رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والعشرون
من المخطئ؟ سؤال كان عليها أن تسأله لنفسها بعد قراءتها لتلك الرسالة التي تركها لها عزيز، واعترف في آخر سطورها أنها هي من علمته أن يكون أنانياً في حبها. ولأنها هذه المرة كانت "الأستاذ" في الحكاية، عليها أن تمنحه فرصة أخرى إن أرادت أن تستكمل حياتها مع رجل ربما يحرمها من حلم الأمومة الذي صارت تتوق إليه، وهذا حقها، ولن يلومها إذا اختارت الرحيل عنه.
قبضت ليلى على الرسالة التي سطر فيها عزيز كل شيء منذ الليلة التي أفصحت فيها سمية له عن تمنيها أن يكون معها بدلاً من سالم شقيقه، وأن حلمها به أخيراً تحقق؛ ثم تلك السنوات التي عزف فيها عن الزواج لأن صورة النساء لديه ترسخت عن حبهن لشهواتهن، وقد ظل مقتنعاً بهذا ومكتفياً بحياته بين أولاد شقيقه وتوسيع تجارته، إلى أن أتت هي بفتنتها وجعلته كالمراهق يقف متلصصاً في شرفته من أجل رؤيتها، وبعدها أصبح غارقاً في حبها. والحب في قاموسه لم يكن موجوداً ولا يعرف أبجدياته، كل ما كان يعلمه عن الحب أنه إذا تسلل إلى قلب الرجال يضعفهم أمام النساء، وينزع منهم كرامتهم وراحتهم، وربما يجعلهم يركعون عند أقدامهن متوسلين إليهن ألا يرحلوا.
ارتخت يدا ليلى عن الرسالة وأطرقت رأسها أرضاً بعد أن أقتحمت تلك اللحظات السعيدةُ والتعيسةُ التي جمعتهما ذاكرتها.
انسابت دموعها للمرة التي لا تذكر عددها منذ الصباح، وفي عقلها سؤال واحد يتردد:
كيف استطاع أن يتخيلها في صورة سمية؟ كيف خلط الحب بالشك والخوف من خيانتها له إذا فترت علاقتهما الزوجية؟
ـ كنت بتنام في حضني وأنت خايف إني أكون زيها، إزاي قدرت تشوفني كده يا عزيز؟ إزاي فكرت للحظة أني ممكن أكون زيها في يوم؟
واجهشت بالبكاء بحرقة، ثم أسرعت بإطباق شفتيها حتى لا تسمع زوجة عمها صوت بكائها، لكن عايدة كانت تقف في تلك اللحظة أمام باب الغرفة.
ـ ليلى افتحي الباب، ليلى أنتِ سمعاني...
وبرجاء أردفت عايدة:
ـ لو ليا خاطر عندك يا ليلى افتحي الباب.
طوت ليلى الرسالة ثم نهضت بفتور ودستها بين طيات ملابسها. استمرت عايدة بالنداء عليها وطرق الباب، وفور أن فتحته تنفست الصعداء وأسرعت في احتضانها:
ـ عيطي في حضني يا ليلى، الوجع ساعات مش بيخف لما بنداريه يا بنتي.
بكت ليلى بقهر ورددت بصوت متحشرج:
ـ كان خايف لأكون زيها، خاف ليعمل مني سمية تانية.
شددت عايدة من ضمها إليها ثم أسدلت أجفانها متنهدة بوهن؛ فما عساها أن تقول بعد أن اتضح لها جزء من الصورة التي عكسها إليها عزيز في حديثه غير المرتب.
ابتعدت ليلى عن أحضانها وتساءلت بصوت خفيض ومهتز بذلك السؤال الذي لم يقتحم رأسها إلا الآن:
ـ هو عزيز كلمك في حاجة قبل ما يمشي؟
توترت عايدة وزاغت ببصرها حتى لا تنتبه لما تخفيه عنها:
ـ أرجوكي يا مرات عمي، قوليلي قالك إيه قبل ما يسافر؟
والشيء الوحيد الذي كانت ليلى ترغب في معرفته: هل أخبر زوجة عمها عن انتظاره لقرارها بعد معرفتها أنهما ربما لا يرزقان بأطفال؟
أشاحت عايدة بوجهها عنها، فأسرعت ليلى بالتقاط ذراعها قائلة:
ـ نظراتك ليا من ساعة ما صحيت وخرجت من الأوضة بتقول كده، وأنك متتكلميش معايا في حاجة وتفضلي ساكتة ومستنياني أنا أتكلم بيأكد ليا إنه اتكلم معاكي.
