رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثاني عشر 12 بقلم دودو محمد


 رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثاني عشر 

جلست رنيم على حافة السرير، وقد بدا على ملامحها اضطراب لم تستطع إخفاءه، كأن شيئًا خفيًا قد استقر في أعماقها منذ تلك اللحظة التي وجدت نفسها فيها ساكنة داخل أحضانه. كان المشهد يعود إلى ذاكرتها بإلحاح غريب، يفرض نفسه على أفكارها مهما حاولت تجاهله. لماذا سكنت بتلك الطريقة؟ ولماذا لم تشعر بالنفور كما توقعت؟ بل لماذا خفق قلبها بتلك الصورة التي أربكتها وأفقدتها القدرة على الفهم؟ ظلت تحدق في الفراغ أمامها، وكأنها تبحث داخله عن إجابة تطمئنها، لكن الأسئلة كانت تتكاثر داخل عقلها بدل أن تتلاشى. ما الشيء الذي شعرت به في تلك اللحظة؟ وما الذي حدث لقلبها حتى ارتبك بهذا الشكل؟ أكان مجرد ضعف عابر أم أن شيئًا أعمق قد بدأ يتسلل إلى داخلها دون أن تشعر؟
هزت رأسها برفضٍ واضح، وكأنها تعلن تمردها على تلك الأفكار التي بدأت تتسلل إليها دون إذن، محاولة أن تطردها من ذهنها قبل أن تتمكن منها أكثر. استقامت بجسدها ببطء، ثم نهضت من مكانها وقد شعرت بأن الغرفة أصبحت أضيق من أن تحتمل اضطرابها، فاتجهت نحو الشرفة وخرجت إليها لعل نسمة من الهواء الليلي البارد تخفف شيئًا من ذلك الاضطراب المشتعل داخل صدرها. وقفت هناك تستند إلى السور الحديدي، ورفعت وجهها قليلًا نحو السماء، تستنشق الهواء بعمق كأنها تحاول أن تملأ رئتيها بالهدوء. غير أن تلك النيران التي كانت تضطرم في داخلها لم تخمد بسهولة، فظلت تحرك يدها ببطء على ذراعها محاولة أن تبعث في جسدها شيئًا من الدفء الذي افتقدته فجأة.
وبينما كانت غارقة في أفكارها، وقعت عيناها صدفة على حركة في الأسفل، فمالت قليلًا تنظر إلى مدخل المبنى، لتتفاجأ بزين يقف هناك، رافعًا يده يلوح لها بإشارة واضحة حتى تنزل إليه. قطبت حاجبيها بدهشة، وحدقت فيه لحظة، ثم تنهدت ببطء وتحركت إلى الداخل. لم تستغرق كثيرًا في التفكير، فقد ارتدت حذاءها سريعًا وغادرت الغرفة، ثم هبطت الدرج بخطوات متعجلة حتى وصلت إلى الأسفل، واتجهت نحوه مباشرة.
ما إن وقفت أمامه حتى نظرت إليه بضيق واضح، وقالت:
"انت كنت فين امبارح؟ مجتش ليه زي ما وعدني؟"
أجابها سريعا بكذب وقال:
"غصب عني صدقيني امبارح روحت البيت وكنت تعبان شوية قولت اغمض عيني شوية لحد الميعاد، راحت عليا نومة ومحستش بنفسي الا الصبح، طمنيني، عملتي ايه كل حاجه تمام الحمدالله؟"
اهتزت ملامحها فور سماع كلماته، وكأن الجرح الذي حاولت تجاهله عاد لينفتح مرة أخرى، فحركت رأسها والدموع تتجمع في عينيها، ثم قالت بصوت مختنق بالكاد خرج من بين شفتيها:
"لا يا زين مافيش اي حاجه تمام، الشركة ولعت وكل حاجه اتحرقت وبقت رماد، وكده الشركة التانيه خسرت كل حاجه، يعني خسرت كل حاجه فى غمضة عين، أنا مش قد المسؤوليه اللي بابا واونكل حسام سابوها ليا."
اتسعت عينه بصدمة مزيفه وقال:
"أيه الشركة اتحرقت! ومين عمل كده؟"
تعالت شقهاتها وقالت بصوت مختنق:
"ولا حاجة، التحقيقات اتحفظت على أنه ماس كهربائي، بس انا متأكدة أن شاهين الرواي هو اللي وراه اللي حصل ده."
وفي تلك اللحظة ارتسمت ابتسامة لئيمة خاطفة على وجهه، لم تدم إلا لحظة قبل أن يخفيها خلف ملامح بدت متعاطفة، ثم رفع يده وربت على خدها بحركة بدت حنونة وقال:
"ولا يهمك يا حبيبتي فداكي، أنتي قدها، بس قوليلي ناويه تعملي ايه في اللي جاي؟"
تنهدت بحزن عميق، وكأن أنفاسها أصبحت أثقل من أن تحمل بسهولة، ثم حركت رأسها بعدم معرفة وقالت:
"مش عارفه يا زين، أنا حاسه ان دماغي واقفه، أنا لحد دلوقتي مش عارفه هعرف عمته سمية وضع الشركة ازاي، أنا تايهه وحاسه نفسي لوحدي يا زين."
اقترب منها أكثر، ثم احتضنها بحنان بدا صادقًا في ظاهره، لكنه كان يخفي خلفه شيئًا مختلفًا تمامًا، وقال بنبرة هادئة:
"متقوليش كده يا قلب اخوكي، انا معاكي وجنبك ومش هسيبك الا لما ترجعي احسن من الاول."
تمسكت به بقوة وكأنها تتشبث بطوق نجاةٍ وسط بحرٍ من الخسائر والارتباك، ثم قالت بدموع صادقة:
"أنا بحبك اوي يا زين، انت عوض ربنا الجميل، اللي بعته ليا بعد موت ماما وبابا."
ثم ابتعدت قليلًا عن حضنه، ومسحت دموعها محاولة أن تستعيد شيئًا من قوتها، وقالت:
"أول حاجه هعملها هدفع شاهين التمن وهحاول أكلم الناس اللي ساعدتني أول مرة تقف جنبي تاني وان شاءالله هقدر اخرج من الورطة دي."
اومأ رأسه لها وقال:
"أن شاءالله يا حبيبتي، بصي اكتبي اسامي الناس اللي هتكلميها تساعدك، وانا هحاول اتواصل معاهم."
ابتسمت له بحب وامتنان وقالت:
"حاضر، ربنا يخليك ليا يا حبيبي."
وبعد لحظات قليلة، استدار زين وغادر المكان بخطوات هادئة، بينما ظلت رنيم واقفة للحظة تراقب ابتعاده، ثم استدارت وصعدت الدرج ببطء، وعادت مرة أخرى إلى غرفتها، تحمل معها ذلك الثقل الذي لم يفارق قلبها منذ أن بدأت تلك العاصفة تضرب حياتها.
   ****************************
عند جواد…
وصل جواد إلى منزل رقية وهو يكاد يشتعل غضبًا، كانت خطواته سريعة وثقيلة في آنٍ واحد، وكأن الأرض نفسها تضيق تحت قدميه، لم يكن الغضب وحده ما يسيطر عليه، بل ذلك المشهد الذي ظل يطارده منذ أن ترك جواهر، دموعها المرتجفة، وانكسار نظرتها الذي لم يستطع أن يتجاهله مهما حاول، كلما تذكر تلك الدموع كان صدره يضيق أكثر، وكأن نارًا خفية تأكل أعصابه ببطء.
