![]() |
رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الثاني عشر بقلم رشا رومية
#اللهم_أدخلني_مُدخل_صدق_وأخرجني_مُخرج_صدق_وإجعل_لي_من_لدُنكَ_سلطانًا_نصيرا
«ليت قلبي لا يدق»
كل الأحلام مؤجلة تقف بصف الإنتظار، إلا تلك الفرصة التي تمنحها لنا الحياة، فرصة لا تكرر مرتين، ربما إغتنامها هي آخر سبيل للسعادة، لكن النجاة تأتي من أن تفوتنا، فليس كل متاح مستحب، أيقنت أن قلبي الساكن له دقات متأخرة، شعرت بك بروحي فلغة الأرواح لا تخطئ، دقات ممنوعة وإحساس مرفوض، ليت الفرصة لا تأتي، ليت قلبي لا يدق.
رشا روميه
❈-❈-❈ــ
لم يخلق الله شيئًا بشعًا، البشعون هم صنائع أنفسهم، هؤلاء من يجب التصدي لهم، فأكبر خطيئة بحق أنفسنا هي أن نظل نخلق الأعذار لهؤلاء البشعين.
رشا روميه
بيت عائلة مكاوي..
كل ما تملك من الدنيا هو تلك العائلة، هؤلاء الذين تحيطهم برعايتها وحنانها، كيف ستتصور أن يؤذي أحدهم الآخر، كيف ستتقبل أن يكون عقاب الأخ بيد أخيه.
وقفت "فردوس" تهتف بهذا الثائر تستجديه أن يعود، ألا يتهور بغضبه غير المعتاد ويؤذي نفسه أو "أنور"، أو ربما هذا الغير واعي يؤذي "محمود" بأي صورة:
- يا "محمود"، بلاش يا "محمـــــــــود" بالله عليك.
لكن "محمود" عقد العزم وأصم أذناه عن الإستماع، سيُقوِّمه، سيُعاقبه، سيتصدى له فيكفي لين مع هذا البشع.
إستدارت "فردوس" لداخل الشقة تهتف بمن تستطيع اللحاق بـ"محمود" فهي حركتها بطيئة للغاية ولا يمكنها الركض على الدرج كما يفعل هذا المنفعل:
- "زهرة"، إلحقيني يا "زهرة".
هتافها المتكرر ونبرتها المتخوفة جعلت "زهرة" تسرع تجاهها بقلق:
- خير يا ماما!! حصل إيه؟
أشارت نحو باب الشقة المفتوح بإرتجاف مذعور:
- إلحقي "محمود" طالع لـ"أنور" وهو متعصب، إلحقيه أوام وخليه يرجع أحسن حيشبطوا في بعض تاني، حيعملوا حاجه في بعض، أه يا غلبي ياني.
وضعت "زهرة" يدها برفق فوق زندها قائلة بتعجب:
- حاضر، حاضر، متخافيش.
ركضت "زهرة" بخفة لتلحق بـ"محمود" قبل أن يتواجه مع "أنور"، فيجب عليها منعه عن ذلك فهي السبب ولن تسامح نفسها إن طاله أذى بسببها.
كانت خطوات "محمود" بالتأكيد أسرع، لكنها كانت تركض بكل قوتها للحاق به، أخذت تهتف به ليتوقف فهي لم تتمكن من إدراكه بعد:
- "محمود"، "محمود"، إستنى بالله عليك، أصبر بس عايزه أتكلم معاك، يا "محمـــــود".
كل حرف نطقت به من إسمه كان يدق بقلبه بقوة، كاد يجزم أنه يستمع لدقات قلبه مع حروف إسمه التي تنطقها من بين شفتيها، إضطرب تنفسه بقوة، وعلت ضربات قلبه حتى كادت تمزق صدره، توقف بموضعه يبتلع ريقه بصعوبه قبل أن يستدير نحوها.
توقفه هذا كان فرصة جيدة لتلحق به وهي تتنفس بصعوبة إثر ركضها لدرجات السُلم، وقفت قباله وهي تضع كفها فوق صدرها الناهج تلتمس بعض الراحة، فقد علت أنفاسها بقوة.
تطلع "محمود" نحو وجهها المتورم بألم، شعور بالغضب من أخيه وما إقترفته يداه، جعله يتحدث دون قيد أو إدراك لما يتفوه به:
- مش حسيبه على إللي بيعمله معاكِ، أبدًا، واحد غيره، واحد غيره، كان حطك جوه عنيه وقفل عليكِ.
إنفلتت منه دون وعي لكن "زهرة" لم تنتبه لسبب إنفعاله لتزيد الأمر بترجيها له بأن يتراجع:
- بالله عليك، كفايه مشاكل بسببي، بالله عليك بلاش تخسروا بعض.
هل هي مخلوق كباقي البشر؟ أم أنها زهرة برية رقيقة لا تنتمي لهذا العالم القاسي، كيف تنبت بتلك النعومة وسط الصخور؟!
بقلم رشا روميه
أطبق "محمود" أسنانه يصكها بقوة من شدة غيظه من أخيه المعتوه متعجبًا كيف له من القوة لضرب هذا الملاك النقي، كيف فعلها؟!، أردف بحنق شديد يكتم غيظه وغضبه من أخيه:
- مينفعش أسيبه بعد اللي عمله فيكِ ده، مينفعش!!
قُضي الأمر وسيحدث ما لا يمكن عقباه، سيتضارب الأخوان ومن السبب؟! هي ستكون، من عاشت عمرها تتخبى خلف الجدران، من لا تعرف كلمة لا، من تحملت الشقاء والأسى لأجل غيرها، ستكون اليوم هي السبب بفرقة الأخوين وتضاربهما.
سُحبت الدماء من جسدها وتثلجت أطرافها بتخوف، يجب أن تمنع ذلك بكل ما أوتيت من قوة، لن تدعه يفعل ذلك، لكن قواها قد خارت وهي ترتعد من داخلها، لا تدري مم تخاف لكنها خائفة بل مرتعبة.
إرتعش صوتها الدافئ بتوسل وقد فاضت عيونها بدموع تمزق أنياط القلوب:
- بالله عليك، عشان خاطري، بلاش، لو حصل حاجه بينكم بسببي، أنا حسيب البيت ده كله، ده مهما كان أخوك.
زاغت عينا "محمود" لوهلة قبل أن تبهت ملامحه بدهشة مرددًا كلماتها التي يرفضها تمامًا:
- تسيبى البيت!!! ليه؟!! لأ، لأ طبعًا ده بيتك، مينفعش تسيبي البيت، مينفعش.
