رواية لا تترك يدي الجزء الثاني الفصل الثاني عشر
دخل جاسر مطعم الفندق ليتناول وجبة الإفطار في فندق اللوتس في شرم الشيخ، لمح خالد جالساً على احدى الطاولات فأقترب منه وألقى السلام، وقف خالد وعانقه ثم جلسا الإثنان معا.
بدأ جاسر بالحديث وسأله.
حمد الله على السلامة، جيت أمتى؟"
"الله يسلمك يا دوب الفجر"
ابتسم جاسر له وقال.
أظن أخدت أجازة شهر ونص وريحت و انتخت في البيت وشبعت من الأولاد والحمد لله "
لم يرد جاسر ذكر مريم في كلامه حتى لا يثير غضب خالد مثلما حدث من قبل.
" الحمد لله، بصراحة كنت فعلا محتاج للأجازة ده الأولاد كانوا وحشوني قوي ما كنتش ها ستحمل أقعد يوم واحد ثاني بعيد عنهم "
بددا الأثنان الأكل بعدما أحضر العامل فطارهما المعتاد بلغ جاسر طعامه وقال.
ربنا ما يحرمك منهم ابدا يا سيدي "
ربنا يرزقك ووقتها هتحس قد ايه الأولاد هيوحشوك "
تنهد جاسر وأجابه بدون أن يرفع نظره عن طبقه وقال.
امین یا رید"
رفع خالد حاجبه وترك الملعقة من بده ونظر الجاسر بنك وقال.
ومالك بتقولها من غير نفس ليه؟ ما هانت خلاص من خطبت كلها سنتين ولا حاجة وتشيل ابنك"
آه صح ما انا خطبت."
"مالك يا ابني، في أيه؟"
توقف جاسر عن الأكل ونظر لخالد وقال.
"ما أنا مش حاسس أني خاطب خالص مش عارف في أيه زي ما تكون مغصوبة على الخطوبة.
ده حاسسها من طيقاني "
ليه ؟ أيه خلاك تقول كده ؟ ده انت يا دوب خاطب ما كملتش شهر "
"أديك قولت ما كملتش شهر المخطوبين الجداد بيعملوا أيه ؟"
"أنا عن نفسي ما خطبتش علشان أعرف، أنا اتجوزت على طول."
"ماشي، لكن طول عمرنا نسمع عن الخطوبة ده أجمل فترة بين الأثنين، بيقضوها فسح
وتليفونات ومقابلات وكدة."
یا جاسر انت هنهزر؟ أنت عاوز تخرج معها وهي لسة مش مراتك ؟"
"يا سيدي مش هنخرج لوحدنا. أنا بعد الخطوبة طلبت تخرج كلنا أنا وهي وأبوها وأمها وأمي مع بعض على الأقل أعرف أتكلم معها شوية، رفضت تماما قلت مش مشكلة، أروح أزورهم بعد الخطوبة، تيجي تقدم في المشروب وتقوم تدخل جوة.
يمكن مكسوفة منك يا جاسر ما تنساش أنها بنت إمام جامع ومنتقبة من وهي صغيرة زي ما قولت. يعني عمرها ما أتكلمت أو اختلطت برجل غريب عنها على العموم الوقت قدامكم طويل.
انت اتفقت معهم على خطوبة قد ايه ؟"
"سنة. كانوا عاوزين يستنوا لما تخلص كلية لكن أنا قولت كفاية قوي سنة والثانية تقضيها في
ليه بس ؟"
"ما أنا مش هينفع أتجوزها قبل ما أتأكد الأول أنها عاوزاني بصراحة كدة يا خالد أنت عارف أنا خطبتها ازاي يعني لا كان في معرفة ولا مشاعر قبل كدة. لما شوفتها وقعدت معها ارتحت الندينها وقولت هي ده اللي متصون بيتي الواحد دلوقت بيشوف بلاوي تحصل من البنات.
ومدام لاقيت بنت متدينة وكويسة قولت أمسك فيها بأيدي وسناني، لكن على الأقل يكون في
قبول منها، مش لا أنا ولا هي مفيش أي مشاعر بينا
"أديك قصادك سنة كاملة تقدر تتأكد من مشاعرها بالنسبة لك من أنت استخرت، يبقى خلاص
باذن الله اللي فيه خير هيقدمه ربنا"
"ياري"
مرت دقيقتين صمت بينهما وهما ينتظران القهوة بعد وجبة الإفطار قطعها صوت الثوي جاء من
خلف جاسر يلقي التحية عليهما.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
ردا الاثنان السلام والتفت جاسر للوراء ليعرف من يحدثهما، أتسعت حدقتيه عندما رأى الهام تكلمهما وهي مرتدية الحجاب ورداء محتشم وأنيق يستر جسدها بالكامل.