توقف أمام الباب للحظة قصيرة، يحاول أن يسيطر على ذلك الغليان الذي يجتاحه، لكن صور الرسائل والصور التي وصلت إلى زوجته عادت لتشتعل في رأسه من جديد، مد يده وضغط على جرس الباب بقوة، وكأنه يفرغ جزءًا من غضبه في تلك الحركة.
لم تمر سوى ثواني قليلة حتى فتح الباب.
ظهرت رقية أمامه وهي ترتدي ملابس مثيرة، وقد بدت على وجهها ابتسامة خفيفة كأنها لم تتوقع أن يأتي بهذه السرعة.
لكن تلك الهيئة لم تفعل شيئًا سوى أن تزيد من غضبه اشتعالًا.
أغمض جواد عينيه للحظة وهو يضغط على أسنانه بقوة، كأنما يحاول أن يمنع نفسه من الانفجار في وجهها فورًا. ثم فتح عينيه وقد انعقدت ملامحه بقسوة واضحة، فمد يده فجأة ودفعها إلى الداخل بعنف، ثم أغلق الباب خلفه بقوة.
لم يمنحها حتى فرصة للفهم أو الاعتراض، إذ أمسكها فجأة من عنقها بقبضة قاسية، ورفعها قليلًا وهو يثبتها أمامه، وعيناه تشتعلان بنظرة مخيفة، ثم تكلم بصوت هامس يحمل في طياته تهديدًا واضحًا:
"انتي بتعملي كده ليه؟ عايزة توصلي لايه بالظبط؟ انطقي."
حاولت أن تتحرك بين يديه لكنها شعرت بالاختناق يطبق على أنفاسها، فتكلمت بصعوبة وهي تحاول أن تلتقط الهواء:
"انت قصدك على ايه؟ مش فاهمه حاجه، صدقني يا جواد هموت."
لكن كلماته لم تخفف من غضبه، بل زادت من قسوته، فاشتدت قبضته أكثر حتى بدأ لون وجهها يشحب بوضوح، وقال من بين أسنانه بحدة:
"بت انتي هتستهبلي، الصور والفيديوهات اللي بتبعتيها لمراتي تقصدي بيها ايه ردي عليا؟"
اتسعت عيناها بخوف واضح، وبدأت أنفاسها تتقطع أكثر، فنظرت إليه برجاء واضح وتكلمت بصعوبة:
"جواد هموت، ابوس ايدك ابعد وانا هقولك كل حاجه."
ظل ينظر إليها للحظة طويلة، وكأنه يحاول أن يقرأ ما وراء عينيها، ثم أرخى قبضته فجأة ودفعها بعيدًا عنه بقوة. سقطت على الأرض وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة، بينما تحرك هو ببطء وجلس على أحد المقاعد القريبة، وقد ظل غضبه ظاهرًا في كل حركة من حركاته.
نظر إليها بعينين قاسيتين وقال بصوت غاضب مخيف:
"انطقي، بسمعك."
سعلت عدة مرات وهي تحاول استعادة أنفاسها، ثم رفعت وجهها إليه وتكلمت بصوت متقطع:
"ا أنا عملت كده، ع علشان بحبك، و وبغير عليك م منها."
لم تكد تنهي كلماتها حتى اندفع نحوها مرة أخرى، أمسك بشعرها بقوة ورفع رأسها نحوه بعنف، ثم صرخ في وجهها:
"كداابه، انطقي وقولي الحقيقه، انتي امبارح قولتي انك عملتي كده علشان مطلوب منك تبعدينا عن بعض، كنتي هتقولي الاسم امبارح بس نمتي انطقي."
ارتجف جسدها تحت قبضته، وابتلعت ريقها بصعوبة وهي تحاول أن تجمع كلماتها، ثم قالت بصوت مرتعش:
"ها!! ا أنا قولت كده؟ م مش ف فاكرة حاجة، م ممكن كنت سكرانه ولا حاجه."
زفر جواد بضيق شديد، واشتدت قبضته على شعرها أكثر وهو يقول بصوت جهوري يحمل تهديدًا واضحًا:
"بلاااش تختبري صبري يا رقيه، قولي الحقيقه انطقي."
صرخت بألم، وامتلأت عيناها بالدموع وهي تحاول أن تفلت من قبضته، ثم تكلمت من بين بكائها:
"خالتو مريم، والله العظيم هي اللي طلبت مني أعمل كل ده، صدقني يا جواد هي دي الحقيقه."
تجمدت ملامح جواد للحظة، وكأن الاسم الذي نطقته لم يكن متوقعًا بالنسبة له، أرخى يده عن شعرها ببطء، ثم نظر إليها بعدم فهم واضح وقال بتساؤل:
"مريم!! مين مريم دي؟ انا معرفش حد بالاسم ده، وليه عايزة تعمل معايا كده؟"
ابتلعت ريقها مرة أخرى، وكانت ملامح الخوف ما تزال واضحة على وجهها، ثم قالت بصوت مرتعش:
"انت مش هتعرفها، هي مشكلتها مع أهلك مش معاك انت."
ضيق عينيه وهو يحاول أن يستوعب كلماتها، وكأن عقله بدأ يبحث سريعًا بين ذكرياته عن أي خيط يمكن أن يفسر ما سمعه، ثم حرك رأسه قليلًا وقال بنبرة حازمة:
"أهلي أنا! عموماً الكلام اللي حصل ما بينا هنا  مش عايز جنس مخلوق يعرفه، حتى خالتك مريم دي، خليها مفكرة أن خطتها ماشيه زي ما هي عايزة، لحد ما افهم قصتها ايه دي كمان."
نهض من مكانه واتجه نحو الباب بخطوات سريعة، وكأن قراره قد حسم في تلك اللحظة، لكنه توقف فجأة قبل أن يفتح الباب، ثم استدار إليها مرة أخرى بعينين حادتين وقال بصوت بارد يحمل تهديدًا واضحًا:
"لو شفت أي صورة ولا فيديو اتبعتوا لمراتي تاني هدفنك مكانك فاااهمه."
ثم أنهى كلماته وفتح الباب بقوة، وغادر المكان دون أن يلتفت خلفه، تاركًا رقية على الأرض، ما تزال أنفاسها مضطربة، وعيناها تلاحقان الباب الذي أغلق خلفه بعنف.
      *************************
في فيلا شاهين الرواي…
جلس شاهين على سريره في هدوء ثقيل يلف المكان من حوله، وقد أرجع ظهره إلى الخلف مستندًا إلى الوسادة، بينما كانت عيناه تحدقان في سقف الغرفة وكأنهما تبحثان فيه عن شيء ضائع، كان الليل قد أرخى ستاره على الفيلا، لكن السكون الذي يحيط به لم يكن قادرًا على تهدئة العاصفة التي تضطرب داخل صدره.
