رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الثالث عشر 13 بقلم رشا رومية


 رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الثالث عشر 

#اللهم_أدخلني_مُدخل_صدق_وأخرجني_مُخرج_صدق_وإجعل_لي_من_لدُنكَ_سلطانًا_نصيرا

 «حالة طوارئ»
في النهاية سيصبح كل شئ على ما يرام مهما غابت عنك الفكرة، يجب عليك أن تتعلم قانون الحزن فأنها وإن كانت ليست المرة الأولى، لكن يومًا ما ستكون الأخيرة، تذكر أنك عندما ظننت أنها لن تنتهى وإنتهت، وبكل مرة صارعت الغرق نجوت، تتعلق الروح بقشة تنقذك في حالة طوارئ، فهناك يد العون التي تمتد إليك وأنت وسط الظلام لترشدك لطريق النور، فقط إطمئن.
رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

عندما يأتي الفراق يزيد التعلق تعلقًا، تلك الحالة من الوجع التي تجعلك تشاهد الحياة من بعيد كأنك لست منها، قد تصل لدرجة من التعلق التي يستحيل عليك بها تحمل الفراق، فيهديك الله عاصفة تثير بحياتك بعض الفوضى لتعيد ترتيبها بشكل آخر، تساعدك على نسيان ما ظننت أنك لا يمكن نسيانه، تعود بأن كل شئ في الدنيا إما تتركه وإما يتركك، إلا الله، إن أقبلت أغناك، وإن تركته ناداك، ربما تعيش ما تراه شرًا لكن يكمن به كل الخير.
رشا روميه 

في موقع الحادث...
أمر ليس بالهين وحادث مؤلم لمن يشاهد من بعيد، فكيف يكون الحال لمن تعرض له، عيون حزينة متأثرة يعلوها شفقة وإستياء مما حدث، تلك الشاحنة المتوقفة متداخلة بهذه السارة الحمراء التي إنبعج معدن هيكلها بشكل مؤلم للنظر، صورة تفطر القلوب، لكنه القضاء والقدر، ولا يسعنا إلا قول حسبنا الله ونعم الوكيل.

إمتلئ موقع الحادث بسيارات الشرطة وأخرى خاصة بالإسعاف التي علت منها صوت قوي مزعج للقلوب قبل الآذان، حتى تلك المصابيح فوقها التي أخذت تدور بأضوائها تعلن حالة جديدة من حالات الطوارئ.

إنتشر المسعفون يحاولون مساعدة المصابين إن وجدوا لإنقاذهم، قلق وتوتر معتاد بين وجوههم، تلك مهمتم التي يجب تنفيذها بقدر كبير من المهنية.

همهمة شفقة علت شفاة المتوقفين هنا وهناك حين أقبل إثنان من المسعفين يحملون ناقلة وضع عليها أحد ضحايا الحادث، لكن هيئته المغطاة بالكامل قالت ما لم يسأل بعد، فيبدو أنه قد فارق الحياة.

تقدم الضابط نحو المسعفون متسايلًا بجدية:
- مين ده؟

أجابه أحد المسعفين على الفور:
- دي تقريبًا الأم يا فندم، خرجناها بالعافيه من جوه العربيه، بس كانت ميته حضرتك.

حرك الضابط رأسه بتفهم:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، طيب، إتفضل إنت.

ثم نظر لأحد أفراد الشرطة يتأكد منه مما دونه بالتقرير الخاص بتلك الضحية:
- كتبت كل بياناتها؟

- حصل يا فندم، الإسم "مديحة صوان"، توفت مباشرة نتيجة حادث الإصطدام بعد إرتطام رأسها بالزجاج الأمامي للسيارة مما سبب لها الوفاة المباشرة.

حرك الضابط رأسه برفق ثم عقب:
- تمام، حد من العساكر يركب عربية الإسعاف ويكون معاهم، وشوف لي الحالة التانيه والتقرير بتاعها بسرعه.

صيحات متتالية فقد وجد أحدهم على قيد الحياة، تلك أقدار مكتوبة وإن كنتم في بروج مشيدة، أو كنتم ببطن الحوت، هتف أحد المسعفين طالبًا للعون:
- بسرعه هنا، نقاله أوام.

تقدم نحوه رفاقه للمساعدة لحمل الشاب فوق الناقلة لوضعه بسيارة الإسعاف، سحب أحدهم محفظته ليمد يده نحو الضابط قائلًا:
- محفظته أهي يا فندم.

تطلع الضابط بهوية الشاب "أحمد منير"، قبل أن يسأل المسعف عن حالته:
- إيه خطورة الحاله؟

- راسه إتخبطت في التابلوه وازاز العربيه، عنده كسور بس لسه الفحص في المستشفى حيحدد يا فندم.

أشار الضابط نحو سيارة الإسعاف مردفًا بوجه مقتضب:
- العربيات دي رايحه المستشفى الأهلية، مفيش تغيير يحصل.

- حاضر يا فندم.

تم وضع الشاب "أحمد منير" بسيارة الإسعاف التي إنتقلت على الفور لمستشفى الأهلية لمحاولة إسعافه بدون تأخير.

لم ينتهي دور أفراد الشرطة بعد، فالجميع يطوقون المكان يبحثون عن ناجين آخرين من هذا الحادث الشنيع، تحرك أحدهم تجاه المنحدر الترابي ليلاحظ سقوط أحدهم، وتبدو للوهلة الأولى أنها فتاة ملقاة على وجهها مغطاة بالتراب ثابتة تمامًا دون حراك.

نادى بصوت جهوري لينبه أقرانه:
- إسعــــــــــــاف، بسرعه، إسعــــــــــــــــاف.

ركض مجموعة نحو المنحدر ليتخذون خطواتهم بحذر لكنها متعجلة للحاق بتلك الفتاة، تفقدها أحدهم ليجد ملامحها غير ظاهرة بالمرة من آثار الدماء والتراب الكثيف.

سكون حركتها بهذا الشكل دب القلق بقلوبهم خشية من فقدها أيضًا، تحقق أحدهم من نبض القلب لديها ليجدها مازالت على قيد الحياة، لكنها بخطر شديد فنبضها ضعيف للغاية.
بقلم رشا روميه 
تم وضعها برفق فوق إحدى الناقلات قبل الإتجاه بها لسيارة الإسعاف التي إنطلقت نحو المستشفى الأهلية لمحاولة إنقاذها هي أيضًا.

