشان فالمدة دي. قسما بالله واحدة غيرها كانت سابتك بس دي بنت أصول وبتحبك فوق ما تتخيل أنت أوعى يا صاحبي تزعلها في يوم ولا تكسر بخاطرها لأي سبب اللي حصل النهاردة دا مكانش صدفة الراجل اللي ورايا ذا كان سبب انك ترجع ثاني بعد مشيئة ربنا سبحانه وتعالى الليلة كبيرة أوي يا صاحبي دي مش صدفة.

انتقل بصر "مصعب" في تلك اللحظة إلى "رمزي" الذي كان يقف خلف "خذيفة " ملتزما الصمت بشكل غريب، وعندما شعر هو بها نظر إليه قليلا ثم ابتسم في بشاشة وقال:

حمد لله على سلامتك يا "مصعب".

تصلب جسد "مصعب " حينها وكأن شرارة صغيرة ضربته دون أن يراها، فرد بتحفز إليه قائلا:

الله يسلمك بس أنا أول مرة أشوفك.

تدخلت "أشرقت" في تلك اللحظة تجيبه بابتسامة ونبرة حنونة:

دا يبقى الشيخ "رمزي" يا "مصعب"، هو اللي ساعدك يا حبيبي بعد ربنا علشان ترجع تتحرك ثاني.

وعند كلمة شيخ سكت كل شيء بالنسبة إليه، أصبح الأمر أشبه بالغاز يصعب فكها، تسارع نبضه في تلك اللحظة وأول ما جال على خاطره قاله:

شيخ أيه، أنا كويس وزي الفل مفيش حاجة.

اقترب "رمزي" منة في تلك اللحظة ووقف أمامه مباشرة، نظر إليه قليلا وهو يضم كفيه أمامه ثم قال بنبرة هادئة يكسر بها حدة هذا الصمت:

صل بينا عالنبي يا "مصعب " واهدى اللي حصلك مكانش قضاء وقدر زي ما أنت فاكر، حتى الطب عجز عن تشخيصك ساعتها، والـ ۷۰ دكتور اللي اتعرضت عليهم جوه ویژه مصر ملاقوش سبب مقنع، علشان العلاج مكانش عندهم وقتها، علاجك كان عندي أنا ...

تنفض حبين "مصعب" الذي نظر لمن حوله وهو يقول بنبرة حادة بعد أن بدا يشعر بالتبهة تدور حوله كالذئب الذي يحاوط فريسته:

علاج إيه اللي عندك وكلام فاضي إيه دا اللي بتقوله أنا مش فاهم حاجة ......

أمسكت به "أشرقت " التي نظرت في عينيه وقالت بنبرة هادئة قبل أن يفقد زوجها أعصابه:

"مصعب" علشان خاطري أهدى وأنت هتفهم كل حاجة يا حبيبي.

نظر إليها "مصعب " يعينين تنطقان بالشر والغضب ثم قال بنيرة حادة:

أفهم ايه يا "أشرفت"، أفهم إيه مش سامعة بيقول إيه.

توسلت إليه برجاء شديد وهي تنظر في عينيه وكفها يقبض بقوة على كفه قائلة:

علشان خاطري.

صمت "مصعب" فجأة عندما رأى عبراتها تتمع في ضعف ورجاء شديد له، حينها فقط أيقن بأن الأمر أكبر من قدرته على استيعابه، فعاد ينظر إليه مجددا بجسد متيبس دون أن يتحدث، ينتظر سماع ما سيقوله إليه بقلب ينبض بعنف داخل صدره، خائفا من ينتظره بعدها....

فبدأ حينها "رمزي" يشرح إليه ما حدث بالتفصيل العمل، محاولا ألا يتأثر بتلك الحالة التي بدأت تسيطر عليه هو ومن معه في الغرفة، فدوما تكون الحقيقة مؤلمة أكثر من تهميشها.

بات أغلق على خلم كان بعيدا."