تسللت إلى ذهنه تلك اللحظة التي كانت فيها رنيم بين ذراعيه، ساكنة داخل أحضانه كما لو أنها احتمت به من العالم كله، فجأة تعالت دقات قلبه دون أن يشعر، دقاتٍ قوية متلاحقة أربكته وأزعجته في آنٍ واحد. لم يعجبه هذا الشعور إطلاقًا، بل على العكس، جعله يشعر كأنه يقف على حافة خطيرة، كمن يقف فوق قمة شاهقة مهددًا بالسقوط منها إلى قاع سحيق في أي لحظة.
حرك رأسه برفض واضح، وكأنما يحاول أن ينتزع تلك الذكرى من عقله قبل أن تتمكن منه أكثر. زفر بضيق واضح، ثم أغمض عينيه قليلًا وهو يستعيد ما حدث في الليلة الماضية داخل الشركة، وكأن الأحداث تعود أمامه بصورة حية لا يمكن تجاهلها.
"فلاش باااك"
في المساء توجه إلى الشركة البديلة، وقد كان الغضب يملأ صدره. كان ينوي أن يفاجئ رنيم هناك، أن يواجهها بالحقيقة كاملة، وأن يثبت لها أنه يعلم كل شيء تخطط له.
أوقف سيارته على مقربة من المكان، لكن قبل أن يترجل منها لفت انتباهه مشهد غير متوقع.
رأى زين يتحرك في الظلام بحذر واضح، يلتفت حوله بين الحين والآخر، ثم أشار إلى بعض الرجال الذين كانوا يقفون بالقرب منه. لم يفهم في البداية ما يحدث، لكنه ظل يراقبهم بصمت حذر.
بعد لحظات بدأ أحد الرجال يفرغ شيئًا سائلًا على الأرض، ثم تبعه الآخرون يفعلون الشيء نفسه.
اتسعت عينا شاهين فجأة عندما أدرك ما الذي ينوي زين فعله.
وفي تلك اللحظة تحديدًا تذكر أن رنيم ما تزال داخل الشركة.
سقط قلبه في صدره فجأة وكأن الأرض قد انسحبت من تحت قدميه، وداهمه خوف حاد لم يتوقعه. فكرة واحدة فقط اجتاحت عقله بقوة، ماذا لو أصابها مكروه؟
وقبل أن يتمكن من التفكير أكثر، أشعل زين النيران.
في لحظة واحدة اندلعت ألسنة اللهب، وانتشرت بسرعة مرعبة في أرجاء المكان، تلتهم كل ما يقف في طريقها.
لم يتردد شاهين ثانية واحدة.
فتح باب سيارته بسرعة وترجل منها، ثم اندفع نحو الداخل دون أن يفكر في الخطر الذي ينتظره. كانت النيران تنتشر بسرعة، والدخان بدأ يملأ المكان، لكن كل ذلك لم يكن يعني له شيئًا في تلك اللحظة.
بدأ يبحث داخل المكاتب واحدًا تلو الآخر، وعيناه تتحركان بجنون بين الأبواب والممرات. وكلما مرت لحظة كانت النيران تزداد شراسة، ومع كل ازدياد كانت أعصابه تشتعل أكثر.
كان خوفه عليها يزداد بجنون.
وأخيرًا، وجدها.
كانت رنيم تقف في الخلف بالمخازن لكنها بالكاد كانت قادرة على الثبات، بدا عليها الإعياء الشديد، وقد بدأت تفقد وعيها بسبب الدخان.
لم يفكر لحظة.
ركض نحوها بسرعة، متجاوزًا ألسنة اللهب التي كانت تحاصر المكان، ثم أمسكها بين ذراعيه بقوة. في تلك اللحظة شعر بقلبه يقفز في صدره بعنف، وكأنه يخشى أن يفقدها قبل أن يتمكن من إخراجها.
نظرت إليه رنيم بوهن شديد، كانت عيناها نصف مغلقتين، وكأنها تحاول أن تستوعب ما يحدث حولها. ثم أغمضت عينيها تمامًا وسقطت فاقدة الوعي داخل أحضانه.
ارتبك شاهين للحظة، وربت على وجهها بقلق واضح وهو يقول:
"رنيم يا رنيم رد عليا."
لكنها لم تجب عليه.
ازداد قلقه أكثر، فحملها بسرعة بين ذراعيه ونهض بها فورًا، ثم اندفع خارج المكان محاولًا أن يشق طريقه بين النيران التي كانت تزداد انتشارًا. كان الدخان يخنق أنفاسه، والحرارة تكاد تلسع جلده، لكنه لم يتوقف.
ركض بها حتى وصل إلى سيارته، فتح الباب ووضعها برفق على المقعد الأمامي، ثم تحرك سريعًا إلى مقعد القيادة.
نظر إليها بخوف واضح، كانت ملامحها شاحبة وسكونها يثير القلق في قلبه. لم يضيع ثانية واحدة، فأدار السيارة وانطلق بها بسرعة جنونية متجهًا إلى العيادة الخاصة بترنيم.
وفي الجهة الأخرى كان زين يقف يراقب كل ما يحدث من بعيد.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة شر خبيثة، وكأنه كان يتابع مشهدًا سار كما خطط له تمامًا، ثم استدار وغادر المكان بهدوء.
عندما وصل شاهين إلى العيادة، ترجل من السيارة بسرعة واندفع إلى الجهة الأخرى، فتح الباب وحمل رنيم مرة أخرى بين ذراعيه، ثم دخل إلى الداخل وهو ينادي بصوت غاضب وعالي على الممرضات.
حضرت الممرضات سريعًا ومعهن السرير النقال، فوضعها عليه على عجل، ثم اندفعن بها إلى الداخل.
أغمض شاهين عينيه للحظة وقد تملك القلق منه بشدة، لكنه فجأة توقف في مكانه، وكأن شيئًا ما جعله يدرك ما يفعله.
ظل واقفًا هناك يحدق في الممر الذي اختفت فيه رنيم، يتابع السرير بعينيه حتى اختفى تمامًا عن ناظريه.
ثم تحرك ببطء نحو الخارج.
صعد إلى سيارته وجلس خلف المقود صامتًا لعدة لحظات، وكأن عقله يحاول أن يستوعب ما حدث. لماذا اندفع إلى داخل النيران دون تردد؟ ولماذا شعر بذلك الخوف الجنوني عليها؟
لم يجد إجابة.
فجأة لكم عجلة القيادة بقبضة يده بقوة، وكأنه يحاول أن يفرغ فيها غضبه العارم، غضبًا موجهاً إلى نفسه قبل أي شيء آخر، كأنه يعاقبها على ما بدأ يشعر به تجاه رنيم.
ثم أدار السيارة بعصبية وتحرك بها سريعًا مغادرًا المكان.
"بااااك"
زفر شاهين بضيق واضح وهو يفتح عينيه من جديد، ثم استقام بجسده ونهض من فوق السرير. شعر بأن هواء الغرفة أصبح خانقًا، فخرج إلى الشرفة محاولًا أن يستنشق بعض الهواء.
وقف هناك للحظات، يحدق في الظلام الممتد أمامه، بينما كانت أفكاره ما تزال تدور في رأسه بعنف.
ثم تكلم بصوت هامس كأنه يخاطب نفسه قائلاً:
"اللي حاسس بي ده مش لازم يحصل، ركز على مهمتك يا شاهين، رنيم مجرد وسيلة علشان انتقم بيها مش اكتر."
لكن رغم كلماته الحاسمة، تبدلت نظراته فجأة، وأصبحت أكثر قتامة وسوادًا.
