![]() |
رواية بقاء الفصل الحادي عشر بقلم رباب حسين
من أول نظرة
ذكرى ذلك اليوم الذي لم يتبدد من ذاكرته جعلت عقله يشتعل بالغضب مرة أخرى، لم يكن في حالة تسمح له بأن يسمع مبررها، وربما ذلك الشعور الذي بدأ يتولد داخل قلبه تجاهها قد أشعل فتيل الغيرة داخل صدره، وعندما سمعها تتحدث مع أحمد في غرفتها وتحدد موعدًا بينه وبين والدها، والأسوء أنها حددت مدة للزواج دون مبالاة منها بزواجه من غيرها؛ جعل الشك يزداد داخل قلبه، وهذا ما جعل غضبه يزداد ويقوم بطردها من المنزل.
فهل يعقل أن يحب تلك الفتاة التي تنحدر من أكثر عائلة يكرها، بل ولا تحبه وتفكر بالزواج بغيره، تفضل رجل آخر عليه جارحة كبريائه الذي لم يحاول أي شخص يقلل من شموخه.
لذا عاد صقر إلى غرفته غاضب، صدره يعلو ويهبط من شدة الغضب، وأخذ يفكر، فإذا كانت تريد الطلاق لتتزوج بغيره؛ فعليها أن تلتزم بحدودها كزوجة له حتى يطلقها، فهي من قالت ذلك مسبقاً؛ أن زواجهما هو زواج أمام الله، فكيف تضعه في هذا الموقف الآن؟ ماذا إن علم أو سمع أحد غيره حديثها معه؟ فهذه إهانة له لا تغتفر.
أخذ يسير ذهاباً وإياباً بالغرفة وعقله يفكر بالكثير.
أما هي فظلت تبكي حتى هدأت قليلاً، تفكر كيف تخرج وإلى إين؟
في أثناء ذلك، دخل حاتم من بوابة المنزل.
حاتم : أذيك يا قناوي.
قناوي : أهلا يا حاتم بيه.
دخل حاتم يحمل بيده ملف ،ثم لاحظ تساقط الأوراق من الملف خلفه، فالتفت ليأخذها، ووقعت عينيه على ليل التي تجلس تحت الشجرة، من هذه الحسناء الباكية؟ هو لم يراها من قبل.
تبدو من ثيابها البالية أنها من الخدم، ظل يطالعها وتحولت نظراته من التعجب إلى الشفقة على هيئتها الباكية، ثم نبض قلبه نبضة تنبأئه بأن هناك من يطرق حواسه الآن، تطلب الأذن بالدخول إلى ذلك القلب.
رفعت ليل وجهها للسماء، تطلب الصبر من ربها، تحت أنظار حاتم الذي رأى أشعة الشمس تنير وجهها الأبيض، تظهر جمال عينيها السوداء الواسعة، ابتسم رغماً عنه كأنه يرَ لوحة فنية متحركة، تحرك نحوها دون وعي.
لاحظت ليل أن أحداً يقترب منها، ظلت تنظر إليه وهو يبتسم لها، ثم تذكرت وجهه، هو من كان يجلس مع صقر بالحديقة، وأيضاََ له صورة معه على مكتبه. إنه صديقه.
وقف أمامها ثم قال.
حاتم : إنتي مين؟
وقفت وذهبت من أمامه دون رد.
لم يستطع حاتم ملاحقتها، ثم ذهب إلى الداخل.
وصلت ليل إلى باب المندرة الآخر المطل على الحديقة، دخلت منه ثم فتحت باب المندرة الآخر ودخلت إلى المنزل. أخرجت رأسها منه تطلع إلى الخارج بحذر، فرأت حاتم يصعد إلى الطابق العلوي مع هنية التي توصله إلى غرفة صقر.
انتظرت قليلاً، ثم تسللت إلى غرفة الهلالي، نظرت إليه وهي تُجاهد أن لا يلاحظ الهلالي حزنها.
ليل : صباح الخير يا راجل يا عجوز.
ابتسم الهلالي وقال : أحلى صباح يا دكتورة.
ثم نظر بعينيها ووجد آثار البكاء جالية عليهما، فقال
الهلالي :مالك يا ليل فيه إيه؟ حد زعلك؟ جوليلي.
ليل : لا يا جدي أنا كويسة، يلا ناخد الدوا.
