رواية لقاء خط بمشرط وقلم الفصل الحادي عشر بقلم جاسمين محمد
مرّ الليل وآسر صاحي جنب ليلى، كل شوية يقوم يطمن عليها ويرجع مكانه. الصبح طلع، وآسر قام من الكنبة وقرب من ليلى وهي نايمة، بدأ يزيح شعرها عن وشها ويمشي إيده على ملامحها بحب.
آسر بصوت واطي: بجد إنتي جميلة أوي.. وزيك زي الملائكة.
مرّ الليل وآسر صاحي جنب ليلى، كل شوية يقوم يطمن عليها ويرجع مكانه. الصبح طلع، وآسر قام من الكنبة وقرب من ليلى وهي نايمة، بدأ يزيح شعرها عن وشها ويمشي إيده على ملامحها بحب.
آسر بصوت واطي: بجد إنتي جميلة أوي.. وزيك زي الملائكة.
في تلك اللحظة، بدأت ليلى تستعيد وعيها. شعرت بلمساته الدافئة التي أيقظت حواسها قبل عينيها. فتحت جفونها ببطء، لتجد وجه آسر على مسافة إنشات منها، ونظراته تخترق روحها بوضوح. شعرت ليلى بكهرباء تسري في جسدها، واشتعلت وجنتاها بحمرة الخجل لدرجة أنها لم تعد قادرة على النظر إليه.
لاحظ آسر ارتباكها، فارتسمت على شفتيه ضحكة خفيفة وهو يرى توترها الطفولي، وقال مداعباً:
— "إيه ده يا ربي؟ إنتي كل شوية تتكسفي كدة؟"
حاولت ليلى أن تستجمع قوتها المبعثرة، واستعادت نبرة العصبية التي تداري بها خجلها، فدفعت يده برقة وهي تحاول الابتعاد:
— "آسر اتلم وابعد عني! ومتقربش مني كدة تاني عشان متكسفش!"
ضحك آسر بصوت مسموع هذه المرة، وقام بتربيع ذراعيه أمام صدره وهو ينظر إليها بتسلية:
— "آسر اتلم؟ هو أنا غريب يا بنتي؟ دانا حتى جوزك والله!
ليلى: "آسر ابعد طيب.."
آسر بضحك: "هههه حاضر."
قام آسر وراح ناحية الدولاب يجهز لبسه، في الوقت ده ليلى حاولت تقوم من السرير لكن أول ما دست على رجلها حست بوجع شديد ومقدرتش، فبدأت تعيط من الألم والعجز.
آسر سمع صوت عياطها وجري عليها بخوف وقرب منها: "مالك؟ احكيلي في إيه؟"
ليلى بعياط: "عايزة أدخل الحمام بس رجلي وجعاني أوي ومش قادرة أمشي عليها."
آسر بحب وطمأنينة: "اهدي طيب يا حبيبتي، ولا تشيلي هم، أنا هساعدك تدخلي."
ليلى بإحراج: "لا ما ينفعش.."
آسر: "ليلى اتلمي، مش وقت كسوف خالص دلوقتي.. أنا جوزك ومن حقي أساعدك في أي حاجة، ده أنا حتى ممكن أسبحك لو عايزة." (وغمزلها عشان يفك التوتر ويضحكها).
ليلى اتكسفت أكتر وضربته في كتفه: "اتلم أنت قليل الأدب!"
آسر بضحك: "هههه أوي.."
وقبل ما ليلى تلحق تعترض أو تقول كلمة ثانية، كان آسر شالها بسرعة بين إيديه واتجه بيها ناحية الحمام، وهي عمالة تتعصب وتخبط فيه عشان ينزلها وهو مش راضي يسبها.
انتقلت الأحداث إلى لوجين، التي استيقظت وعلى وجهها ابتسامة نصر خبيثة، وكأنها خططت لكل شيء في أحلامها. أمسكت هاتفها بلهفة وضغطت على رقم "المجهول".
لوجين بحدة وحذر: "اسمعني كويس، خليك صاحي وجاهز في أي لحظة. أول ما تليفون آسر يقع في إيدي هبعتهولك فوراً، تفرغه وتشوف لي عليه إيه.. لازم نلاقي ثغرة. ولو تليفونه نضيف، هندور في تليفون الجربوعة اللي جرجرها وراه دي."
المجهول بضحكة مستفزة: "اعتبريه حصل يا مزة، أنا مستني الإشارة منك بس."
قفلت لوجين الخط ورمت الهاتف على السرير بقرف، ثم قامت واختارت ملابس أنيقة وكأنها رايحة معركة مش مجرد خروجة.
تحت في الصالة، كانت هدى مامة لوجين بتشرف على تحضيرات السفرة.
هدى: "خلصتي الأكل يا فتحية؟ مش عايزة تأخير."
فتحية: "كله تمام يا ست هانم، السفرة جاهزة والأكل بيتحط حالاً."