أكملت توسلها لعله يتراجع:
- ما هو أنا مينفعش أفضل هنا وأنا السبب كل يوم انكم تمسكوا في بعض كده، انتوا مهما كان اخوات وأنا إللي غريبه، ولو عليا أنا،مش مهم.
صمت "محمود" لوهلة قبل أن تهدأ حدة حديثه بشكل مفاجئ، بل أصبحت نبرته أشبه للتوسل تلك المرة:
- لا يمكن تمشي من هنا، أبـــــدا، فاهمه، إوعي، إوعي أسمعك تقولي تمشي دي تاني،(ثم هبط للأسفل يوضح لها تراجعه)، مش حطلع له ولا حكلمه خلاص، بس إوعي تسيبي البيت.
تيبست بموضعها وهي تناظره بإندهاش، هل يتوسلها للبقاء؟! هل يتراجع من أجلها كما هب من أجلها؟!
إحساس مضطرب جعلها تهتز من داخلها، رجفة غريبة حين لاحظت بعض اللين والحنو بعينيه، دقات قلبها المتسارعة زادتها فزعًا وإرتباكًا، هل ما شعرت به صحيح أم إنه محض تخيل بحت، تفسير غير منطقي بحياتها الجافة جعلها تشعر بمثل هذا الشعور بالتأكيد، لابد أنه كذلك.
نكست عينيها نحو الأرض وهي تشعر بضربات قلبها تزداد قوة، لقد أصبحت قاب قوسين من أن تسقط أرضًا، إنها أضعف من أن تتحمل كل ذلك.
تراجعت خطوات بصمت تام ثم إستدارت لتهبط درجات السلم بخطوات سريعة، ذهن مشتت وأعين زائغة، وقلب منفعل.
جلست بهدوء بشقة والدا زوجها تريد بتلك اللحظة أن تغيب تمامًا عن الأنظار، إضطراب وصل لحلقها ليمنعها من إبتلاع ريقها ومازال جسدها باردًا للغاية.
إنها لا تريد ذلك، لا تريد أن ترى تلك النظرات الحانية، لا تريد أن يدق قلبها، لقد تمنت كثيرًا أن تلتقي بهذا الحنان والإهتمام، حلمت بمن يشتري خاطرها ولو للحظة منذ صغرها، لكن الآن لا تريدها، لا تريد تلك النظرات خاصة، لا تريد هذا الإحساس الذي شعرت به، نعم إنتظرته كثيرًا، لكن ليس الآن، وليس من هذا الشخص، كل ذلك خاطئ، وهي لن تنساق في الخطيئة.
أسرع "محمود" بالمغادرة ليذهب لمتجر العلافة وسيبقى هناك حتى الليل، فلن يقدر على العودة ويتلاقى مع أي منهم، لكن وإن إستطاع الهرب منهم فهل سيتمكن من الهرب من نفسه؟!
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
لست كباقي البشر، فأنت تسكن القلب وتستوطنه، الجرح منك يؤلم أضعاف، والكلمة منك تسكن الفؤاد، من قال أن طعم الشهد لا يتغير، فحتى العسل يكون طعمه مُرًا حينما يكون الفم مجروحًا.
رشا روميه
طريق السويس...
إنطلقت الحافلة بطريقها، البعض يغفو والبعض يستمتع بالطريق، ومنهم من ينتظر بهدوء أن يمر الوقت، كل يهيم بدنياه غير عابئ بالآخرين.
بعد فترة طويلة من الصمت تخللها بعض النظرات الجانبية من "مديحة" تحاول إقتناص وقت مناسب لتتحدث مع "فرح".
كل إلتفاته نحو إبنتها كانت مؤلمة للغاية، كم أصبحت قاسية صامتة، صمتها يقتلع روحها وقلبها من بين أضلعها، كل حياتها هي تلك الشابة، منذ أن ولدت وهي كل حياتها بكل تفاصيلها، فاليوم مجرد صمتها عقاب شديد بقلب تلك الأم التي لم تتعلق كما تعلقت بإبنتها.
وبرغم هذا الصمت والضيق كانت "فرح" قد لاحظت حركة والدتها القلقة ومحاولتها للتطلع بملامحها بين الحين والآخر، أدركت على الفور أنها تبحث عن وقت مناسب لتتحدث معها، ومن قال أنها لا تريد، ألا تفهم والدتها أن هذا الصمت العقابي لأمر قاسي على نفسها وقلبها أيضًا، تتمنى من داخلها أن تلتف نحوها وترتمي بداخل أحضانها التي إشتاقت لها منذ الأمس، روحها التي علقت كغصة بحلقها منذ أن قررت مخاصمتها.
ليس عناد لكنها لا يمكنها تمرير ما فعلته بالماضي بتلك السهولة، إن لم تكن قد غضبت منها ما كانتا اليوم بطريقهم لإعادة الحق، لكن قلبها الصغير لا يتحمل مثل هذا الخصام، إنها شقيقة روحها وصديقتها وكل عائلتها.
لم تجد "مديحة" بُد من إختراق حصن "فرح" الصامت، لتردف بتأثر:
- إنتِ حتفضلي ساكته كده كتير؟!
يكفي يا قلبي الصغير، فلم أعد أتحمل البُعد، يكفي صوتها الحنون ليلملم أشلائي المبعثرة، أجابتها "فرح" بقلب منقبض:
- مش عارفه أقول إيه، حاسه إني مخضوضه أوي!!
إنه ذات الإحساس الذي يعتريها، لتهتف بها "مديحة" بتوجس:
- وأنا كمان، طيب ما تيجي نرجع؟
حتى وإن شعرت بالإختناق والضيق من تلك الرحلة فهي لن تتراجع، لقد بدأت مشوارها ولن تتنحى عن القيام بما يتوجب عليها، رددت "فرح" بحزم:
- لا يا ماما، إحنا أخدنا الخطوه دي خلاص، ومينفعش نرجع فيها، لازم نسافر ونكمل.
تلك الأريحية التي حلت بقلبها لمجرد حديث إبنتها معها وتقلص الخصام بينهما جعل "مديحة" تخرج مشاعرها بدون تفكير:
- بس أنا خايفه أوي يا "فرح".
تملك "فرح" بعض الشعور بالراحة لعودة الحديث بينهما، فكم هو قاسي هذا الخصام، إستطردت حديثها مع والدتها تنهرها عن التراجع فتلك الخطوة هي أصح ما يمكنهما فعله:
- مهما كان، لازم تخلصي ضميرك من الذنب ده، ساعتها بس حترتاحي.