كانت الضحكات تنتشر في المكان بتناغم بعد أن وصلا أخيرا منزل أحلامهم المنتظر، كانا يتلقيان التهاني والمباركات برحابة صدر وسعادة، وحولهما تعلو المزحات التي يتخللها ضحكات ماكرة، التفت إليها "يزيد" دون أن ينتبه إليه أحد وابتسم لها في حبب ثم قال:

تيجي اشيلك.

جحظت عيناها في ذهول بم سمعته، وقد اكتسى الخجل وجهها الهادئ بشكل فاضح، موبخة إياه بقولها الخجول

اتلم يا "يزيد"، قال تشيلني قال دا الحمد لله إن في أسانسير.

لم يكتفي هو عند هذا القدر، بل اقترب منها قليلا وقال بنبرة خافتة ميتسم الوجه:

افرضي اتقالي شيلها دلوقتي، وعند دي هيكون المطلب جماهيري وبصراحة مش هقدر أقول لا.

رمقتة في خجل ثم نظرت بعيدا وهي تتمتم قائلة:

اياك يا "يزيد" بجد، بلاش تحرجني.

قهقه هو مستمتعا برؤيتها هكذا، ثم هذا قليلا وقال بنبرة صادقة:

انت عندي أهم منهم، كنت بهزر معاكي مستحيل أعمل حاجة فيها إحراج ليكي قصادهم. خليها

بينا أحسن.

لم تستطع أن تمنع ضحكتها عندما ضحك في الأخير، فنظرت إليه في يأس وقالت:

مفيش فايدة فيك والله

وبعد أن تلقوا التهاني والدعوات المباركة، وقبل أن يدخلوا ردهة البناية التفتا متعانقين الكفوف ولوحا إليهم يودعوهم بابتسامة واسعة ثم أخذها "يزيد" وولجا للداخل مغلفا الباب خلفهما.

استلقا المصعد الذي بدأ يعلو بهما حيث الطابق المنشود...

ودون أن تشعر وضعت "روان" راسها فوق صدره بعد أن شعرت بالارهاق يبدأ في انتزاع راحتها منها، لف ذراعه حولها يضمها أكثر إليه سانذا ذقته فوق رأسها، ثم قطع هذا الصمت بقوله الهادئ:

اليوم كان طويل ومرهق أوي.

تنهدت "روان" ينقل ولم تستطع أن تمنع ابتسامتها من الظهور، فوافقتة القول عندما قالت:

بس كان لذيذ أوي متخيلتش يكون حلو اوي كدا بجد.

ابتسم "يزيد" الذي لتم رأسها في حنو ثم قال بنيرة يغمرها الفرح:

علشان احنا أخيرا بقينا مع بعض، وعيلتنا خلوه حلو بلمتهم حوالينا وفرحتهم بينا، مبسوط إننا وصلنا أخيرا للحظة دي.

رفعت رأسها تنظر إليه مبتسمة الوجه وعينان تلمعان بالخب، فضفته أكثر وهي تقول:

وأنا كمان مبسوطة أوي خلاص حياتنا هتمشي زي ما احنا عايزين وأحسن كمان مش كدا؟.

أكيد طبقا، طالما بقينا مع بعض فكل اللي جاي حلو بإذن الله.

هكذا كان جوابه نها بسيطا، وصلا إلى الطابق المنشود اخيرا، دفع "يزيد" الباب، فتحركت هي للخارج وهي تمسك فستانها الذي لا شك أنه أرهقها كثيرا اليوم، فمد لها المساعدة فوزا وخرج خلفها، أخرج مفتاح شفتهما التي استغرقت وقتا طويلا لإنهاءها وفتحه بهدو تام....

رائحة طيبة دغدغت أنفهما أولا قبل أي شيء. ثم جاءت إضاءة خفيفة تثير جزء بسيطا منها. كان دافلا بشكل غريب، ولكنه بعث الطمأنينة في القلب بلا شك، خطت "روان" أولى خطواتها نحو الداخل، ولجت بقدم يمنى وهي تسمي الله وتنظر حولها بالبهار تام بعد أن آثار "يزيد"

الضوء خلفها....

