![]() |
رواية بقاء الفصل الثاني عشر بقلم رباب حسين
في لحظة هدم ما كان يعتقدون الجميع، لحظة ظهور الحقيقة من بين الظلام، وكأن ليل هي أداة العدالة التي بدأت ترسم خطوطها بجدارة، تعلن عن وجود قاتل آخر طليق بالخارج، والأسوء أن لا يزال يترقبهم من بعيد.
لم تكن تلك اللحظة عابرة، بل زلزال لكل معتقد وظن، إعصار عصف بكيان بركات؛ الذي ضحى بالكثير حين تخلى عن أقرب الناس إليه بسبب ذلك الظن السيء.
لم يتخيل أنه بالنهاية سيكتشف أن كل ما قام به كان بسبب أواهم دون دليل، فوقف معترضًا وصاح قائلًا.
بركات : لع أنا مش مصدج أنهم مجتلوش ولادي.
ليل : طيب رأيك إيه في إن حامد مات مسموم مش زي ما أنت فاكر إنه مات موتة طبيعية، ودلوقتي هما شاكين إن عمي عمر قتل أتنين مش واحد.
زياد : لا طبعًا إستحالة، ومين أصلاً قال إنه مات مسموم؟
ليل : تقرير الطبيب الشرعي؛ اللي معرفش بيه جدي الهلالي إلا لما مات ابنه زين.
زياد : طيب وعمي عمر هيدخل أزاي جوا بيت الهلالية ويسم ابنهم؟!
ليل : يبقى معايا حق ولا لا يا جدي؟
صمت بركات قليلًا، وبدأ الشك الذي بداخله يزداد، ضاربًا كل غضبه وعاد العقل ليتحدث، فقال: إيوه يا بتي معاكي حج.
ليل : طيب عمي عمر كان فين يوم موت حامد؟
زياد :مش هقدر أفيدك، كنت ساعتها عندي ٧ سنين.
بركات : وأنا مش فاكر يا بتي أفتكر كيف؟
ثم غضب بركات وقال بألم وقال.
بركات : طيب مين جتل ولادي؟
ليل: أهدى يا جدي، إن شاء الله هنعرف الحقيقة.
شعرت ليل بأن بركات ليس على ما يرام، فأرادت أن تغير مجرى الحديث. فقالت.
ليل : بس صحيح يا جدي ليه عندك ولدين باسم عمر جدي أنا وعم بابا ؟ ومعلش يعني أزاي حضرتك جد بابا وشكلك يدي سن ٨٠.
بركات: زمان يا بتي كنا عنتزوج صغيرين، أنا تزوجت وأنا عندي ١٦ سنة، وخلفت عمر اللي هو جدك أبو حسن، وكمان عمر أتزوج وهو ١٦ سنة وخلف حسن، ولما بجي عنده ٤ سنين مات عمر ومرته في حادثة عربية، تعبت أم عمر جوي ومرضت، أتزوجت تاني؛ كان لازم واحدة تراعي حسن وتاخد بالها من مرتي، فا أتزوجت زينب، وأول واد خلفته سميته عمر، هي اللي ربت حسن، وبعد إكديه جابتلي خليل.
ليل وهي تضحك : أيوة مين يصدق إن زياد وزيد يبقو ولاد عم بابا وهما أصغر مني كده، كل ده بسبب شقاوتك بقى.
ضحكو جميعاً، وقضت ليل اليوم معهم، وقبل المغرب أخبرتهم بأنها تريد العودة إلى المنزل، وقبل أن تغادر أستوقفها جدها وقال.
بركات : ليل، أنا خابر إنك لابسة الخلاجات ديه غصباً عنك.
صدمت ليل من حديثه، وظلت تنظر إليه دون رد، كيف يعرف أنها مجبرة؟! فلم يتحدث بعد وظل ينظر إليها، فقالت بتردد.
ليل : غصب عني إزاي؟
بركات : اليوم ذكرى وفاة زين، وأكيد لازم تلبسي أسود، اشتري يا بتي عبايتين جداد، أنا خابر إنك معندكيش خلاجات غامجة.
ثم أعطاها مالاً وقال.
بركات : خدي يا بتي اشتري اللي إنتي عايزاه.
فهمت ليل سبب غضب صقر المبالغ فيه، من المؤكد أنه يشعر بالحزن، و ما زاد غضبه هذه المكالمة، لذلك كان غضبه مختلف عن كل مرة.
أمسكت ليل يد بركات وقالت.
ليل : لا يا جدي مش عايزة فلوس معايا الحمد لله.