في اللحظة دي نزلت لوجين وهي بكامل أناقتها وكبرياءها، فرفعت هدى حاجبها بدهشة.
هدى باستغراب: "يا فتاح يا عليم! إيه النشاط ده؟ غريبة يعني صاحية بدري ولابسة على سنجة عشر ونازلة تفطري معانا! إنتي بقيتي بتعملي تصرفات مش مفهومة خالص من ساعة ما رجع آسر ومراته..."
لوجين قاطعتها بصرخة وعصبية خلت الخدم يقفوا مكانهم: "متقوليش مراته! الكلمة دي مسمعهاش في البيت ده تاني. آسر ملوش غير ست واحدة، ومحدش هيكون مراته رسمياً وفعلياً غيري أنا.. فاهمة يا ماما؟"
ساد الصمت في المكان، ولوجين عيونها بتلمع بالغل، وكأنها بتعلن الحرب على ليلى قدام الكل.
لوجين وهي عيونها تترقب السلم.
لوجين: "ماما، هو آسر صحي ولا لسه؟"
هدى (دون أن تلتفت): "والله يا بنتي ما أعرف، بس هو لسه منزلتش لحد دلوقتي.. غالباً لسه فوق."
في تلك اللحظة، رنّ صدى خطوات منتظمة على الدرج الرخامي، ليظهر "آسر" بطلته الجادة المعتادة، ملامحه كانت تحمل إرهاقاً طفيفاً لم يستطع إخفاءه.
آسر: "صباح الخير."
هدى ولوجين: "صباح النور."
هدى (بلهفة مزيفه): "طمني يا آسر، ليلى عاملة إيه النهاردة؟"
آسر، الذي كان مشغولاً بتعديل ساعة يده ولم يرفع عينيه ليرى نظراتهم، ردّ باختصار وجفاء: "كويسة.. الحمد لله."
لم يكد ينهي جملته حتى نزل "أحمد" والد آسر، بوقاره المعهود، ملقياً تحية الصباح: "صباح الخير يا جماعة."
بعد رد التحية، توجه أحمد بحديثه مباشرة لابنه: "إيه الأخبار يا آسر؟ ليلى فاقت ولا لسه تعبانة؟"
آسر: "الحمد لله يا بابا، أحسن بكتير."
أحمد: "طيب يا بني، فاضي النهاردة تمر على الشركة؟ فيه شوية ملفات محتاجة إشرافك."
آسر (بحزم): "لأ يا بابا، مش هقدر خالص. عندي شغل متراكم في المستشفى، وفي عملية دقيقة لازم أتابعها بنفسي، والمرضى مستنيين المتابعة."
أحمد (بتقدير): "تمام يا بني، ربنا معاك ويوفقك في رسالتك.. طيب إيه، مش هنفطر ولا إيه؟ أنا واقع من الجوع."
هدى (مبتسمة): "هنفطر يا حبيبي، الأكل جاهز كله على السفرة، اتفضلوا."
بينما اتجه الجميع نحو المائدة، ظلّ آسر واقفاً، وقال بهدوء: "أنا هاخد الأكل وهطلع أفطر مع مراتي فوق، هي مش هتقدر تنزل النهاردة، ولازم أكون جنبها."
أحمد: "ماشي يا بني، حقك.. روح لمراتك."
نادى آسر على الخادمة لتجهز له صينية كبيرة، وبدأ يضع الأصناف المفضلة لليلى بعناية فائقة. وفي غمرة انشغاله وتفكيره في حالة ليلى والمستشفى، وضع هاتفه المحمول على حافة السفرة لينسق الأطباق، ثم حمل الصينية وصعد الدرج مسرعاً، ناسياً هاتفه خلفه.
كل هذا حدث تحت نظرات "لوجين" المتربصة، التي كانت تراقب تحركاته كالصقر. وبمجرد أن اختفى آسر في الطابق العلوي، تسللت بخفة نحو السفرة، ومدت يدها لتلتقط الهاتف بسرعة البرق قبل أن يلحظها أحد، وخبأته خلف ظهرها.
استدارت لتغادر المكان بسرعة، لكن صوت "أحمد" القوي استوقفها عند الباب:
أحمد: "رايحة فين يا لوجين؟ تعالي افطري معانا يا بنتي."
ارتبكت لوجين للحظة، لكنها رسمت ابتسامة باهتة وقالت: "لأ يا خالي، مش جعانة دلوقتي خالص.. حاسة إني محتاجة أشم شوية هواء، هتمشى حوالين الفيلا في الحديقة الأول وبعدين أبقى أفطر."
خرجت لوجين إلى الحديقة بخطوات سريعة، تلتفت حولها لتتأكد أن لا أحد يراقبها. خلف شجرة ضخمة بعيدة عن أعين الحراس، أخرجت هاتف آسر، وبأصابع ترتجف طلبت رقماً مسجلاً باسم "مجهول".