بتقبل مجبر أومأت "مديحة" رأسها فيكفيها حتى الآن تجاوب إبنتها معها وتقليل حدة هذا الخصام، لكنها مازالت تشعر بالضيق من هذه الرحلة، تنهدت "مديحة" قائلة:
- الأمر لله، توكلنا على الله.
لم يمر الكثير من الوقت حتى بدأت الحافلة التي يستقلونها تهتز بعدم إتزان، خاصة مع علو صوت صرير غريب يحتك بالطريق مما جعل السائق يوقف الحافلة تمامًا.
إستدار سائق الحافلة للركاب القلقين قائلًا:
- معلش يا جماعه، العَجَل فيه مشكله حنقف بس هنا شويه عشان نظبط العَجَل بتاع الأتوبيس قبل ما نكمل السفر.
همهمات علت أصواتها بين الركاب بتملل، أخذ السائق يطلب منهم الترجل لحين إصلاح إطارات الحافلة أولًا، ليضطر الركاب جميعًا من الترجل منها وقد إمتعضت ملامحهم بضيق شديد.
أخرج السائق الإطار الاحتياطي لكنه لم يكن أفضل حالًا من سابقه ليضطر آسفًا بتوضيح الأمر لهم قبل إستكمال هذا التصليح الإضطراري:
- لا مؤاخذه يا جماعه، العجلة الإستبن كمان نايمه، ومش حينفع أركبها وهي كده، أنا حروح أدور على حد يصلح لي العجله وأرجع، وإن شاء الله ألاقي ورشه قريبه.
علت همهمات متضايقة مرة أخرى بين ممتعض ومنفعل، لكن الجميع بالنهاية رضخوا للإنتظار، فماذا سيسعهم فعله وسط هذا الطريق الخاوي، فليس هناك وسيلة أخرى يستقلونها سوى هذه الحافلة.
بقلم رشا روميه
جلس البعض بشكل متفرق بينما أخذ البقية ينظرون تجاه الطريق من كلا الجانبين بضيق فربما يجدون وسيلة أخرى بخلاف إنتظار عودة السائق.
❈-❈-❈ــ
مستشفى الهلال المركزي...
صباح كان أو مساء، فتلك المساحة لا تعرف راحة، كل دقيقة محسوبة وكل مريض له إهتمامه الخاص، وما بين الأروقة والمرضى تقع تلك الغرفة، غرفة تلتمس بها تلك الفتيات بعض الراحة لمواصلة العمل.
طعام متأخر تجتمع به "ليلى" مع "نهى"، تلك التى تنسى كيف يكون الإهتمام بالنفس، تفكيرها المنشغل بالجميع سواها غالبًا ما يُنسيها تلك الوجبة الصباحية لتناولها دائمًا بوقت متأخر.
بقلم رشا روميه
كان الصمت يعم بينهما حين أمالت "ليلى" برأسها متسائلة:
- كلمتي "مروة"؟ أنا مش عارفه أوصل لها خالص.
وضعت "نهى" تلك اللقمة تلوكها بفمها وهي تجيبها بإنشغال بالطعام:
- مردتش برضه، بس أنا بيتهيألي إنها تعبانه شويه، سمعت إنها قدمت على أجازه أسبوع.
بتلك الأحوال التي يعيشونها فإن العطلات أمر لا يزور مخيلتهن، لا تمتلكن تلك الرفاهية للتضحية بيوم عمل يمكنها كسب المال به، دوامة متوالية عليهن السير بها، نادرًا ما تخرج إحداهن منها.
أثار أمر العطلة إندهاش "ليلى" لتتسع حدقتيها بإستغراب:
- أجازه!!!! و أسبوع بحاله؟!! غريبه أوي، دي شكلها عيانه أوي، "مروة" لا يمكن تاخد أجازه بالسهوله دي.
تفكرت قليلًا قبل أن تردف:
- عارفه يا "نهى"، أنا لو لقيت وقت حبقى أروح أزورها، مينفعش منسألش كده، خصوصًا إنها مش بترد على التليفون خالص.
نفضت "نهى" يديها تنهى طعامها وهي تعقب على حديث "ليلى":
- طيب لو جيتي تروحي، أبقى أروح معاكِ.
- خلاص ماشي، نظبط وقت كده، ونروح نطمن عليها بسرعه كده قريب.
❈-❈-❈ــ
كل النواقص مرفوضة إلا نقص القدرة على التزييف، ذلك النقص الذي يولد به البعض لكنه يزيدهم رقي وأصالة، فعليك أن تحافظ على تلك النقطة البيضاء وسط كل ذلك السواد دون أن يلوث به، لا يغرنك قدرتك على تغيير تلك القتامة، فالفحم حتى وإن غسلته سيظل أسود اللون.
رشا روميه
نور بركات..
بذهن مشتت مازال عقله يعيد حديثه مع "نسرين" بالأمس، أفكاره المثالية بنصر الحق وإنقشاع السواد عن القلوب إلتفت بداخل رأسه بفكرة أخرى لا يستطيع محوها من داخل نفسه، إحساس بأن ما سيقوم به ما هو إلا أمر خاطئ، ذنب سيجذبه للظلام دون أن يدري.
أخذ يحدث نفسه بأعين زائغة وهو ينتظر بغرفته بالمستشفى:
- مش عارف ليه عندي إحساس غريب إني بعمل ذنب، مش حاسس إني مرتاح للي حعمله ده، زي ما يكون فيه حاجه غلط، بس أرجع وأقول ده عمل إنساني أرجع بيه حق الغلابه اليتامى دول، صح كده، مش لازم أتوتر وكل حاجه حتبقى تمام.
تلك الحيرة التي جعلته متوترًا للغاية، يتردد بإتخاذ خطوة بهذا الإتجاه، ففكرة تجعله يتخوف، وفكرة أخرى تدفعه للتقدم، ووسط حيرة أفكاره وجد باب غرفته بالمستشفى يُطرق بخفة ليسمح للقادم بالدخول:
- إتفضل.
تفاجئ "نور" بـ"نسرين" تطل بقامتها الطويلة من خلف الباب، أمر غير معتاد، حتى تلك الإبتسامة غير معتادة، نظرت له قائلة بلطافة:
- صباح الخير يا "نور"، معلش إن أنا جيت لك المستشفى.
- لا عادي، معنديش حالات كتير النهارده.
تخوفت "نسرين" من أن يكون "نور" قد تراجع عن مساعدتها لتبدأ حديثها بالتأكيد عليه أنه مازال سيساعدها وسينفذ ما طلبته منه بالأمس، هدأت نبرة صوتها القلقة حين سألته أولًا:
- "نور"، إحنا على إتفاقنا صح؟
أومأ "نور" ببطء بحركة إيجابية أعطت "نسرين" قوة لتستكمل بالإيضاح:
- تمام أوي، أنا جبت لك كل المعلومات إللي عرفتها عن عمي وبنته.