أما قلبه، فما زال يدق بتلك الدقة اللعينة التي تثير غضبه كلما شعر بها، دقة تذكره في كل لحظة أن ما يحاول إنكاره، قد بدأ بالفعل.
      *************************
في صباح يوم جديد، لم يكن يحمل لجواهر أي شعور بالبداية أو التجدد، بل بدا كأنه امتداد ثقيل لليل طويل لم تعرف فيه طعم الراحة. استيقظت من نومها بصعوبة واضحة، وكأن جسدها يرفض أن ينهض بعدما أنهكه البكاء والسهر. كانت عيناها متورمتين بشدة، محمرتين بصورة مؤلمة، حتى أن انعكاسهما في المرآة الجانبية جعلها تشعر بثقل آخر في صدرها.
لم تكن تلك العلامات إلا أثر ليلة كاملة قضتها في صراع قاسي مع ذكرياتها، وكلما عادت بذاكرتها إلى ذلك الفيديو الذي رأته، كانت تشعر وكأن قلبها ينتزع من مكانه بعنف، كأن يدًا خفية تمزقه ببطء وتتركه ينزف حتى يصل الألم إلى حد يكاد يخنق أنفاسها.
اعتدلت في جلستها فوق السرير ببطء شديد، وكأن كل حركة منها تحتاج إلى جهد مضاعف. رفعت يدها المرتعشة قليلًا وأرجعت خصلات شعرها إلى الخلف، محاولة أن تستعيد بعض توازنها، لكن زفرة طويلة خرجت من صدرها دون أن تشعر، زفرة مثقلة بالحزن والإنهاك، وكأنها تحاول بها أن تمنع دموعًا أخرى من الانهمار.
وفي تلك اللحظة تحديدًا، قطع سكون الغرفة صوت هاتفها وهو يعلن عن وجود اتصال.
التفتت نحوه ببطء، وكأنها لا ترغب حتى في التعامل مع العالم خارج غرفتها. مدت يدها وأمسكت الهاتف، ونظرت إلى الشاشة لتجد رقمًا غريبًا لا تعرفه. ترددت لثواني، ثم ضغطت زر الإجابة وهي تقول بصوت مختنق ما زالت بقايا البكاء عالقة فيه:
"السلام عليكم، مين معايا؟"
جاءها صوت رجولي هادئ من الطرف الآخر يقول:
"وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته، عاملة ايه يا انسه جواهر، يارب تكوني بخير، مع أن صوتك واضح اوي انك مش بخير خالص."
عقدت حاجبيها في استغراب واضح، وشعرت بنفور غامض من نبرته، ثم قالت بصوت ما زال مثقلًا:
"مين حضرتك؟"
أجابها بنبرة واثقة:
"أنا وحيد الاباصيري، والمرادي مرضتش ابعت رسايل علشان متعمليش بلوك زي ما عملتي فى الرقم التاني."
في اللحظة التي سمعت فيها اسمه، تغيرت ملامحها فورًا. اشتدت أصابعها حول الهاتف وضغطت عليه بقوة حتى كادت مفاصلها تبرز من شدة الغضب، ثم قالت بنفاذ صبر واضح:
"حضرتك عايز مني ايه، قلتلك امسح رقمي من عندك ومتكلمنيش تاني، علشان لو جوزي شم خبر بأنك بتكلمني هيجيبك وهيطلع روحك بأيده، وحضرتك شوفت عصبيته عاملة ازاي."
جاءها صوته هذه المرة هادئًا، وكأنه يحاول التودد إليها أو استمالتها:
"يا انسه جواهر، أنا نيتي شريفه، انا بطمن عليكي كصديق مش اكتر."
اشتعل الضيق في عينيها، وردت عليه بحدة واضحة:
"حضرتك احنا مش فى أمريكا احنا فى مصر موضوع صديق والكلام ده مش عندنا أنا جوزي بيغير عليا من النسمة، تخيل انت بقى لو عرف موضوع الصديق ده هيعمل ايه؟"
ساد صمت قصير على الطرف الآخر، لحظات جعلتها تعتقد أنه ربما أغلق الخط، لكنه عاد ليتكلم بعد فترة بنبرة هادئة تحمل قدرًا من الاستفزاز:
"طيب طمنيني عليكي، وانا اوعدك مش هزعجك تاني."
أطلقت زفرة ضيق حادة وقالت بنفاذ صبر:
"كويسه حضرتك وزي الفل، ممكن بقى تقفل."
رد عليها أخيرًا بنبرة لئيمة:
"عمومًا أنا هقفل ومش هزعجك بس الرقم ده بتاعي لو حبيتي تتكلمي فى أي وقت، اتصلي عليه، مع السلامة."
ثم أغلق الخط مباشرة دون أن ينتظر ردها.
بقيت للحظة تحدق في الهاتف وكأنها تحاول استيعاب وقاحته، ثم ألقت به بجوارها على السرير بضيق واضح وقالت بصوت مختنق:
"هو أنا نقصاك انت كمان، مش كفايه اللي معايا ومطلع عيني ده."
ظلت للحظات جالسة مكانها تحاول أن تهدأ، لكن الأفكار كانت تتزاحم في رأسها بصورة مؤلمة. وأخيرًا نهضت من مكانها متجهة إلى الحمام، وكأنها تأمل أن يخفف الماء شيئًا من ثقل روحها.
بعد وقت ليس بقصير خرجت من الحمام، وقد ارتدت برنس الاستحمام، وخصلات شعرها المبللة تنسدل على كتفيها وظهرها. بدت أكثر هدوءًا ظاهريًا، لكنها في الداخل ما زالت تحمل ذات الفوضى.
اتجهت إلى التسريحة ووقفت أمام المرآة، تمشط شعرها ببطء شديد، تحدق في انعكاسها وكأنها تبحث في ملامحها عن بقايا تلك الفتاة التي كانتها قبل أن تتشقق ثقتها بكل شيء.
لكنها فجأة تجمدت في مكانها.
فقد شعرت بيدٍ تلتف حول خصرها من الأمام.
ارتجف جسدها قليلًا، ورفعت عينيها نحو المرآة لترى انعكاس جواد يقف خلفها، يحتضنها وينظر إلى صورتهما معًا. اقترب برأسه قليلًا وهمس بجوار أذنها بصوت خافت:
"أنا آسف، مش عارف قلتها ليكي للمرة الكام، بس صدقيني يا جواهر أنا بحبك ودموعك غاليه عليا أوي."
أغلقت عينيها بقوة وكأن كلماته تزيد غضبها بدلًا من أن تهدئها، ثم قالت بحدة واضحة:
"انت ايه دخلك اوضي من غير استئذان يا جواد؟"
انحنى قليلًا وقبل عنقها بحب وقال بنبرة عاشقة:
"اوضة مراتي، مش لازم استئذان علشان ادخلها."
شعرت بجسدها يتخدر للحظة تحت وطأة قبلاته، لكن تلك اللحظة لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما ابتعدت عنه بسرعة وكأنها تهرب من لمساته، ثم قالت بنبرة حاولت إخراجها طبيعية رغم الارتجاف:
"ابعد عني متلمسنيش يا جواد، أنا بكرهك، طلقني ارجوك، مش هطيق يتقفل علينا باب واحد."