عاد بنظره للأمام وجد خالد ينظر لها وعلى وجهه ابتسامة بسيطة تماما. أقتريت الهام خطوتين
و وقفت بينهما وقالت.
"متشكرة قوي يا دكتور خالد أنك وافقت أرجع الشغل ثاني "
رفع خالد نظره لها وقال.
"الشكر لله، ربنا يوفقك معنا ويا رب تفضلي معنا على طول بعد كدة."
ابتسمت الهام ابتسامة رقيقة ونظرت للأسفل وقالت.
ان شاء الله هكون عند حسن ظنك "
"باذن الله "
استأذنت إلهام وتركتهما ليستكملا حديثهما تابعها جاسر بعينيه حتى خرجت من المطعم تماما..
انتيه لصوت خالد يقول.
هاي يا أستاذ مالك مبلم كدة ليه ؟"
أعتدل جاسر في جلسته ونظر لخالد وقال.
مين ده ؟ ده إلهام بنت عاطف ؟"
"أيوة إلهام. مالك مبلم لها كدة ليه ؟"
ده اتبدلت خالص، ليسها وأسلوبها وكلامها، كمان هي هتشتغل معنا ثاني ولا أيه؟"
أخذ خالد فنجال القهوة وارتشف منه رشفه ووضعه على المنضدة ثانيا ثم قال.
أيوة يا سيدي مريم زنت علي علشان أرجعها للشغل "
"مريم مين ؟ مريم مراتك ؟"
"أيوة."
نظر له جاسر متعجبا وقال.
"وأيه لم الشامي على المغربي ؟ هي مريم تعرف إلهام مدين ؟"
زفر خالد بضيق وأجاب صاحبه.
"أتعرفوا على بعض يا سيدي، خلصت التحقيق ؟"
نظر جاسر الخالد ورفع حاجبه وقال.
" في أيه يا خالد؟ هو أنا قولت حاجة غلط علشان تنرفز كدة ؟ مالك ما إحنا بنتكلم عادي".
وقف خالد لينهي الحديث بعدما شرب ما تبقى من قهوته ووضع الفنجال على المنضدة يحدد وقال.
"مفيش، لكن أظن أنا سايب الفندق هنا بقالي شهر ونص ومحتاج أقوم أشوف الدنيا، مش فاضي للرغي ده"
غادر خالد المطعم وتبعه جاسر بعينه وهو يقلب كف على كف من تقلب مزاج صديقه.
دخل خالد غرفته خلع معطفه وألقاه على كرسي وفك رابطة عنقه ووقف وسط الغرفة وسأل نفسه.
وبعدين معك يا إلهام شكلك كدة بجد اتغيرتي ولا ايه بقالي شهر دلوقت مراقبك من يوم ما رجعت تشتغلي معنا كل تصرف بتتصرفيه يثبت أنك مش إلهام بناعة زمان لكن كله كوم واللي عملتيه من شوية كوم تاني خالص. أنا عمري ما تخيلت أنك تقفي معي قصاد أبوك
فلاش باك
بس يا سيدي وما ردتش على اتصالي "
قال جاسر الخالد وهم يدخلون شاطئ الفندق.
يمكن كانت مشغولة يا جاسر."
"لا ما عم إبراهيم أتصل بي بعدها بلغني أن الهائم مش عاوزاني اتصل بها بعد كدة. قال أيه لو احتجتها في حاجة ضرورية أبلغها لأبوها، مش لازم أتصل بها هي "
مش عارف أقول لك أيه يا جاسر يمكن خايفة المكالمات تزيد بينكم وتتكلموا في كلام مالهوش لازمة
جلسا الاثنان معا يراقبان نزلاء الفندق يستمتعون يبحر شرم الساحر وأجاب جاسر خالد.
"ما أنت عارفني ماليش أنا في الكلام اللي مالهوش لازمة."
مش عارف بقى هي ممكن تكون ...........
توقف خالد عن الكلام فجأة. التفت جاسر له ووجد نظره متعلق بشيء في البحر، تتبع بصره وجده ينظر لفتاة مرتدية بدلة سباحة قطعتين جسدها كله مكشوف لكل عيون الرجال في الشاطئ المختلط.