بركات : عيب يا بتي ده إنتي حفيدتي، مترديش يدي.
ابتسمت ليل وأخذت المال ثم قال.
زياد : أنا هوصلك يا ليل، مش هتعرفي ترجعي لوحدك.
أومأت له بالإيجاب، وودعت الجميع. ذهبت وتركت خلفها جدها بركات متخبط بين أفكاره، وبقي السؤال، من قتل أولاده؟
وفي الطريق كان يتحدث زياد وقال.
زياد : ليل أنا عارف أنك مش مرتاحة، وأنا كمان مش عجباني الجوازة ديه خالص.
ليل : متقلقش عليا أنا كويسة.
زياد : صقر مش سهل، هيخرج غضبه فيكي، خصوصاً إنك بتقولي إنه مخدش بطاره.
ليل : صقر مش هيأذيني.
زياد :إنتي متأكدة كدة ليه؟ إنتي بتدافعي عنه إزاي؟
ليل : عشان أنا عشت معاه وعرفته. هو موت أبوه مأثر عليه، بس أنا متأكدة إن قلبه أبيض، ولما موضوع الطار ده يتكشف هيهدى من نحيتنا كلنا، ده غير إنه أكيد مش هياخد طاره مني.
زياد : أنا هساعدك نوصل لحل ونعرف عمي عمر كان فين يومها، وساعتها مش هيبقى في طار بينا، والجوازة كلها مش هيبقى ليها لازمة، وهطلقك منه.
ليل : أهم حاجة نوصل لمكان عمي عمر، أنا معتمدة عليك يا زياد، ساعدني متسبنيش.
دخلا إلى المنزل، وكان صقر في الحديقة في انتظار عودتها، لا يعلم سبب قلقه عليها، ولكنه يريدها أن تعود فقط.
رأها تدخل من البوابة ومعها زياد، غضب صقر من وجودها معه، ثم اقترب منهما وهو يرسم بسمه باردة على ثغره، وعقد كلا ذراعيه أمام صدره. وقال
صقر : حمد الله على السلامة يا هانم، ما لسه بدري.
زياد : فعلًا بدري، المغرب أذنت من شوية.
صقر : لو سمحت لما أتكلم مع مراتي متدخلش.
زياد : مراتك ديه تبقى أختي، ولما تكلمها كلمها بأحترام.
صقر بغضب وبدأ يعلو صوته : إنت جي تعلمني الأدب في بيتي؟
ليل : بس لو سمحتم إنتو الأتنين، ثم نظرت إلى صقر وقالت.
ليل : كل حاجة بتمشي حسب أوامرك يا كبير. ثم نظرت في عينه فعلم صقر أنها تلمح بأنها فقط تنفذ أمر طردها من المنزل طوال اليوم.
وأردفت.
ليل : أنا داخلة أطمن على جدي، معاد أدويته دلوقتي، عن إذنكم.
ثم نظرت إلى زياد وقالت.
ليل : زياد لو سمحت روح مش عايزة مشاكل، وزي ما أتفقنا.
زياد : حاضر يا ليل.
نظرت ليل إلى صقر بغضب ودخلت المنزل.
نظر صقر إلى زياد الذي كان يهم بالخروج وقال
صقر : اتفقتو على إيه؟
التفت زياد له وقال
زياد : متخافش أكيد مش هنقتلك.
ابتسم صقر باستهزاء وقال :أخاف من مين؟ من حتة عيل زيك.
اقترب منه زياد وقال بحدة : العيل ده اللي محافظ على الجوازة ديه لحد دلوقتي وكاتم في قلبه كل حاجة، بس عشان الطار ميرجعش تاني، وتروح تقتل حسن ابن عمي وتحرق قلب الغلبانة اللي جوا، اللي إنت مستقوى عليها.
العيل ده اللي عارف جدك دخل المستشفى ليه، وإنك عايز تتجوز، ولولا عيا جدك كنت خربت الدنيا بين العيلتين.
العيل ده اللي عارف إن ليل جيالنا مطرودة من بيت جوزها ورجعهالك تاني، مع إنك متستاهلش ضفرها. بس لأول والآخر مرة هحذرك، لو حاولت تأذيها تاني يا صقر هتلاقيني واقف في وشك، ومش هيهمني حد، وقبل ما تلمس شعرة من حسن هكون قاتلك، وقاطع نسل الهلالية بإيدي.
ثم ذهب من أمامه وترك صقر المصدوم، فقط ينظر إلى أثره وعقله يحاول أن يستوعب ما قاله للتو.