إنتبه لها "نور" بفضول، فيبدو أن الأمر بدأ يتخذ شكلًا جديًا ولا مجال للتراجع، لينصت لها باهتمام:
- كويس، إيه هي المعلومات دي بقى؟
لم تستطع "نسرين" إخفاء حماسها لتستطرد بنبرتها المتعجلة:
- شوف، هي إسمها، "ليلى عزت"، شغاله ممرضه في مستشفى الهلال، أكيد عارفه، وعرفت كمان إن عمي مريض في المستشفى دي، و محجوز هناك بقاله أسبوع تقريبًا.
يا لتلك الصدفة التي ربما ستساعده في مسعاه، بمجرد سماعه إسم المستشفى التي تعمل بها لوهلة ترائى له أن الأمر ربما يكون أيسر مما تخيل، هتف بها "نور" يتفاجئ:
- مستشفى الهلال، بجد!! طيب هو عمك عنده إيه بالضبط؟!!
أجابته "نسرين" على الفور:
- كان عامل حادثه ولما كشفوا عليه لقوه عنده فيروس سي.
تحولت مفاجئته لصدمة من نوع آخر، صدمة لا يدري ألهذا الحد تخدمه الصدفة أم أن للقدر كلمة أخرى، فحتى مرض عمها هو من صميم عمله وتخصصه، بل يزيد على الأمر أن دراساته التي تلت الجامعة من الدراسات العليا التي كان بدأ بها هي هذا المرض خصيصًا، إتسعت عينا "نور" بدهشة مستكملًا:
- ده إيه الحظ ده، يعنى مريض بنفس المرض إللي بحضر فيه رسالتي بتاعة الماجيستير!!! صدفه عجيبه أوي!! لا حول ولا قوة إلا بالله.
قالها بتأثر وقلب نقي، فهو بالنهاية رجل مريض، ولن يتشمت بكونه كذلك، لكن "نسرين" لم تتقبل ذلك، بل هتفت به بحنق من رد فعله الغريب:
- إنت زعلان عليه؟! متنساش انه هو اللي أكل حقي أنا وأخواتي اليتامى.
إنه طيب القلب وليس مغفل أو ينساق خلف طلبها بدون أن يحكم عقله وقلبه، ليس لأنها ظُلمت بأمر ما يكون معها كل الحق في تلك القسوة والتشمت:
- أيوه يا "نسرين" أكل حقكم، بس مهما كان مفيش شماته في المرض.
لوت فمها بضجر وهي تدور بعينيها للأعلى بإستخفاف من مثالية "نور" التي لا تناسب هذا الزمن، لتعقب بإستياء:
- بقولك ايه، مش وقت مثاليتك الله يخليك، ها، ناوي على إيه؟
- خلاص سيبينى أفكر في طريقه.
إستقامت "نسرين" لتتهيئ للمغادرة فيما قالت:
- طيب أنا حمشي دلوقتِ ومستنياك تبقى تكلمني وتقولي عملت إيه، سلام.
أنهت عبارتها لتغادر على الفور فقد أنجزت مهمتها بإعطاء "نور" كافة المعلومات التي يحتاجها لبدء خطتهما، ليتفكر "نور" بمكان واحد وشخص واحد سوف يساعده بهذا الأمر، ليس سوى صديقه الخجول "سامح" فهو يعمل بهذه المستشفى.
بقلم رشا روميه
لم يتردد بالإتصال به، ليس لسؤاله بل لغرض آخر تمامًا، فعليه البدء بالتحرك بشكل طبيعي ليكون قريبًا من تلك المدعوة "ليلى" بدون أي إثارة للريبة، رفع هاتفه مُحدثًا "سامح" الذي أجاب دون تأخر:
- حبيبي، إزيك يا غالي.
قلوب متشابهة بصفاء غير عادي أمر لا يتكرر كثيرًا، فقد يظن البعض أن النقاء إندثر تمامًا لكنهم لم يدركوا أن السواد طغى حتى كادت العيون لا تميز وجود النفوس القويمة وسط هذا السواد الأعظم.
أجابه "سامح" بمحبة:
- "نور"!! إنت فين يا جدع؟ من آخر مره على القهوه مسمعتش عنك حاجه.
- على حطة إيدك أهو، شغل والله، وإنت فينك؟
أعاد "سامح" جذعه بأريحية لظهر المقعد فقد كان مرهق بالفعل بتلك اللحظة:
- الإنتداب ما بين هنا والمستشفى الأهليه تاعبني والله ومش لاقي وقت خالص.
- كان الله في عونك والله، ده الواحد مستشفى واحده ومش قادر عليها.
- الحمد لله بقى، طمني عنك أخبارك إيه؟
تشتت عينا "نور" القاتمة قليلًا فتلك آخر فرصة قبل التراجع، لكنه حسم أمره فعليه ألا يتردد بعد الآن فهو يسعى للخير وليس العكس، أجابه بعد وهلة ليطلب منه ما أراده من هذا الإتصال:
- الصراحه، كنت عايز آجي عندكم المستشفى، عايز أخلص البحث بتاعي عن فيروس سي، وإنت عارف إني محتاج أتابع حالات التخصص بنفسي وهنا صعب أوي.
تفكر "سامح" قليلًا لكنه بالنهاية لن يتكاسل عن مساعدة صديقه:
- الصراحه مش عارف حينفع ولا لأ، بس حسأل لك دكتور "عبد الغفار" مدير المستشفى لو ينفع، لأن فعلًا فى حالات ظهرت عندنا هنا فيروس سي.
- حبيبى يا "سموح"، طيب حسيب الموضوع ده بقى عليك تمام.
- أكيد طبعًا، النهارده حكلم دكتور "عبد الغفار" وأبقى أرد عليك.
خطوة لن يتراجع بها ولتبدأ خطته لإستعادة حق "نسرين" وأخويها من عمها الطامع:
- في إنتظارك يا "سامح".
❈-❈-❈ــ
وإن كان الحزن ضيفًا ثقيلًا على القلب فلا تتوقع رحيله إن كنت تُحسن ضيافته، توقف عن زراعة الأزهار بحدائق لن يقوم غيرك بسقيها، عليك تخطي تلك المرحلة لكن تعامل كناجٍ وليس كضحية.
رشا روميه
طريق القاهرة..
