رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثالث عشر 13 بقلم دودو محمد


 رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثالث عشر 

بعد عدة أيام…
ساد الصمت أرجاء المكان إلا من أصوات الملاعق وهي تصطدم بالأطباق فوق طاولة الطعام الطويلة. كان الجو مشحونًا بشيء خفي، توتر غير مرئي يطفو فوق الوجوه رغم محاولات الجميع الظهور بطبيعتهم. جلست مريم عند طرف الطاولة على مقعدها المتحرك، وظهرها مستقيم كعادتها، وعيناها الحادتان تتحركان بين الجالسين وكأنهما تفتشان عن شيء مفقود.
كانت ملامحها جامدة في الظاهر، لكنها في الحقيقة كانت تفكر في أمر ما يقلقها منذ أيام، أخيرًا استقرت نظرتها على وحيد، الذي كان منشغلًا بطعامه وكأنه لا يشعر بثقل تلك النظرات الموجهة نحوه.
قطبت حاجبيها قليلًا، ثم قالت بنبرة تحمل شيئًا من الاستغراب والريبة:
"اختك مختفيه فين اليومين دول يا وحيد؟"
رفع وحيد كتفيه بلا اهتمام واضح، بينما كان يضع لقمة في فمه، ثم ابتلعها قبل أن يجيبها بنبرة عادية:
"معرفش يا خالتي اليومين دول مالها، بتصل بيها مش بترد ولما روحتلها كانت متوترة وشكلها غريب مش طبيعي."
بقيت مريم تنظر أمامها لثواني، وقد انعقدت أفكار كثيرة في رأسها. كان القلق واضحًا في عينيها رغم محاولتها إخفاءه، فهي تعرف جيدًا طيش تلك الفتاة، وتعرف أكثر ماذا يمكن أن تفعل عندما تفقد سيطرتها.
تنهدت ببطء، ثم تمتمت بقلق مكتوم:
"البت دي خفيفه، ربنا يستر متكونش خربت الدنيا وهي سكرانه وقالت لابن غريب على كل حاجه."
سكتت لحظة، ثم حولت نظرها إلى شاهين الذي كان جالسًا بصمت واضح منذ بداية الجلسة، وكأنه منفصل تمامًا عما يدور حوله.
راقبته بعينين متفحصتين قبل أن تقول بنبرة تحمل فضولًا واضحًا:
"وانت ايه اخر الاخبار مع البنت دي يا شاهين؟"
رفع شاهين عينيه ببطء، وكانت نظراته قاسية قليلًا. مرر نظره أولًا على زين بنظرة ضيقة مليئة بالضيق، ثم عاد لينظر إلى مريم قبل أن يتكلم بنبرة باردة تخفي غضبًا واضحًا:
"اللي بعمله ميخصش حد، خصوصًا لو الحد ده شغال من ورايا."
انعقدت الدهشة على ملامح مريم فورًا، وحدقت به بعدم فهم حقيقي لما يقصده، ثم قالت مستفهمة:
"قصدك ايه بكلامك ده؟"
لكن شاهين لم يعد قادرًا على إخفاء غضبه أكثر من ذلك. ضغط على أسنانه بقوة، واشتدت عضلات فكه، ثم قال بنبرة تحذيرية حادة:
"يعني لما اتفقتي مع الحلو ده وراح حرق الشركة من ورايا محدش سألني ولا اخد رأي، يبقى محدش ليه دخل فى اللي بعمله ولا اللي هعمله، ولو حد قرب من رنيم تاني أنا هقتله."
ساد الصمت للحظة فوق الطاولة.
أما مريم فلم تتراجع، بل رفعت ذقنها قليلًا ونظرت إليه بنظرة تحدي واضحة، وكأنها لا تخشى غضبه.
ثم قالت بثبات:
"كان لازم أتدخل لما لاقيتك بدأت تميل للبنت دي، انت مبتشوفش نفسك وانت بتتكلم عنها، عيونك فضحاك يا شاهين."
فجأة طرق شاهين بيده بقوة على الطاولة، فاهتزت الأطباق قليلًا، واشتعلت نظراته بالغضب وهو يقول بصوت مرتفع:
"انتي متعرفيش حاجة، انا مش ساكت بلعب بطريقتي على أعصابها ومشاعرها بلعب واحده واحده مش مستعجل زيكم."
رفع زين حاجبيه ببطء، وكانت ابتسامة ساخرة ترتسم على شفتيه، ثم قال بتهكم واضح:
"بس ده مكانش واضح وقت الحريق، كنت خايف عليها وانقذتها من الموت."
لم يستغرق الأمر ثانية.
في لحظة واحدة اندفع شاهين نحوه، وقبض على عنقه بيده بقوة جعلت الكرسي يتحرك خلفه، واشتعلت عيناه بنار حقيقية وهو يقول بغضب مكتوم:
"انقذتها علشان انتقم منها بطريقتي مش بطريقتكم، مبحبش حد يدخل فى شغلي اللي بعمله، ولو لمحت طيفك فى أي حاجه بعملها مع رنيم، هقتلك يا زين فاهم."
كانت قبضته قوية، ونبرته صادقة بما يكفي ليجعل التهديد حقيقيًا تمامًا.
ثم تركه فجأة.
نظر إلى الجميع حول الطاولة بنظرة غاضبة قاسية، وكأن وجودهم نفسه أصبح يضايقه، قبل أن يستدير ويغادر المكان بخطوات سريعة دون أن يلتفت خلفه.