الهلالي : لع كنتي عتبكي فهميني فيه إيه؟
ليل : الصراحة يا جدي، أنا عايزة أروح عند جدي بركات، أنا نفسي كمان أقعد مع نور شوية، سيبني أخرج يا جدي.
الهلالي : يا بتي ما أنا جولتلك جبل إكديه، أمرك بيد زوجك.
ليل : يا جدي إنت لو اديتني الأذن مش هيعترض ولا هيزعل، أرجوك يا جدي.
لاحظ الهلالي بكاءها ولم يستطع أن يحزنها أكثر فقال.
الهلالي :خلاص يا بتي روحي، بس خلي جناوي يوصلك، جوليله الحاج هلالي بيجولك وصلني.
وافقت ليل وأعطت الهلالي دواءه ثم أنصرفت.
أما عند صقر كان قد سرد لحاتم ما حدث بينه وبين ليل.
حاتم :أنا مش عارف يا صقر إنت متضايق كده ليه؟ اه هي مراتك وعلى اسمك، بس إنت بتعاملها أسوء معاملة، وكمان بتقول أنك هتخطب واحدة تانية، متوقع منها إيه؟
صقر بغضب : على فكرة أنا مكنتش هخطب أصلاً، بس أنا كنت بحاول أحرق قلبها مش أكتر، لكن زهرة بالنسبالي طول عمرها أختي اللي مربيها على إيدي، بس بعد اللي هي عملته أنا هحرق قلبها أكتر وأكتر.
حاتم : صقر كفاية لحد كده، اللي إنت بتعمله ده مش صح، روح كلمها يا صقر وحاول توصلوا لحل يريحكوا إنتو الاتنين.
صقر : أروح لمين؟ أنا طردتها.
قبض حاتم علي ذراع صقر وقال بصدمة : طردتها؟! طردت مراتك برا البيت يا صقر؟ أكيد راحت لأهلها. بتعمل مشكلة ما بينكو تاني ليه يا صقر؟/ إنت عايز تتقتل إنت كمان المرة ديه؟
صقر بتوتر : هي أصلاً مش هتعرف تروح، ديه متعرفش حاجة هنا خالص، ولا تعرف مكان بيت جدها.
حاتم : كمان! ولسه واخد بالك دلوقتي، شكلك مش هترتاح غير لما الطار يرجع تاني، روح دور على مراتك، أخرج وأنا هستناك هنا، شوفها يمكن مخرجتش من البيت أصلاً.
خرج صقر وذهب إلى غرفتها فلم يجدها نزل إلى أسفل.
صقر بصوت عالي : خالة هنية.
خرجت هنية من المطبخ وخلفها أمه جهاد.
هنية : نعم يا كبير.
صقر :شفتي ليل؟
هنية : لع لساتها منزلتش من فوج.
جهاد : خبر إيه يا صجر فيه إيه؟
صقر : ليل مش في البيت.
جهاد : واه راحت فين؟ دور عليها بس لول.
صقر : مش في البيت أنا طردتها.
جهاد : طردتها! يا واجعة مربربة، لو جدك خد خبر هيجوم الجيامة عليك، روح يا ولدي شوفها فين يمكن في الجنينة.
تركها صقر وخرج إلى الحديقة، وجد قناوي يدخل من الباب الخارجي.
صقر : قناوي تعالى.
ركض قناوي إليه وقال : أمرك يا كبير.
صقر : شفت دكتورة ليل؟
قناوي : أيوة يا كبير، لسه موصلها بيت جدها بركات وتني معاود، الحاج هلالي هو اللي أمرني.
زفر صقر بهدوء ثم قال : طيب يا قناوي، ارجع على البوابة.
دخل المنزل مرة أخرى، وأخبر أمه بأن ليل ذهبت إلى جدها، ثم صعد إلى غرفته وأخبر حاتم، ثم ذهبا إلى غرفة الهلالي ليطمئنا عليه.
حاتم : حمد الله على السلامة يا جدي.
الهلالي : الله يسلمك يا ولدي.
ثم ألتفت إلى صقر وقال : معلش يا صجر، ليل طلبت مني الأذن عشان تروح لجدها وأنا وافجت، تجريباً خافت تطلب منيك لترفض.
علم صقر أنها أرادت أن تنفذ أمره دون أن يشعر جده بشيء. فقال
صقر : أمرك نافذ يا جدي علينا كلنا.