❈-❈-❈ــ

عجيب أن تظن أن من سعى لتحطيمك هو من سيعالجك، مارس حقك في الإنهيار والتعبير عن خذلانك، ففي بعض الأحيان صمودك يعد هزيمة، إنك لم تطلب الكثير لكن ربما كنت تسأل الشخص الخطأ.

بيت خليل زيدان...
كانت تتمنى أن تجد بصيص من النور يوجهها بطريقها، بوصلة تشير إلى الصواب فذلك التخبط الذي حل بنفسها لم تكن معتادة عليه.

ذهبت "زهرة" بزيارة لوالدها، فما حدث من "محمود" اليوم جعلها تشعر بالضيق والتوتر، كانت تظن أنها ستجد من يستمع لشكواها وينصف إضطرابها فهي بالنهاية إبنته، ولم تكتفي من المحاولة لعله يشعر بها يومًا.

لأكثر من ساعة وهي تجلس ببيت والدها تتمنى ولو لحظة واحدة يستمع إليها بقلب أب عطوف، لكن منذ مجيئها وهي تشعر بذات الغربة بينهم، تشتت وضياع وسط أمواج حديثهم المتلاطمة، لا شاطئ ولا طوق نجاة.

نعم اليوم مختلف، اليوم تعيش حالة طوارئ، فلأول مرة تشعر بأن هناك من يهتم بها، لأول مرة تستمع لكلمة حانية، لكنها كلمات خاطئة محرمة، وهي لن تترك نفسها تقع بالخطيئة.

تشتتت أنظارها المتأرجحة بين "خليل" و"سمية" تود لو أن تصرخ بهما ليستمعا إليها، فكل منهم يهتف بوادٍ مختلف، لكنهما بغير واديها، تهدجت أنفاسها المختنقة لتهتف بهم بحنق في النهاية:
- يا بابا إسمعني، أنا تعبت، أنا نفسي أرتاح بجد، "أنور" مبهدلني ضرب وإهانه، على طول مش في وعيه، ده كارهني!!!

رفعت "سمية" حاجبها بضجر تناظر "خليل" حتى لا يتهاون معها، والذي لم يخالف إرادتها حين أردف بإنفعال:
- لا والله، وهو أنا كنت جوزتك عشان أرتاح ولا عشان وجع الدماغ ده كل يوم والتاني.

مصمصت "سمية" شفتيها بإمتعاض لتزيد سكب البنزين فوق النار:
- متهاودهاش يا "خليل"، إحنا معندناش بنات تطلق، ده إيه الدلع الماسخ ده، هو كل واحده تلاقي طبع جوزها متغير تخرب بيتها وتقول أتطلق؟!!!! ما كل واحده محترمه ومتربيه عايشه في بيتها ومستحمله، ما ترضي بعيشتك يا اللي بتتبطري على النعمه، ده إنتِ متجوزه جوازه زي الفل، الكل بيحكي ويتحاكى عليها.

إلى متى ستخفي خوفها؟!! يجب أن تخبرهم بما تشعر به، لن يفيدها تخبئة ذلك بداخلها، فليس كل كتمان رضا، فبعض التغاضي جريمة، لملمت "زهرة" شفتيها المرتعدتين وهي تخبرهم بنبرتها المذعورة:
- بالله عليكم، أنا خايفه لا في مره يضربني ضربه تجيب أجلي!!

حقيقة الإنسان تأتي من أفعاله تجاهك وليس من ظنون تتخيلها، فمن يتحمل الأشواك لأجلك يستحق أن تضحى بروحك فداء له، ولكل قاعدة شواذ فليس كل أب لديه إحساس بالرحمة والمسؤولية تجاه أبنائه، فما كان من "خليل" إلا البحث عن طريقة للتهرب، بل وإلقاء اللوم عليها حتى لا تعيد تذمرها مرة أخرى.
بقلم رشا روميه 
قضب "خليل" حاجبيه بقوة ليوزع إتهامه عليها حتى ترتجع عن طلبها المرفوض:
- إنتِ أكيد إللي بتضايقيه، يعني هو حيعمل كده معاكِ إلا لو بتطولي لسانك وتقعدي تزهقيه زي ما بتزهقينا كده!!

لتكمل "سمية" تلك المعزوفة الخاصة التي يقومان بها معًا لنفض أيديهم من أي مسؤولية تجاه "زهرة":
- معلوم، وهى دي عايزة كلام، ما إنتِ أهو طول الوقت مركبانا العفاريت، زمانك مطهقاه في عيشته.

فغرت "زهرة" فاها بإندهاش، طوال تلك السنوات الطويلة التي جمعتها بهم ببيت واحد كانت تحرص على كونها خفيفة المعشر هادئة الطباع، فكيف لهم الآن أن يصفوها كونها كائنة مستفزة مثيرة للمشاكل، أشارت بصدمة نحو نفسها قبل أن تهتف بدهشة:
- أنا؟!!! والله ما حصل!!

فحتى وإن حاولت إسقاط التهم عنها، سيستغلون براءتها لصالحهم بمكر، قاطعت "سمية" الحديث بحدة:
- طالما محصلش، يبقى تسكتِ وترجعِ بيتك، وبلاش قرف ووجع دماغ، هو إنتِ خِلقه ما كل البنات بتتجوز وتنضرب عادي من اجوازها،(ثم نظرت نحو "خليل" بحدة ليساندها برأيها)، ولا إيه يا "خليل"؟!

أجابها "خليل" بضعف منساق خلف رأي "سمية" التي لم يخالفها حتى لو حاول، فيكفيه نظراتها الحادة التي ترمقه بها لينهي أمر شكوى "زهرة" وإبعادها عنها قدر الإمكان:
- مظبوط يا "سمية"، مظبوط.

مدت "سمية" كفيها الغليظان لتلملم حقيبة "زهرة" لتضع بها عبوة المحارم التي أخرجتها منذ قليل لمسح دموعها بغلظة، ثم أغلقتها بعنف حتى كادت تمزق السحاب الخاص بها، قذفت بها تجاه "زهرة" بإحتقار قبل أن تدفعها بيدها لتنهض من مقعدها بإتجاه باب الشقة قائلة بضجر:
- مع السلامه يا حبيبتي، يلا عشان متتأخريش على بيت جوزك.