كانت مثلما رسموها بالظبط، هادئة وأنيقة تريح القلب والروح قبل أن تسر العين، التفتت إليه بوجه ضاحك وقالت بنبرة أعربت عن فرحتها:

دا طلع ثحفة يا "يزيد"، أنا مش مصدقة إن دا بيتنا بجد.

اقترب منها مبتسقا ثم حاوطها بذراعه وترك عيناه تجوب في كل إنش حوله قائلا بنبرة حنونة:

لا صدقي، إحنا تعبنا وصبرنا كثير أوي علشان نوصل لهنا دلوقتي، يليق بهدوءك اللي بيريحني.

ضحكت هي على تلك الكلمات التي كانت دوما توصل إليها معنى واحد فقط، نظرت إليه بابتسامة هادئة ثم قالت:

طب ينفع أقولك إني بحبك؟.

نظر إليها في تلك اللحظة بطرف عينيه، ثم ضحك وقال:

لا هو أنت لازم تقوليها من غير استئذان، أنا أصبر كل دا وتيجي دلوقتي ألاقي في رسمية لا معلش.

أمسك يدها بعد ذلك وسحبها نحو الداخل حيث كانت هي تضحك على تلك التعبيرات التي لم تفشل يوما أن ترسم الضحكة على وجهها، كان ممزا ليس بطويل ولكنه فضي»، وفي آخره كانت غرفتهما الخاصة التي كانت مضيئة بشكل دافئ أثار الضوء وخط للداخل دون أن يتحدث...

بينما ولجت "روان" وهي ترفع فستانها قليلا عن الأرض وهي تنظر حولها مبتسمة الوجه، وقفت أمام المرأة تنظر إلى انعكاس صورتها بها، وبلحظة ظهر "يزيد" خلقها مبتسقا، فقال بنبرة هادئة :

برضوا قمر.

قالها ثم لتم رأسها في حب بعدها، فاتسعت ابتسامتها وقبل أن تجيبه منعها رئين هاتفه الذي صدح عاليا، أخرجة من جيبه ونظر إلى شاشته مذهولاً، نظرت كذلك "روان" ثم حاولت أن تمنع ضحكتها بعد أن رأت "وهيب" يتصل، فأجابه "يزيد" قائلا:

أنا لسه سايبك مكملتش ۱۰ دقايق، عايز إيه بالا؟.

جاءته ضحكات "يزيد" عبر الهاتف ثم قال بخبث:

مفيش يا حبيبي وحشتني بس قولت أتصل أطمن عليك.

رفع "يزيد" حاجبه وكأنه أدرك حقيقة هذا الإتصال والتي تنافي قول هذا الخبيث، فأجابه ساخرا:

وأنت موحشتنيش، وبلا من هنا علشان هنرش مية.

أغلق المكالمة في وجهه دون أن يمنحة فرصة ليجيبه، وقبل أن يتركه راه بهاتفه من جديد فأجابه قائلا في غيظ:

خلي عند أهلك دم.

رنت ضحكة "وهيب" عاليا بعدها وكأنه كان ينتظر هذا الرد المغتاظ، لم يستطع أن يتمالك نفسه فأجابه ضاحكا:

أنا آسف بجد بس كنت مستني اللحظة دي من بدري أوي.

كظم "يزيد" غيظه حتى لا يفقد هدوءه، ثم أجابه متوعدا اليه:

تمام يا "وهيب"، يومك جاي حاضر.

تعالت ضحكة " وهيب" مجددا ثم قدم اعتذاره إليه وقال:.

خلاص حقك على هسيبك حاضر بس حقيقي انت وحشتني اوي.

أغلق "يزيد" المكالمة مجددا في وجهه قبل أن يشبه ثم بعد ذلك أغلق هاتفه تماما حتى لا بهاتفه مرة أخرى، بينما كانت "روان" تتابعه وهي تضحك على أفعالهم لبعضهم البعض، نظر إليها بعد أن ترك هاتفه في إهمال وقال مبتسما :

قفلته خالص، يبقوا يوروني هيرخموا علي أزاي..