لم تمر ثوانٍ حتى جاءها الرد، لتقول بهمس حاد: "التليفون معايا.. كل اللي محتاجه موجود هنا. أنا مستنياك عند السور الخلفي.. دلوقتي حالاً!"
كانت لوجين تراقب المجهول وهو يتصفح الصور ببطء مستمتعاً بكل لقطة، وكأنها قطع ألغاز يجمعها ليهدم بها حياة آسر. التوتر في قلبها لم يكن خوفاً من "الفعل" نفسه، بل كان خوفاً من "انكشاف أمرها".
لوجين (بنبرة حادة وهمس مسموع): "خلصني يا سيف (أو الاسم المجهول).. مش وقت إنك تتفرج وتنبهر بجمال الست ليلى! انسخ الصور دي بسرعة ورجعلي الزفت ده.. آسر لو نزل وملاقاش التليفون مكانه، حياتي وحياتك هينتهوا النهاردة."
المجهول (بدم بارد): "مستعجلة على إيه؟ الصور دي محتاجة دقة عشان نعرف هنضرب فين وإمتى."
لوجين (بإصرار وغضب): "بقولك خلص! أنا مش هخاطر أكتر من كدة. الصور دي معاك عشان تكسر عينه وتخليه يوافق على اللي إحنا عايزينه، مش عشان تقعد تتأمل فيها. قدامك دقيقة واحدة وتديني التليفون، آسر زمانه بيخلص كلامه مع ليلى فوق وهينزل للمستشفى حالاً."
دخل آسر الغرفة وهو يحمل الصينية بعناية، ركل الباب خلفه بخفة ليغلقه، ثم اتجه نحو السرير حيث كانت ليلى تستند بظهرها على الوسائد، ملامحها باهتة وأثر الألم لا يزال يرتسم في عينيها.
آسر (بابتسامة حانية يحاول بها طمأنتها): عامله اي دلوقتي .. الأكل وصل لحد عندك يا أميرة."
وضع الصينية على الطاولة الصغيرة الملحقة بالسرير، ثم جلس بجانبها. حاولت ليلى أن تعدل من جلستها وهي تتأوه بصوت خفيض، فامتدت يده فوراً لتسند ظهرها برفق.
ليلى (بخجل): "تعبت نفسك يا آسر.. كان ممكن الفطار يستنى لما أنزل، مش عايزة أبقى تقيلة عليك."
آسر (بحدة مصطنعة): "تنزلي فين؟ مفيش نزول يا ليلى، إنتِ رجلك محتاجة راحة تامة، وأنا مش مستعد أخاطر بيكِ عشان خاطر فطار. وبعدين تعبك راحة، أنا لو عليا عايز أفضل قاعد جنبك كدة طول اليوم."
بدأ يقطع لها الجبن ويضع لها الطعام في طبقها الصغير وكأنها طفلة، بينما كانت هي تراقبه بامتنان ممزوج بالقلق.
ليلى: "بس إنت عندك مستشفى وعمليات يا آسر.. اتأخرت بسببي."
آسر (وهو يطعمها أول لقمة بيده): "المستشفى مش هتطير، والعمليات ليها مواعيدها وأنا مرتب كل حاجة. أهم حاجة عندي دلوقتي إنك تاكلي كويس عشان تاخدي العلاج، مش عايز أشوف الوش الشاحب ده تاني."
صمتت ليلى لثوانٍ وهي تنظر إليه، ثم قالت بهدوء وحب: شكرا يا اسر علي كل اللي بتعمله عشاني ؟"
آسر (بحب ):انا جوزك.وده واجبي ؟
ليلي نظرت ليها بنظره تحمل حب كبير ليه
آسر (وهو يمسح على يدها بطمأنينة): "يلا كلي اكلك ، وركزي في صحتك،. كلي يلا.. عشان الحق أنزل اروح المستشفى."
ابتسمت ليلى رغماً عنها، وشعرت بدفء وجوده، دون أن تعلم أن تلك الصور الجميلة التي تجمعها معه الآن، أصبحت في يد شخص يخطط لهدم هذا الهدوء.
لوجين خلصت التلفون واخدت اللي هي عايزه وبعدين دخلت بسرعه الفله ورجعته مكانه علي السفره قبل ما آسر ينزل
آسر نزل خد تلفونه وتطلع ركب عربية
وتحرك آسر بسيارته، وفي أول إشارة مرور، فتح هاتفه ليرسل رسالة للمستشفى يخبرهم بوصوله. لكن غريزته كطبيب جراح دقيق جعلته يلاحظ شيئاً بسيطاً جداً.. "ترتيب الأيقونات" في الشاشة الرئيسية كان مختلفاً بجزء من المليمتر، أو ربما كان هناك تطبيق مفتوح في الخلفية لم يفتحه هو.
بدأ الشك يتسلل لقلبه، لكنه قرر أن يكمل طريقه للمستشفى، فهو لا يترك مرضاه أبداً مهما كانت الظروف.