إرتعشت شفتيها بقوة وهي تنظر لوالدها بنظرة يملؤها إحساس بالقهر، لقد طُردت من بيت والدها، أمام مرأى عيناه دون أن يُحرك ساكنًا، أتتحمل حياتها مع زوج مدمن؟ أم تتحمل قلب والدها الغلف الذي لن يرق لها، شعور بالمهانة والغربة ليس بجديد وسط تلك العائلة، فقط لو وجدت ضوء خافت لبقيت، لهربت من حياة محكوم عليها بالفشل مع زوج يكرهها ويتمنى الخلاص منها، وبين إحساس وليد يجب أن يُحكم عليه بالموت داخل ساكنها مهما كلفها الأمر.

قضمت شفتيها بقوة منكسة رأسها بتعاسة لو وزعت على الكون بأكمله لفاضت به القلوب، تحركت نحو الخارج بخطوات بطيئة يملؤها التيهة، فهل ستعود؟!!

ستعود لحياتها مع "أنور" وبغضها وتخوفها منه؟ أم ستعود لبيت يجمعها مع أخيه الذي رأت منه اليوم ما لم تراه بحياتها من قبل -الإهتمام-؟ أم تترك كلاهما وتهيم بالطرقات، لا عمل ولا مال ولا عائلة محبة؟ 

إنها مجبرة على العودة، فلا سبيل للهرب، هبطت بضع درجات من السلم لينتفض جسدها بقوة إثر صوت صفق الباب من خلفها، إنهمرت دموعها التي لم تجف محدثة نفسها:
- إذا كان أبويا نفسه مش عاوزني في بيته، حقدر أنا أتكلم ولا أنطق حتى، لازم أرجع تاني حتى لو موتني مينفعش أسيبه، حسيبه وأروح فين، الشارع!!!! الله يرحمك يا ماما.

كما لو أن والدتها الراحلة هي آخر عهدها بشعور الأمان والسند والحنان، أغلقت من حولها الأبواب لتكمل بطريق لا يمكنها التراجع عنه.

هبطت للدور الأول لتقف للحظة أمام شقة صديقة طفولتها "ليلى" وهي ترى ضوء المصباح الداخلي مضئ، تقدمت بتلقائية لتطرق باب منفسها الوحيد بهذا العالم، على الفور أجابت "ليلى" الطارق لتفتح الباب وهي تنظر براحة لقدوم "زهرة" الآن:
- "زوزو"!!! ياااه، لو تعرفي محتاجاكِ قد إيه، تعالي تعالي جيتي فى وقتك.

مسحت "زهرة" دموعها بأصابعها معقبة:
- وأنا كمان محتاجاكِ أوي.

كف حاني يرسله الله لهن بوقت الشدة ليربت على قلوبهن الضعيفة بمحبة خالصة لا رياء فيها، ضحكت "ليلى" بخفة ساخرة من تعاستهما معًا:
- إتلم المنحوس على خايب الرجا، تعالي يا أختي تعالي.

وقت طويل جمع بينهما لتخرج كل منهما أثقالها التي تحملها فوق قلبها، أخبرتها "ليلى" بتخوفها من عدم إيجاد أبناء عنها لإعادة الميراث لهم، بينما وجدتها "زهرة" فرصة لبث شكواها من والدها وزوجته وعنف "أنور" معها، إلا أن "زهرة" آثرت ألا تخبر "ليلى" عما يدور بداخلها من ظنون تجاه "محمود"، لكنها إكتفت بإيضاح أنها كانت ستكون سبب لشجار كبير بينهما.

تفكرت "ليلى" قليلًا لتنصحها بما تقدر عليه من رأي تراه لا بديل عنه الآن:
- إرجعي بيتك يا "زهرة"، طالما أهل جوزك واخدين بالهم منك، حاولى متعترضيش طريقُه خالص وخلاص.

جفلت "زهرة" بعينيها لوهلة ثم أردفت بإنهزام:
- وهو أنا قدامي حل تاني، أنا مجبوره على كده.

- لينا رب إسمه الكريم.

إنتهت تلك الزيارة القصيرة لتعود "زهرة" لبيت عائلة مكاوي مرة أخرى كما خرجت منه، لم تستطع إيجاد سبيل يجنبها ما قد تقع به، فيا لضعفها الذي يجررها لتلك الزاوية التي لا فرار منها.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

شقه منصور ورضا...
تبًا لبشر يشعرونك بأن طيبتك هي أسوء ما تملك، هؤلاء من يدركون أنك لن تقوى على الرد فيلتهمونك دون تسمية.

جلس رفقاء الشيطان يتناولون كؤوسهم، كما لو أن ذلك هو كل ما يشغلهم الآن، فعل السوء وأهله فقط، تملل "منصور" من هدوء تلك الشقة بهذه الليلة ليُحدث رفيقه بوجه ممتعض:
- إيه يا عم، فين البت "سارة"، إحنا حنفضل مستنينها طول الليل ولا إيه؟!!

- حكلمها دلوقتِ، وعلى الله متجيش حتبقى هي الجانيه على نفسها بقى.

بإشارة موافقة أشار بها هذا الزعيم لرفيقه ليسمح له بإجراء المكالمة، رفع "رضا" الهاتف ليضعه فوق أذنه متصلًا بـ"سارة":
- إنتِ فين يا حلوه، إتأخرتِ ليه كده؟

شعور موجع بالذنب أصبحت لا تقدر على تحمله لتتوسل له بأن يعفيها من مواصلة تلك الذنوب:
- بالله عليك يا "رضا"، بلاش أنا النهارده، مش عايزة آجي.

إنفعل "رضا" صارخًا بنبرة تحمل التهديد:
- مش عايزه إيه؟؟ إنتِ فاكره نفسك بتختاري ولا إيه؟ إنتِ لازم تيجي يا *** ***.

وإن سلمت من بُعدها لن تسلم من لسانه وألفاظه النابية لكنها أكملت بتوسل:
- إرحمني و سيبني في حالي بقى!!!

مط "رضا" شفتيه وهو يتفاخر بما سيتفوه به أمام زعيمه ومعلمه ليردف بتهديد واضح:
- شوفي بقى، قدامك ربع ساعه وألاقيكِ قدامي، يا إما بقى يا شاطره تستحملي إللي حيحصل، ماشي.

أنهى حديثه مغلقًا المكالمة دون إنتظار رد منها، طريقة مستخدمة ومتكررة لكنها رغم ذلك ناجحة للغاية، فكلماته التهديدية أثارت الفزع بداخل "سارة" لتنهض على الفور تبدل ملابسها سريعًا لملاقتهم بشقة "منصور" كما إعتادت.

تسللت دون أن يشعر بها والديها المستغرقان بالنوم لتذهب لطالبيها دون تأخير، شعور بالتقزز والإشمئزاز من نفسها قبل أن تشمئز منهما، فما تفعله جرم محرم، لكنها مجبرة على ذلك.