ظلت مريم تنظر إلى الباب الذي خرج منه للحظات طويلة، وعيناها تضيقان شيئًا فشيئًا، وكأنها تحاول قراءة ما حدث للتو.
ثم تمتمت بصوت منخفض غاضب، لكنه مليء باليقين:
"أنا كده اتأكد أن شاهين حب البت دي، لانه مش من طبيعته العصبيه دي، ومعنى كده هو خايف عليها مننا، مش زي ما بيقول."
ثم التفتت ببطء إلى زين.
نظرة واحدة فقط، كانت كافية.
كانت نظرة ذات معنى واضح، نظرة مليئة بخطة جديدة بدأت تتشكل في رأسها. فهم زين المعنى فورًا، واتسعت ابتسامته بخبث واضح قبل أن يومئ برأسه لها موافقًا.
لكن مروان، الذي كان صامتًا طوال الوقت، نهض من مكانه بضيق واضح، وكأن ما يحدث حوله بدأ يثقل على أعصابه. وقال ببساطة:
"أنا ماشي."
التفتت إليه مريم فورًا، ونظرت إليه بغضب واضح قبل أن تقول بحدة:
"وانت عملت ايه؟ ولا هتخيب زي أخوك وتحب بنت ترنيم وغريب."
أطلق مروان زفرة ضيق طويلة، ثم مرر يده في شعره قبل أن يجيبها بنبرة متعبة:
"معملتش يا ماما لسه بحاول اجمعها فى مكان علشان انفذ المطلوب مني، ومتقلقيش أنا فى قلبي واحده بس، ومستحيل احب غيرها، عقبال ما نخلص من شغل المؤامرات ده علشان نرتاح لأن بجد الموضوع بوخ وبقت حاجه تقرف."
أنهى كلامه دون أن ينتظر ردًا، ثم استدار وغادر المكان بخطوات سريعة.
تراجعت مريم قليلًا في مقعدها المتحرك، وأعادت بصرها إلى الباب الذي خرج منه شاهين ثم مروان، وكأنها تفكر بعمق في شيء ما.
وببطء، بدأت ابتسامة شريرة تتسلل إلى شفتيها.
ابتسامة تحمل الكثير من الخبث.
وقالت بصوت خافت مليء بالوعيد:
"شكلكم عايزين قرصة ودن يا ولاد مريم."
      *************************
عند جواهر…
منذ تلك اللحظة التي أخبرها فيها جواد أنه سيبتعد قليلًا، اختفى من حياتها كما لو أن المسافة بينهما تحولت فجأة إلى جدار صلب لا يمكن تجاوزه. لم تره منذ ذلك اليوم، ولم تسمع صوته إلا نادرًا، وكأن الغياب تعمد أن يختبر قدرتها على الصمود. كان الأمر جديدًا عليها تمامًا، فحتى في أشد لحظات الخلاف بينهما لم يكن جواد يبتعد عنها بهذا الشكل، ولم يكن يتركها وحيدة مع أفكارها القاسية.
أما الآن، فقد أصبحت وحدها تمامًا مع اشتياق يزداد يومًا بعد يوم، حتى صار ينهش قلبها ببطء.
جلست على طرف سريرها، تمسك الهاتف بين يديها بتوتر واضح، وعيناها معلقتان بالشاشة وكأنها تنتظر أن يحدث شيء ما دون أن تبادر هي، كان الصراع داخلها مرهقًا؛ قلبها يدفعها بقوة لتتصل به، أن تسمع صوته ولو للحظة، بينما عقلها يقف كجدار عنيد يذكرها بكل ما حدث بينهما، بكل الجروح التي لم تلتئم بعد.
مرت لحظات طويلة وهي على هذا الحال، تحرك أصابعها فوق الهاتف ثم تتراجع، تفتح سجل الاتصالات ثم تغلقه مرة أخرى. كانت تشعر وكأن مجرد الضغط على اسمه سيعيد إليها كل ما تحاول الهروب منه.
لكن الاشتياق كان أقوى.
أخيرًا، وبعد صراع طويل داخلها، حسمت أمرها. رفعت الهاتف ببطء، وتحركت أصابعها فوق الشاشة حتى وصلت إلى اسمه، توقفت للحظة قصيرة كأنها تستجمع شجاعتها، ثم ضغطت على زر الاتصال.
بدأ قلبها يخفق بسرعة وهي تنتظر الرد.
مرت ثواني بدت لها أطول من المعتاد، ثم أخيرًا سمعت صوته.
ذلك الصوت الذي اشتاقت إليه حد الجنون.
شعرت بأن الكلمات تعلق في حلقها للحظة، لكنها حاولت أن تخرج صوتها رغم صعوبته وقالت:
"انا زهقانه وهخرج اتمشى شويه، أنا قلتلك بس علشان تبقى عارف."
ساد صمت في الطرف الآخر لعدة ثواني، صمت جعل قلبها يضطرب أكثر، لكنها لم تتكلم.
ثم جاءها صوته أخيرًا، عميقًا، رجوليًا كما تعرفه:
"اجهزي وانا دقايق هكون عندك."
قفز قلبها بسعادة مفاجئة لم تستطع إخفاءها حتى عن نفسها، فكرة أنها ستراه بعد هذا الغياب جعلت شيئًا دافئًا ينتشر داخل صدرها، لكنها سرعان ما حاولت إخفاء ذلك الشعور.
وقالت بنبرة حادة متعمدة:
"لا متجيش أنا هتمشى لوحدي."