نظرت إليها عايدة وأشاحت بوجهها عنها مرة أخرى، فاسترسلت في حديثها:
ـ أنتِ كنتِ امبارح بتقنعيني أرجع معاكي الفيلا، دلوقتي قررتي تقعدي معايا هنا، فأكيد قرارك اتغير لأنه طلب منك تفضلي معايا.
أطلقت عايدة تنهيدة طويلة بثقل، ثم أمعنت النظر في شحوب وجهها واحمرار أجفانها:
ـ تعالي نقعد ونتكلم يا ليلى ونخليها جلسة صراحة بين الأم وبنتها.
....
نظر عزيز للمرة الأخيرة إلى هاتفه بنظرة يائسة، ثم زفر أنفاسه وهو مطأطأ الرأس، وقد تأكد من عدم اتصالها به أن رسالته صدمتها من تلك الحقيقة المخزية التي تعرى منها أخيراً أمامها.
سرْت رجفة قوية في سائر جسده عندما تراءى إليه سماع صوتها، فاستدار بجسده سريعاً يبحث عنها لربما أتت إليه وعانقته.
ـ ليلى!
غمغم اسمها بكتفين متهدلين وهو يسأل نفسه:
هل سيتحمل فكرة الفراق إذا اتخذته؟
....
ضغط قصي على طرف شفته السفلية ثم قال بحنق عندما تباطأت خطوات سما قبل دلوفهما قاعة حفل الزفاف:
ـ ما أنتِ لو معشتيش دور العروسة النهاردة هتضيعي أهم ليلة في حياتك، ومتجيش تقوليلي بعدين أنت السبب.
احتدت عينا سما وتوقفت عن السير، فاجتذب فعلها أنظار كل من والديه ووالديها المنتظرين اقترابهما منهم.
ـ جدك تعبان خدي بالك، وبدليل أنه مش واقف معاهم ومستنينا جوه، وأنتِ عارفة أنه زعلان لأنه اقترح موضوع جوازنا...
وتابع بتهكم حتى يخفي مرارة الحقيقة في حلقه:
ـ وطبعاً حضرتك السعادة اللي أنتِ ظهراها للكل مخلياهم شايفينك العروسة التعيسة.
افتر ثغرها عن ابتسامة مستاءة حتى تظهر بمظهر العروس السعيد، ثم ردت بسخرية وهي ترى والدتها تقترب منها بخطوات غاضبة، أما حماتها العزيزة السيدة لبنى فكانت ترمقها بنظرة مستاءة:
ـ لأ عيب أكون عروسة تعيسة، يقولوا علينا إيه؟
تجهمت ملامح وجهه لرؤيته زوجة عمه وهي تأتي صوبهما، والتي كانت السبب في كل ما يحدث بعد ما نسجته من كلام كاذب حتى تتم هذه الزيجة بأسرع وقت.
ـ افردي وشك قبل ما تدخلي للمعازيم، ولا عايزة تفضحينا النهاردة كمان؟
قالتها يسرا بغضب بعد أن وقفت أمامهما.
أسدلت سما أهدابها بخزي ثم أطبقت شفتيها حتى لا تصرخ عالياً وتسألها: هل هي سعيدة الآن برؤية تعاسة ابنتها؟
تحرك قصي خطوة إلى الأمام ووقف قبالة زوجة عمه قائلاً بابتسامة يداري وراءها ضيقه من أفعالها:
ـ من فضلك يا مرات عمي، الوحيد اللي بقى له صلاحية أنه يعلق على حاجة خاصة بيها هو أنا.
ضاقت حدقتا يسرا لوهلة ثم التوت شفتاها بامتعاض:
ـ ماشي يا سيادة الرائد وماله، أنا برضه هكون فرحانة بكده، ووسع لي بقى عشان أحضن بنتي.
تزحزح قصي قليلاً وهو يرفع كلا حاجبيه، متذكراً الوصف الذي ينعتها به جده دائماً وقد فهم معناه الليلة:
"مرات عمك ست غشيمة".
....
توقفت ليلى عن سرد بعض التفاصيل التي شوهت جزءاً من فطرتها، ثم أطرقت رأسها مع ابتلاع غصتها، ولم تتحدث عن عجز عزيز في أمر الإنجاب، وقد أدهش هذا عايدة لأنها صارت تعلم بالأمر منه.