بعد إنتظار طال وقته حتى توسطت الشمس السماء وتخطي وقت العصر المرهق، بدأ الركاب يتمللون من الإنتظار بوسط هذا المكان المقفر والشمس الحارة فقد تأخر السائق كثيرًا أثناء تصليحه لإطار الحافلة.
رفعت "فرح" ورقة كرتونية كبيرة قد وجدتها لتحجب بها الشمس عنها وعن والدتها التي جلست أرضًا من تعبها.
زفرت "فرح" بضيق:
- لأ بقى، كده كتير اوي، أنا مش قادره أستنى أكتر من كده.
تطلعت "مديحة" بالطريق قبل أن تجيب إبنتها:
- نعمل إيه طيب؟! ما إنتِ شايفه، إحنا في طريق وسط الصحراء حنروح فين دلوقتِ؟!
تنهدت "فرح" بضيق فلابد أن تجد حلًا:
- أي حاجه، تعالي نشاور لأي عربيه جايه نركب فيها، أنا صدعت من كتر الشمس.
ظهر الإضطراب على وجه "مديحه" التي كانت تدعو من كل قلبها أن يتأخر هذا اللقاء، فمن داخلها كانت تشعر بالراحة بهذا التأخر، أجابت إبنتها ببعض المماطلة:
- أنا ما أظنش حيتأخر أكتر من كده.
مالت "فرح" برأسها للأمام تناظر والدتها بأعينها الشقية تخبرها بأنها تفهمها جيدًا وهي تعقب بذكاء:
- ماما!! بلاش كده، يلا بينا ناخذ شنطنا ونحاول نركب أي حاجه بدال الوقفه على السكه كده.
إضطرت "مديحة" لمرافقة إبنتها مرغمة، حملت "فرح" الحقيبة لتقف إلى جانب الطريق فربما تأتي سيارة عابرة يستطيعا إستقلالها عوضًا عن إنتظار تصليح إطار الحافلة.
ربما حالفهما الحظ، أو أنه القدر الذي يسير بخطاه دون تدخل من البشر، فنحن مسيرون بطريق رسمه الله لنا دون حياد، أقبلت تجاههما سيارة حمراء ذات لون زاهي، تباطئت سرعة السيارة ليظهر سائقها أمامهما.
شاب لطيف حسن المظهر يبدو عليه رخاء العيش، يرتدي قميص أسود ونظارة شمسية سوداء، مال الشاب تجاه المقعد المجاور له لينظر من النافذة الجانبية مُحدثًا "مديحة" و "فرح":
- إنتوا رايحين فين؟
أجابته "مديحة" بطبعها الإجتماعي الودود للغاية:
- نازلين مصر.
دعاهم الشاب لمرافقته بالطريق بترحيب شديد:
- حلو أوي، تعالوا معايا أنا كمان نازل مصر، إتفضلوا إتفضلوا.
همست "فرح" بأذن والدتها قبل ركوب السيارة وقبول دعوة هذا الشاب:
- شوفتي بقى شكلها متسهله أهو.
- أه أه، ربنا يسهل.
قالتها "مديحة" وهي تشعر بالتخوف لإستكمال رحلتهم، لكنها رغم ذلك ركبت السيارة مع هذا الشاب، جلست "مديحة" بالمقعد الأمامي إلى جوار الشاب، بينما جلست "فرح" بالمقعد الخلفي، تمامًا خلف والدتها.
تَغلب على "مديحة" طبعها الإجتماعي الذي إعتادت عليه لتبدأ بتمضيه الوقت بالحديث إلى هذا الشاب والتعرف عليه، فمن باب الذوق أن تتحدث معه فلا داعي لهذا الصمت.
بينما بدأت "مديحة" حديثها مع الشاب، إلتزمت "فرح" الصمت تفكر فيما سوف تفعله هى وأمها وأن ما سيفعلانه هو الصواب، لكن الصمت يدفعنا لفكر أكبر ليس كل ما يتوارد به من إختلاقنا، فبعض الأفكار تسيطر على أنفسنا ورؤوسنا رغمًا عنا.
هذا الطريق الطويل وصمتها التام جعل ذكرى "هاني" تحتل رأسها، خاصة تلك الليلة التي خذلها ولم يأتي، ليلة توجت بكسر القلوب، تعلقت أمانيها بأن تلك الليلة كانت ستكلل حبها برباط رسمي بينها وبينه، حلم حلمت به لفترة طويلة لكنها إنتهت بخيبة أمل وجرح كبير.
تهدلت ملامحها بتعاسة وهي تقوس شفتيها بحزن، حتى عيونها الشقية اللامعة إنطفأت بهما بريق السعادة التي كان يميزها، ليتها تستطيع النسيان، لكن حزنها ضيف ثقيل على قلبها لا يبرح مكانه مطلقًا، فقد إستقر بداخل نفسها ولن يخرج أبدًا.
تخاذل لا تريد تكراره مهما كلفها الأمر، لتحدث نفسها بأن أمر إرتباطها وزواجها هو أمر مرفوض تمامًا:
- ( لا يمكن أبدًا أبدًا أفكر في موضوع الجواز ده، إذا كان إللي حبيته وحبني عمل فيا كده!! أمال الغريب حيعمل فيا إيه).
سارت السيارة بسرعتها على الطريق السريع وأصبح المميز فى هذا الطريق الجبلى تارة والرملى تارة أخرى هو اللافتات الزرقاء معلنة تحديد كم تبقى من الطريق للوصول للقاهرة.
فكرة تلو الفكرة وحزن يلي الآخر، كما لو أنها إستسلمت تمامًا لأفكارها الحزينة، لا تريد الخروج منها، حتى أمر والدتها زاد من ضيقها، تذكرت حديثها بالأمس معها وإضطرارهم للسفر اليوم ثم تنهدت بقلب مزدحم بالهموم.
رفعت "فرح" عينيها تطالع الطريق لبعض الوقت ثم نظرت تجاه المرآة الجانبية للسيارة لتقع عينيها على والدتها، إنها كل ما تملك من حطام تلك الدنيا، فحتى وإن أخطأت فإنها لم ولن تقدر على الإبتعاد عنها، إنها جزء من روحها، بل هي روحها كلها.
إبتسمت "فرح" بخفة رغمًا عنها وهي تطالع وجه والدتها الضحوك أثناء حديثها مع هذا الشاب، فكم هي إجتماعية لطيفة حسنة المعشر.