أحمر وجه خالد من الغضب ونادي عن رجال الأمن المسئولين عن الشاطئ المختلط وسأل أحدهم عن سماحه لتواجد هذه الفتاة بتلك الملابس في الشاطئ المختلط. فأجابه العامل بأنه أعترض من يومين على أسلوب لبسها وطلب منها الإلتزام بتعليمات الفندق ولكن تدخل عاطف وطلب منه عدم الاعتراض عن أي شيء يصدر من تلك الفتاة لأنها فنانة مشهورة ولديها الكثير من المتابعين في مواقع التواصل الاجتماعي.
عصف خالد لمكتب عاطف وتبعه جاسر ليهدي قليلا من غضب صديقه، دخل خالد المكتب وأشتد الحوار بينه وبين عاطف وعلا صوتهما ودخلت إلهام المكتب عندما سمعت صوتهما العالي.
وقفت الهام مع خالد ضد والدها وطلبت من والدها الإلتزام بقواعد اللبس على الجميع بدون تفرقة. وأخبرت أبيها أن خالد على حق وأنه حر في فندقه يفعل فيه ما يريد. وأن هدف خالد إرضاء ربه في كل تصرف بتصرفه، وأن أي دعايا أو أرباح تأتي بغضب الله فهي خسارة.
تفاجئ خالد وجاسر من كلام الهام وراقباها في صمت حتى أبيها صدم جدا من تصرف ابنته ولم يستطع معارضتها، ونفذ ما طلبت منه وما طلبه خالد وتحدث مع النزيلة وأخبرها بضرورة
الإلتزام بقواعد الفندق.
غضبت بالفعل النزيلة وتركت الفندق وهي تتوعد بنشر دعايا سيئة عن الفندق في جميع مواقع التواصل الاجتماعي، لم يهتم خالد بتهديدها. حتى إلهام أخبرته أنه لا يوجد دعايا سيئة ودعايا حسنة، وأن كل الدعايا تعتبر الصالح الفندق لأن سيشتهر اسم الفندق ويتردد أخباره الفترة على
مواقع الانترنت.
انتهى فلاش باك
استأنف خالد تفكيره في الهام والتغيير الجذري في شخصيتها للأفضل، تسائل عن سر سيطرتها على أفكاره. فهي تشغل حيز كبير من تفكيره مؤخرا قلق خالد من اهتمامه الزائد بها ويكل تصرفاتها، لاحظ أيضا ضيقه وغيرته الزائدة عندما يرى نظرات الإعجاب من الرجال حولها. حتى انه غضب على صديقه جاسر عندما تحدث باعجاب عن شخصيتها الجديدة وطريقة لبسها
المحتشمة.
شعر خالد بتولد مشاعر لم يجربها في حياته من قبل تجاه إلهام، تذكر كل المواقف التي جمعتهما وتيقن من إعجابه وانجذابه لها من أول لقاء تم بينهما، ولكنها كانت رغبة وإعجاب مستبعد عن عقله وتفكيره ولم يسمح لنفسه التفكير فيه ولا الإعتراف به بينه وبين نفسه التضاد شخصياتهما والبعد الرهيب بينهما فكريا.
لكن بعدما هداها الله له واقتربت منه غيرت من نفسها للأفضل، لم يستطع إنكار إعجابه بها
وانجذابه لها.
ولكن هناك أمر لن يستطيع خالد تجاهله أبدا. فهو متزوج من إمرأة تحبه وتحترمه وتقدره وشريكة كفاحه. فمريم أم لأولاده ورفيقة مشواره في الحياة هي التي ساندته حتى وصل
للمكانة التي يحتلها الآن. وهي تحبه ولم تحرمه من أي شيء. فهي تلبي كل طلباته تقريبا، وهي الوحيدة التي تستحق مشاعره وحبه.
لكن ليس له سلطان على قنيه، فلو كان الأمر بيده لهداها قلبه بنفسه، ولكن للقلب سلطان آخر لا يعترف بحسابات العقل والاعتراف بالجميل.
شعر خالد بالعجز عن التفكير فالصراع بين عقله واحترامه لزوجته وتضحياتها، وبين قلبه المتمرد الذي عشق غيرها. فقرر خالد الإبتعاد عن الهام بقدر المستطاع والتقرب من مريم والتحصن بها بعيدا عن أي عامل خارجي يؤثر على قلبه ومشاعره.
فقرر التواجد في القاهرة وسط زوجته وأولاده ليشيع من حبهم واهتمامهم ويبعد نفسه عن أي حب أو اهتمام آخر.
بلغ خالد جاسر قراره بالسفر للقاهرة وترك مسئولية الفندق على جاسر المراقبة إدارة عاطف والتاكد من تنفيذ تعليمات خالد وترك الفندق أمانة تصديقه وعاد للقاهرة ليبقى مع زوجته وأولاده ولا يغترب عنهم أبدا.