وصلت إلى شقتهم فى الوقت الذى حدده لها "رضا" دون تأخير، وما الذي سيتغير، نفس البيت والهيئة وزجاجات الخمور ولفافات التبغ غريبة الطعم والرائحة، كل المقومات لتبدأ ليلة صاخبة إعتادوا على قضائها معًا في مجاراة الشيطان بحرام ما يفعلونه ...

❈-❈-❈ــ

المستشفى الأهلية...
وإن كان لكل ضجيج بعض السعادة فهناك ضجيج آخر يقبض الأنفاس، فمع توارد وصول سيارات الإسعاف الخاصة بالمستشفى سادت أجواء من الإرتباك وإعلان حالات الطوارئ.

خطوات سريعة هنا وهناك بين متلقي ومسعف لضحايا حادث الطريق الصحراوي الذين وصلوا المستشفى منذ قليل، فلم تكن السيارة التي تستقلها "فرح" ووالدتها فقط هي الوحيدة بهذا الإصطدام، فقد تبع الحادث عدة إصطدامات متتالية نتيجة إنزلاق إطارات السيارات على الطريق بعل عبوات الزيت المسكوب.

أسرع الأطباء بإستقبال حالات الطوارئ التي قدمت للتو، بعض الحالات قد فقدت للأسف مما سبب حالة من الحزن والضيق بداخل المستشفى.

فتحت جميع غرف العمليات بتأهب تام، الكل مشغول بدقة ودون توتر فهذا عملهم وعليهم إنجازه بأسرع وقت ومنتهى الدقة، تقدم إثنان من المسعفين يحملون إحدى الناقلات والتي وضعت عليها "فرح"، وبغياب تام عن الإدراك والوعي، أقبل أحد الأطباء بمهنية عالية لقياس عملياتها الحيوية أولًا من قياس ضغط الدم وسرعة ضربات القلب فقد نزفت الكثير من الدماء.
بقلم رشا روميه 
ضعف نبض القلب جعل هؤلاء الملتفين حولها يسرعون لإدخالها لغرفة العمليات لمحاولة إنقاذها.

جروح غائرة ونبض كاد يتوقف وجرح عميق بمؤخرة الرأس بسبب صدمات متتالية بكتلة صخرية أو جسد صلب، تم معالجة تلك الجروح جميعها ونقل للدم الذي فقدته أثناء الحادث.

أخذت إحدي الممرضات بتنظيف الدماء عن وجهها برفق شديد وهي مازالت تحت تأثير الصدمة وبدون وعي على الإطلاق، بعد إنتهائها من تنظيف وجهها كاملًا إقتربت لتضع المغذي بذراعها لتعويض سوائل جسدها بمحلول مغذي كما أمر الطبيب.

برفق شديد ومهارة عالية إستطاعت تلك الممرضة بوضع إبرة المغذي بوريدها، لكن قد لفت نظرها قبض "فرح" لكنها بقوة كما لو كانت تطبق على شئ ما، فتحت الممرضة أصابع يدها لتجد قصاصة من الورق، تعجبت للغاية من إحتفاظها وتشبثها بقطعة الورق المطوية تلك.

وقبل أن تفتحها وتقرأ محتواها دلف إحدى الممرضات بشكل مباغت قائلة بتعجل:
- يلا يا "ريم"، إنتِ لسه هنا، الدنيا متبهدله بره، ودكتور "سعيد" شادد الدنيا على الآخر.

وضعت "ريم" قطعة الورق بجيب معطفها قبل أن تجيبها ببعض التذمر وهي تخرج برفقتها من الغرفة:
- يا دوب ركبت المحلول أهو، وبعدين أنا المفروض في الأجازه دلوقتِ، ده إيه الأجازه المنظوره دي، يعني وقت ما أمضي الأجازه من دكتور "سعيد" تيجي لنا حادثه وطوارئ ومعرفش أروح.

- يلا بلاش رغي، ساعة زمن وتكوني في بيتكم يا أختي.

رقدت تلك الغائبة عن الوعي بتلك الغرفة وحيدة دون أن تدري ما أصاب والدتها، مغمضة العينين تعيش في عالم آخر، بعد إستغراقها لوقت طويل بغرفة العمليات حتى يستقر وضعها الصحي ومعالجة جروحها تم وضعها تحت الملاحظة حتى تستفيق وتستعيد قدرتها على الحركة مرة أخرى.

حين يشتد عليك الألم تبحث عمن يشاركك أوجاعك، تتقاسم معه آهاتك وآلامك، لكن حين تعلق وحيدًا تبحث عن وجه مألوف وتتيقن من ضياعه وعليك الإنتباه لنفسك بمفردك، إعلم أن الله رحيم وسيولد لك من رحم الألم رحمة، فما يطمئنك سوى أنه ناصيتك بيده، ماض في حكمه، عدل في قضائه.

❈-❈-❈ــ 

أكثر الأشياء إيلامًا هي أن تكون مضطرًا لأداء مهمامك كما ينبغي حين يحكم الحزن قيوده فوق قلبك، أن تستمر بالحياة وكأن شيئًا لم يحدث، أن تعيش الحياة وأنت تتمنى ألا تعيشها.

بيت عائلة مكاوي..
وإن حاولت التخلي لكن مازال القدر يتحدث بدلًا منها، ها هي "زهرة" تعود لبيت عائلة زوجها دون أي تغيير تمنته، كانت تتوق للخلاص والنجاة، لكن كالعادة لا تلاقي سوى الخذلان وقهر النفس.

وجه عادي متقبل وإبتسامة هادئة إستقرت فوق ثغرها، قناع لطيف يظهر للجميع بينما يخفي خلفه هشاشة وإضطرار للإستكمال بدون روح أو حياة.

قابلت "فردوس" بوجهها البشوش لتعتدل والدة زوجها فور رؤيتها ترحب بقدومها بسعادة:
- تعالي يا "زهرة"، أبوكِ عامل إيه؟ إطمنتي عليه؟

- الحمد لله يا ماما "فردوس".

بإعياء شديد نهض "زاهر" من جلسته:
- طيب، حمد الله على السلامه يا "زهرة"، أقوم أنا أرتاح شويه، أحسن دماغي وجعاني أوي النهارده، شكل الضغط علي عليا تاني.

مطت "فردوس" شفتيها بإستياء من إهمال "زاهر" لصحته:
- ما إنت بقالك يومين مش بتاخد الدوا بتاع الضغط!!