إنغمست "مديحة" بحديثها مع هذا الشاب تتطرق من حديث لآخر ومن طرفة لأخرى دون توقف، أخذت تتجاذب معه أطراف الحديث كما لو كانت تربطه بها معرفة سابقة من قبل، كانت تحدثه بقلب أم، وكان يتجاوب معها بلطافة إبن لطيف جذبه إسلوبها وحديثها الشيق ليمرر الوقت حتى يصلوا لوجهتهم معًا.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
حل المساء سريعًا وبدأت الشمس بالمغيب ليوم آخر يمر، ورغم هذا الروتين اليومي الذي يمر بالجميع إلا أن البعض يترقب بنهاية ساعات هذا اليوم بأمل جديد وشغف أكبر..
مستشفى الهلال المركزي..
رغم أنه مازال الوقت مبكرًا على نهاية تلك المناوبة، إلا أن "ليلى" قد فضلت الإستئذان مبكرًا لبعض الساعات فربما تلحق بإبن هذا الرجل وتعلم منه أين ذهب عمها.
شغف مصدره ثقل هذا الحمل الذي تريد التخلص منه، لكنها أولًا مرت بغرفة والدها قبل مغادرة المستشفى.
رغم ثبات مؤشراته الحيوية إلا أن حالة والدها ليست على ما يرام، ليست مطمئنة بالمرة، حتى هذا النوم العميق الذي يسبب له التراخي والخمول بدأ يؤثر عليه بشكل كبير، وقفت "ليلى" قبالة والدها المستغرق بنوم مرهق للغاية مكتوفة الأيدي فما بيدها حيلة إلا الإنتظار.
ربما من حسن حظها وحظ والدها أنه يعمل بهذا المصنع الذي يتمتع بتأمين صحي بهذه المستشفى، أمر سيساعدها بأمر تكاليف علاجه وإلا لما كانت ستقدر على بقائه بالمستشفى دون أن يكون لديها المال الكافي لعلاجه، لكنها بذات الوقت لا تقدر على أكثر من ذلك، فحتى ما تملكه من مال لا يمكنها المساس به إلا بعد أن تعطي عنها حقه أولًا ثم تنفق على علاج والدها بما يتبقى لهم.
زفرت بقوة وهي تجفل بعينيها قليلًا قبل مغادرة غرفة والدها متجهة نحو هذا الحي القديم لمقابلة جار عمها المسن فربما تجد ولده وتسأله عنه وتستطيع التوصل إليه.
وصلت "ليلى" لهذا الحي بخطواتها المتعجلة، كما لو أنها تسرع للشعور بالراحة، حتى رؤيتها لهذا الرجل بهذا المكان أكسبها بعض السكينة المؤقتة فما بينها وبين المعرفة إلا خطوات.
أقبلت نحوه ببسمتها الخفيفة في حين تذكرها الرجل على الفور ليدعوها للجلوس:
- تعالي يا بنتي اتفضلي.
بحماس شديد أجابته دون إنتظار:
- شكرًا لحضرتك، أنا بس جيت أسأل حضرتك تاني لو كنت سألت إبنك عن عمي، هو قال لحضرتك حاجه؟
حرك الرجل رأسه ببعض التأثر قائلًا:
- أنا آسف والله يا بنتي.
عبارة واحدة كفيلة بالقضاء على تلك السكينة المزيفة التي كانت تمني بها نفسها، لتردف بخيبة رجاء:
- ميعرفش، صح؟
- لا يا بنتي، أنا سألته، بس للأسف، عمك إتوفى.
أين صاحب الحق المرجو منه المسامحة، كيف سيعفو الآن وقد سبقهم لدار الحق، إنهم ظالمون وزاد ظلمهم موته، كم إدانة وكم مقابلها، الآن علمت لما يعيشون بتلك المتاهة، فما ربك بظلام للعبيد، لقد ظلموا أنفسهم بأخذ ما ليس من حقهم، ليت والدها كان إستفاق من قبل.
هوت "ليلى" جالسة بصدمة فوق المقعد وهي تردد:
- إيه، مـــــــــات!!!
- أنا آسف يا بنتي إن أنا إللي أبلغكم ده، بس لما سألت إبني قالي كده.
ربما بنهاية الطريق شمعة يمكنها أن تقطع هذا الظلام، هناك فرصة وحيدة مازالت تبث الأمل، فرصة تُخلص من ذنب معلق، إنهم أبناء عمها.
تساءلت "ليلى" بإهتمام شديد:
- طيب، هو إبنك يعرف ولاد عمي، أو حتى عنوانهم، ساكنين فين دلوقتِ؟
- لا يا بنتي والله كان عمك بس هو إللي بيتعامل معاه وميعرفش عنوانه خالص، بس حقولك حاجه ااديني رقم تليفونك أو تليفون أبوكِ ولو عرفت أي حاجه حتصل بيكم أبلغكم.
أمل ضعيف لكنه يبقى أمل، أعطت له "ليلى" رقم هاتفها قبل أن تغادر هذا الحي بإحباط شديد وإتجهت نحو بيتهم الكئيب لتنهي هذا اليوم ببقائها مفردها وروتينها اليومي من قضاء صلواتها وتناولها الطعام إلى أن تخلد للنوم، قصة قصيرة متكررة إسمها حياتها.
❈-❈-❈ــ
بداخل كل إنسان جانب سئ لا تعرفه، جانب مظلم يخبئ به لعنات وغضب، كلمات حادة جارحة، لكن هذا الجانب لا يظهر إلا في عتمة إختلاء النفس، فلا يعرف السئ إلا نفسه، وبطريق أو بآخر قد أخبرك بذلك لكنك لم تعي، ففي زلاته وأفعاله ما يُظهر حقيقته فقط إن تمعنت النظر.
رشا روميه
بيت نسرين الحناوي...
بسمة ماكرة تحمل بين طياتها خبث شيطاني فقد وصلت أخيرًا لما تخطط له، سعادة إحتلت نفسها وخيلاء بفوزها بإقناع "نور" بتنفيذ خطتها للإيقاع بـ"ليلى".
فإن ظن الجميع بأنها قد تبحث عن حقها الضائع إلا أنها حين إختلت بنفسها ظهرت تلك الحقيقة الغائبة، شخصية لا تظهر إلا مع "نسرين" بذاتها، هي الوحيدة التي تدرك ألاعيبها التي تديرها دون أن يعلم أحد.
جلست "نسرين" بغرفتها تعبث بخصلات شعرها وهي تتطلع بنفسها أمام المرآة، إقتربت لتتعمق بملامحها وهي ترى أن لا جمال يفوق جمالها ودلالها، فيكفيها جسدها الممشوق كعارضات الأزياء، وملامحها الأنثوية التي تراها لا مثيل لها.
غرور وإعجاب بالنفس جعلها تتغنج أمام مرآتها فهي لا تقارن بأي كانت، إنها الأجمل على الإطلاق.