لكن رده جاء سريعًا هذه المرة، حادًا وغاضبًا إلى حد جعلها تنتفض في مكانها:
"جوواهر مش عايز كلام كتير، قلتلك اجهزي على ما اجيلك."
وفجأة، انقطع الخط.
أغلق الهاتف قبل أن يمنحها فرصة لتقول كلمة أخرى.
ظلت تحدق في الهاتف للحظات طويلة، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة حزينة. كانت تدرك في تلك اللحظة حقيقة لا يمكنها إنكارها، أن حب جواد بالنسبة لها أصبح أشبه بإدمان يصعب الشفاء منه. مهما حاولت أن تقنع نفسها بأنها تكرهه، أو بأنها قادرة على الابتعاد عنه، كانت تعود في النهاية إلى نفس النقطة.
إليه.
تنهدت ببطء، ثم نهضت من على فراشها. توجهت إلى خزانتها، اختارت ملابس بسيطة وبدلت ثيابها بهدوء، ثم عقدت شعرها للأعلى بحركة اعتادتها. وقفت أمام المرآة قليلًا، وأخذت تضع بعض الأشياء البسيطة على وجهها محاولة أن تخفي آثار البكاء التي تركتها الأيام الماضية.
لم يمر وقت طويل حتى أعلن هاتفها عن وجود اتصال.
نظرت إلى الشاشة، كان جواد.
اقتربت من الشرفة، وعندما نظرت إلى الأسفل رأته يقف بسيارته هناك ينتظرها. وما إن لمحها حتى أشار بيده إليها كي تنزل.
عادت إلى الداخل، التقطت حقيبة يدها، ثم نزلت إلى الطابق السفلي.
وجدت سميه جالسة عند طاولة الطعام، تبدو شاردة بعض الشيء. اقتربت منها وقالت بهدوء:
"صباح الخير يا ماما."
رفعت سميه رأسها إليها ببطء، وكانت نبرتها مختنقة قليلًا عندما قالت:
"اخيرا نزلتي من اوضك."
نظرت إليها جواهر بحزن واضح، ثم قالت بأسف صادق:
"أنا اسفه يا ماما، بس غصب عني أنا بمر بفترة صعبه اوي، موت بابا خيانة جواد ليا، كتب كتابي اللي كان غصب عني، وخيانته ليا تاني، يعني كل حاجه جايه فوق راسي، ومش قادرة حتى أصلب طولي."
ابتسمت سميه ابتسامة حزينة، ومدت يدها تربت على يد ابنتها بحنان أمومي واضح، وقالت بلطف:
"معلش يا حبيبتي فترة صعبه وهتعدي، هو أختبار من ربنا لينا واحنا لازم نصبر على ابتلاءه."
أومأت جواهر برأسها قائلة بهدوء:
"ونعم بالله يا ماما، هروح انا علشان جواد مستني بره."
خرجت إلى الخارج، وعندما وصلت إلى البوابة رأت جواد ينتظرها داخل السيارة.
وقفت للحظة تنظر إليه باشتياق عميق حاولت إخفاءه، ثم تنهدت بوجع خفيف وتقدمت نحوه، فتحت الباب وصعدت إلى المقعد الأمامي دون أن تتلفظ بكلمة واحدة.
أما هو فالتزم الصمت أيضًا.
أدار السيارة وتحرك بها سريعًا، بينما جلست هي تنظر من خلف زجاج النافذة، تحدق في الشوارع المارة دون أن تراها حقًا، فقد كانت أفكارها غارقة في شيء آخر.
بعد دقائق التفتت إليه وسألته:
"احنا رايحين فين؟"
أجابها وهو يركز عينيه على الطريق قائلاً:
"هنفطر الاول فى أي مطعم."
هزت رأسها بالرفض وقالت:
"مش عايزه اكل."
فقال بنبرة حادة قليلًا:
"مافيش حاجه اسمها مش عايزة اكل، لا انتي ولا انا فطرنا، ناكل الاول وبعد كده اخدك مكان ما انتي عايزة."
عقدت ذراعيها على صدرها بتذمر واضح، وأعادت نظرها إلى النافذة مرة أخرى.
أما هو، فقد ارتسمت ابتسامة سريعة على شفتيه قبل أن يضغط أكثر على مكبح السيارة وينطلق مسرعًا نحو أحد المطاعم.
بعد دقائق توقف عند البوابة، ترجل من السيارة أولًا، ثم تحرك نحو الباب الآخر وفتحه، ومد يده لها في صمت.
نظرت إلى يده بتوتر خفيف، ثم مدت يدها ببطء ووضعتها في يده قبل أن تهبط من السيارة.
دخلا إلى الداخل، وجلسا على مقاعدهما وطلبا ما يريدان.
مرت لحظة صمت قصيرة بينهما، ثم نظر إليها جواد أخيرًا، وكانت عيناه تحملان مزيجًا واضحًا من الحب والاشتياق.
وقال بصوت مختنق:
"عجبك الحالة اللي انتي وصلتي ليها دي؟ فين جواهر المجنونة الطقه اللي كانت تدخل مكان تقلبه عليه واطيه، وحشتني ضحكتك اوي يا جواهر."
تجمعت الدموع في عينيها، وقالت بصوت مختنق:
"وانا كمان وحشتني جواهر دي اوي، بعد موت بابا الدنيا بقت وحشه اوي فى عيوني، الضحكه بتخرج بالعافيه مني، تحس قلبي مات معاه، وانت جيت كملت عليا بخيانتك ليا."