هل أخبرته ليل بكل شيء؟ ماذا تحاول أن تفعل؟ لقد حذرها أكثر من مرة بإن لا تخبر أحداً بما يحدث هنا.
لم يتردد للحظة واحدة، فذهب إلى داخل المنزل يبحث عن ليل.
كانت ليل وضعت المحلول المائي في يد الهلالي، وحقنة المحلول ببعض الأدوية وهو نائم، ثم ذهبت إلى غرفتها. وما أنا شرعت لتبدل ثيابها، إلا أن فُتِحَ الباب ودخل صقر فجأة، وأغلق الباب خلفه، تراجعت ليل بخوف من هيئته، فاقترب منها وتحدث بنبرة تبث الالرعشة داخل أوصالها.
صقر : أنا حذرتك قبل كده إنك مطلعيش كلمة واحدة عن اللي بيحصل في بيتي هنا لعيلة بركات، بس واضح إنك مش عاملة حساب للراجل اللي إنتي متجوزاه، ولا أنا عشان أتساهلت معاكي اليومين اللي فاتو خلاص مبقاش ليا أعتبار وشايفاني طرطور، وتخلي عيل زي زياد يقف يهددني في نص بيتي، يهدد الكبير صقر الهلالي في بيته إنه هيقتله.
نظرت ليل إليه بدهشة، لا تفهم ما يقول، هل هدده زياد بالقتل؟! لماذا؟
ليل بارتباك : أنا مش فاهمة حاجة... وأنا نفذت أوامرك وما قلتش حاجة خالص لأي حد.
تحدث صقر من بي أسنانه : بطلي كدب بقى، إنتي إيه؟! متعرفيش تقولي الحقيقة مرة واحدة في حياتك.
ليل : أنا مش بكدب، ومعرفش إنت بتتكلم عن إيه.
صقر باستهزاء : فعلاً؟! طيب زياد عرف منين إني طردتك النهاردة؟ وعرف منين موضوع جوازي من زهرة؟ وعرف منين سبب عيا جدي وخناقتي معاه؟
ثم جذبها من ذراعها ودفعها نحو الخزانة وهو يقترب بقوة.
صقر : إنطقي قولي الحقيقة.
ضمت ليل يدها أمام وجهها وشرعت بالبكاء : معرفش، أنا ماقلتش حاجة، أحلفلك بإيه إني مقولتش حاجة.
صقر : كدابة ومش مصدقك، إذا كان الصبح سامعك بودني بتظبطي ميعاد مع حبيب القلب وبرده بتقوليلي محصلش.
ليل : أنا أنكرت إن فيه بينا علاقة لإني فعلاً فوجئت بطلبه مني، لكن موضوع الميعاد فعلاً حصل، بس أنا معرفتش أوضحله إني متجوزة، خفت أحرجه؛ خصوصاً إنه كلامه مكنش مباشر إنه عايز يتقدملي، وقلت أرد كده وبعدين أوصله بطريقة تانية إني أتجوزت.
صقر : مثلي... مثلي كمان، ما أنتي شايفاني أهبل صح؟!
ليل : أنا مش بكدب عليك، أنا مقولتش أي حاجة لأي حد.
صقر : ولما تروحيلهم بلبس الخدامين ده مش هيستغربو، إلا بقى لو هما أصلاً عارفين.
ليل : لا مش عارفين حاجة، أفتكروا إني لابسة أسود عشان ذكرى وفاة باباك.
صقر: لو حد فيكو جاب سيرة زين الهلالي تاني هيبقى آخر يوم في عمره، فاهمة.
تركها وخرج من الغرفة عينيه تطلق شرار الغضب.
أما هي ظلت تبكي بعد أن غادر الغرفة، أصابها اليأس، فكل محاولاتها فاشلة، وصقر لا يزال يبتعد عنها أكثر وأكثر، يظنها كاذبة، خائنة؛ وعلى علاقة بشخص آخر، والآن أصبحت توشي بما يحدث داخل منزله.
لم يعد هناك أمامها سبيل لكي تكون معه، لكي تجعله يراها كما هي، وليس بتلك الصورة التي كونها عنها دون دليل، كانت تظن أن هناك أمل ليكونا معًا ولكن اتضح بالنهاية أن ما ظنت به ليس سوى خدعة وأمل كاذب تحاول أن تتمسك به بكل قوتها.
ظلت تبكي طوال الليل لم تنام، وتفكر كيف علم زياد بكل هذا؟ لذا قررت التحدث معه لمعرفة الحقيقة.