- والله زهقت، كل يوم دوا، تعبت منه، بس أنا حاخد حبايه وأدخل أنام، ابقي طمنيني لما يرجع "محمود".

بإيمائة لطيفة أجابته "فردوس":
- حاضر.

شردت "زهرة" متفكرة بإندهاش، فهل مازال "محمود" بالخارج؟! ألم يعد بعد من متجرهم؟! لقد تأخر الوقت كثيرًا عن موعد عودته، ترددت كثيرًا تلوم نفسها على تفكيرها به بل وتشعر بأنها تفتعل جرم ما حين سألت بتردد:
- هو ااا، هو "محمود" لسه مرجعش كل ده؟!!

أجابتها "فردوس" بتلقائية:
- لا والله يا بنتي، من ساعة ما خرج الصبح وهوولسه بره، دي أول مره يتأخر كده، عشان كده كنا قاعدين مستنيينه يرجع عشان نطمن.

تطلعت "زهرة" حولها تتهرب من نفسها كما لو أنها لا تهتم:
-  أمال فين "جميلة" والبنات؟

ضحكت "فردوس" بقوة حين تذكرت أمرًا ما، لتجيب "زهرة" بنبرة مبتهجة وهي تربت فوق مقعد الأريكة لتشاركها إياه:
- إسكتِ، تعالي أقعدي لما أحكيلك إللي حصل.

جلست "زهرة" وقد إتسعت إبتسامتها على إثر ضحكة "فردوس"، كما لو أن الضحك مرض معدي لتجد نفسها تضحك دون سبب لذلك:
- قعدت اهو، إيه يا ماما، خير، إيه إللي حصل.

بطريقة مشوقة للغاية أخذت "فردوس" تقص على "زهرة" بنبرة متهكمة ضاحكة:
- دي راجعه من بره ولا كأن حد مديها علقه إنما إيه، مقدرتش تقعد وطلعت فوق تنقع رجليها في ميه وملح من كتر الوجع، ما إحنا قلنالها بلاش بهدله، وكانت تطلب من "محمود" إللي هي عايزاه وخلاص، بس هي عنديه ودماغها ناشفه.

كما لو كانت "فردوس" تتشمت بما حدث لـ"جميلة" بسبب عنادها، لكن "زهرة" رغم ذلك لم تشأ التشمت بها، لتردف بصفاء قلب:
- سيبيها على راحتها يا ماما.

-يلا، كل واحد ينام على الجنب إللي يريحه.

قالتها "فردوس" ومازالت الضحكة المتهكمة تعلو نبرتها، أقبل "محمود" وهو يستمع لحديث والدته الضاحك دون تمييز سبب ضحكتها، لكنه وجد نفسه يبتسم تلقائيًا أثناء دخوله.

إحساس السعادة هذا قد غاب عن هذا البيت منذ فترة طويلة، فكان لو يتتوق لسماع ضحكة أو خبر مفرح، يشتاق لنسمة من الصفاء والسعادة الغائبان عنه.

نبرته الرخيمة وهو يعقب دون أن تنتبها لعودته جعلتهم ينظران نحوه حين قال:
- يا رب دايما مبسوطين كده، إيه، بتضحكوا على إيه، ما تضحكوني معاكم؟

بمحبة غلبت شخصيتها الهادئة الودودة، ضربت "فردوس" ذراع "زهرة" بخفة معقبة وهي تتمالك ضحكتها المستمتعة:
- إيه ده، إنت جيت يا "محمود"، لا ولا حاجه، دى حاجه كدة بيني وبين "زهرة".

لم يكن يومًا فضولي أو يتخلل أسرار الغير، ليومئ بتفهم:
- براحتكم.

تحركت "فردوس" بخفة إستعدادًا للنهوض من جلستها:
- حقوم أحضر لك الأكل، أصل إنت إتأخرت أوي واحنا أكلنا خلاص.

أشار نحوها "محمود" برفض تام:
- لا مش جعان، أنا أكلت فى المحل لما الوقت إتأخر.

إلتزمت "زهرة" الصمت التام وهي تطأطئ رأسها دون رفع عينيها خلال حديثهم، فإن توجب عليها البقاء عليها السيطرة التامة على تصرفاتها وعدم إثارة أي حديث من قريب أو بعيد مع "محمود".

لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، تلك اللحظات السعيدة المسروقة من أثقال الحياة يعكر صفوها على الدوام قدوم "أنور"، مرض عضال يتخلل هذا البيت وقلوب من فيه.

بحركة غير متزنة وعيون زائغة بدرجة تزيد عن كل يوم، فيبدو أن مصاغ "زهرة" قد ظهر أثره ببذخ لتلك الجرعات الزائدة من المخدر، لم يستأذن أو يسلم، بل إندفع نحو الداخل صارخًا بدون حساب:
- إيـــــــــــه..!!!

إلتفت "محمود" تجاه أخيه الحاضر الغائب، إقتضب وجهه بعبوس شديد فهذا لقائه الأول به بعدما طلبت منه "زهرة" بالصباح ألا يتعرض له، فإن قد مررها بالصباح فلن يمررها الآن، صاح به "محمود" بحدة لطريقته الغير متزنة بالحديث:
- مالك يا "أنور"، ما تفوق كده!!

زمجر "أنور" بغضب ليُحدث أخيه كما لو كان عدوًا له:
- أنا، فايق، أكتر منك!!!

كظم "محمود" غيظه منه فهو لا يريد أن يلحق بأخيه الأصغر الأذى، لكنه رغم ذلك لم يشأ بأن يتطاول عليهم بذهنه الغائب، ليهتف به بنبرة آمرة:
- لم نفسك يا "أنور" وإطلع شقتك.

وقف "أنور" بمجابهة "محمود" فقد ضاق ذرعًا بهذا المتحكم به وبحياته، الذي فرض نفسه وصيًا عليه وعلى تصرفاته وأمواله أيضًا.
بقلم رشا روميه 
بوجه يموج به غضب شديد دون سيطرة على نفسه أو مراعاة أنه يتحدث لأخيه الأكبر، صرخ به "أنور":
- يا سلام، خلاص، بقيت إنت إللي، بتدي الأوامر في البيت ده خلاص؟!!!

لم ينسى ما فعله مع "زهرة"، بل تناسى ذلك لأجلها فقط، أمر جعله يلملم غضب ليزفر "محمود" بقوة ليتحكم بإنفعالاته حتى لا تنفلت منه:
- اللهم طولك يا روح، إطلع يا "أنور" أنا حايش نفسي عنك بالعافيه.