مد يده وأمسك يدها بحنان واضح، ثم قال بنبرة هادئة:
"ما انتي مش مدياني فرصة اخد بأيدك لبر الآمان، اطبطب على قلبك علشان يطيب، أنا عارف والله العظيم أن من حقك تزعلي، بس اديني فرصة اصلح اللي كسرته، أنا عايزك ترجعي زي الاول واحسن كمان، عايز يتقفل علينا باب واحد ونكون عيلة صغيرة ونجيب أطفال حتة مني ومنك، بترجاكي يا جواهر، رجعي ضحكتك ونوري حياتي بيها."
نظرت إليه نظرة طويلة قبل أن تقول بضيق:
"ممكن مهما حصل متغيبش عني؟ علشان انت غلس وبارد ودمك تقيل."
رفع حاجبيه باستغراب وقال بتهكم:
"وده اسمه ايه ده أن شاءالله؟"
نظرت إلى الاتجاه الآخر وقالت بضيق:
"سمي زي ما تسمي، بس أياك تغيب عني مهما حصل، زي ما عملت كده."
تعالت ضحكات جواد الرجولية، وأرجع ظهره إلى الخلف وهو يهز رأسه بعدم تصديق، وقال:
"مجنونة والله العظيم، طيب دلوقتي انتي زعلانه مني؟ ولا سمحتيني خلاص؟"
نظرت إليه بضيق وقالت:
"أنا ولا سمحتك ولا نيلة وبكرهك اوي كمان."
ضرب بيده فوق بعض وقال:
"يخربيت الهرمونات المجنونة دي، بس أعمل ايه بعشق امك."
نظرت إليه بابتسامة خفيفة، ثم حولت نظرها إلى الاتجاه الآخر حتى لا يلاحظها.
وفي داخلها، كانت قد اتخذت قرارًا صامتًا.
أن تستعيد جواهر القديمة، تلك الفتاة التي كانت تملأ المكان بالحياة والضجيج، وأن تلقي بكل ما يعكر صفو حياتها خلف ظهرها، حتى وإن كان ذلك يعني أن تتظاهر بالقوة إلى أن تعود قوتها الحقيقية من جديد.
     **************************
عند رنيم...
جلست رنيم خلف مكتبها الواسع في مكتبها بالشركة، ظهرها مستقيم وعيناها مثبتتان على الأوراق المبعثرة أمامها، تحاول أن تبدو قوية ومتماسكة كما اعتاد الجميع أن يروها دائمًا. كانت تتصفح الملفات بعناية، تقلب الصفحات واحدة تلو الأخرى، تراجع الأرقام والعقود والاتفاقيات، وكأنها تحارب معركة صامتة مع تلك المشكلة التي أصبحت تثقل كاهلها وحدها. فمنذ أن ابتعدت سمية وجواهر عن العمل، وجدت نفسها فجأة في مواجهة كل شيء؛ المسؤوليات الثقيلة، مطالب الموظفين، وضغط الشركاء الذين لم يتوقفوا عن المطالبة بدفع الشرط الجزائي.
أرجعت ظهرها إلى الخلف قليلًا، وأسندت رأسها على مسند المقعد الجلدي، ثم أطلقت زفرة طويلة محملة بالضيق والإرهاق. أخذت تضرب بطرف القلم على ذراع المقعد ببطء متوتر، بينما بدأت تدفع المقعد يمينًا ويسارًا في حركة لا إرادية، وكأنها تحاول أن تهرب من أفكارها المتزاحمة داخل رأسها.
لكن، دون سابق إنذار، تسلل إلى ذهنها وجه شاهين.
توقفت الحركة فجأة، كأن أحدهم ضغط زر التجميد داخلها. تسارعت دقات قلبها بشكل واضح، حتى شعرت بها تضرب صدرها بقوة، وكأن قلبها نفسه يعلن التمرد على كل مواقفها الصارمه تجاهه.
اتسعت عيناها قليلًا، وبدأت تهز رأسها بعصبية واضحة، تحاول أن تطرد صورته من تفكيرها، وكأنها تخوض حربًا شرسة مع شعور لم تسمح لنفسها حتى بالاعتراف بوجوده.
لكنها توقفت فجأة، وخرج صوتها خافتًا، بالكاد يسمع:
"لا مستحيل ده يحصل، ده لا، لااا."
وضعت يدها فوق وجهها، تضغط على جبهتها وعينيها بقوة، وكأنها تحاول أن تسيطر على تلك المشاعر المتأججة داخلها، مشاعر لم تكن مستعدة للاعتراف بها، ولا حتى لمواجهتها.
وفي تلك اللحظة تحديدًا، وصل إلى أذنها صوت تعرفه جيدًا، صوت محفور في أعماق روحها قبل ذاكرتها.
أبعدت يدها سريعًا عن وجهها، ورفعت رأسها.
كان يقف أمامها، سلطان.
تجمدت في مكانها للحظة، ثم بدأت الدموع تنهمر من عينيها بغزارة، وكأن سدًا كاملاً انهار دفعة واحدة. نهضت من مقعدها ببطء، تتحرك نحوه بخطوات مترددة، وعيناها لا تفارقانه، وكأنها تخشى أن يختفي إن رمشت.
توقفت أمامه، وصوتها يرتجف:
"ب بابا! انت موجود بجد؟"
ابتسم لها ابتسامته الحنونة التي كانت دائمًا ملجأها، وقال بنبرة دافئة مليئة بالحب:
"اعتبريني موجود بجد، أنا جنبك على طول يا قلب بابا، مش عايزك تضعفي ولا تنكسري، افتكري دايما انتي بنت مين."