ـ هو أنا كنت غلطانة لما افتكرت إن عزيز هيكون زي بابا حامد؟
هزت عايدة رأسها بقلة حيلة، ثم خرجت تنهيدة منها واعتدلت في جلوسها قائلة:
ـ لا يا حبيبتي أنتِ مكنتيش غلطانة، وهو معترف من كلامه معايا أن الغلط كان منه هو...
رفرفت ليلى بأهدابها ثم رفعت عينيها إليها، فانفرج ثغر عايدة عن ابتسامة خفيفة وأردفت:
ـ عارفة يا ليلى إيه أكبر غلط بنغلطه كـ ستات؟
توقفت ليلى عن تحريك يديها حول كوب الماء الذي أمامها.
اتكأت عايدة بساعديها على الطاولة وواصلت كلامها:
ـ أننا لما بنحب بنكون مندفعين في الحب والعطاء وبنحط تركيزنا الكامل مع شريك حياتنا، زي شعورنا في الأمومة مع أول طفل...
أخفضت ليلى رأسها وعادت تطبق بيديها على كوب الماء.
ـ أنتِ حاولتي تكوني زي الست عائشة؛ الست اللي بتعرف إزاي تراضي جوزها وتخليه مش شايف ست غيرها، وانتظرتي تلاقي نسخة من حامد الرجل الطيب الداعم لزوجته. ومش هننكر يا بنتي إن عزيز بيه راجل فيه خصال كويسة، لكن مش كل الرجالة بتعرف تترجم الحب ولا بتفهمه...
وهنا وضعت عايدة الحقيقة الفاصلة أمامها؛ عزيز أعطاها الحب لكن بالطريقة التي يفهمها ورأى نقص أخيه فيها وظن أن الحب لدى النساء هو إرضاؤهن بالفراش، ودون شعور منه سقط داخل دائرة مغلقة معتمة.
ـ عايزاكي تكوني متأكدة حالياً من حاجة واحدة.
قالتها عايدة وهي تلتقط يدها وتقبض عليها بقوة واستطردت:
ـ أنا معاكي في كل قرار هتاخديه، أنتِ عندي زي شهد يا ليلى.
صعد عزيز درج الطائرة بخطوات ثقيلة وقد تفاقم شعور الخواء داخله، فهو كان لديه أمل كبير أن تعطيه ردها قبل الرحيل، لكن عليه تحمل مشقة الانتظار ولوعته.
....
جلست سماح قرب صغيريها شاردة الذهن وهم يتناولون الطعام.
ـ ماما، ماما مش هتاكلي معانا؟
نظرت إلى صغيرها بنظرة مشوشة متسائلة:
ـ عايز حاجة يا حبيبي؟
احتضن الصغير "محمود" وجهها بكفيه الدافئين وتساءل بنبرة حزينة:
ـ كنت بسألك مش هتاكلي معانا؟
ابتسمت سماح وهي تربت على يديه:
ـ لا يا حبيبي أنا شبعانة، روح كمل أكلك أنت مع أخوك.
هز رأسه برفض قائلاً:
ـ لا يا ماما، أنتِ مش بترضي تاكلي غير قليل عشان إحنا نعرف ناكل. ماما أنا عايز أنزل أشتغل في ورشة عم صبحي عشان أساعدك.
ـ وأنا كمان يا ماما هنزل مع محمود.
قالها الصغير "أنس" بعد أن ترك رغيف الخبز الذي كان يتناول به حساء العدس.
طفرت الدموع من عيني سماح بسبب بؤس حالها وحال طفليها وفتحت لهما ذراعيها، فأسرعا باحتضانها.
....
ابتسم نائل وهو ينقل أنظاره بين أحفاده، خاصة نحو زينب التي لم يعد يحمل همها ويخاف من الموت الذي صار يشعر باقترابه، لكن ابتسامته تلاشت عندما انتبه لانسحاب أشرقت من بينهم وقد ظهر على وجهها التعب.
عقد حاجبيه وهو يتبعها بعينيه ويتفرس النظر فيها، ثم تجهمت ملامح وجهه عند رؤيته لـ "عدنان الهتيمي"؛ ذلك الرجل الذي صار متأكداً تماماً من عدم نزاهته في أعماله، لكن بسبب طمع هشام الذي يتغاضى عن تلك الأمور أصبح وجود هذا الرجل وعائلته مفروض عليهم بعد زواج أشرقت ودخولها عائلتهم.
ـ أخبار صحتك إيه سيادة اللواء؟
هتف بها مراد قرب أذنه حتى يسمعه. تجهمت ملامح نائل والتفت إليه سريعاً قائلاً بحزم:
ـ أنت بتسألني أخبار صحتي إيه ومش واخد بالك من مراتك؟
قطب مراد جبينه، فأشار نائل نحوها:
ـ روح هاتها تقعد جانبي هنا عشان أعرف فيها إيه.