تلاشت ضحكات "فردوس" التي كانت تملؤها منذ قليل وحل محلها التخوف والقلق، هيئة "أنور" اليوم تبث الفزع وتدفع بهم لزاوية مظلمة ستسبب شجار بين ولديها، لتتبدل نبرتها للتوسل المختنق قائلة:
- ليه بس كدة يا ربي، بس يا "أنور"، مالك ومال أخوك!!! هو كلمك، داخل تجر في الشر ليه؟!!

لم يعد يبالي لمن يصرخ، ولمن يبطش، لقد تحول "أنور" لكتلة من التبلد وعدم التفرقة، لا يهمه سوى نفسه، إنقلبت بداخله موازين الأمور، لم تعد لديه مبادئ يخشاها، أو توقير لكن يستحق، لم يعد يميز بين الصواب والخطأ، حياته وقتية مرهونة بما يريده في الحال، لا يهمه كيف أو متى، لقد أصبح خارج عن المألوف، تعلن بوجوده كل حالات الطوارئ.

علا صراخه الهادر بوالدته، صراخ إهتزت له جدران هذا البيت الراسخ:
- إسكتي بقى، هو إيه!!!!!! مفيش في الدنيا غير "محمود"، "محمود"، "محمود"!!!!! هو أنا مش إبنك برضه ولا إيه؟!!

لقد تخطى الحدود، وإن سمح رغمًا عنه بتمرير ما فعله بـ"زهرة" فهو لن يسمح بتمريرها الآن، فمن يصرخ بها هي والدته، إنها من يكرمون لأجلها، إنها من ضحت وتعبت وحملت أوجاعهم بدلًا منهم، إنها من تقع الجنة تحت رضاها، لن يقبل لها بالإهانة أو التطاول من هذا المنفلت.

لم يتمالك غضبه تلك المرة بل قابل "محمود" غضب "أنور" وصراخه بغضب أشد وأعمق، غضب زلزل بقوته نفس هذا المختل:
- إنت إتجننت تزعق لأمك كده!!!!

إضطربت نفس "أنور" خوفًا من أخيه لكنه لم يظهر ذلك ليهتف أثناء مغادرته:
يــــــــــــووه، قرفتوني كلكم، أنا ماشي.

بعد أن إتخذ بضع خطوات نحو الخارج، عاد مرة أخرى تجاه تلك الصامتة التي إتخذت زاوية بعيدة عن هذا الشجار.

وقفت "زهرة" بأعين هلعة من عودته وإتجاهه نحوها، لملمت نفسها بتخوف كلما إقترب خطوة منها، ضغطت بقوة فوق شفتيها التي تمنعهما من الصراخ تستغيث بأن يلحق بها أحدهم منه، رؤيته وقُربه أصبحا غير محتملين بداخلها، هي التي تتحمل الشقاء كله أصبحت لا تقدر على تحمل هذا الرجل.

نظراتها المفزوعة وتشبثبها بموضعها بهذا الشكل كانت تقطع قلوبهم، خاصة "محمود" الذي نكس عينيه عنها متغاضيًا عن خوفها المؤلم لقلبه، فعليه ألا يُحرك ساكنًا، إنها زوجته وليس عليه التدخل.

سحب "أنور" ساعد "زهرة" يدفعها للتحرك معه قائلًا:
- تعالي معايا.

إرتجف جسدها مع كلماته لتتمسك بموضعها مردفة بنبرة مهتزة يملؤها الخوف:
- خليني هنا شويه!!!

ليس هناك لذاهب العقل لين أو تفاهم، بل أطلق صياحه وصوته العالي مرة أخرى:
- هو إيه اللي خليني هنا!!! بقولك تعالي معايا.

أرادت لو تحصل على وقت زائد، هدنة ربما تهدئ من نفسها المرتجفة، لتتوسل إليه بضعف:
- شويه طيب وأحصلك.

ترك ساعدها ليمسك شعرها بقوة ليضطرها بمرافقته فهي ملك له ولن تخلف له أمرًا، فيكفيه أخيه الذي يسيطر عليه بقوته، لكنه يقدر على فرض سيطرته وقسوته على تلك الضعيفة ولن تقدر على التملص منه، هتف بها بحدة:
- لما أقول كلمه تتنفذ في ساعتها، فاهمه!! إتحركِ قدامي.

وضعت "زهرة" كفها فوق حجابها تتمسك بشعرها الذي يقبض عليه بين كفه الغاشم مردفة بألم وإنصياع:
- اااه، طيب، حاضر، سيب شعري بس.

شعور بالقوة والسيطرة جعلا "أنور" يستمتع بضعفها وتألمها بين يديه، أمر جعله يزيد من جذبه لشعرها لتزداد تأوهًا، ذلك الإستمتاع الذي أعجبه بشدة خاصة وهو يرى تساقط دموعها المتألمة، زهو بقدرته على إلحاق الأذى بها وفرض قوته عليها.

تعالت ضحكات "أنور" كالمعتوه:
- إنتِ لسه شوفتي مني حاجه.

وقفت "فردوس" حائلًا بين خروجهم من الشقة لعلها تنقذ تلك المسكينة من بين يديه:
- حرام عليك يا "أنور" سيب البت.

تطلع بوالدته بتقزز ليردف بتحدي:
- والله ما أنا سايبها، مش دي اللي إنتِ عايزه تعلميني بيها الأدب، أهو أنا بقى إللي حعلمهالك الأدب.

كور "محمود" قبضته متمالكًا غضبه من أخيه حتى لا يتدخل، لكنه لا يرضى مطلقًا عما يفعله بتلك المسكينة، حيرة قلبه ومشاعره التي ولدت بين أضلاعه جعلته يخشى التدخل حتى لا يفهم خطأ، إنه لن يخطئ ويقع بما حرم الله، لكنها ضعيفة ولا تقوى على مواجهة "أنور" وحقارته.

بالكاد وقف جانبًا دون تدخل، لكن دقات قلبه المتلهفة عليها جعلته يزداد تشبثًا بالوقوف محايدًا دون تدخل، فما أصعب تأنيب النفس عن مشاعر ليس له يد بها، لكنها مشاعر ليست من حقه.

ترك والدته تتصدى لـ"أنور" لعله ينصاع إليها ويوقرها ويترك "زهرة" من بين يديه، لكن "أنور" شعر بقوته، تلك التي لا تأتيه إلا بوجود "زهرة"، لهذا لن يفلتها من بين يديه، لن يضيع فرصة تظهر أنه قادر على فعل شئ قوى يخشاه الجميع.