هز رأسه بالرفض القاطع وقال:
"الكلمة دي عمري ما هنطقها لو اتحطت السكينه على رقبتي، انتي بنتي وحبيبتي ومراتي وكل ما ليا، انتي روحي والنفس اللي بتنفسه، فكرك هفرط فيكي بسهولة كده؟"
أطلقت تنهيدة موجوعة خرجت من أعماق صدرها، ثم قالت بصعوبة:
"أنت بالفعل فرط فيا يا جواد، فرط فيا من اللحظة اللي قدرت تقرب لواحدة غيري، وبلاش ونبي بقى تقولي الكلمتين اللي حفظتهم من أول مرة اكتشفت خيانتك ليا، أن اللي شوفته بعيني مش زي ما أنا مفكرة ولا أن مصيري هعرف الحقيقه، علشان مافيش أي مبرر للخيانة، انت عارف عملت فيا ايه؟ انت جرحتني اول مرة وجيت والجرح لسه مفتوح وبحاول اتعالج منه حطيت جواه ملح متوقع الاحساس دلوقتي عامل ازاي، لو بتحبني بجد يا جواد طلقني وابعد عني، خليني اتعالج من العلاقة السامة دي."
ارتسمت الصدمة بوضوح على وجهه وقال بعدم تصديق:
"أنا علاقتي سامة يا جواهر؟! طيب مش هقولك أن اللي شوفتي بعينك مش هي دي الحقيقه لان فعلا مش الحقيقه، بس هقولك اللي بقوله ليكي من أول لحظة جيتي فيها الدنيا، أنا بحبك يا جواهر، انتي بتاعتي أنا، وانا بتاعك انتي، عايش علشان اشوف الضحكه فى عيونك وبس، بحبك وبخاف عليكي، ومستعد اعمل أي حاجة علشان احميكي حتى لو هضحي بعمري كله علشانك، بغير عليكي اه بغير عليكي، وببقى شخص تاني لو لمحت حد بيبصلك بطرف عينه، بس بثق فيكي اكتر ما بثق فى نفسي، وكان نفسي تبقى زي كده يا جواهر، غيري عليا براحتك، بس خلي عندك ثقه فيا، أن مستحيل ابص ولا ألمس غيرك، حتى لو شفتي ده بعينك، متصدقيش، بس تعرفي ايه اكتر حاجه صدمتني فيكي؟ انك شايفه أن علاقتنا سامة، لدرجاتي يا جواهر؟ نسيتي كل حاجه حلوة ما بينا، وافتكرتي حاجه واحدة بس ومش حقيقيه؟"
حولت وجهها إلى الجهة الأخرى، بينما أخذت دموعها تتساقط أكثر، وقالت بصوت مكسور:
"أنا مصدومة فيك يا جواد، مش قادرة اصدق انك انت الراجل اللي عشت عمري كله احبه وأحلم اكون ليه ويكون ليا، منظرك وانت معاها مش بيروح من قصاد عيني، ولما حاولت انسى وابدأ من جديد معاك روحت كملت خيانتك ليا وكملت العلاقة عادي، وكأنك واثق أن هزعل يومين تلاته وهرجع انسى زي العبيطة واترمي فى حضنك، بس لا يا جواد، ده مش هيحصل، وانت هطلقني برضاك أو غصب عنك فاهم."
أغلق عينيه لثواني محاولًا أن يهدئ نفسه، ثم اقترب منها ببطء.
لكن كل خطوة كان يخطوها نحوها كانت تقابلها خطوة أخرى منها إلى الخلف، حتى شعرت فجأة بحدود السرير خلفها. اتسعت عيناها بارتباك واضح وقالت بتلعثم:
"ابعد يا جواد، لو قربت مني هصرخ."
ارتسمت ابتسامة لئيمة على وجهه وقال وهو يدفعها على السرير:
"أصرخي عادي أنا جوزك مش حد غريب، وامك عارفه أن انا عندك فى الاوضة."
ثم مال بجسده فوقها ونظر في عينيها مباشرة وقال:
"اقسم بالله لو مبطلتيش كلامك الاهبل ده لكون داخل عليكي واتمم الجوازة، وتبقى ساعتها مراتي رسمي واخدك فى بيتي."
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بتلعثم:
"ابعد عني يا جواد، بلاش قلة أدب، أبعد عني أنا بقرف منك، جووواد."
مد يده وربت على خدها برفق، ثم نظر في عينيها بلوم وقال بصوت مختنق:
"حتى دي معندكيش ثقه فيا؟ يعني انتي فكرك هعمل كده بجد؟"
ثم ابتعد عنها فجأة، ومرر يده في شعره بتوتر واضح، وقال بصوت غاضب مكبوت:
"أنا مبقتش عارف اعمل ايه تاني معاكي الصراحه، بحاول بكل الطرق علشان عارف، أن معاكي حق تزعلي، بس بجد تعبت وزهقت يا جواهر، عمومًا أنا همشي، ومش هضيقك تاني، بس برضه هتفضلي مسؤولة مني، ک حبيبتي ومراتي، ووقت ما تحسي نفسك هديتي، ابقى قوليلي علشان احددت يوم الفرح."
أنهى كلماته واستدار وخرج من الغرفة تاركًا الباب خلفه.
بقيت جواهر تنظر إلى المكان الذي اختفى فيه لثواني طويلة، وكأن عقلها يرفض استيعاب ما حدث. ثم رفعت يدها ببطء إلى وجهها، وكأنها تحاول أن تتمسك بشيء يثبتها.
لكنها لم تستطع.
فانهارت فجأة، ودفنت وجهها بين يديها، وأجهشت بالبكاء، بكاء مرير خرج من أعماق قلب لم يعد يحتمل المزيد.
       ************************
في الجامعة، عند أروى…
وصلها أحمد إلى بوابة الجامعة كعادته، وكأنه يحرص في كل مرة أن يكون هو أول ما تراه في يومها وآخر ما تراه قبل أن تنصرف إلى عالمها. أوقف سيارته بهدوء أمام البوابة الكبيرة التي تعج بحركة الطلاب، وكانت الأصوات المتداخلة وضحكات الفتيات وضجيج السيارات تصنع مشهدًا صاخبًا، لكن داخل السيارة كان الهدوء مختلفًا، هدوءًا مشحونًا بشيء من العاطفة والاهتمام.
التفت أحمد نحوها ونظر إليها بحب واضح، وكأن عينيه اعتادتا التوقف عند ملامحها طويلًا دون أن يمل، ثم قال بنبرة هادئة دافئة:
"انزلي يلا، ولما تخلصي، اتصلي بيا وانا هاجي اخدك."
أومأت أروى برأسها في هدوء، ومدت يدها نحو مقبض الباب لتفتحه، لكنها توقفت قبل أن تفعل. بقيت لحظة صامتة، وكأن هناك شيئًا يثقل صدرها وتفكر إن كانت تقوله أم لا. ثم استدارت نحوه مرة أخرى، وبدت على ملامحها علامات توتر خفيف قبل أن تقول:
"احمد، عايزة اقولك حاجه."
التفت إليها كاملًا، وأومأ برأسه في هدوء وهو يقول بنبرة مطمئنة:
"قولي يا قلبي."
تنحنحت أروى قليلًا، وكأن الكلمات لا تخرج بسهولة من حلقها، ثم قالت بتردد واضح:
"هو ينفع اخرج شويه النهاردة مع اصحابي؟ هما اتفقوا أنهم يخرجوا النهاردة بعد الجامعه."