رفعت حاجبها الأيمن تحدث نفسها بإنعكاس صورتها، لكن تلك المرة قالتها بغيظ مكتوم:
- أنا لازم أحرمكم من كل حاجه بتحبوها زي ما حرمتيني إنتِ يا ست "ليلى"، إنتِ وأبوكِ طول السنين دي كلها، زي ما أخدتوا فلوسنا وحقنا وصرفتوها كلها لحد ما بقيتم محيلتكمش حاجه، لازم أدوقكم طعم الذل والوجع، لازم آخد حقي، وحقي إني أنتقم منكم، حقي إني أشوفكم وإنتوا بتتوجعوا وتتألموا وتتحطموا قدامي وخسروا كل حاجه، كل حــــــــــــــاجه، ساعتها بس حرتاح.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
بيت نور بركات...
من أماكنه المحببة تلك الشرفة الخاصة بغرفته، هذا المكان الخاص به وحده، ملجأ لأفكاره وإختلاء نفسه عن كل ضجيج العالم الذي يضيق إتساعه عليه ولا يجد به سكينة لنفسه، لكنه يجدها هنا بهذه الشرفة وتلك السماء الصافية والقمر الذي يضيئها.
إرتشف قليلًا من قهوته حين دق هاتفه بإسم "سامح"، على الفور أجاب هذا الخلوق الذي لا يتواني عن المساعدة:
- "سموح"، حبيبي.
- إزيك يا "نور"، إنت فين، عاوز أشوفك؟
سحب "نور" جفونه المرهقة للأعلى محاولًا البقاء منتبهًا ثم أجابه:
- والله يا "سامح" مش قادر أتحرك من مكاني، ده إنت حتى بتكلمني وأنا بشرب قهوة يمكن أصحصح شوية.
إمتعض "سامح" قليلًا لكنه أجاب بتقبل تام لما يشعر به صديقه، فهو لا يريد إزعاجه أو إرهاقه:
- يا خساره، بس معلش ملحوقه، مره تانيه بقى عشان صعبت عليا، أنا كان عندي ليك خبر حلو وكنت عايز أشوفك وأقولهولك.
أغمض "نور" جفنيه بقوة وهو يحرك رأسه محاولًا البقاء متيقظًا للتركيز بحديث "سامح":
- خير، فرحني؟
- أنا كلمت لك دكتور "عبد الغفار" مدير المستشفى وهو موافق إنك تنتدب عندنا لفتره تكون خلصت فيها الرساله بتاعتك، وبرضه تساعد في علاج الحالات إللي عندنا، ما أنا قولت له إنك أشطر دكتور باطنه أنا أعرفه.
إبتهج "نور" لتحقيق مسعاه الذي يظن أن هذا هو الطريق الصواب الذي عليه إكماله حتى النهايه:
- يا أخبارك الحلوه، يعني خلاص حنبقى مع بعض في مستشفى واحده.
- والله ما ناقصنا إلا "كريم" بقى ونكمل أيام الجامعه.
تذكر "نور" تجمعهم بدراستهم ليردد بإشتياق لهذا الجمع:
- اه والله.
- طيب، أسيبك أنا بقى ترتاح وإبقى تعالى بكره المستشفى، ومتنساش تجيب أوراقك معاك، سلام.
مع نهاية تلك المكالمة شعر "نور" بأنه قد تقدم خطوة أخرى بطريقه نحو لقاء تلك الفتاة المدعوة "ليلى"، وإعادة ميراث "نسرين" الضائع.
همس "نور" بتتوق لهذا اللقاء:
- معادنا بكره يا "ليلى".
❈-❈-❈ــ
بين الحلم والألم والأمل يقع الإنسان بين القدر والإختيار، لكن المكتوب لا مناص منه فلا تبدل الأقدار إلا بأمر الله، تلك الخفايا التي لا ندركها، فهي تحمل بين طياتها سعادة وألم، وعلينا الرضا بالقضاء والإنصياع للقدر، وما نملك إلا دعاء أن يجعل لنا من أقدارنا أجملها.
رشا روميه
طريق القاهرة...
على مشارف تلك المدينة وبعد إجتياز طريقها الطويل كادت السيارة التي تحمل ثلاثتهم تقترب من القاهرة، إندمجت "مديحة" بتلك الساعات بحديثها مع هذا الشاب، بينما فضلت "فرح" البقاء متفرجة تلتزم الصمت تسترجع ذكرياتها الحزينة كطوفان يضرب بها وهي في أتم الإستسلام له.
وقد يظن المرء أن ما يمر به هو إحكام لكل الحلقات دون أن يدري أن القدر يخبئ له الأعظم ويختار الله لنا أيسرها.
بدأ الظلام يحيط بالأجواء بعد مغيب الشمس، هذا الوقت الذي يظنه البعض نهاية يوم شاق وبداية راحة.
تطلعت "فرح" مرة أخرى تجاه والدتها التي تُحدث الشاب عن أسرته التي يسافر إليها وسط إهتمام الشاب الشديد بحديثها الشيق، جالت بنظرها بين كلاهما، مجرد مشاهدة دون مشاركة، لتتسائل بداخل نفسها هل فقدت الشغف على الحياة بكل ما فيها، إنها حتى لا تهتم بما يحدث حولها، كما لو أنها أصبحت تنظر للدنيا من منظور باهت لا حياة فيه.
نكست رأسها تجاه حقيبتها لتفتحها بهدوء، أخذت تقلب بمحتوياتها بفراغ تام حتى وقعت عيناها على تلك الورقة المطوية التي أعطتها لها والدتها هذا الصباح.
نظرت لهذا الإسم وهذا العنوان بتفحص شديد لتعاد أحداث الأمس مرة أخرى بمخيلتها، تذكرت عودتها وندم وبكاء والدتها وما أخبرتها به، كما لو أن كل الذكريات السيئة أتت لمهاجمتها بهذا الوقت، أما آن لتلك المرحلة أن تنتهي حتى تفيق من شرودها المؤلم.
لكن شردوها هذا لم يلبث حتى أفاقت منه بواقع آخر، واقع تهتز لها القلوب بتخوف وفزع، صرخات مدوية جعلتها ترفع رأسها وقد إتسعت عينيها بفزع وهي تفغر فاها من الصدمة، صوت والدتها الصارخ وهي تهتف بقوة ورجفة مهتزة:
- ستــــــــــــرك يـــا رب، ستــــــــــــــرك يـــــا رب.