لم يكترث بإعتراض والدته له ليبدأ بدفع "زهرة" بقوة دون إفلات قبضته عن شعرها، بل زاد الأمر بركلة قوية ضربت ساقيها حتى إختل توازنها، وتعالت صرخة متأوه أخرى زادت قلب "محمود" إيلامًا.

أغمضت "زهرة" عينيها لوهلة بألم، لكن حين فتحتهما لم تجد سوى "محمود" أمامها لتنظر له بتوسل ليخلصها من بين أيدي أخيه، لقد تحملت ما يمكنها تحمله حتى لا يكون هناك تواصل بينها وبينه، لكنها لم تعد تتحمل تلك القسوة، وما سيفعله بها حين تخرج من هذه الشقة، لم تجد سوى منقذًا واحدًا فقط، لم تجد سوى "محمود".

نظراتها المتوسلة كانت هي الحد الفاصل، لن يتركها تعاني من هذا الضائع، ليدنو من أخيه يحكم قبضته فوق قبضة "أنور" بقوة:
- إنت إيه يا أخي، حيوان، سيبها، سيبها بقولك.

أفلت "أنور" شعر "زهرة" من بين أصابعه لشعوره بالألم من قبضة "محمود" القوية، تحرك "أنور" مبتعدًا لخطوة وهو يمسك بكفه المتألم إثر ضغط "محمود" عليها، بينما هتف بحنق من تدخله:
- وإنت مالك إنت، بتتدخل ليه؟!!  ليك فيها إيه دي كمان؟!!!

كما لو كان ضغط على جرحه بكلماته، كما لو أنه سلط ضوءًا يكشف خباياه، كلمات "أنور" ألجمت "محمود" تمامًا للحظات قبل أن يتدارك ضعفه الذي لا يمكن أن يظهر مهما حدث حتى لا تنفضح مشاعره:
- لأنه ميصحش تمد إيدك عليها، فاهم؟!!

عقص "أنور" وجهه بقوة يتحدى قوة "محمود" بقوته الضعيفة:
- طب إيه رأيك حتضرب، وقدامك كمان.

تقدم "أنور" خطوتين بسرعة في إتجاه "زهرة" وهو يرفع ذراعه عن آخره ليضربها أمامهم، ليقفز "محمود" واقفًا يحول بين "أنور" و"زهرة" التي تقوقعت ترفع ذراعيها فوق رأسها تحاول حماية نفسها من هذا المعتوه.

هتف "محمود" بحنق:
- لا ااا، ده إنت إفتريت بقى، طب والله لو مديت إيدك عليها لأكسرهالك يا "أنور"، وريني بقى حتعمل إيه؟!!

أنهى "محمود" جملته بغضب وهو يدفع "أنور" للخلف مبعدًا إياه عنه وعن "زهرة" التي إحتمت بوجود "محمود".

تحرك "أنور" بغيظ ليخرج من شقة والديه متجهًا نحو شقته بالأعلى في غضب من عدم قدرته على هزيمة أخيه للمرة الثانية، بينما تمتم بسخط:
- أهي عندك إشبع بيها.

نظرت "فردوس" بتحسر لولدها الذي أذهب المخدر عقله وإتزانه، وأصبح وجوده يسبب لهم الهم والضيق طيلة الوقت، شاركها "محمود" بضيق عما حدث دون أن يتفوه بكلمة، لكن وضع "أنور" أصبح لا يمكن تحمله.

تراجعت "زهرة" بإرتجاف لتجلس فوق أحد المقاعد وهي تشاهق بالبكاء، فلم تعد تقوى على الظهور بالمظهر المتماسك بعد الآن، تطلعت بها "فردوس" بنظرات مشفقة:
- الله يسامحك يا "أنور"، معلش يا بنتي، أنا السبب في جوازك منه، يا ريتني ما جيت وطلبتك وظلمتك معاه.

جلست "فردوس إلى جوار "زهرة" تربت عليها بحنو، بينما طالت نظرة "محمود" لهما ليردف بجدية تامة نحو "زهرة":
- إنتِ تباتي هنا النهارده، متطلعيش فوق، أنا مش ضامن ممكن يعمل إيه وهو مش داري بالدنيا بالشكل ده.

نظرت نحوه "زهرة" بإستسلام وهي تومئ برأسها إيجابًا، بينما أكمل "محمود" يُحدث والدته:
- خدي بالك منها يا ماما، ولو "أنور" فكر يقل عقله تاني، رني عليا بس، أنا مش حنام النهارده.

أجابته "فردوس" بتلقائية:
- متقلقش يا "محمود"، إطلع انت لمراتك وعيالك.

أفاقته تلك العبارة من غفلته التي غاب بها لبعض الوقت، كلمات أوقفته على حقيقة حياته ليسقط عيناه أرضًا مرة أخرى قبل أن يصعد نحو شقته، لتقضي "زهرة" ليلتها بغرفة "أنور" مرة أخرى.

❈-❈-❈ــ

بأي حق أبحث عن سعادتي، فتلك السعادة موصومة بعار، لكن مرحى بضمير مازال مستيقظًا، فإن إشتد علي الذنب فيتوجب حينها الرحيل، قبلت أو رفضت ستبقى بقلبي أمل لا يمكنني حتى أن أحلم به.
رشا روميه 

شقة محمود مكاوي...
بجسد منهك وإحساس متعاظم بالألم، ذلك الذي كان نتيجة عنادها وبقائها طيلة اليوم برفقة العاملين بذلك المخزن القديم، رفعت "جميلة" رأسها بتذمر من تلك الأصوات العالية والصراخ الذي أقلقها من نومها لتتسائل بضجر:
- إيه إللي بيحصل تحت يا "محمود"، الواحد مصدع ومش عارفه أنام من الصوت بتاعكم ده كله؟!

إنها لا تهتم بما يحدث من خلاف، لا يهمها سبب إنفعاله وضيقته، أو حتى تكترث لمشاكل عائلتهم التي هي فرد منها، ربما يحركها الفضول، أو قلق بسبب صوتهم العالي لا أكثر.

تنهد "محمود" ليجيبها بإقتضاب:
- مفيش حاجه، نامي إنتِ.

تململت بنومها دون النظر إليه:
- وهو الواحد عارف يرتاح من صوتكم ده، هم دول "أنور" و"زهرة" برضه؟

- أيوه.