اعتدل أحمد قليلًا في مقعده، وأسند إحدى يديه على عجلة القيادة بينما التفت إليها بنظرة متأملة، ثم قال بنبرة هادئة لكنها تحمل سؤالًا حقيقيًا:
"طيب لو قلتلك لا، هتزعلي؟"
تجمدت نظرات أروى للحظة، ثم خفضت عينيها إلى الأسفل دون أن تجيب. كانت أصابعها تعبث بطرف حقيبتها في توتر واضح، وكأنها لا تريد أن تظهر اعتراضها، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع إخفاء شعورها تمامًا.
مد أحمد يده الأخرى برفق ورفع وجهها إليه، مجبرًا إياها على النظر في عينيه، ثم قال بابتسامة حنونة حاول أن يجعلها مطمئنة:
"أروى أنا مش عايز ازعلك مني، ولا انك تشوفيني شخص متحكم، بس انا فعلا مبحبش موضوع الخروج مع اصحابك ولا سفر يومين معاهم وكده، اصبري بس يكون فيه حاجه رسمي ما بينا وانا هزهقك خروجات، اعتبريني أنا العالم بتاعك اصحابك واهلك واخوكي وحبيبك، وهتلاقيني قايم بدور كل واحد فيهم على أتم وجه، بس لو بتحبيني بجد بلاش خروجات مع اصحابك، واصبري شويه صغيرين خالص، ومن غير أي زعل."
نظرت إليه أروى بضيق حاولت أن تخفيه، لكنها لم تستطع إخفاء تلك الغصة الصغيرة التي تشكلت في صدرها، ثم قالت بنبرة مختنقة قليلًا:
"بس مافيش حد بيعيش من غير أصحاب، انت كده عايز تمنعني من الناس كلها واكون معاك انت وبس."
ابتسم أحمد بهدوء، وكأنه لا يرى في الأمر مشكلة حقيقية، ثم قال بنبرة مازحة خفيفة:
"ودي حاجة وحشه يعني لما تكوني معايا انا وبس؟"
هزت رأسها بسرعة نافية، وقالت بتوتر وهي تحاول أن تشرح له دون أن يبدو كلامها اعتراضًا:
"ل لا طبعا مش حاجة وحشة، بس يعني بقولك كده علشان ميجيش وقت واتخنق، فاهم قصدي؟ يعني الحياة متكونش مملة."
أومأ أحمد برأسه بتفهم، وكأنه يريد أن يطمئنها بأي طريقة، ثم قال بصوت هادئ:
"فاهم يا حبيبتي قصدك، بس اوعدك مش هتحسي بالملل خالص، اصبري عليا بس وانا هعيشك أجمل ايام عمرك."
ابتسمت له أروى ابتسامة صغيرة امتزج فيها الحب بشيء من الاستسلام، ثم أومأت برأسها بالموافقة وقالت:
"اوك، هروح انا بقى علشان متأخرش."
رد عليها بابتسامة هادئة وهو ينظر إليها بنظرة مطمئنة:
"ماشي، بس متتأخريش عليا تخلصي وتخرجي على طول."
أومأت برأسها مرة أخرى، ثم فتحت الباب وترجلت من السيارة. أغلقت الباب خلفها وسارت نحو بوابة الجامعة، بينما ظل أحمد جالسًا مكانه يتابعها بعينيه حتى ابتعدت قليلًا، ثم أكثر، حتى اختفت وسط الزحام ولم يعد يراها.
حينها فقط أدار محرك السيارة وتحرك بها مغادرًا المكان.
في الداخل، كانت أروى تسير بين الطلاب بخطوات هادئة حتى لمحت صديقتيها تقفان بالقرب من إحدى الأشجار في ساحة الجامعة. اقتربت منهما وألقت التحية، فبادرتها إحداهما بالسؤال مباشرة:
"ها يا رورو هتيجي معانا النهاردة بعد ما نخلص؟"
توقفت أروى لحظة، ثم هزت رأسها بالنفي وقالت بهدوء:
"لا، مش هينفع ورايا مشوار مهم النهاردة."
لم تستسلم الفتاة سريعًا، بل قالت بإلحاح واضح:
"بليز يا أروى حاولي تيجي النهاردة معانا."
تنهدت أروى قليلًا، ثم قالت بتوتر وهي تحاول إنهاء الموضوع:
"مش هينفع والله صدقيني، مرة تانيه بقى عن اذنكم."
ثم تحركت بسرعة من أمامهما قبل أن يزداد إلحاحهما أكثر، وكأنها كانت تخشى أن تضغطا عليها حتى تتراجع عن قرارها.
ما إن ابتعدت واختفت عن نظرهما، حتى تبدلت ملامح الفتاة التي كانت تلح عليها، وتحولت ابتسامتها إلى ضيق واضح وهي تقول:
"هنعمل ايه دلوقتي؟ ميرو هيزعل مننا كده لو معرفناش نجيبها معانا بليل."
ردت الصديقة الأخرى بحدة وغضب لم تستطع إخفاءه:
"انتوا ازاي كده؟ عايزين تسلموا صحبتكم لمروان علشان بس يرضا عليكم، أروى عمرها ما كانت وحشه مع حد فيكم، ووقت ما حد يحتاجها يلاقيها، أنا مصدومة فيكم بجد، ومش موافقة على اللي عايزين تعملوا فيها ده."
أنهت كلماتها وهي تنظر إليهما بصدمة حقيقية، ثم استدارت وغادرت المكان سريعًا دون أن تنتظر ردًا منهما.
تابعتها الفتاة الأخرى بنظرات ضيقة مليئة بالانزعاج، ثم تمتمت بضيق:
"هتعمل فيها الصديقه المخلصه."
ثم التفتت إلى رفيقتها وقالت بنبرة تفكير:
"ها خلينا نفكر فى طريقه نقنع بيها أروى تيجي، ميرو مستنيها بفارغ الصبر، شكلها علمت عليه جامد وعايز ينتقم منها بالطريقة دي."
وبقيتا واقفتين لبعض الوقت، تتبادلان الأفكار والهمسات، تخططان بهدوء لكيفية إقناع أروى بالحضور تلك الليلة، دون أن تدري أروى أن خلف تلك الدعوة البسيطة نية أخرى تحاك لها في الخفاء.
   ****************************
عند غريب…
كان المكتب يغرق في هدوء ثقيل لا يقطعه سوى صوت عقارب الساعة المعلقة على الحائط، وهي تتحرك ببطء كأنها تزيد من توتر الجو بدلًا من أن تخففه. جلس غريب خلف مكتبه العريض، متكئًا على ظهر المقعد الجلدي، لكن ملامحه لم تكن تحمل أي أثر للراحة. كانت عيناه مثبتتين على باب المكتب ينتظر لحظة دخوله بفارغ الصبر.
كان يعلم أن جواد سيأتي اليوم حتمًا، فالأمر لم يعد يحتمل التأجيل، وكل ما يتعلق برقية بات يثير في داخله شكوكًا ثقيلة، كأن خيوطًا خفية تتحرك في الظلام حول عائلته، وهو لا يعرف مصدرها.