❈-❈-❈ــ
خلال قيادته للسيارة مُحدثًا "مديحة" بأريحية شديدة لما شعر به تجاهها، فقد تذكر حنينه لأمه التي تركها بالقاهرة وسافر للسويس ليكمل دراسته الجامعية هناك، شعر هذا الشاب بألفة شديدة بينه وبين "مديحة"، كان ينظر تجاهها بين الحين والآخر أثناء قيادته وهو يضحك ويبتسم لها، إلى أن إلتفت نحوها ذات مرة يتجاوب معها بلطافة، أعاد رأسه تجاه الطريق ليفاجئ بظهور شاحنة كبيرة عالية محملة بعبوات كبيرة ممتلئة بزيوت ما تقطع الطريق بصورة عرضية.
تهدج صدر الشاب بقوة وإرتعدت يداه التي تشبثت بالمقود ليحاول إدارة عجلة القيادة ليتفادى الإصطدام بتلك الشاحنة، سحب المقود بكلتا ذراعيه تجاه اليمين لكن سرعة السيارة وحجم تلك الشاحنة التي تغلق الطريق كان لهما كلمة أخرى، فمع كل محاولاته إلا أنه أدرك حقيقة واحدة، أنه لن يتمكن من الإفلات وسيصطدم بها لا محالة، تملكه الذعر وهو ينظر بهلع تجاه الطريق المنزلق أمامه فقد إنفلتت عبوات الزيوت الكبيرة من فوق الشاحنة ليصبح الطريق منزلقًا بشكل مخيف، والتحكم بمكابح السيارة أمر شبه مستحيل الآن.
ضغط الشاب بكل قوته فوق مكابح السيارة لكنها أخذت تدور بقوة دورة كاملة لتصطدم بها بالنهاية وسط صرخاته الفزعة.
❈-❈-❈ــ
إنشغال "فرح" بقراءة الورقة وذكرياتها الحزينة التي ظنت أن لا حزن يفوق حزنها الآن إنمحى تمامًا حين سمعت صرخات والدتها، رفعت رأسها بفزع لترى هذا المشهد المروع أمام أعينها، شاحنة كبيرة تقطع الطريق بينما يحاول الشاب تجاوزها بكل قوة أوتيت له، لكن حجم سيارته لا يقارن بتلك الشاحنة التي وقفت بشكل عرضي تؤكد بأن الإصطدام قائم لا محيص عنه.
تسارعت دقات قلبها خوفًا تلك المرة، فيبدو أن للقلب فزعات أخرى تختلف عن حزنها على حب ضائع، لقد أصبح خوفها لحياتهم التي على المحك، صراع البقاء والهرب من الموت الوشيك، للحظة إتجه بصرها المفزوع تجاه حبيبتها الوحيدة، كل ما لها بالدنيا -والدتها- لا تقوى على تخيل فقدانها بأي شكل من الأشكال، لم تهتم لما سيحدث لها، لكن والدتها لا، لا تستطيع تخيل أن يصيبها سوء، تمتمت بدعوات أن يحفظها الله لها ويطيل عمرها وألا يصيبها مكروه ما.
❈-❈-❈ــ
هل هذا هو العقاب؟ هل تلك هي النهاية؟ لقد إستغفرت وتابت وأنابت عن فعلتها، تقوست جبهة "مديحة" بفزع وتساقطت دموعها لتعلو همهمتها بالإستغفار وطلب السماح من رب العالمين، لقد أيقنت أن تلك هي ساعتها، وتمنت أن يقبض الله روحها على مغفرة منه.
سرعة مخيفة وإنزلاق للسيارة التي لا تتوقف، وها هي الشاحنة تقترب أكثر وأكثر. وأصبح الإصطدام وشيكًا، شعرت "مديحة" بيد إبنتها المرتجفة تتشبث بها خوفًا من فقدانها، كما كانت طفلة تتشبث بأمها حين تفزع في صغرها، ها هي تتشبث بها أيضًا الآن، لكنها لا تخشي على نفسها هذه المرة، إنها تخشى من فقدان والدتها وأن تتركها وحيدة.
كل حياتها كرستها فقط لـ"فرح"، وإن كُتب عليها الموت يجب أن تكون حياتها فداء لها، تلك اللحظة التي لا يهتم إبن آدم إلا بالمحلة بنفسه لم تزورها، بل علق بتفكير "مديحة" أمر وحيد، أن تشبث "فرح" بها سيؤذيها بالتأكيد، يجب أن تفلتها، يجب أن تحررها وتنقذها من هذا الصدام.
بحركة فجائية إستدارت "مديحة" تنظر بعيون إبنتها الهلعة وهي تزيح كفها المتشبث بكتفيها، فتحت بذات الوقت مقبض الباب الذي يجاور "فرح" لتدفعها بكل قوتها نحو الخارج فبقائها بالسيارة سيهلكها معها.
مع إلتفاف السيارة المنزلقة كانت دفعة "فرح" للخارج يسيرة للغاية، عادت "مديحة" بعد دفعها لتعتدل بنقعدها لتجد نفسها بمواجهة وجه إلى وجه مع الشاحنة لتصطدم بها السيارة بقوة مفزعة.
علا صوت المكابح التي كانت تصدر صريرًا قويًا لتحاول التمسك بالطريق لكن بالنهاية حدثت الفاجعة وتلاقت كتلتي المعدن بعضهما ببعض بصوت نُفضت له القلوب دون حساب لتلك الأرواح بداخل كل منهما.
بذات لحظة الإصطدام ومع دفعة "مديحة" لـ"فرح" كمحاولة منها لإنقاذها دون أن تدري أن جسدها كان خفيف للغاية ودوران السيارة جعلها كورقة تتطاير بمهب الريح، سقطت "فرح" بإتجاه الجانب الترابي، ولسوء حظها كان ذلك بداية منحدر جانبي.
تلك القوة جعلتها تتدحرج نحو الأسفل لتصطدم رأسها لمرات عديدة متتالية بالصخور الصغيرة بهذا المنحدر، جسدها الخفيف الوزن لم يمكنها من التمالك والتوازن لتهوى نحو أسفل المنحدر دون مقاومة.
إستقرت "فرح" بعد سقوطها القاسي لتنظر بين الحلم واليقظة وهى ترفع رأسها بإتجاه السيارة محاولة الإطمئنان على والدتها لكنها لم تستطيع أن تحرك ساكنًا، كل القوى تلاشت بشكل تدريجي وهي تشعر بهذا الطعن المعدني بداخل فمها، فيبدو أن تلك هي النهاية الآن، ثقل شديد وألم بالروح، أوجاع كثيرة غير محتملة حتى حل الظلام التام وإستسلام للقدر ونهايته.