ارتفعت شهقاتها، وصارت كلماتها تخرج بصعوبة بين بكائها:
"أنا محتاجلك اوي يا بابا، الدنيا صعبه اوي من غيرك، أنا تايهه ومش عارفه اعمل ايه، خدني معاك يا بابا ارجوك."
ظل يبتسم لها بحنان الأب الذي لم يفارقها يومًا، ثم قال بهدوء:
"انتي لسه قدامك العمر طويل، لو محتاجاني بجد، خليكي مع ترنيم هي اكتر حد هيقف جنبك وهيخاف عليكي."
هزت رأسها بسرعة ورفض واضح يملأ ملامحها وقالت:
"لا، دي لا، انا عندي أروح اتذلل لشاهين، ولا أن اروح ليها واطلب مساعدتها."
تغيرت ملامح وجهه قليلًا، وكأن الحزن تسلل إليها، ثم قال بصوت مختنق:
"لو بتحبيني بجد حبي ترنيم، هي أنا، كانت قلب ابوكي من جوة وهي أمن واحده عليكي."
وضعت يدها فوق وجهها مرة أخرى، تهز رأسها بعناد واضح وهي تقول:
"لا كله الا الست دي، أنا بكرهها بكرهها."
كانت تكرر الكلمة بصوت مرتفع، حتى تحولت إلى صراخ يكاد يمزق صدرها.
"بكرهها!"
وفجأة شعرت بيد توضع على كتفها.
انتفضت في مكانها والتفتت بسرعة.
كانت جواهر.
وقبل أن تقول أي شيء، نهضت رنيم بسرعة وارتمت داخل أحضانها بقوة، تشبثت بها وكأنها تتمسك بشيء ينقذها من الغرق، وبدأت تبكي بحرقة.
ربتت جواهر على ظهرها بحنان واضح وقالت بقلق:
"مالك يا حبيبتي بتعيطي ليه؟"
خرج صوت رنيم مختنقًا بالبكاء:
"بابا بيطلب مني احبها، طيب ازاي؟ دي اكتر حد كرهته فى حياتي."
ابتعدت جواهر عنها قليلًا، تنظر إليها بدهشة وعدم فهم وقالت:
"بابا! انتي بتقولي ايه يا رنيم؟ خالو سلطان الله يرحمه مات، ومين دي اللي عايزك تحبيها؟"
نظرت رنيم حولها بسرعة وكأنها تبحث عنه، ثم قالت بين شهقاتها:
"بابا كان هنا صدقيني، وطلب مني أحب اللي اسمها ترنيم دي، صدقيني يا جواهر."
شعرت جواهر بانقباض في قلبها وهي ترى حالتها، وقالت بحزن وقلق واضح:
"رنيم انتي حالتك دي ميتسكتش عليها، انتي لازم تروحي دكتور نفسي."
مررت رنيم يدها المرتعشة في شعرها، وقالت بصوت متقطع:
"أنا مش مجنونة يا جواهر، ممكن بس من ضغط الشغل واحتياجي لبابا، اتخيلتوا مش حكايه يعني."
ثم عادت وجلست على مقعدها مرة أخرى، وأخذت نفسًا عميقًا وكأنها تحاول استعادة تماسكها، قبل أن تقول بنبرة حادة تخفي بها ضعفها:
"غريبه يعني اتكرمتي النهارده علينا ونزلتي الشركه."
نظرت لها جواهر بضيق، ثم جلست على المقعد المقابل وقالت:
"انا قررت ارجع لشغل تاني، هرجع لحياتي القديمة، الضعف والحزن مش لايقين عليا."
رفعت رنيم حاجبيها وقالت بتهكم:
"هي بلوزه مش لايقه عليكي؟ وبعدين ايه اللي حصل، خلاص قررتي تنسي اللي عمله عم الحبيب وخيانته ليكي وتديله فرصه يخونك مرة واتنين وتلاته؟"
ابتسمت جواهر ابتسامة خفيفة مشوبة بالضيق وقالت:
"اه قررت اسامحه واديله فرصه تانيه، عارفة ليه؟ علشان اكتشفت أن حياتي كلها واقفه على نظرة واحده منه، أن حياتي كلها متلخصه عليه هو وبس، جواد هو الدوا بتاعي، هو النفس اللي بتنفسه، بعده معناه موتي، جربت ومقدرتش ولا هقدر، فهمتي بقى ليه قررت أسامحه واديله فرصه؟"
هزت رنيم رأسها بعدم اقتناع وقالت:
"لو كان حبك ربع الحب اللي بتحبي ليه، مكانش قدر يخونك ولا يعذبك بالشكل ده."
استقامت جواهر في جلستها، وابتسمت بهدوء وقالت:
"مهما قلتلك مش هتقدري تفهمي كلامي ولا تحسي بي، لما تحبي بس وقتها هتفهمي معني كلامي ده."
وفي تلك اللحظة تحديدًا، ظهرت صورة شاهين فجأة أمام عيني رنيم.
اهتزت ملامحها قليلًا، فهزت رأسها بسرعة وكأنها تطرد تلك الفكرة من رأسها وقالت:
"بعد الشر ربنا ما يكتبها عليا."
ابتسمت جواهر ابتسامة خفيفة على كلماتها وقالت بمكر لطيف:
"لما نشوف، عيونك بتقول كلام غير ده خالص."
ثم نهضت من مكانها وتركت المكتب بهدوء.