قالها "محمود" بنبرة ضيق بينما أكملت "جميلة" بلوم شديد كما لو كانت تؤنبه على أفعاله كطفل صغير تصحح أخطائه:
- وإنت أتدخلت تاني؟!!!! مالنا إحنا ومالهم، ما هو حر مع مراتك ياكش ياكلها، عاجبك الصداع ووجع الدماغ ده كل يوم والتاني!!

  
هتف بها "محمود" بضيق وعدم تحمل لتأنيبها الذي ليس له داعي:
- ما خلاص بقى يا "جميلة"، بقولك نامي إنتِ، الله.

جذبت غطائها لتغطي رأسها بتذمر:
- يووه، طيب، اوووف.

جلس "محمود" بالمقعد المجاور للفراش محاولًا البقاء مستيقظًا هذه الليلة فربما تطلبه والدته لإيقاف "أنور" إن حاول التعدي على "زهرة" بالضرب مرة أخرى.

❈-❈-❈ــ

كثر الغائبون حتى نسيت من أنتظر، بعض الأمنيات تتلاشى تمامًا أمام بحثك عن عافيتك، فربما تشاء ما تشاء وتحلم، ويشاء الله في السماء ويحكم.

في صباح اليوم التالي...
المستشفى الأهلية....
نومة عميقة طالت بتلك الغائبة عن الوعي منذ حادث الأمس، فهو لم يكن ألمًا عابرًا بل هو إختبار قوي يمر به المرء وعليه التحمل والرضا.

بذلك التوقيت الخاص ببداية المناوبات الصباحية، تقدم الطبيب المتابع لحالة "فرح" الصحية بالمستشفى الأهلية ليفحصها ويطمئن على حالها، فبعد الحادث مباشرة وخروجها من غرفة الطوارئ، بقيت تحت الملاحظة والمزيد من الأدوية المخدرة حتى تتأقلم على هذا الألم.

كان ما يخشاه الأطباء هو صدمتها بمعرفتها بموت والدتها الذي لا تدري عنه شئ بعد، دلف الطبيب إلى غرفة "فرح" برفقة إحدى الممرضات لمساعدته.

وأخيرًا وبعد تلك الساعات العصيبة الماضية بدأت "فرح" بالعودة للواقع والحياة الحقيقية، شعرت بقدوم أحدهم لتفتح عيونها وتبدأ إستفاقتها، فهي لا تعلم أين هي ومن هنا الذي يدنو منها.

أخذت بضع لحظات لتدرك أنها ليست على ما يرام، وقت حابس للأنفاس وإضطراب لروحها جعلها تنتفض فزعًا لتطلق صرخاتها الفزعة دون فهم أو إدراك:
- إنت مين؟!! رد عليا، أنا فين، حد يرد عليا، ولع النور، الدنيا ضلمه، ولع النور.

إقتضب وجه الطبيب الذي أسرع ليطمئنها قليلًا فيبدو أن آثار الحادث النفسية تؤثر عليها:
- بالراحه يا "فرح"، إهدي شويه، قوليلي حاسه بإيه؟

تهدجت أنفاسها بفزع لتهتف به بحدة: 
- إنت مين بقولك؟!! ولع النور أحسن لك، أنا مبحبش الضلمه خالص، مبحبهاااااش!!

دار الطبيب برأسه يمينًا ويسارًا بتعجب:
- أولع النور!!!!! هو إنتِ مش شايفه حاجه خالص؟؟!

سؤال إجابته تفزع لا تطمئن بالمرة، دارت عدة أفكار برأسها دفعة واحدة لتجيب بنبرة مترددة يملؤها التخوف من سماع إجابه تساؤلها:
- يعني إيه؟!! هو النور شغال؟!!!!!!!!

- أيوه يا بنتي.

هنا أدركت "فرح" الحقيقة التي يا ليتها لم تعلم بها، ليتها ظنت أنها مازالت تحلم، ليتها ظنت أنها تجلس بغرفة مظلمة لبعض الوقت، إنها ستظل حبيسة ظلامها إلى الأبد، علت شهقاتها قائلة بيأس وتعاسة:
- يعني إيه؟!! أنا إتعميت، أنا مش شايفه حاجه خالص!!!

- إهدي بس، يعني شايفه بسيط ولا الدنيا ضلمه خالص؟!!

تائهة وسط طريق غير معلوم، تتخبط دون إدراك وتتمنى فقط النجاة، هكذا كانت "فرح" وهي تهتف بفزع مما أصابها:
- لا، ضلمه خالص، أنا إتعميت، أنا إتعميت، أنا، أنا فين؟!! أنا فين؟!! إنت مين و إيه إللي جابني هنا؟!!

كان الطبيب يتوقع بعض المضاعفات إثر هذا الحادث، لكن يبدو أن تأثير الحادث أكثر مما توقع، فيبدو أن هذا التخبط أصابها بالعمى، فقدان بصرها لشابة بمقتبل حياتها لهو إختبار قاس، يجب أن يهدئها ويرشدها للتقبل، فربما ذلك ليس أثر الحادث فقط، فربما فقدان والدتها له عامل مؤثر بذلك.

حاول الطبيب شرح حالتها بإيجاز فربما تهدأ قليلًا:
- إنتِ عملتي حادثه، والحمد لله جت سليمه، و إللي إنتِ فيه ده مجرد آثار للحادث، وبإذن الله حيروح، إهدي إنتِ بس، مفيش داعى للإنفعال ده، عشان تقدري ترجعي زي الأول بسرعه.

تيهة كبيرة تصيبها، فماذا فعلت لتلاقي كل ذلك، تقطعت أنفاسها أثناء تساقط دموعها لتسأل بتفاجئ:
- حــادثة.. ايــه؟؟؟!!

- حادثة العربيه إللي إنتِ كنتِ راكباها على الطريق السريع!!

حاولت "فرح" التركيز بقوة، فحتى محاولة إحضار ذهنها كان صعب للغاية، لتهتف بالنهاية بنفي كل ما يحدثها به بإندهاش تام:
- أنـا!!!!  أنا مكنتش راكبه أي عربيه!!!!

إتسعت عينا الطبيب بحيرة وصدمة ليباغتها بسؤال مباشر:
- إنتِ عارفه إنتِ مين و إسمك إيه؟

كيف لسؤال بسيط كهذا يمكن لطفل صغير الإجابة عنه يجعلها تُصدم بتلك الدرجة، إرتفع حاجبيها بصدمة من كونها لا تستطيع الرد، لتهمس بخفوت:
- لأ.

تعليقات