أما عند ليل، كانت تقف أمام منزل جدها تحاول أن تهدأ قليلاً، ثم رسمت البسمة على وجهها وطرقت الباب، فتحت لها الخادمة ودلفت إلى الداخل، وجدت زينة زوجة عمها عمر؛ امرأة قعيدة على كرسي متحرك، لا تستطيع التحدث ولا تحريك جزعها الأيمن، بجانبها أختها سمر زوجة عمها خليل، وأم كلاً من نور وزياد وزيد، ابتسمت سمر إلى ليل وذهبت إليها وأحتضنتها، شعرت ليل بالراحة في حضنها، كم تحتاج إلى بعض الراحة بأحضان دافئة الآن، فقد أُرهق قلبها وعقلها كثيرًا، ثم قالت
سمر : أهلًا بالغالية، نورتي يا حبيبتي.
ثم قبلتها وقالت: متزعليش مني إني مجتش أباركلك، مجدرش أسيب خيتي زينة لحالها.
ليل : طبعاً مقدرة.
اقتربت من زينة ثم ربتت على يدها اليسرى وقالت.
ليل : إزيك يا عمتي زينة.
سمر بحزن : كيف ما هي يا بتي، الدكاترة رايحين جايين كلهم نفس الكلام، عندها صدمة شديدة وده اللي مأخر العلاج.
ليل : النفسية مهمة جداََ في علاج الحالات ديه يا عمتي.
ثم انتبهت إلى صوت زيد وزياد وهما يهبطان للأسفل زيد : يا عم تعالى معايا بقى بطل رخامة.
زياد : يا زيد سيبني بقى، مش عايز أخرج.
نور : بس يا زيد سيب أخوك، مش شايفه متضايق.
ثم انتبه زيد إلى ليل فقال
زيد : لييييل!!! إيه المفاجأة الحلوة ديه!
ذهب إليها وخلفه زياد ونور رحبو بها، وهبط بركات الدرج ورحب بها أيضاً، وتناولو الفطار سوياً.
جلست ليل وزيد وزياد ونور مع جدهم بركات، وأخذت سمر زينة لتعطيها أدويتها بالغرفة.
بركات : إنتي زينة يا بتي؟
ليل بابتسامة : أيوة يا جدي، أنا بس حبيت أطمن عليكو. والصراحة كنت عايزه أسأل على شوية حاجات كده.
بركات :جولي يا بتي.
ليل : عايزة أفهم يا جدي، إيه اللي حصل زمان بالظبط.
بركات :ما أنا جولتلك على واد أختي عزيز وانتصار بت هلالي.
ليل : اللي بعد كده يا جدي.
بركات : جعدنا فتره كبيرة يا بتي بنحاول نعرف مين اللي جتل عزيز، شكينا بلول في حد من عيلة الهلالي، بس مفيش حاجة توكد ديه، وبعد إكديه لما مات شداد لجينا البلد كلياتها بتجول إن خليل ولدي خد بطار إبن عمته منيهم، وكأن الناس كلها كانت خابرة إن حامد هو اللي جتل عزيز، ومن إهنيه بدأ الطار، بعدها ولدي خليل اطخ وهو معاود من الأرض لحاله، ومات يا بتي وساب عياله الصغار، كان زياد وزيد عندهم خمس سنين، بعد إكديه لجينا البلد كلياتها بردك بتجول إن حامد هو اللي جتله، وجتها الدم ضرب في مخي، كنت عايز أجتله بيدي، بس الموت رحمه مني، وجولت خلاص عاد ربنا خد جزاءه، وكفاية دم جتل لحد إكديه، مع إن ده عيب في حجي ويصغرني، بس خفت على الواد اللي فاضل، بعدها مات زين واد الهلالي، وجلت ساعتها خلاص عاد، الطار هيعاود من تاني، لأن مكنش فيه حد مستفيد من جتل زين غير عيلتنا، والطار بينتنا هو اللي معروف في البلد كلياتها، وفجأة حصله عمر اللي جتله صجر.
ليل : وبعد موت عمي عمر ب ٦ شهور حاول حد يقتل صقر صح؟
بركات : صوح.
زياد: مش أنا اللي عملت كده يا ليل.
زيد : ليلتها فعلاً أنا وزياد كنا بنذاكر سوا ومخرجناش خالص عشان كان عندنا أمتحان.
ليل : أنا مصدقاكم، بس أنا في حاجة عايزة أقولها.
زياد : قولي.
ليل : حامد مقتلش عمي خليل.
بركات : كيف؟! البلد كلياتها جالت إكديه، وهو كان مفكر إن خليل جتل عمه شداد.