أما رنيم فظلت تنظر إلى الباب الذي خرجت منه جواهر بملامح متجهمة، ثم أعادت نظرها إلى الأوراق أمامها، تحاول أن تعود إلى العمل مرة أخرى، لكن داخلها كان يعج بأسئلة ومشاعر لم تعد قادرة على تجاهلها.
      **************************
في الشركة...
وصل جواد إلى الشركة على غير عادته؛ خطواته كانت سريعة متلاحقة، وأنفاسه متقطعة وكأنه كان يركض طوال الطريق. كان القلق ينهش صدره، والفكرة التي سمعها عبر الهاتف ما زالت تضرب رأسه بقسوة، حتى كاد يشعر أن الجدران تضيق عليه. لم يتوقف ليسأل أحدًا أو يلقي التحية المعتادة، بل اندفع مباشرة نحو مكتب والده.
فتح الباب سريعًا ودخل.
كان غريب يجلس خلف مكتبه، غارقًا في بعض الملفات، عاقد الحاجبين في تركيز واضح. رفع رأسه فور إحساسه بدخول جواد، ليجده يقف أمامه بأنفاس لاهثة ووجه متوتر.
جلس جواد على المقعد المقابل بسرعة، وما زال صدره يعلو ويهبط بعنف، ثم قال وهو يحاول التقاط أنفاسه:
"رقيه اتقتلت يا بابا."
كأن الكلمات سقطت كالصاعقة داخل المكتب.
اتسعت عينا غريب بذهول شديد، واعتدل في جلسته فورًا، كأن جسده كله انتفض مع وقع الخبر، وقال بعدم تصديق واضح:
"اتقتلت!! ازاي وامتى؟"
ابتلع جواد ريقه بصعوبة، ثم قال وهو يحاول ترتيب أفكاره المتبعثرة:
"معرفش لسه، أنا كنت مع جواهر بخرجها شويه علشان مضايقه، وبعد ما خلصنا اكل جاتلي مكالمة بيقولي أن رقيه لاقوها مقتولة فى شقتها، والشرطه دلوقتي فى المكان بتعاين الجريمة."
ساد الصمت للحظة ثقيلة.
أطلق غريب زفرة طويلة محملة بالضيق والارتباك، ثم قال بصوت مختنق، وكأنه يحدث نفسه بقدر ما يحدث ابنه:
"مستحيل تكون خالتها هي اللي قتلتها، فيه حاجه مش مفهومه، واهو الخيط اللي كان هيوصلنا لمريم دي اتقتلت، وحتى صورتها معرفتش توصل ليها."
كان واضحًا أن عقله يعمل بسرعة، يحاول جمع الخيوط المبعثرة، لكن كل شيء كان يقوده إلى طريق مسدود.
أجاب جواد وهو يشرح ما وصل إليه حتى الآن:
"حاولت اوصل لصورتها بس مكانش معاها أي صورة ليها على الفون ولا فى الشقه، كأن مريم دي اخدا احتياطاتها كلها علشان محدش يعرف يوصلها."
انعقدت ملامح غريب أكثر، ومد يده ليدعك مقدمة رأسه بأصابعه في توتر واضح، ثم قال وهو يهز رأسه بعدم تصديق:
"مستحيل تكون هي، مع أن كل حاجة بتأكد أنها هي، أفعالها الشيطانيه، جرايمها، تخطيطتها، كل ده بيقول أنها مريم."
كان صوته يحمل صراعًا حقيقيًا بين عقله وقلبه؛ بين ما تقوله الأدلة، وما يرفض أن يصدقه داخله.
وفجأة رفع رأسه، وكأن فكرة خطرت له للتو، ونظر إلى جواد مباشرة وقال:
"بس فى ايدينا فرصه نعرف منها مين هي."
انتبه جواد فورًا، وانعقدت ملامحه في اهتمام شديد وهو يقول:
"أيه هي يا بابا؟"
نهض غريب من مقعده ببطء، وتحرك خطوة أو خطوتين داخل المكتب، ثم قال بصوت هادئ لكنه حاسم:
"معلومات رقيه كلها عندنا فى الملف بتاعها، نقدر نعرف من خلال اسم امها فى شهادة ميلادها، لو عرفنا اسم امها الرباعي، نقدر نتاكد إذا كانت هي مريم اللي اعرفها ولا مريم واحده تانيه."
ساد صمت قصير، قبل أن تلمع الفكرة في عيني جواد.
أومأ برأسه فورًا وقال بثقة:
"دي سهله جدا، حالا هروح اجيب الملف بتاعها وأشوف اسم امها ايه."
لم ينتظر ردًا، بل استقام بجسده فورًا، واتجه نحو الباب بخطوات سريعة، فتحه وخرج منه مسرعًا وكأن كل ثانية أصبحت ثمينة الآن.
بقي غريب وحده داخل المكتب.
ظل واقفًا للحظات، ينظر نحو الباب الذي خرج منه ابنه، وملامحه مشدودة بالقلق. كان داخله دعاء صامت يتكرر بلا توقف، دعاء بأن يكون كل هذا مجرد تشابه أسماء، وأن تكون تلك المرأة شخصًا آخر.
لأن إن كانت هي فعلًا، فهذا يعني أن الشيطان عاد من جديد.
   ****************************
عند شاهين…
جلس شاهين على مقعده في هدوء ظاهري يخفي خلفه اضطرابًا لا يهدأ، وقد استسلم لدوامة من الأفكار التي أخذت تهاجمه بلا رحمة. كان صدى كلمات مريم ما يزال يتردد في أعماقه بإلحاح مزعج، كأنها لم تلقها منذ قليل فحسب، بل كأنها انغرست في عقله واستقرت هناك، ترفض المغادرة مهما حاول تجاهلها. أغمض عينيه للحظة، وكأن في إطباق جفنيه محاولة يائسة لإسكات ذلك الصوت الداخلي الذي يلح عليه بالحقيقة.