تجاوز مراد أمر حدته ونظرة الكراهية التي يبصرها في عينيه، ثم سار جهة تلك التي صارت مؤخراً بارعة في إظهار مثاليتها واجتذاب الأعين إليها.
التمعت عينا أشرقت عند رؤيتها لأفعال صالح مع زينب وكأن زينب هي عروس الليلة، ولأول مرة تكون نظرتها نحو زينب مختلفة؛ لا تحمل كرهاً أو أي مشاعر أخرى، وكأن خواء قلبها أصابها بالتبلد.
احتقن وجه مراد عندما انتبه لثبوت عينيها نحو صالح.
ـ ست زيها أكيد تستحق أنها تتعامل كملكة.
انكمشت قسمات وجه أشرقت بعد أن اخترق صوته القوي مسامعها، فابتسم بتهكم وتابع حديثه الساخر:
ـ والشيطان اللي زيي ميلقش عليه غير واحدة زيك.
نظرت إليه بطرف عينها ثم هزت رأسها بابتسامة هازئة:
ـ عندك حق.
ردها الهادئ المسالم جعله ينظر إليها بنظرة ساخرة، فأردفت بنبرة مقهورة:
ـ تعرف.. لأول مرة محسدش زينب على سعادتها لأنها تستحقها، ما أصل كل واحد فينا بياخد اللي يستحقه.
اختفت سخريته وبرقت عيناه بنظرة أخرى لم ترها هي، وكادت أن تبتعد عنه فباغتها بالتقاط ذراعها قائلاً بتحذير:
ـ جدك مركز معاكي يا هانم، وبتصرفاتك دي لفتي نظره، وكويس أنك حامل أهو في حجة نقول بسببها إنك تعبانة.
أطبقت شفتيها بمرارة، فلم تعد توجد كلمات لديها لتصرخ بها.
ـ هاتي إيدك وابتسمي وخلينا الأول نروح نبارك لأخوكي وعروسته، ولا عايزة لبنى هانم تزعل مننا؟
فاجأته باستدارتها الكاملة إليه ثم معانقتها له وتمايلها بغنج بين ذراعيه:
ـ بكرهك يا مراد.
ارتفعت زاوية شفتيه وغمز لها بطرف عينه مقهقهاً:
ـ بيبان أوي كرهك ليا وأنتِ بتتجاوبي معايا...
قاطعته بدهس قدمه قبل أن يذكر تلك العلاقة المقززة والتي يخضعها فيها بسـ...ـاديته.
ـ حقير ومجنون وسـ...ـادي...
توقف عن الضحك وأكفهر وجهه متمتماً بنبرة غاضبة:
ـ لولا وجودنا وسط أهلك وجدك العزيز عينه علينا، كنت عرفتك إزاي إني مجنون...
....
اختفى الاسترخاء عن وجه هشام واحتدت عيناه عندما انتبه لتلك الواقفة وراءه. أنهى مكالمته سريعاً وهتف بصوت حانق:
ـ أنتِ مجنونة؟
نظرت زينة حولها، فازدادت نظرة هشام حدة:
ـ تعالي ورايا.
قالها وهو يتظاهر بعودته لمحادثته الهاتفية، ثم سار نحو أحد ممرات الفندق التي تطل على الباحة الخارجية.
اتبعته زينة بتوتر بعد أن تأكدت أن أعين خالتها غفلت عنها.
أخذ هشام نفساً عميقاً عند شعوره بخطواتها وراءه، ثم استدار إليها قائلاً:
ـ مبروك.
هزت زينة رأسها رافضة سماع تلك الكلمة:
ـ أنا مش عايزة أتجوز الشخص ده، أنا عايزة أفضل معاك أنت.
وأردفت سريعاً وهي تمد يديها إليه:
ـ خلينا نهرب سوا.
تراجع بخطواته للوراء بوجه جامد مشيراً إليها ألا تقترب منه. ارتجفت شفتاها متسائلة:
ـ هو أنت هتسيبني أتجوز غيرك؟
لم يتمالك هشام نفسه وصرخ عليها بوجه محتقن:
ـ أنتِ عقلك مصورلك أنك مراتي بجد؟!
بنبرة مرتعشة تساءلت زينة:
ـ أومال أنا كنت إيه؟
أغمض هشام عينيه متنهداً بضيق وحاول انتقاء الكلمات حتى ينهي لقاءهما الأخير بهدوء:
ـ زينة، علاقتنا ببعض من البداية غلط، وجه الوقت اللي نقفل فيه الصفحة دي تماماً.