ليل : اسمعني يا جدي أرجوك. حامد كان عنده حالة نفسية بسبب موت عزيز وكان عايش ميت، خصوصاََ لما أخته انتصار ماتت من حزنها عليه، هو ضربه اه بس مكنش يقصد يموته، وفضل ضميره يعذبه إنه كان السبب في موتهم، ولما مات عمه شداد كانت حالته ساءت أكتر، لأنه كان أقرب حد ليه، ولما أتذاع في البلد أن عمي خليل هو اللي قتله حس بالقهر أكتر، أظن واحد في الحالة ديه ميقتلش.
بركات : ماشي، لو حامد مجتلش طيب مين جتل ابني عمر؟
ليل : مش صقر يا جدي.
زياد : وعرفتي أزاي؟
ليل : لأن صقر لسه الغضب ماليه، وهو قالي بعضمة لسانه طار أبويا لسه مخدتوش، لو كان خده كان بقى أهدى من كدة. ولو فكرتو شوية وهتلاقو إن مفيش حد شاف جريمة القتل وشهد عليها، كل للي كان بيحصل إن الناس شايفة إن فيها مشكلة بين العيلتين، وده خلى التوقع يبقى سهل، وإنتو مشيتو ورا كلام الناس، سؤالي بقى دلوقتي؛ مين قتل عمي زين؟
بركات : هما عيجولو إن عمر هو اللي جتله، ويومها كان مختفي ومرجعش إلا وش الصبح، وكان شكله تعبان جوي، ولما سألته هو اللي جتله ولا لع؛ أنكر بس رفض يجول هو كان فين.
زياد : إنت بتقول إيه يا جدي! عمي عمر لا يمكن يقتل.
نور : أيوه، مكنش فيه في حنيته أبداََ، ده مراته من كتر زعلها عليه شايفة حالتها عاملة أزاي.
زيد : أكيد طبعًا هتزعل عليه، رفض يتجوز عليها مع إنها مبتخلفش من كتر حبه ليها.
بركات : ااه يا ولدي، حرجو جلبي يا بتي.
ليل : جدي اللي أنا فهمته منكم ومنهم بيأكد أن مفيش حد فيكم قتل التاني.
بركات : واه! ومين جتل عزيز عاد؟ وأختي اللي ماتت بحسرتها عليه، بتجولي إيه يا بتي؟!
ليل : يا جدي أنا متأكدة من اللي، بقوله حامد مقتلش حد غير عزيز وقتله غلط، وصقر مقتلش عمي عمر، وأنت بتقول أن عمي خليل مقتلش شداد، هو أنا لوحدي اللي حاسة إن فيه حاجة غلط؟!
زياد : لا معاكي حق يا ليل، خصوصاََ كمان أنهم كانو فاكرين أني حاولت أقتل صقر وأنا معملتش كده فعلاََ.
زيد : بس مفيش دليل بيقول إن عمي عمر مقتلش، خصوصاً إنه أختفي اليوم ده بالذات.
ليل : جدي إنت متأكد إن عمي خليل مقتلش.
بركات : يا بتي بجولك مكناش خابرين مين جتل عزيز عشان نروح ناخد بطاره.
ليل : فيه حد من مصلحته يوقع العيلتين في بعض. طيب فيه عداوة بينكو وبين حد تاني؟
بركات : لع مفيش.
ليل : لازم نثبت يا زياد كلامك وإن عمي عمر مقتلش.
زياد : وديه هنثبتها إزاي؟ وإيه الاستفادة أصلاً؟
ليل : لو جبنا دليل مش هيبقى فيه طار بينا وبينهم أصل، اً ده غير هنثبت أن فيه حد تاني بيقتل في العيلتين، وطول ما هو برا عايش براحته ومطمن يبقى إحنا كلنا لسه في خطر إنتو وبابا وصقر.
بركات : يعني أحفادي كمان لسه بخطر؟!
ليل : عشان كده لازم نثبت إن مش إحنا أللى قتلنا بعض، وده هيحصل لو عرفنا عمي عمر كان فين، ولازم نعرف الحقيقة بسرعة عشان القاتل ميحاولش يقتل حد فينا تاني.
نظرو بعضهم لبعض، هناك شكوك عديدة يجب التأكد منها، والخوف عاد يسيطر على قلب بركات مرة أخرى، ولابد أن يحمي عائلته من خطر مجهول.