كان يعلم جيدًا، في أعماقه التي يحاول جاهدًا دفنها، أن مريم كانت محقة فيما قالته، وأن كلماتها لم تكن سوى انعكاس صادق لواقع يحاول الهروب منه. غير أن الاعتراف بتلك الحقيقة بدا له أشبه بالاستسلام لهزيمة لم يكن مستعدًا لتقبلها بعد. لذلك تمسك بالفكرة التي ظل يكررها في داخله بإصرار، وكأنها درع يحتمي به من مواجهة نفسه، رنيم ليست سوى أداة للانتقام، لا أكثر ولا أقل.
هكذا ظل يردد في أعماقه، محاولًا إقناع نفسه بتلك الفكرة حتى تكاد تتحول إلى حقيقة مطلقة في عقله، رغم أن شيئًا خفيًا داخله كان يقاوم ذلك الادعاء بصمت مؤلم.
مد يده ببطء نحو هاتفه الموضوع أمامه، والتقطه بحركة حازمة، وكأنه يحاول من خلال الأفعال العملية أن يخنق ذلك التردد الذي بدأ يتسلل إلى قلبه. شرع يجري عدة اتصالات متتالية، صوته خلالها كان باردًا حاسمًا لا يترك مجالًا للنقاش، يطالبهم جميعًا بعدم الانصياع لكلمات رنيم مهما حدث، وأن يتقدموا بأوراقهم إلى الشرطة حتى يتم محاسبتها رسميًا، وكأنه يرسم لها طريقًا لا مفر منه يقودها في النهاية إليه، لتضطر إلى اللجوء له، حين تضيق بها كل السبل.
وحين انتهى من مكالماته، أنزل الهاتف ببطء على سطح المكتب، ثم أرخى جسده إلى الخلف مستندًا إلى ظهر المقعد، وزفر زفرة طويلة بدت كأنها تحمل في طياتها ثقلًا خفيًا. للحظة قصيرة سمح لنفسه أن يصغي إلى ذلك الألم الصامت الذي انبعث من أعماقه. كان قلبه يؤلمه بوضوح لما فعله بها، إحساس خفي بالذنب تسلل إلى داخله رغم كل محاولاته لإنكاره، كأن جزءًا منه يرفض الاعتراف بأن ما يفعله ليس سوى انتقام أعمى.
لكن عقله، بعناد قاسي، عاد ليحاصره بالحجج والتبريرات، يقنعه مرة أخرى بأنه محق تمامًا فيما فعل، وأن ما يجري ليس إلا عدلًا متأخرًا، وأن رنيم لم تكن يومًا سوى وسيلة لتحقيق غاية أكبر.
تنهد شاهين بصمت، ثم اعتدل قليلًا في جلسته وبدأ يتابع عمله، يقلب الأوراق أمامه ويغوص في تفاصيل الملفات وكأنه يحاول أن يدفن نفسه في العمل حتى لا يواجه تلك الفوضى التي تعصف داخله. ومع ذلك، لم يكن تركيزه كما ينبغي؛ فكل سطر يقرأه كان يتلاشى سريعًا أمام عينيه، وكل فكرة يحاول الإمساك بها تتبدد قبل أن تكتمل.
ففي أعماقه كانت تدور معركة خفية لا تهدأ، معركة بين قلب يرفض القسوة التي فرضها عليه، وعقل يصر على أن ما يفعله هو الطريق الوحيد الذي لا بد منه.
وكان شاهين، وسط تلك الحرب الصامتة، عاجزًا عن معرفة أيهما سينتصر في النهاية.
        *************************
عند جواد…
في ذلك الوقت، كان جواد يقف داخل مكتبه محاطًا بصمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت الأوراق وهي تتحرك بين يديه. بدا عليه التركيز الشديد وهو ينقب بين الملفات بعينين متحفزتين، كأنما يبحث عن خيط خفي يقوده إلى حقيقة طال انتظارها. كانت ملامحه مشدودة، وجبينه معقودًا في صمت عميق، بينما عقله يعمل بلا توقف، يقلب الاحتمالات ويحاول الربط بين الأحداث التي بدأت تتشابك بصورة مقلقة.
بدأ عملية البحث عن ملف رقية، مستغرقًا في التفتيش بين السجلات والوثائق بدقة واضحة. مرت عدة دقائق وهو على هذا الحال، حتى لمح أخيرًا الملف الذي يبحث عنه. توقف لحظة قصيرة، ثم مد يده إليه ببطء، وكأن شعورًا غامضًا داخله يخبره أن ما يحتويه هذا الملف لن يكون عاديًا.
جلس على المقعد، ووضع الملف أمامه، ثم فتحه بعناية وبدأ يقرأ معلوماتها باهتمام شديد. كانت عيناه تنتقلان بين السطور بتركيز، يلتقط كل تفصيلة صغيرة وكأنها قد تحمل إجابة لسؤال لم يطرح بعد. ومع تقدمه في القراءة، ازداد توتره تدريجيًا، حتى وصل إلى اسم الأم الرباعي. عندها توقف للحظة، كأن الزمن قد تباطأ حوله. أعاد قراءة الاسم مرة أخرى، ثم حفظه جيدًا في ذاكرته قبل أن ينهض من مكانه على الفور.