التمعت الدموع بعينيها قائلة بنبرة مهزوزة:
ـ أنا حبيتك أوي.
صاح بضجر وهو يدير عينيه في المكان:
ـ بكرة تنسيني لما تعيشي حياتك مع شاب في عمرك.
أنسابت دموعها بسخاء وهي تهز رأسها رافضة ما تسمعه منه ثم لمست ذراعيه:
ـ مش هقدر، أنا بحبك.
أجفلهما رنين الهاتف، فانتفض جسده وأزاح يديها عنه وأسرع بالتحرك وهو ينظر لشاشة هاتفه:
ـ مع السلامة يا زينة.
أظلمت حدقتا تلك الواقفة في ذلك الركن المظلم ثم حركت رأسها بسخرية بعد أن تمالكت صدمتها والتمع الشر في عينيها وغمغمت:
ـ سرك انكشف يا سيادة المستشار.
....
انقضى حفل الزفاف الذي تظاهر فيه العروسان بسعادتهما، حتى أن البعض شعر بالغرابة، فالعديد من أفراد العائلة صاروا يعلمون أن العروس مجبرة على تلك الزيجة.
ـ المسرحية السخيفة خلاص خلصت.
هتفت بها سما فور دخولهما الشقة.
اختفت ابتسامة قصي؛ فقد ظن أنها بعد انسجامهما في حفل الزفاف ستكون أكثر ليناً ويستطيعان التحدث بتعقل.
ـ يا ريت نحط النقط على الحروف الليلة دي يا سيادة الرائد.
أردفت بنبرة مستهزئة وهي تحدق بظهره، ليجفلها بدفعها نحو الجدار وحصارها بين ذراعيه:
ـ وماله، نحط النقط على الحروف يا سما هانم.
ابتلعت ريقها وحاولت دفعه بعيداً عنها:
ـ ابعد عني.
افتر ثغر قصي عن ابتسامة خبيثة ومرر عينيه على شفتيها المرتجفتين:
ـ قوليلي بقى هنحط النقط على الحروف إزاي يا عروسة؟
استجمعت شجاعتها وهتفت حانقة:
ـ لا أنا عروسة ولا أنت عريس، وكل واحد فينا يشوف له أوضة ينام فيها، وابعد عني عشان أنا اتخنقت خلاص!
أرخى قصي ذراعيه عنها وتراجع للخلف خطوة، لتنفلت من شفتيها فجأة شهقة قوية بعد أن باغتها بحملها على كتفه واتجه بها نحو الغرفة:
ـ لأ.. أنا بقى شايف نفسي عريس يا سما هانم!
....
انسحب صالح من جوار يزيد ببطء حتى لا يستيقظ مجدداً ويطالبه بالنوم جواره.
استدارت زينب جهته في اللحظة التي دلف فيها الغرفة وتساءلت بتثاؤب:
ـ نام؟
رمقها صالح بنظرة ماكرة:
ـ زينب، أنتِ متأكدة أنك مستعدة لسهرتنا؟
أومأت برأسها سريعاً وهي تتثاءب لمرات دون انقطاع.
ـ أما نشوف.
اقترب منها وعلى شفتيه ابتسامة عريضة، ثم أزاح عنها مئزرها الذي يخفي عن عينيه ثوب النوم الخاص بهذه الليلة ليتلاعب بحاجبيه وقبل أن يجتذبها إلى صدره.
ـ بابا ، زوزو افتحوا ليا الباب ، عايز أنام معاكم.
....
حدقت مروة بتلك الرسالة التي أتتها وقد تم تأكيد إتمام المهمة غداً، وبعدها ستجد سيارة تنتظرها وتنقلها للمطار على الفور.
ـ بكرة هتعرفي أنا مين يا زينب، ما أنا مينفعش اختفي تاني غير لما تعرفي أني لسه عايشة!
....
شعرت زينة بألم يضرب أسفل بطنها بعد أن فرغت من البكاء.
أغلقت عينيها ثم مررت يدها على بطنها برفق لعل الألم يهدأ قليلاً، لكن الألم اشتد عليها.
دست رأسها بالوسادة حتى تكتم أصوات تأوهها، ومع مرور الدقائق شعرت بأنها بحاجة لأخذ مسكن.
نهضت ببطء من الفراش وسارت بخطوات مترنحة نحو الحمام، لكن فجأة توقفت مكانها عندما انفتح باب غرفتها....