" هدوء لم يشبه ما مر عليهم سابقا.">

في جوف الليل بعد أن ساد السكون...

كانت الشقة هادئة نوعا ما، أصحابها عادوا لها مرهقين، ولكن بقلوب يغمرها الطمانينة والفرحة. كان "عدنان " قد ذهب في ثبات عميق بعد أن أصابة الإرهاق، وبجوار الفراش كانت "أيسل" تجوب فيها جيئة وذهابا، تحمل صغيرها "يونس" على ذراعها وتضفه برفق إلى صدرها....

كان الصغير مستيقظا بالكامل وكالة أبى أن يريحها الليلة، كان هادئا بشكل لم تتوقعه هي. أنامله الصغيرة تقبض على ثوبها وكأنه يعلن رفضه لمفارقتها، يسمع نبض قلبها وكانه موسيقى فريدة من نوعها، لامست أناملها الرفيعة رأسه بحنان وكأنها تطمئن قلبه الصغير بأقل حركة منها ..

ولج "خذيفة" بعد أن أخذ حماما دافتا وارتدى ثيابا نظيفة، اقترب منها بهدوء وقبل أي شيء الحتى نحو صغيره يلثم خده الدافئ في حنو ويحدثه بنبرة حنونة خافتة حتى لا يوقظ صغيره الآخر:

ايه اللي مصحيك لحد دلوقتي ياض صعبان عليك تنام يعني ولا إيه مش فاهم ؟.

نظر إليه الصغير قليلا وكأنه يعيد تذكر تلك النبرة في خلده قبل أن يبدي عليها ردا، وحينها رسمت ابتسامة صغيرة فوق ثغره، ابتسم " حذيفة" ثم مذ كفيه نحوه يأخذه من زوجته قائلا:

هاتبه شكله مش ناوي على نوم وأنت أكيد تعبانة، أنا مقعد بيه لحد ما نشوف مين هيجيب آخر الثاني.

ضفه لصدره وهو يحاوط جسده الصغير بذراعه، لثم رأسه في حنو ثم قال:

ارتاحي شوية يا "أيسل" أنا كدا كدا قاعد شوية علشان مستنى مكالمة من جدي.

نظرت إليه في توتر دون أن تعلم مصدره فقد راودها شعورا قريبا حينها وكأن هناك أحدهم يتربص إليهم، اقترب منها قليلا يلتم جبينها في حتو ثم قال:

متخافيش مفيش حاجة تقلق مكالمة عادية فالشغل من أكثر.

نظرت في عينيه وكأنها لا تستطيع أن تصدقه، فقالت بنبرة عليها القلق:

أوعى يا "خذيفة" تكون بتضحك علي ولا يتسكتني بكلمتين.

قهقه هو بخفة بعد أن استمع إليها، ثم نظر في حنو لها وقال بنبرة هادئة:

لا مش يضحك عليكي ولا حاجة، مقدرش يا حبيبي لو في حاجة أنا مش هخبي عليكي ..... أطمني.

تنهدت في باس بعد أن خاب ظنها كما توقعت فهزت رأسها برفق وتركته مع الصغيرين وذهبت إلى الغرفة كي تنال قسطا من الراحة، بينما تحرك هو وجلس إلى جوار صغيره الذي كان يغط في ثبات عميق، استلقى بجواره كما اعتاد ومند فوق خصلاته الناعمة برفق كي يطمنه بقريه منة.

وجلس هكذا يفكر فيما حدث مع رفيقه، وكيف لنفوس حقودة مثلها أن تؤذيه بهذا الشكل وكأنه حق مكتسب، فإن كان هناك أناشا حقا بهذا الشر يعيشون من حوله يتظاهرون بالحب والعطاء وهم في الحقيقة شرا متريضا فسلاما على الدنيا بمن فيها، فبرغم هذا الهدوء السائد حوله لم يكن كغيره في الليالي السابقة، كان هدوء يشبه العاصفة.

تعليقات