مرت عدة دقائق بدت أطول مما هي عليه، قبل أن يفتح الباب أخيرًا ويدخل جواد.
لم يكن بحاجة إلى أن يتكلم ليفهم غريب أن شيئًا ليس على ما يرام. كان وجهه متجهمًا، وعيناه تحملان ضيقًا واضحًا. تقدم ببطء حتى جلس على المقعد المقابل للمكتب، ثم أطلق زفرة طويلة كأنه يحاول أن يفرغ شيئًا من الضيق الذي يثقل صدره. رفع نظره نحو والده وتكلم بتساؤل مباشر:
"مين مريم دي يا بابا؟"
انعقد حاجبا غريب فور سماعه الاسم، ونظر إليه باستغراب واضح قبل أن يقول بعدم فهم:
"مريم!! مين دي مش فاهم."
أجابه جواد بصوت مختنق قليلًا، وكأن ما عرفه أثار داخله الكثير من القلق، ثم قال موضحًا:
"رقيه اعترفت بكل حاجة، وقالتلي، أن خالتها اسمها مريم وهي اللي طلبت منها تعمل معانا كده، ولما سألتها ليه، قالتلي مشكلتها مع أهلك مش معاكم."
ساد الصمت للحظة داخل المكتب.
حرك غريب أصابعه ببطء على مقدمة رأسه، وكأن الاسم بدأ يحرك شيئًا قديمًا في ذاكرته، ذكرى بعيدة حاول دفنها منذ سنوات طويلة. لمع الاسم في ذهنه فجأة، صورة امرأة بعينين مليئتين بالشر، لكن سرعان ما هز رأسه رافضًا الفكرة قبل أن يقول بعدم فهم:
"معرفش حد بالاسم ده، غير واحدة بس وده كان زمان اوي وانا قتلتها بسلاحي، علشان أحمي أمك منها."
نظر إليه جواد للحظة، وكأن الكلمات لم تستقر في عقله بعد، ثم حرك كتفيه بعدم فهم وقال:
"طيب انت بتقول انك قتلتها، يعني ماتت، لكن دي بتقولي خالتها مريم هي اللي طلبت منها ده."
تعمقت الحيرة أكثر في ملامح غريب، ونظر إلى ابنه بنظرة طويلة قبل أن يقول ببطء:
"الموضوع ده فيه لغز كبير، اكيد يعني مش مريم اللي أعرفها، انا متأكد انها ماتت وطلعت شهادة وفاتها بأيدي دول بصفتي كنت جوزها."
اتسعت عينا جواد فجأة بصدمة واضحة، وحدق في والده وكأنه يسمع شيئًا لم يتوقعه أبدًا، ثم قال بعدم تصديق:
"جوزها!! انت كنت متجوز حد غير ماما؟"
نهض غريب من خلف مكتبه ببطء، وكأن الوقوف يمنحه قدرة أكبر على استعادة تلك الذكريات الثقيلة. تحرك حتى وصل إلى المقعد المقابل لابنه وجلس عليه قريبًا منه، ثم قال بصوت هادئ لكنه يحمل ثقل الماضي:
"ايوه اتجوزتها بعد ما أتجوزت امك بس علشان أحمي ترنيم منها، دي كانت الشيطان نفسه ينحني ليها من كتر الشر اللي فيها، دي تبقى بنت خالة مامت رنيم، وهي السبب فى موت امها وأبوها، وكنت أنا كمان هموت على ايديها بس وقتها ربنا ستر، كانت هي وأبو خالك تامر عصابه خطيرة، لدرجة المافيا نفسها كانت طالبه تصفيتهم، يعني كانت حكاية كبيرة اوي وبفضل الله أنا خلصتها."
ظل جواد صامتًا للحظات وهو ينظر إلى والده نظرة طويلة، وكأنه يحاول أن يستوعب حجم ما يسمعه الآن. لم يكن يتخيل أن هناك فصلًا كاملًا من حياة والده لم يكن يعرف عنه شيئًا.
وأخيرًا قال بتساؤل عميق:
"بابا انت اتأكد وقتها انها ماتت بجد يعني شوفتها قبل ما تدفن؟"
عقد غريب حاجبيه باستغراب من السؤال وقال:
"لا طبعا مشوفتهاش بس انا متأكد انها ماتت أنا ضربتها رصاصتين فى مكان حساس صعب أنها تعيش بعدهم، اكيد هي تقصد حد تاني مستحيل تكون تقصد مريم دي."
لكن جواد لم يبد مقتنعًا تمامًا. تحركت عيناه بتفكير عميق، وكأن عقله يحاول جمع الخيوط المتناثرة، ثم قال ببطء:
"لو واحدة بالشر ده؟ يبقى سهل اوي أنها ترسم وتخططت التخطيط ده بسهوله، فيه حلقة مفقودة فى النص، لو هي اللي انت بتقول عليها دي يبقى الكل فى خطر وأولهم انت وماما لأنكم انتوا المستهدفين، إنما لو مش هي برضه هنفضل مهددين لحد ما نعرفها مين وليه مشكلتها معاكم انتوا."
استقام غريب في جلسته قليلًا، ثم مد يده وربت على كتف ابنه بقوة هادئة، وقال بصوت رزين:
"البنت اللي أسمها رقية دي هي اللي هتكون مفتاح اللغز ده، حاول تجيب منها صورة لست دي لازم نعرف هي مين."
أومأ جواد برأسه ببطء، ثم نهض من مكانه وقال:
"حاضر يا بابا، أنا عايز اخلص من الموضوع ده، جواهر طالبه الطلاق مني بسبب الصور والفيديوهات اللي بنت الكلب دي بعتتها ليها."
عاد غريب إلى مكتبه وجلس خلفه مرة أخرى، ثم قال بنبرة عملية:
"فى ايدك انت تعرف كل حاجه ونخلص منهم فى اسرع وقت، ووقتها بقى تقدر تقول لجواهر الحقيقه ونحدد ميعاد الفرح."
تنهد جواد بضيق واضح وقال بصوت مختنق:
"ربنا يسهل، هروح انا اشوف شغلي عن اذنك."
ثم استدار وخرج من المكتب سريعًا، وكأنه يحمل فوق كتفيه ثقلًا أكبر مما كان قبل أن يدخل.
بقي غريب وحده في الغرفة.
ظل جالسًا للحظات ينظر أمامه بشرود، لكن ملامحه لم تعد هادئة كما كانت. كان هناك غضب بارد يتشكل ببطء في عينيه، غضب رجل يشعر أن ماضي دفنه منذ سنوات ربما عاد ليطارده من جديد.
ثم تمتم بصوت منخفض لكنه يحمل وعيدًا واضحًا:
"لو هي مريم بجد، نهايتها المرادتي هتكون على ايدي أنا، قبل ما تقرب من ترنيم أو تمس شعرا منها."
وبعد لحظات، أعاد نظره إلى الأوراق أمامه، وحاول أن يعود إلى عمله، لكن ذهنه لم يغادر تلك الفكرة المقلقة التي بدأت تطرق أبواب الماضي من جديد.
    ***************************
بشركة شاهين الرواي…
جلس شاهين خلف مكتبه العريض، مستندًا بظهره إلى المقعد الجلدي الفخم، بينما كانت عيناه معلقتين بنقطة ما أمامه دون أن يراها حقًا، كانت ملامحه هادئة ظاهريًا، لكن شيئًا خفيًا كان يضطرب في أعماقه. أشعل سيجارة، ثم أخرى، ينفث دخانها ببطء وكأنه يحاول أن يفرغ معها ذلك الاضطراب الذي يطرق صدره بعناد.