أغلق الملف، وأخذه معه متجهًا نحو مكتب والده. كانت خطواته سريعة لكنها مدروسة، بينما عقله ما يزال مشغولًا بذلك الاسم الذي أثار داخله شكًا غريبًا.
دلف إلى المكتب حيث كان غريب يجلس، ثم وضع الملف أمامه وقال:
"ده ملف رقيه يا بابا، شوف كده نفس اسم مريم اللي تعرفها."
نظر غريب إلى الملف سريعًا، ثم فتحه على الفور. بدأت عيناه تتحركان بين الصفحات بقلق واضح، وكأنه يبحث عن شيء محدد يخشى أن يجده في الوقت ذاته. لم تمضي سوى لحظات حتى وقعت عيناه على اسم الوالدة.
في تلك اللحظة تحديدًا، تجمد مكانه تمامًا.
اتسعت عيناه بصدمة حقيقية، وتصلبت ملامحه كأن صاعقة أصابته فجأة. كان الاسم واضحًا أمامه، لا يقبل التأويل ولا الشك، ومع ذلك بدا عقله وكأنه يرفض تصديقه.
رفع رأسه ببطء شديد، وصوته خرج مثقلًا بالذهول وعدم التصديق وهو يقول:
"طيب ازاي؟ ده انا قتلها بسلاحي، ازاي عايشه؟ وكانت فين طول السنين دي؟"
كانت كلماته كفيلة بأن تثير عاصفة أخرى داخل جواد. اتسعت عيناه بصدمة واضحة عندما تأكد أن الشك الذي تسلل إليه لم يكن وهمًا. شعر بأن الأمور بدأت تتخذ منحنى أخطر مما توقع.
تكلم بغضب وقال:
"يعني طلعت هي يا بابا؟"
رفع غريب عينيه نحوه ببطء، وكانت ملامحه مشدودة بضيق واضح. أومأ برأسه في إقرار ثقيل وقال:
"هي يا جواد، ومعنى أنها لسه عايشه وبتخطط ليكم، يبقى الايام الجايه مش هتكون بخير، مريم ناوية تظهر لما تدمر الكل، والله أعلم هي ناويه على أيه وبتخطط لايه بالظبط."
ساد صمت قصير داخل المكتب، لكنه كان مشحونًا بقلق ثقيل. زفر جواد بضيق واضح، وكأن صدره امتلأ بغضب لم يجد له مخرجًا، ثم قال بنبرة حادة:
"يبقى لازم نحمي الحريم كويس يا بابا، ماما ورنيم وجواهر وخالتو سمية وأروى اختي، دول هيبقوا الهدف السهل ليهم، أما احنا نقدر نحمي نفسنا كويس."
حرك غريب رأسه بالموافقة وهو يستوعب كلامه، فقد بدت الفكرة منطقية في ظل الخطر الذي بدأ يتشكل حولهم. قال بجدية واضحة:
"عندك حق ده اللي لازم يحصل، الفترة الجايه هنعين عليهم حراسه مشددة، محدش فيهم هيخرج غير ومعاه حراسة."
لكن جواد لم يبد مطمئنًا تمامًا، بل رد عليه بنفاذ صبر واضح:
"تمام وكل حاجة، بس فيه مشكله! رنيم استحالة تقبل بالكلام ده لأنها عنيدة اوي وأي حاجة من طرافنا بترفضها."
عند ذكر اسم رنيم، ضاقت عينا غريب قليلًا، ثم تكلم بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش:
"تقبل غصب عنها، هي هتكون اول المستهدفين، لأنها عارفه انها لوحدها دلوقتي، احميها بالغصب يا جواد."
أومأ جواد برأسه في استسلام للأمر الواقع وقال:
"حاضر يا بابا، دي هتكون مهمة جواهر بقى، بس لازم نلاقي حجة نقولها ليهم، علشان انت عارف الستات مش بيهدوا غير لما يعرفوا الحقيقه."
لم يمضي وقت طويل بعد ذلك، حتى قطع الحديث فجأة بصوت طرقات على الباب. التفت الاثنان نحوه في آنٍ واحد، وقد انعقدت ملامحهما في تساؤل واضح. لحظات قليلة قبل أن يفتح الباب ويدخل السكرتير بخطوات مترددة.
بدا القلق جليًا في صوته وهو يقول:
"الشرطة بره وعايزة جواد باشا."
تبادل الأب والابن نظرة سريعة مليئة بعدم الفهم، ثم أمر غريب بدخولهم.
لم تمر سوى لحظات حتى دخل الضباط إلى المكتب بخطوات رسمية صارمة، واتجهوا مباشرة نحو الداخل. وقف أحدهم أمام غريب وقال بلهجة واضحة:
"غريب باشا، مطلوب القبض على جواد باشا بتهمة القتل."
نهض غريب من مكانه فورًا، وقد بدت الصدمة واضحة على وجهه، وتكلم بعدم فهم:
"قتل مين؟"
أجابه الضابط بتوضيح:
"قتل رقيه الاباصيري."
اتسعت عينا جواد بصدمة كبيرة، وشعر كأن الكلمات سقطت فوق رأسه فجأة دون مقدمات. التفت بسرعة نحو والده بتوتر واضح، محاولًا استيعاب ما سمعه للتو.
لكن قبل أن يتمكن من ترتيب أفكاره، كان أحد رجال الشرطة قد أمسك بيده بالفعل، واقترب ليضع الأصفاد الحديدية.
وفي تلك اللحظة، وقبل أن تكتمل الحركة، تكلم غريب بغضب…


تعليقات