كان يرفض هذا الشعور رفضًا قاطعًا، يقاومه بكل ما أوتي من برود اعتاده في حياته، لكنه رغم ذلك لم يستطع أن ينتزع صورتها من داخله. كانت ملامحها، نظرتها، عنادها، كل شيء فيها يلاحقه بعناد أشد من عناده.
مرر أصابعه على جبينه ببطء متوتر، محاولًا أن يستعيد سيطرته المعهودة، لكن قلبه كان يخونه، يدق بإيقاع مختلف كلما تسللت صورتها إلى ذهنه.
إلا أن ما لم يكن في حسبانه، هو اقتحام رنيم مكتبه فجأة.
انفتح الباب بعنف واضح، لتندفع رنيم إلى الداخل بوجه مشتعل بالغضب. حاولت السكرتيرة منعها عند الباب، لكن شاهين رفع يده بإشارة هادئة، دون أن ينطق بكلمة، فأدركت السكرتيرة الأمر وتراجعت فورًا، ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
عاد شاهين يستند بظهره إلى المقعد، ناظرًا إليها بصمت كامل، وكأنه ينتظر العرض الذي جاء ليشاهده.
أما رنيم فكانت تقف أمامه كعاصفة مشتعلة. اقتربت بخطوات حادة، حتى بلغت المكتب، ثم طرقت سطحه بقبضتها بقوة، وملامحها تنطق بالغضب.
وقالت:
"انت اللي حرقت الشركة، يا شاهين، أنا متأكدة أن شفتك هناك وقتها، أنا مش هسكت هوديك فى ستين داهيه، مش هعدي اللي انت عملته ده بسهوله."
لم يتغير شيء في ملامح شاهين، بل ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيه، ابتسامة باردة تحمل قدرًا من التسلية، بينما ظل يتابعها بصمت تام، وكأنه يستمتع بكل ذرة غضب تتفجر منها.
ذلك الهدوء المستفز أشعل غضبها أكثر.
امتدت يدها فجأة إلى الأشياء الموضوعة فوق سطح المكتب، فأمسكت بها وألقتها نحوه بعنف، ثم أسقطتها أرضًا دون تردد، قبل أن تنظر إليه بنظرة متحدية ملأى بالغضب.
ظل صامتًا للحظة، ثم نهض ببطء من على مقعده.
تحرك نحوها بخطوات واثقة، حتى اقترب منها تمامًا، ثم أحاط خصرها بذراعه فجأة، جاذبًا إياها نحوه حتى التصق جسدها به دون أن يترك لها فرصة للاعتراض. مال قليلًا نحوها، وتكلم بصوت هامس هادئ، كأنه لا يرى في غضبها سوى لعبة ممتعة.
وقال:
"حمدالله على سلامتك يا صغنن، وحشني اللعب والتحدي معاك يا جميل."
اشتعلت عيناها بالغضب، وضغطت على أسنانها بقوة وهي تحاول أن تقاوم قربه المستفز.
وقالت:
"مش هعدي اللي انت عملته ده بالساهل يا شاهين، وهوريك الصغنن هيعمل فيك ايه يا شاهين يا راوي."
لم يجب فورًا.
بل ظل ينظر في عينيها طويلًا، نظرة غريبة، عميقة، كأنه ضل طريقه داخلهما. كان هناك شيء في تلك العينين يجرده من بروده المعتاد، شيء لا يستطيع السيطرة عليه.
أغمض عينيه للحظة قصيرة، وكأنه يحاول أن يهدئ تلك الحرب المشتعلة داخله، ثم تكلم بصوت هامس، لكن صدقه كان واضحًا إلى حد جعل جسدها يقشعر دون إرادة منها. وقال:
"عيونك كفيله توقع اتخن تخين، فيهم سحر غريب، سلاح قاتل لاي حد يبص فيهم، الحرب كده غير عادلة يا رنيم."
انتفضت رنيم فجأة عندما شعرت بسخونة أنفاسه قريبة إلى هذا الحد. دفعت صدره بعيدًا عنها بعنف، ثم رفعت يدها لتعيد شعرها إلى الخلف بعصبية واضحة. وقالت بحدة:
"ا انت قليل الادب ووقح."
ارتسمت ابتسامة جانبية على طرف فمه، بينما عقد ذراعيه على صدره بنوع من التحدي الواثق. وقال:
"والله دي طريقتي مع أي واحده جميلة تدخل مكتبي برجليها، ووجودك دلوقتي هنا، معناها دعوة ليا، أعمل معاكي اللي انا عايزة."
اشتعلت نظرتها بالغضب أكثر، لكنها لم تتراجع. وقالت:
"بتحلم يا شاهين، أنا ابعد من خيالك، أنا مش واحده رخيصه من اللي تعرفهم، أنا رنيم سلطان الدسوقي، واللي يقرب منها تنسفه من على وش الأرض."
تعالت ضحكات شاهين الرجولية في المكان، ضحكة عميقة بدت وكأنها تزيد من استفزازها أكثر. وقال:
"انتي بلمسه واحده مني بتبقى زي العجينه بين ايديا، بس النفس بقى."
ضغطت على أسنانها بقوة، ثم رفعت يدها محركة أصابعها أمام عينيه في تحذير واضح. وقالت:
"هدفعك التمن غالي يا شاهين، والشركة هترجع احسن من الاول وهتشوف."
ثم تحركت نحو الباب بعزم واضح، راغبة في مغادرة المكان قبل أن تنفجر غضبًا أكثر.
لكنها تفاجأت فجأة بشاهين يقف خلفها مباشرة، وقد وضع ذراعه على الباب ليغلقه قبل أن تتمكن من فتحه.
اقترب قليلًا، وصوته خرج هذه المرة أخفض، أخطر. وقال هامسًا:
"انتي عملتي اللي مافيش واحده عرفت تعمله يا رنيم، وده عقابه كبير اوي عندي، اخترقتي مكان مكانش ينفع تدخليه، وحركتي حاجات مينفعش تتحرك وبالذات ليكي، ومع كل دقة فى قلبي هيكون فيه عقاب ليكي يا صغنن."
ثم ابتعد عنها فجأة، وتراجع خطوة إلى الخلف وكأنه أنهى حديثه.
أما رنيم فظلت واقفة في مكانها لثواني طويلة دون أن تتحرك.
كانت تشعر بأشياء كثيرة تتصارع داخلها، غضبًا، خوفًا، توترًا، وشيئًا آخر غامضًا لا تستطيع أن تسميه، لكنه كان يزعجها بشدة.
أخيرًا استطاعت أن تستعيد قدرتها على الحركة.
مدت يدها إلى المقبض، فتحت الباب بسرعة، ثم غادرت المكان دون أن تلتفت إليه ولو لمرة واحدة.
ظل شاهين واقفًا مكانه، وعيناه تتبعانها حتى اختفت تمامًا من أمام ناظريه.
عندها فقط ضغط على أسنانه بغضب مكبوت، وهو يكره تلك الدقة اللعينة التي يشعر بها في قلبه كلما اقتربت منه.
     
تعليقات